تعديل

Facebook

‏إظهار الرسائل ذات التسميات مقالات و دراسات عن الكاتب. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات مقالات و دراسات عن الكاتب. إظهار كافة الرسائل

السبت، 29 نوفمبر 2025

كوميديا السيد حافظ بين سخرية اللاوعي والانتقاد الاجتماعي

 كوميديا السيد حافظ

بين سخرية اللاوعي والانتقاد الاجتماعي



دراسة بقلم:

 أحمد محمد الشريف


(نشرت هذه الدراسة في مجلة المسرح- عدد نوفمبر 2024)

لطالما كانت الكوميديا وسيلة قوية للتعبير عن الذات والمجتمع، فهي لا تقتصر على إضحاك الجمهور بل تتعدى ذلك لتصل إلى أعماق الوجدان وتثير التفكير. وقد استطاع العديد من الكتاب المسرحيين استغلال هذه القوة للتعبير عن آرائهم وانتقاداتهم بطريقة مبتكرة ومؤثرة. ومن بين هؤلاء الكتاب برز "السيد حافظ" الذي استطاع أن يحفر لنفسه مكانة خاصة في عالم الكوميديا العربية. فبعد تجربة ناجحة في المسرح التجريبي، اتجه حافظ إلى الكوميديا، مستغلاً أدواتها للتعبير عن هموم ومشكلات المجتمع المصري بطريقة ساخرة ومباشرة, فمن خلال الضحك والسخرية، تمكن الكاتب من إيصال رسائله النقدية والاجتماعية إلى الجمهور بطريقة أكثر فعالية. فالكوميديا في مسرحيات "السيد حافظ" ليست مجرد وسيلة للترفيه، بل هي أداة للتفكير والتأمل.

      إن دخول "السيد حافظ" عالم الكوميديا في المسرح لم يكن جديدا عليه. فقد كتب كوميديته الأولى "حكاية الفلاح عبد المطيع" بعد فترة البدايات مباشرة في مرحلة النضوج الفني والفكري, متخذا لونا من الكتابة يقف في جزيرة وسطية بين الكوميديا السوداء وبين الاستلهام من التراث وبين التجريب في الشكل المسرحي. ووضع كل هذا في النهاية في بوتقة المسرح السياسي وبمعنى أصح إن مسرحية "حكاية الفلاح عبد المطيع" تنتمي إلى المسرح التحريضي. وقد صنع فيها "السيد حافظ" الكوميديا من المفارقة المأساوية التي تحدث للمواطن الفقير المغلوب على أمره نتيجة ظلم الحاكم وبالتالي تنتمي الكوميديا هنا إلى الكوميديا السوداء. وهي عادة ليس الغرض منها الإضحاك وإنما تعتمد على السخرية والتهكم سواء من الذات أو من الوضع القائم أو من أحداث جارية أو من سلطة أعلى وذلك بغرض الانتقاد وتصحيح الوضع والوصول إلى مرتبة أو درجة أعلى لتحقيق العدل أو ضبط سلوك الشخصية المستهدفة أو تحقيق التوازن النفسي للشخص المتهكم بالتنفيس عن الكبت والقهر الذي يواجهه حتى لو لم يؤدي إلى نتيجة إيجابية فعلية.

وسوف نستعرض هنا بعض السمات والملامح العامة للمسرحيات الكوميدية لدى "السيد حافظ" من حيث أولا انتمائها للكوميديا السوداء, وتناول الشخصيات ثانيا, ثم اللغة الحوارية المستخدمة, وأخيرا توظيف التراث والأحداث التاريخية.

    انتهج "السيد حافظ" النهج المأسوي في الكوميديا في عدة أعمال بداية بـ "حكاية الفلاح عبد المطيع" مرورا بمسرحيات "وسام من الرئيس", و"ملك الزبالة", و"حرب الملوخية" وغيرهم. والكوميديا السوداء هيّ نوع من الكوميديا والهجاء، مواضيعها غالبا هي مواضيع محرم الخوض فيها، ويتم تناولها بشكل فكاهي أو ساخر مع الجدية في الموضوع. ومواضيع الكوميديا السوداء تتضمن مواضيع الموت, والانتحار, والحرب, والإرهاب, والعنف, والجريمة, والمخدرات, والخيانة الزوجية, والجنون, والعنصرية, والقهر المجتمعي, وبطش الحكام, والديكتاتورية، إضافة إلى الجنس وما شابه. فكلها مواضيع جادة قاتمة، ويعتمد كتاب السيناريو على أن يجعلوا هناك كوميديا في الموضوع ولكن من خلال الألم، بمعني أنها تعتمد على الشيء الذي يؤلمك وتدفعك للضحك، لذلك فهي كوميديا ليست بالسهلة وتحتاج إلى خبرة كبيرة في الكتابة وثقافة عالية ووعي تام بقضايا الوطن والقضايا الجادة الشائكة إضافة إلى التمتع بروح التهكم والسخرية.

ففي مسرحية "حكاية الفلاح عبد المطيع" تناول "السيد حافظ" فكرة القهر والظلم وديكتاتورية الحاكم التي تكبل الشعب من خلال مفارقة ساخرة لعبد المطيع بطل المسرحية الذي يتم القبض عليه وسجنه ولأنه يرتدي اللون الأبيض دون أن يدرك أن الحاكم قنصوة الغوري قد أصدر فرمانا بمنع ارتداء أي شخص اللون الأبيض لأنه يعاني من مرض في عينيه ونصحه الأطباء بعدم رؤية اللون الأبيض حتى يشفى. فهنا يوضح الكاتب تسخير الحاكم الظالم كل مقدرات الوطن وإخضاع حياة كل المواطنين من أجل مصلحته الخاصة. وذلك من خلال مفارقة ساخرة تحدث لشخصية تتسم بالنقاء والطيبة وحتى تحدث تلك المفارقة كان لابد من إلصاق شيء من السذاجة لصنع الموقف الكوميدي. ثم يتكرر الموقف مرة أخرى حين تشفى عين السلطان ويحرم على المواطنين ارتداء اللون الأسود لكن عبد المطيع قد ارتداه مع عدم علمه بالفرمان ويقبض عليه مرة أخرى. فالمعنى يؤكد على تلاعب الحاكم بحياة المواطنين كما يشاء وممارسة التسلط دون مراعاة لظروفهم وأحوالهم. والكوميديا هنا قد نبعت من رحم الجدية بغرض النقد وتصحيح الأوضاع مع الإسقاط على العصر الحالي من خلال السخرية والتهكم التي وصلت إلى أقصاها عندما علم السلطان بحكاية عبد المطيع فيقرر تعيينه قاضي القضاة لكن عبد المطيع يرفض قائلا إنه يريد أن يكون من العراة ويضحكون بينما هو يبكى.

يذكر الناقد "عبد الله هاشم" أن "السيد حافظ" يقدم لنا شخصية عادية تمثل أغلبية - مقهورة مطيعة وموقفاً كوميديا من الدرجة الأولى ينطبق عليه ما ذكرناه سلفاً عن رسالة الكوميديا، ويتساءل هاشم هل لابد للكاتب الثوري الملتزم أن يقدم لنا شخصياته ثورية رافضه للواقع التي تعيشه وتموت في سبيل مبادئها؟! ويرى أن الفن هو الذى يحرك فينا كمشاهدين وقراء السؤال. وقد نجح "السيد حافظ" في إلقاء هذا السؤال، وعلينا نحن البحث عن إجابة وهى رسالة المسرح الجديد، والسيد يقدم شخصية عبد المطيع بكل سلبياتها وقهرها ولؤمها حتى يستطيع أن يدرك لنا أن نجيب أو نشاركه في سؤاله عن عبد المطيع ولماذا هو مطيع وعلينا نحن أن نشاركه في البحث عن إجابة.

تستمد كوميديا "السيد حافظ" روح السخرية من الأجزاء المأساوية، فتتعامل مع الجوانب السلبية للحياة بروح الفكاهة الصادمة وغير المتوقعة. وقد استطاعت الكوميديا التعبير عن الواقع الاجتماعي ، نقدا أو كشفا وفضحا له. وهي تتميز عادةً بالجرأة والفكاهة، وتركز بعض على كوميديا الموقف. وعن العوامل الدرامية المؤدية للكوميديا الساخرة في مسرحيات "السيد حافظ" يوضح د. كمال الدين عيد في حديثه عن مسرحية "ملك الزبالة" أن دراما "السيد حافظ" مليئة بعناصر المسرح الطبيعي من صراع، وقمامة، ورائحة فاسدة عفنة، طبعاً الى جانب العناصر الدرامية الأخرى، ويلاحظ سخرية "السيد حافظ" من الطبقة الحاكمة التي تمثل العسكر، شهبندر التجار، الأعيان، والأمراء، ولاحظ التسلسل الذى يلجأ اليه الكاتب. فهو ينبئ عن انحيازه الى جانب الغلابة وزبالي المسرحية. والجميل أن هذه السخرية هي مكمن الكوميديا. وهى على الصورة تصبح كوميديا نظيفة تماماً. نابعة من صراع كامن، ومستمر ومتصل بين طرفي النزاع الدرامي فى النص المسرحي الجميل.

أما د. مصطفى رمضاني فيتحدث عن الجروتسيك في مؤلفات "السيد حافظ" قائلا " أن من أبرز ما يميز كتابات "السيد حافظ" المسرحية، ولا سيما المتأخرة منها، حضور الغروتيسك، أو ما نسميه بالكوميديا السوداء. وأنه استعان بالنكتة والشيطنة والشطارية للتعبير عن المأساة في إطار يجعل البكاء ضحكا، والضحك بكاء. أولا يقول المثل الشعبي : "إن كثرة الهم تضحك"؟.

كذلك فعل "السيد حافظ" في كوميدياته السوداء. وهي كوميديات ذات وظيفة مزدوجة: بناء الوعي، وإمتاع الروح. فهي من جهة تساهم في بناء الوعي بقضايانا ومشاكلنا المأساوية. ومن جهة ثانية تمتعنا بما توفره الصياغة من مرح وخفة وترويح يجعل المتلقي يواجه المأساة بتفاؤل. ويوضح رمضاني أنه يعالج موضوعات تعكس قيما إنسانية كبرى مثل الحرية، والديمقراطية، والعدالة، وحرية التعبير وما إلى ذلك؛ فيتوسل بالسخرية والكوميك الصادم، وتتحول الشخصيات والأحداث مجرد أقنعة تخفي وراءها فظاعة الواقع وهشاشته".

فإذا كانت الكوميديا السوداء لدى "السيد حافظ" قد انتقدت في المقام الأول الأوضاع المجتمعية وعلى الأخص السياسية فنحن هنا أمام مسرح سياسي بالدرجة الأولى وهذا ما اعتاد على كتابته "السيد حافظ", بل إنه لم يترك نصا أيا كان لونه إلا وقد تناوله بمنظور سياسي حتى نصوص مسرح الطفل, فهو كاتب سياسي بالدرجة الأولى ومسرحه دائما مسرح سياسي. وهذا بالطبع لابد ان ينطبع على شخصياته الدرامية لاسيما شخصية البطل الذي يختلف في كل مسرحية عن الأخرى من حيث أبعاده النفسية والاجتماعية والفيزيقية, إلا أنه غالبا ما يتمتع بالروح الثورية ومن هنا نجد أن ابطال "السيد حافظ" في أغلب مسرحياته تجمعهم سمات موحدة بغض النظر عن اختلاف الأبعاد الثلاث الأساسية, سواء اكانت تلك الروح الثورية ذات فعل إيجابي أو سلبي, فقد يكون البطل ثوريا فاعلا إيجابيا يتجه دائما نحو المبادرة بالفعل ويحاول التغيير بقدر المستطاع ويتسم بالحيوية الفاعلة, في حين أنه أحيانا أخرى يكون سلبيا رغم الرفض والاعتراض بداخله إلا أنه عاجز عن الفعل وإحداث التغيير إما لنقص ما في شخصيته أو نتيجة للإحباط الذي يتملكه والنظرة التشاؤمية تجاه النتائج المرجوة من التغيير الذي لن يحدث أبدا من وجهة نظرة. وعلى هذا استخدم "السيد حافظ" تلك الروح الثورية في شخوصه لابتكار المواقف الكوميدية بإظهار التناقض بين الفعل والقول او بين الفعل ورد الفعل المواجه مما يبرز المفارقة المضحكة المنشودة.

يشير الدكتور كمال الدين عيد إلى أن شخصية 'فاضل' في مسرحية "وسام من الرئيس" للسيد حافظ هي تجسيد حي للفضيلة الضائعة في عالم مليء بالتناقضات. يستخدم "السيد حافظ" الحوار الساخر والمفارقات الدرامية لبناء شخصية فاضل، وكشف عن الصراعات الداخلية التي يعيشها الإنسان. وبذلك، يقدم "السيد حافظ" لنا شخصية معقدة ومتعددة الأبعاد، تعكس رؤيته الفنية للحياة والمجتمع.

يصف عبد الغني داود "فاضل" بأنه شخصية مرنة ومتعددة الأوجه، تجمع بين الكوميديا السوداء والمضحكة. فهو يتجاوز النمطية وتخلص من الأدوار النمطية التي تُحددها المظاهر الجسدية، ويستخدم الفكاهة كوسيلة للاحتجاج على واقع قاس وهو نموذجً للشخصية الكوميدية المعقدة التي تجمع بين الارتجال والتحليل الاجتماعي.

     إن فاضل هو نموذج للإنسان البسيط الذي يحلم بحياة أفضل, وأنه شخصية تتناقض بين روح الدعابة وعذاب داخلي عميق. فهو يسعى للحق والفضيلة في عالم يهمشه، لكنه يواجه خيبات متتالية تحاصر حلمه.

وأحيانا تتسم الشخصيات بالمبالغة في أبعادها لإبراز الجانب الكوميدي, فقد تكون الشخصيات هزلية أو كاريكاتورية بمعنى تسليط الضوء وإبراز بعض الصفات الجسدية أو الكلامية أو السمات الشخصية بالمبالغة فيها لنقدها وتبيان مساوئها للمتلقي أو تشريحها بما يثير الضحك فيتولد بالتالي شعور لدى المتفرج برفض تلك السمة مع السخرية منها وإثارة ضحكاته معها. ومثال ذلك شخصيات مسرحية الغجرية والسنكوح, حيث يمتاز "السيد حافظ" بتقديم شخصياته بطريقة مبتكرة وغير تقليدية، إذ يفضل الكاتب إخفاء هوية بعضهم خلف ألقاب أو أرقام، بعض شخصياته لم يعطها أسماء بل قدم وصفا لها مثل (أم دقروم- هريسة- الضابط- العجوز – المخبر – الناظر- المذيع المصري – المذيع الأمريكي- شاكوش ......) أو أرقام مثل (شخص 1 – شخص 2) مما يخلق جوًا من الغموض والترقب. هذه الشخصيات التي تعيش في عالم من العبث واللامعقول، تلعب أدوارًا بارزة في كشف تناقضات المجتمع." يشكل اختيار الأسماء والألقاب لدى "السيد حافظ" عنصرًا هامًا في بناء عالمه المسرحي. فأسماء مثل "زفة" و"حندوقة" تحمل دلالات رمزية تعكس حالة المجتمع، وتساهم في خلق جو من السخرية اللاذعة.

        بعد أن تحدثنا عن الأفكار والمضامين في المسرحيات الكوميدية للسيد حافظ علينا أن نتحدث عن اللغة فيها باعتبار أن اللغة من أهم مفردات العرض المسرحي, فهي قاعدة الحوار تعتبر هي الكاشف الرئيس عن الأحداث والشخصيات المتضمنة في النص المسرحي, فعن طريق لغة الحوار نتعرف على المعلومات وعلى الدراما وعلى البيئة المحيطة وعلى تكوين كل شخصية. فهي كاشفة لأبعاد الشخصية وانتماءاتها الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والجغرافية, فنجد لكل شخصية أسلوب خاص بها وصياغة خاصة للجملة وإيقاع لفظي خاص بها. وعندما يلجأ المؤلف إلى الكوميديا تتخذ اللغة إضافة إلى ما سبق خواص أخرى إضافية لصنع حالة الهزل أو الكوميديا المطلوبة من خلال السخرية والألفاظ التهكمية واستخدام التعبيرات العكسية التي تؤدي لمعاني غير حقيقية أو ليس لها علاقة بالرد اللغوي الطبيعي لجملة الحوار المنطوقة أو إنها تتسم بالمبالغة سواء بالتفخيم أو التصغير أو اختفاء المعنى أو إنها تدل على الجهل أو عدم الفهم أو الغباء, وغير ذلك الكثير من الأساليب اللفظية المصاحبة لروح الفكاهة.

       وقد اعتمد "السيد حافظ" في بناء اللغة في مسرحياته الكوميدية على الجمل القصيرة الموجزة, التي تحمل معاني التهكم والسخرية, وتميل أحيانا إلى الجناس أو الطباق في الألفاظ وكثيرا ما تميل إلى التورية. وهي لغة شعبية دارجة. أحيانا يكتبها بالعامية الدارجة وأحيانا أخرى بالفصحى السهلة التي قد تتضمن أحيانا جرسا موسيقيا يجذب الأذن. كما أنه يتضح فيها تأثر "السيد حافظ" أيضا بلغته الشعرية التي يحرص عليها في كتاباته للمسرح التجريبي. ولم تخل لغته من العبثية اللفظية التي تهدف إلى التعبير عن المعنى والوصول إليه من خلال مصطلحات وألفاظ وتعبيرات محررة تبدو في ظاهرها غير مفهومة لكنها تتضمن عمقا في المعنى إذا تم جمعها وخلطها من خلال الموقف والهدف الذي يرمي إليه, لا نقول لغة فلسفية ولكنها قد تحمل جدلا سفسطائيا يقود المتلقي إلى المضمون المراد توصيله.

في هذا الصدد يتحدث د. كمال الدين عيد عن مسرحية وسام من الرئيس قائلا " هذه المواقف الجديدة والطارئة على مناهج المسرح العربي كتابة وإخراجاً (فالسيد حافظ درامي ومخرج أيضاً) تبحث عن لغة جديدة أيضاً ، لغة متفردة لا تتصل بأشكال وأجروميات اللغة القديمة فى المسرح ، ولا تنتهج نفس مناهجها ، كما لا تنتمى إلى أي فرع من فروعها اللغوية، لغة اللا شيء، وتعتمد الهُراء والسفاسف والجدليات. لا للفهم ، ولكن لإثبات حالة (عدم الفهم وفقدان الاتصال) الأمر الذى يخلق كوميديا الموقف عند "السيد حافظ"، ويرفع إلى سطح الدراما البلادة والبلاهة".

      إن اللغة المستخدمة في النصوص الكوميدية, تلعب دورا رئيسا في توصيل الموضوع للمتلقي من خلال أداة تفاعلية مختلفة الغرض منها الإضحاك الذي لا يكون هنا عند "السيد حافظ" هدفا في حد ذاته لكنه وسيلة ساخرة للنقد والتهكم لتصحيح الوضع المرفوض كما ذكرنا من قبل.

وبالنظر إلى أهمية اللغة العامية، وكيف أنها أداة قوية لكشف الحقيقة الاجتماعية والسياسية. فاللغة العامية تحمل إيقاعًا قويًا وتأثيرًا عميقًا، وتكشف عن أعماق نفسية الشعب ومعاناته. كما تؤكد على أن اختيار الكاتب للألفاظ والعبارات العامية له دلالات فنية واستهزائية, نجد أن اللغة العامية في مسرحية "ملك الزبالة" تعد أكثر من مجرد وسيلة للتعبير، فهي لغة ثورية تكشف عن عمق جراح المجتمع. من خلال اختيار الكاتب المتعمد للغة العامية، يتحول النص المسرحي إلى مرآة عاكسة تعكس واقعًا قاسياً ومليئًا بالتناقضات. فالإيقاع القوي والحمل الدلالي العميق للألفاظ العامية يكشفان عن وعي الشعب بمعاناته ورفضه للاستغلال والاستبداد. إن هذه اللغة النمطية، كما تصفها الدكتورة سميرة أوبلهي، ليست مجرد مجموعة من الكلمات، بل هي لوحة فنية معقدة تحمل في طياتها حمولة سياسية واجتماعية عميقة. إن اختيار الكاتب لألفاظ وعبارات تحمل في طياتها جماليات الاستهزاء يعكس قدرته على تحويل الألم والمعاناة إلى فن، مما يجعل النص أكثر قوة وأثرًا.

وعلى سبيل المثال أيضا في مسرحية "عاشق القاهرة" يختار الحاكم بأمر الله أن يتحدث بلغة الشعب في دكان فتحي، مما يدل على إتقانه فن التواصل. فباستخدامه للعامية، يقترب من قلوب الناس ويبني جسور الثقة بينه وبينهم. وهنا يرى محمد المحرواي أن اللغة هي أداة مهمة لبناء الشخصيات في تلك المسرحية فهي تعكس ثقافة الشخصيات ومكانتها الاجتماعية، وتساهم في خلق أجواء واقعية.

عن أهمية اللغة في أعمال "السيد حافظ" الكوميدية يشير الدكتور مصطفى رمضاني إلى أن اللغة العامية هي اللغة الأنسب للتعبير عن النكتة والمرح والسخرية، وأنها تفقد الكثير من تأثيرها إذا تم ترجمتها أو تقديمها في سياق لغوي آخر. ويرى أن اللغة العامية هي العمود الفقري لمسرحيات "السيد حافظ" الكوميدية. فمن خلال اختيار الكلمات والعبارات العامية بدقة، يستطيع الكاتب أن يخلق شخصيات كوميدية نمطية وأن يعبر عن أفكاره بشكل ساخر ومباشر. إن اللغة العامية، في هذا السياق، ليست مجرد وسيلة للتواصل، بل هي أداة فنية تستخدم لخلق جو من المرح والسخرية، مما يجعل مسرحيات حافظ تجربة فنية فريدة:

نموذج:

شهاب : يا بني تعالى أدبحك وما توجعش قلبي.. فين أيام الفراخ لما الواحد يجري وراه ويمسكها... أنت ح تعمل زي الفراخ.

الراجل الميت : حرام عليكم أنا عندي عيال.

شهاب : يا بني أنت كنت ح تموت وبعدين تتحاسب.. دلوقت ح ندبحك وتدخل الجنة.

أبو زيد : كيف تقول هذا الكلام يا راجل .. حرام عليك.

شهاب : ما هو لما يندبح.. كل واحد ياخد طبق ملوخية باللحمة يقول الله.. الله يرحمه.. كان طعمه لذيد

الرجل الميت : لا .. أنا عايز أعيش.. مش أخدت ثمن المدفن من عيالي حلال عليك.

شهاب : يا بني أنت رزق بعته ربنا.

بينما تثبت مسرحية "حكاية الفلاح عبد المطيع" أن الكوميديا لا تقتصر على اللغة العامية، بل يمكن للفصحى أن تخلق تجربة كوميدية عميقة ومؤثرة. فالحوارات الفصحى في المسرحية تحمل في طياتها دلالات متعددة المستويات، وتنتهي المسرحية بلقطة عبثية تلخص المعنى الكلي للمسرحية. وبذلك، تُظهر المسرحية أن اختيار اللغة هو قرار فني يهدف إلى تعزيز الفكرة الأساسية للمسرحية وتوصيلها للجمهور بأقوى شكل ممكن.

نموذج:

الضوء في منتصف المسرح.. عبد المطيع أمام كرسي العرش عاريا، والوزير والمستشارين

السلطان : (يضحك) لقد أعجبتني قصتك، عندما سمعت بها قررت تعيينك يا عبد المطيع قاضي القضاة. (يصفق رجال الحاشية)

عبد المطيع : لا يا سيدي.. أنا لا أريد أن أكون قاضي القضاة.. أنا أريد أن أكون من العراة. يضحكون بينما هو يبكي).

وتوجد نقطة أخرى هامة لا يجب إغفالها في النصوص الكوميدية للسيد حافظ وهي استخدامه وتوظيفه للتراث الشعبي في نسج دراما تلك المسرحيات, حيث أنه استغل بذكاء الحكايات الشعبية والأحداث التاريخية التي يمكن أن تمس الوجدان الشعبي وصاغها بأسلوبه الدرامي ومزج بها التفاصيل التي يصنعها ككاتب, ناسجا أبعاد الملهاة الشعبية من خلال حكايات تجذب أذهان وأسماع المتلقي مثل حكاية الفلاح عبد المطيع حيث أن شخصيته هي شخصية إنسان عادي فقير من أفراد الشعب ينتمي إلى الغلابة مما يشعر المتلقي أنه ينتمي غليه فيتعاطف معه في محنه وفي الظلم الذي وقع عليه, مما يعمل على سهولة إثارة الضحك للمتلقي من باب أن الشخص يضحك على مأساته بطريقة أن شر البلية ما يضحك, وقمة الملهاة تنبع من قمة المأساة, فوقوع الظلم على عبد المطيع من قبل السلطان يجعل منه بطلا شعبيا مغلوبا على أمره ينشد فيه المتلقي نفسه لرفع الظلم عن نفسه دون أن يظهر هو في الصورة الدرامية كي ينتصر في المتخيل الدرامي دون أن يصيبه هو أذى مثل عبد المطيع.

ويرى د. السعيد الورقي أن "السيد حافظ" قد اتجه إلى بعض أساطير الهزيمة التي تطرح العديد من صور التعفن والامتلاك في التاريخ المصري، ليشكل منها إطار الحدث الدرامي، وذلك في محاولة منه لإعادة تشكيل العالم وصياغته بعد أن أصابته الفوضى، وبعد أن أختل نظامه.

فعلى سبيل المثال لما ذكره د. الورقي نجد في مسرحية مثل (حرب الملوخية) والتي استمد "السيد حافظ" أحداثها من التاريخ المصري في عهد حكم المستنصر حيث انتشرت المجاعة وساءت الأحوال ووصلت لدرجة انتشار أكل الكلاب والقطط بل وأحيانا قتل الآدميين وأكل لحومهم, وقد شهد هذا العهد شدة الظلم والقهر للشعب وسيطرة كبار التجار على مقدرات الشعب وعلى قرارات السلطة الحاكمة فكانوا يعملون على تجويع الناس وعلى احتكار السلع وتخزينها على سبيل الطمع لرفع أسعارها وتفشي الغلاء كي تزداد ثرواتهم على حساب الشعب المغلوب على أمره. وعنها يقول د. كمال الدين عيد في تحليله للنص المسرحي "فأنا أري أن كوميديا تاريخية مصطلح جديد على المسرح المصري والعربي ، كان يجب على المسئولين عن المسرح احتضان هذا التيار والاحتفاء به. إذن لخلف المسرح المصري تيارا تاريخيا كوميديا جادا، وساخرا، كان يمكن ان يمتد ليقف في وجه عبثيات المسارح التجارية".

ويظهر "السيد حافظ" في مسرحياته مثل "ملك الزبالة" و"قراقوش والأراجوز", و"الحاكم بأمر الله عاشق القاهرة", قدرة فائقة على إعادة قراءة التراث المصري وتوظيفه في إطار كوميدي معاصر. فمن خلال الربط بين الحكايات التاريخية والشخصيات الشعبية، يخلق "السيد حافظ" أعمالاً مسرحية تجمع بين الأصالة والحداثة، وتلبي ذوق الجمهور المعاصر حيث يستمد "السيد حافظ" في مسرحياته، مثل "حرب الملوخية"، إلهامًا من الميموس اليوناني القديم، حيث يعالج قضايا المجتمع بمنظور كوميدي ساخر. هذه العودة إلى الجذور التاريخية، إلى جانب قدرته على إعادة قراءة التراث وتوظيفه في إطار معاصر، تجعل مسرحياته أعمالاً فنية ذات قيمة عالية.

الخلاصة:

"تتميز مسرحيات "السيد حافظ" الكوميدية بطابعها الفريد الذي يجمع بين الكوميديا السوداء والسخرية اللاذعة والانتقاد الاجتماعي. يستلهم حافظ في كتاباته روح الميموس اليوناني، حيث يعالج قضايا المجتمع بمنظور هزلي ساخر. وتتمثل أهم سمات مسرحياته في:

• الكوميديا السوداء: حيث يمزج بين المأساة والكوميديا، مستخدمًا السخرية لفضح الظلم والقهر.

• الشخصيات : يتميز بأبطال يعكسون الصراع الداخلي للإنسان البسيط أمام قوى الظلم والاستبداد، كما يستخدم شخصيات كاريكاتيرية لتجسيد الصفات السلبية في المجتمع.

• اللغة: تعتمد مسرحياته على لغة حوارية بسيطة وواضحة، غنية بالعامية والتعبيرات الشعبية، مما يجعلها قريبة من الجمهور. كما يستخدم السخرية والتهكم واللغة المزدوجة المعنى.

• التراث: يستغل التراث الشعبي والأحداث التاريخية ليصنع حكايات كوميدية تعكس واقع المجتمع المصري.

• السياسة : تحمل مسرحياته طابعاً سياسياً واضحاً، حيث ينتقد الأوضاع السياسية والاجتماعية بطريقة ساخرة.

بفضل هذه العناصر، تمكن "السيد حافظ" من خلق عالم مسرحي فريد يجمع بين الفكاهة والوعي الاجتماعي، مما يجعله أحد أهم الكتاب المسرحيين في مصر والعالم العربي.

المصادر والمراجع:

- السيد حافظ, مسرحيات: (الغجرية والسنكوح, خطفوني ولاد الإيه, عاشق القاهرة.. حلاوة زمان), مدونة أعمال الكاتب السيد حافظ موقع إلكتروني على شبكة الإنترنت (https://sdhafez.blogspot.com/).

- السيد حافظ, مسرحية حكاية الفلاح عبد المطيع, المجلس الأعلى للثقافة, سلسلة إبداعات التفرغ, القاهرة, 2004.

- السيد حافظ, مسرحية حرب الملوخية, العربي للنشر والتوزيع, القاهرة, ۱۹۹۷.

- السيد حافظ, مسرحية قراقوش والأراجوز, العربي للنشر والتوزيع, القاهرة, ۱۹۹۷.

- السيد حافظ, مسرحية ملك الزبالة, العربي للنشر والتوزيع, القاهرة, ۱۹۹۷.

- السید حافظ ، وسام من الرئیس ( مسرحیة كومیدیة )، العربي للنشر والتوزیع ، ۱۹۹۷.

- السعيد الورقي , حكاية الفلاح عبد المطيع للسيد حافظ ومسرح التضامن والمشاركة, مسرحية حكاية الفلاح عبد المطيع, المجلس الأعلى للثقافة, سلسلة إبداعات التفرغ, القاهرة, 2004.

- سعاد درير, رؤية لمقاربة النص المسرحي وسام من الرئيس, مدونة أعمال الكاتب السيد حافظ موقع إلكتروني على شبكة الإنترنت (https://sdhafez.blogspot.com/), 2017.

- سميرة أوبلهي , ملك الزبالة كوميديا سياسية في ثوب فنى متميز, كتاب "إشكالية الحداثة والرؤي النقدية فى المسرح التجريب" –ج2, جمع نجاة صادق, "رؤيا", القاهرة, 2018.

- عبد الغني داود، وسام من الرئيس وألوان الطیف الملھوي، إشكالية الحداثة والرؤى النقدية في مسرح السید حافظ، جمع نجاة صادق، " رؤيا", القاهرة،2018.

- عبد الله هاشم, حكاية الفلاح عبد المطيع, كوميديا "السيد حافظ" الباكية, مقال, مجلة الشراع اللبنانية, 30/1/1984.

- كمال الدين عيد, مسرحية جمالية الكتابة المسرحية والسردية عند السيد حافظ, دراسة عن وسام من الرئيس, "رؤيا", القاهرة, 2020.

- محمد المحراوي , "قراءة في مسرحية عاشق القاهرة", المسرح التجريبي بين المراوغة واضطراب المعرفة, جمع نجاة صادق, "رؤيا", القاهرة, 2018.

- مصطفى رمضاني, الجروتسيك في كوميديات "السيد حافظ", كتاب "السيد حافظ" في عيون نقاد المغرب,(رؤيا), جمع نجاة صادق, القاهرة, 2018.


الثلاثاء، 25 نوفمبر 2025

السيّـد حافظ: يكتب ببيان المتنبي وعمق المعري وأوزان تُـذكّـر بتفعيلات الفراهيدي في البصرة القديمة

 السيّـد حافظ: يكتب ببيان المتنبي وعمق المعري وأوزان تُـذكّـر بتفعيلات الفراهيدي في البصرة القديمة


بقلم

إيــاد الإمــارة


في زمنٍ تتداخل فيه الأصوات وتتزاحم فيه النصوص، يبرز السيّـد حافظ ككاتبٍ غير تقليدي، يحمل في لغته عبق العصور الذهبية، ويستعيد في أسلوبه بيان المتنبي، وعمق أبي العلاء المعرّي، ورصانة الأوزان التي أرسى دعائمها الخليل بن أحمد الفراهيدي في قلب البصرة القديمة. 

السيّـد حافظ ليس مجرّد كاتب يطرق باب اللغة، بل هو صاحب مشروع فكري وجمالي ينهض من جذورٍ عربيةٍ أصيلة، ويعيد الاعتبار للنص بوصفه فعلاً معرفياً وذائقةً وبياناً.


بيانٌ يذكّـر بوهج المتنبي


يمتلك السيّـد حافظ قدرة نادرة على تطويع المفردة، فهو لا يكتب النص بقدر ما يُـشعل فيه الحياة. 

طريقته في الجملة، اختيارُه للمفردات، قدرته على تثوير المعنى كلّـها تُـحيل إلى تلك النبرة الرفيعة التي عرفناها عند المتنبي: 

كبرياء العبارة.

دقّة الصورة.

واشتباك الفكرة مع وجدان القارئ. 

حين يكتب السيّـد حافظ، يشعر القارئ أن اللغة ترتقي درجةً بعد أخرى، وأن الجملة تُـصاغ بطريقة لا تسمح لها بالسقوط في العادي أو المألوف.


عمقٌ معرفي على طريقة المعري


ولأن البيان وحده لا يصنع أدباً خالداً، فإن السيّـد حافظ يذهب أبعد من جمال الأسلوب إلى التأمل الفلسفي وعمق الرؤية. 

تتجاور في نصوصه الأسئلة الوجودية، والنقد الاجتماعي، والتشكيك النبيل الذي يكشف تناقضات الواقع ويضع الإنسان أمام مرآته. 

هنا يقترب "السيّـد" من أبي العلاء، لا في التشاؤم ولا في العزلة، بل في اختبار المعنى والبحث عن الجوهر خلف القشور.


أوزان تُـعيدنا إلى البصرة القديمة وإلى الفراهيدي


وإذا كانت البصرة القديمة هي موطن الفراهيدي، فإن السيّـد حافظ المصري "الجدع" يستعيد هذا الإرث بوعيٍ لا يخلو من التجريب. 

فهو لا ينقل الوزن أو يضعه ميزاناً، بل يعيد خلقه؛ ولا يقلّـد التفعيلة، بل يُـخضعها لروح النص الذي يريد قوله. 

لذلك تبدو كتاباته وكأنها تمشي على بحور عربية أصيلة، لكنها تترك مجالاً فسيحاً للحداثة ولنبض اللحظة.


كاتب من أرض المحروسة مصر "أرض النجباء"  لكن صدى نصه يتجاوز المكان


كتب السيّـد حافظ للبصرة التي يراها بأنها ليست مجرد مدينة، بل ذاكرة لغوية وروحية. 

منها يستمد حرارة الجنوب ونبرة الحكمة وعمق التراث العربي. 

وفي الوقت نفسه، يكتب بلغة قادرة على الوصول إلى كل قارئ، لأنه يؤمن أن النص الحقيقي ليس ابن المكان فقط، بل ابن الرسالة والوعي والصدق.


ولماذا السيّـد حافظ كاتب غير تقليدي؟

   •   لأنه يمزج بين البيان والتراث والفلسفة دون أن يتورّط في الاجترار.

   •   لأنه يعيد للّـغة العربية قدرتها على الإدهاش لا بالغرابة، بل بالعمق.

   •   لأنه يكتب بوعي تاريخي وذائقة معاصرة.

   •   ولأنه يعرف كيف يجعل من النص فعلاً جمالياً، لا مجرد كلمات مرصوفة.


السيّـد حافظ ليس امتداداً لأحد، وإن حمل عبق الزمن الجميل؛ وليس قطيعةً مع أحد، وإن اختار لأسلوبه طريقاً خاصاً. 

هو كاتب يكتب كما ينبغي للكاتب أن يكتب:

بشغف المتنبي ..

وبحكمة المعرّي ..

وبميزان الفراهيدي ..


وبروح مصريّـة "جدع" تعرف أن اللغة إذا لم تكن أصيلة فلن تكون جميلة، وإذا لم تكن عميقة فلن تكون خالدة.




الأربعاء، 15 أكتوبر 2025

عرض لكتاب: مسرحة التراث في تجربة السيد حافظ- قراءة بقلم: أحمد الشريف

عرض لكتاب ورسالة دكتوراة 

مسرحة التراث في تجربة السيد حافظ



 قراءة في كتاب 

الباحثة: ريما بن عيسى

 بقلم: أحمد محمد الشريف

(نشر هذا المقال في مجلة المسرح - العدد 53- الإصدار السادس- بتاريخ 1 أغسطس 2025)










مسرحة التراث في تجربة السيّد حافظ:

تجريب حديث لجذور الهوية

***

بقلم: أحمد محمد الشريف



"مسرحة التراث عند السيّد حافظ: قراءة في التجارب المسرحية العربية التراثية" هو عنوان دراسة أكاديمية رصينة أنجزتها الباحثة الجزائرية/ ريما بن عيسى، تناولت فيها تجربة الكاتب المسرحي المصري السيّد حافظ كنموذج تطبيقي لتحليل العلاقة بين المسرح العربي والتراث، من خلال توظيف الموروث الشعبي والديني والتاريخي داخل النصوص والعروض المسرحية.

وقد أُجيزت هذه الدراسة (عن العام الجامعي 2024 – 2025) ضمن متطلبات نيل درجة الدكتوراه من كلية الآداب واللغات، جامعة سطيف 2، الجزائر، تحت إشراف الأستاذة الدكتورة ليلى بن عائشة. وترأس لجنة المناقشة الأستاذ الدكتور حسين تروش، وشارك في عضويتها كل من الأساتذة: د. حياة ذيبون، د. علي بخوش، د. رابح ذياب، د. عبد الحميد ختالة.

وقد صدرت هذه الأطروحة لاحقًا في كتاب منشور عن مركز الوطن العربي للنشر والإعلام (رؤيا) بالقاهرة، لتتحوّل من جهد أكاديمي جامعي إلى مرجع نقدي متاح للقراءة العامة والبحث المتخصص.

في هذا المقال، نُقدّم عرضًا وقراءة تحليلية لهذا الكتاب، بوصفه إضافة مهمة إلى حقل دراسات المسرح العربي، ونافذة فكرية وجمالية على تجربة السيّد حافظ، التي تُعدّ من أغزر التجارب العربية اشتغالًا على التراث في المسرح.

في خضم تحولات المسرح العربي الحديث، تبرز تجارب فنية تسعى إلى تجسير الهوة بين الماضي والحاضر، بين ما هو تراثي وما هو معاصر، في محاولة لإنتاج فن مسرحي متجدد يستمد شرعيته من الهوية، وقوته من الوعي النقدي. ومن بين هذه التجارب، تتفرد تجربة الكاتب المسرحي المصري السيّد حافظ بوصفها أحد أبرز محاولات "مسرحة التراث" في العالم العربي.

و تسعى هذه الدراسة إلى استكشاف كيفيات توظيف التراث العربي والإنساني داخل الكتابة المسرحية المعاصرة، من خلال نموذج السيّد حافظ.

خلفية الدراسة وإشكاليتها:

تقوم الدراسة على إشكالية جوهرية تتمحور حول التساؤل: كيف وظّف السيّد حافظ التراث الإنساني والعربي في بناء نصوصه المسرحية المكتوبة والمعروضة؟

وينبثق عن هذا السؤال جملة من التساؤلات الفرعية:

- ما مفهوم المسرح والمسرحة؟

- ما مفهوم التراث وأنواعه؟

- كيف تتفاعل النصوص المسرحية مع التراث؟

- ما الخصوصيات الجمالية لتوظيف التراث في تجربة السيّد حافظ؟


 المنهجية وتعدد المقاربات:

اتبعت الباحثة منهجًا تكامليًا متعدد الأدوات، يمزج بين النظري والتطبيقي، ويتنقل بين التحليل السيميائي والبنيوي، إلى جانب المنهج التاريخي والوصفي:

- المنهج الوصفي: لتقديم تأطير مفاهيمي لمصطلحي "التراث" و"المسرحة".

- المنهج البنيوي والموضوعي: لتحليل البناء النصي ودلالات المحتوى.

- المنهج السيميائي: لرصد الأبعاد البصرية والسمعية داخل العرض المسرحي.

- المنهج التاريخي: لتتبع تطور المسرح العربي وتداخله مع التراث.

 الهيكل العام للدراسة:

• المدخل النظري :من التأصيل إلى التجريب:

حيث تعمل فيه الباحثة على تأصيل مفهومي المسرح والدراما. وتحليل أشكال التراث (مادي/لا مادي) وتعريف المسرحة:

  1. التراث والمسرحة: إشكالية المفهوم

تبني الباحثة ريما بن عيسى إطارها النظري على تفكيك ثنائية محورية:

- التراث: تُصنفه إلى:

  1- مادي (المباني، الأزياء، الصناعات التقليدية).

  2- لامادي (الحكايات الشعبية، الأمثال، الطقوس).

 - المسرحة (Théâtralisation): عملية تحويل النصوص/الأحداث إلى مادة مسرحية قابلة للتجسيد، مع تمييزها عن "الأنسنة" (إضفاء الصفات البشرية على الجمادات).

• الفصل الأول عن تجليات التراث في المسرح العربي ترصد الدراسة ثلاث مراحل للتطور، وهي:

1- مرحلة التأصيل (مارون النقاش، أبو خليل القباني): حيث تم توظيف الفنون الشعبية (المقامات، الغناء) في قوالب مسرحية.

2. مرحلة التأسيس (توفيق الحكيم): وفيها دمج التراث الأدبي والتاريخي بأطر درامية حديثة.

3. مرحلة التجريب (الطيب الصديقي، السيد حافظ): وهي مرحلة تفكيك التراث وإعادة بنائه عبر تقنيات سينوغرافية معاصرة.

ثم تحدثت الباحثة عن إشكالية تصنيف التراث الشعبي، ثم مسرحة التراث العالمي من خلال مسرحة الأسطورة في مسرحية إيفيجيني لجان راسين.

انتقلت الباحثة بعد ذلك إلى مسرحة التراث القومي بدءا بنموذج مسرحية مقامات بديع الزمان الهمزاني للطيب الصديقي.

ثم تناولت الباحثة في جانب آخر ثنائية التراث والهوية في خطاب المسرح المصري من خلال مسرحية "إشاعة" للسيد حافظ، حيث تسلط الضوء على أشكال الحضور المتعددة للتراث الشعبي، ممثلة في توظيف الأدب الشعبي، ولا سيما الأمثال الشعبية، إلى جانب استخدام اللهجة المصرية الشعبية كلغة مسرحية فاعلة، كما تبحث في أثر الشخصية التراثية التاريخية ودورها الجمالي في بناء المعنى وتعزيز البعد الهوياتي داخل النص المسرحي.

مسرحية إشاعة

ركزت الباحثة الدكتورة ريمة بن عيسى على تحليل مسرحية "إشاعة" كنموذج دال على براعة السيد حافظ في تفعيل التراث داخل بنية العرض المسرحي. وأشارت إلى أن التراث في هذا النص لا يُوظف كمادة تزيينية أو خلفية سردية، بل يُعاد تشكيله كأداة مقاومة ووسيلة جمالية لفهم الحاضر، وتفكيك البنية الاجتماعية القائمة. فالنص يعجّ بالأمثال الشعبية، واللهجة العامية، والاستدعاءات الرمزية لشخصيات تاريخية مثل صلاح الدين الأيوبي، ما يمنح المسرحية طابعًا تعدديًا على مستوى اللغة والخطاب والدلالة. وقد وقفت الباحثة عند التوتر القائم بين الأمثال المتعارضة داخل النص، مثل: "الباب اللي ييجي لك منه الريح سده واستريح" و"الريح لو جالك عالي إعلا له ما تطاطيش"، لتبيّن كيف أن السيد حافظ يُدخل التراث الشعبي في قلب الصراع الدرامي، موظفًا إياه للكشف عن التحولات القيمية في المجتمع، وعن إشكالية "الهوية المغلوطة" حين تُصنع الحقيقة من الإشاعة، لا من الواقع. ومن خلال تحليلها العميق، توصلت إلى أن "إشاعة" تقدم أنموذجًا مكثفًا لجدل الهوية والسلطة والتاريخ في مسرح السيد حافظ، حيث يصبح التراث نفسه مسرحًا لصراع القيم.

كما تتناول الدراسة بعد ذلك أشكال مسرحة التراث الوطني في مسرحيات عز الدين جلاوجي، من خلال رصد تجليات الأمثال والحكم الشعبية في عدد من نماذجه المسرحية، وتوظيف الصناعات والفنون اليدوية في مسرحية "الفجاج الشائكة"، فضلًا عن حضور الموسيقى الشعبية في المسرحية نفسها، كما تسعى الدراسة إلى الكشف عن جماليات التشكيل التراثي ودوره الفاعل في بناء الخطاب المسرحي لدى جلاوجي، بوصفه مقاربة فنية تجمع بين الأصالة والتحديث.

 يتناول الفصل الثاني من الدراسة تمظهرات التراث في مسرح السيد حافظ، حيث يبدأ بتوطئة تمهد لرحلة العمل المسرحي من الفضاء النصي إلى الفضاء الركحي، عبر تحليل عناصر النص المسرحي مثل الفكرة، الشخصيات، الحدث، الصراع، الحوار، الزمان والمكان، الحبكة، اللغة، والإرشادات المسرحية. كما يتناول أساسيات العرض المسرحي، بما في ذلك الإخراج، التمثيل، السينوغرافيا، الديكور، الإكسسوار، الأزياء، الإضاءة، والماكياج، ثم يناقش جدلية العلاقة بين النص والعرض. وفي محور "أشكال مسرحة التراث"، تسلط الدراسة الضوء على ازدواجية التعالق والتشكيل بين المسرح والتراث من خلال استدعاء الشخصيات التاريخية الإسلامية واستحضار السيرة الشعبية وقراءتها في ضوء الحاضر، مع إبراز صورة المجتمع العربي وقيمه الثقافية والتربوية والاجتماعية في نصوص السيد حافظ. كما تتناول الدراسة آليات المسرحة في العروض، من خلال قراءة لمسرحية "سندريلا والأمير" بين الأصل والتمسرح، وتحليل جمالية السينوغرافيا والصورة البصرية والسمعية، والأداء الصوتي والحركي للممثل، إلى جانب عناصر الأزياء والإكسسوارات، الموسيقى الشعبية، ودور الديكور في مسرحة الحكاية الشعبية كما في "علي بابا" أنموذجًا.

 نتائج الدراسة:

تخلُص الدراسة التي أعدّتها الباحثة ريما بن عيسى إلى مجموعة من النتائج الجوهرية التي تؤكد على أهمية تجربة السيّد حافظ المسرحية، ليس فقط كإسهام فني فردي، بل كمسار فكري متكامل يعيد رسم العلاقة بين المسرح والتراث والواقع المعاصر. ويمكن تفصيل هذه النتائج في النقاط التالية:

1. السيّد حافظ يعيد إنتاج التراث بتأويل جديد

ليست تجربة السيّد حافظ في استلهام التراث مجرّد توظيف لحكايات أو شخصيات تاريخية، بل هي فعل إعادة تأويل. فهو لا يكرر السيرة الشعبية أو المأثورات التراثية كما وردت، بل يُعيد قراءتها من منظور نقدي معاصر، يعكس قلق الحاضر وتطلعات المستقبل.

على سبيل المثال، تُصبح شخصية أبو ذر الغفاري تجسيدًا للمثقف المعارض، لا مجرد صحابي من صدر الإسلام، ويُعاد تقديم شخصية سندريلا كرمز للتغيير الاجتماعي لا كفتاة تنتظر الأمير، بينما يتحول الصراع على طبق الملوخية في مسرحية "حرب الملوخية" إلى مجاز ساخر للتناحر السياسي العربي.

2. يزاوج بين الشعبي والتجريبي

تتميز عروض السيّد حافظ بمزيج فريد من تقنيات المسرح الشعبي وخصائص المسرح التجريبي. فهو يستعير من الراوي، والحكواتي، والمقامة، والعرائس، ومسرح الظل، ويضعها في قلب تجربة معاصرة تقوم على كسر الجدار الرابع، وتعدد مستويات التلقي، والانفتاح على تقنيات السينوغرافيا الحديثة.

هذا المزج لا يُفقد العمل بساطته الشعبية، ولا يُعقده تجريبيًا إلى حد النخبوية، بل يصنع منطقة وسطى، يتفاعل فيها المتفرج البسيط مع مضمون عميق، ويُحاط بجماليات غنية دون أن يشعر بالاغتراب.

3. عروضه ثرية بصريًا وسينوغرافيًا

تُظهر الدراسة أن العروض التي كتبها وأشرف على إخراجها السيّد حافظ أو أُخرجت برؤيته، تمتاز بثقل بصري واضح، يعتمد على التكوينات السينوغرافية المدروسة، والإضاءة التشكيلية، واستخدام اللون بشكل رمزي، والمزج بين الصورة والصوت لإنتاج معنى جديد.

وفي عروض الأطفال، تظهر هذه السينوغرافيا بشكل أكثر حيوية من خلال الأزياء الزاهية، الألعاب البصرية، حركات الممثلين المبالغ فيها، والديكورات المستوحاة من الطبيعة أو الحكايات، ما يمنح العرض بعدًا تربويًا وفرجويًا في آنٍ واحد.

خلاصة النتائج

يمكن القول إن السيّد حافظ يُمثّل في هذه الدراسة نموذجًا مركبًا لمثقف مسرحي عربي يعيد إنتاج التراث لا لكي يحفظه، بل لكي يجعله قابلًا للحوار، والتحول، والتجريب. وأن المسرح في يده لا يصبح مجرد حكاية تُروى، بل فعل مقاومة ناعم، ومشروع وعي، ومختبر فني وفكري يتجدد باستمرار.

ثامنًا: القيمة الأكاديمية للدراسة

• تؤصل العلاقة بين التراث والمسرح في السياق العربي.

• تسهم في إعادة تعريف مفهوم "الهوية المسرحية".

• تشكّل مرجعًا للمشتغلين في مجالي الكتابة والإخراج.

خاتمة الدراسة

أثبت السيّد حافظ في نصوصه أن التراث ليس جامدًا بل طاقة إبداعية. ومن خلال قراءتها النقدية، تبرز أطروحة ريما بن عيسى كمرآة لجهد أكاديمي نوعي يسعى إلى قراءة المسرح العربي من زاوية الجذور لا السطح، ومن زاوية التفاعل لا التقديس. وتبين تجربة السيد حافظ في المسرح أهمية استلهام التراث الشعبي بأبعاده المادية واللامادية في صياغة خطاب مسرحي معاصر، يعكس قضايا المجتمع العربي والمصري بأسلوب فرجوي نقدي. وقد تمكن من توظيف عناصر التراث – من شخصيات وتعبيرات وأساطير وفنون – لخلق عروض تحمل بعدًا جماليًا ورمزيًا، يجمع بين العامية والفصحى، ويزاوج بين الماضي والحاضر. وقد اتسمت أعماله بالمساءلة والبوح الصريح، معتمدة على أدوات العرض المسرحي المختلفة، ليكون المسرح عنده أداة وعي وتغيير، لا مجرد تأمل وبذلك، يتحول المسرح إلى أداة حيوية لإحياء الذاكرة وبناء الوعي المعاصر.

في الختام في ضوء ما سبق، يمكن القول إن دراسة الباحثة ريما بن عيسى تمثل إضافة نوعية إلى المكتبة المسرحية العربية، ليس فقط لأنها تسلط الضوء على تجربة فنية مميزة مثل تجربة السيّد حافظ، بل لأنها تنطلق من رؤية أكاديمية واعية تحاول فهم المسرح بوصفه خطابًا متشعبًا: جماليًا، معرفيًا، وتاريخيًا.

ما يميز هذه الدراسة أنها لا تكتفي بالتحليل التقني للنصوص أو العروض، بل تتجاوز ذلك إلى مساءلة العلاقة بين التراث والمسرح في سياقنا العربي، وتطرح أسئلة حول الهوية والتلقي والتأويل، وهي أسئلة لا تزال مفتوحة أمام كل من يكتب أو يُخرج أو يقرأ المسرح اليوم.

كما تُحسَب للباحثة أنها أضافت صوتًا جديدًا إلى قائمة طويلة من الدراسات والرسائل الجامعية التي تناولت تجربة السيّد حافظ، وهو الكاتب الذي حظي باهتمام أكاديمي واسع وموثّق، ربما يفوق ما كُتب عن أي كاتب مسرحي عربي آخر في جيله، نظرًا لغزارة إنتاجه وتعدد مناحي اشتغاله المسرحي.

إن دراسة "مسرحة التراث عند السيّد حافظ" لا تُعيد فقط قراءة الماضي، بل تدفعنا إلى التفكير في الحاضر المسرحي بأدوات نقدية جديدة، حيث يصبح التراث مادة للحياة، لا حنينًا للمتاحف، والمسرح أداة لليقظة، لا مجرد مساحة للعرض.

أحمد محمد الشريف


الثلاثاء، 23 سبتمبر 2025

دراسة تحليل نقدي بنيوي وتفكيكي لرواية "الصرخة الأخيرة -حكاية لامار" للكاتب السيد حافظ بقلم الذكاء الاصطناعي جروك

 دراسة 

تحليل نقدي بنيوي وتفكيكي 

لرواية "الصرخة الأخيرة -حكاية لامار" 

للكاتب السيد حافظ 

بقلم الذكاء الاصطناعي جروك







دراسة نقدية لمشروع السيد حافظ مذكرات ثورة٢٥يناير ما قبلها وما بعدها بقلم الذكاء الاصطناعي الأمريكي

 دراسة نقدية لمشروع السيد حافظ 

مذكرات ثورة٢٥يناير 

ما قبلها وما بعدها 

بقلم الذكاء الاصطناعي الأمريكي









الأربعاء، 17 سبتمبر 2025

مقال عن مسرحية حكاية مدينة الزعفرانمسرحية للسيد حافظبقلم: محمد السيد عيد

 

حكاية مدينة الزعفران

مسرحية للسيد حافظ

بقلم: محمد السيد عيد


نشر هذا المقال في مجلة القاهرة

رقم العدد: 74

تاريخ الإصدار: 15 أغسطس 1987




أصبحت مشكلة الحكم واحدة من أكثر المشكلات حدة في مسرحنا المصري منذ عام ١٩٦٧ وحتى الآن، ولو ألقينا نظرة سريعة على تاريخنا الأدبي منذ النكسة حتى الآن لوجدنا الأميرة تنتظر، وبعد أن يموت عشرات من المسرحيات التي تدور حول هذا الموضوع، مثل: أوديب لعلي سالم، المخططين ليوسف إدريس، مسافر ليل لصلاح عبد الصبور، احذروا لمحفوظ عبد الرحمن، رجل في القلعة لمحمد أبو العلا السلاموني، وغير ذلك من الأعمال الجادة التي حاول أصحابها أن يضعوا أيدينا على الضوء، وعلى الطريقة المثلى لفهم الحكم وأسباب الهزيمة، أو يلقوا لنا رؤية للمستقبل.

ومسرحية حكاية مدينة الزعفران للسيد حافظ واحدة من هذه الأعمال الجادة التي يناقش فيها صاحبها، هو الآخر، قضية الحكم، ويبرز من خلالها كيف تعمل جبهة المستفيدين من الحكم على عزل الحاكم عن شعبه، وتسخير مفردات النظام لصالحها مهما كان الحاكم مؤمنًا بالشعب وراغبًا في الحكم لصالحه.

وقد جسد الكاتب هذه الفكرة من خلال حدث بسيط للغاية، يبدأ بسجن الثائر مقبول عبد الشاق، دون أن يحرك الشعب ساكنًا، ذلك الشعب الذي ناضل مقبول من أجله.

وتفرج السلطان بعد فترة عن البطل الثائر، ويلتف الشعب حوله مرة ثانية، وحين يشعر الوالي والوزير بخطورة مقبول يقرران ضربه جماهيريًا، لكن كيف؟

لقد توصلا إلى طريقة غير تقليدية، بعيدة تمامًا عن التصفية الجسدية، أو التشهير الشخصي، أو غير ذلك من الأساليب التي عرفها الناس وفقدت تأثيرها فيهم. لقد توصلا إلى أن ضربه يجب أن يكون من خلال ضمه إلى صفوف السلطة، وتقليده أرفع المناصب، ثم تنفيذ أغراضها من خلاله، فإذا ثار الشعب واحتج ضحّوا بمقبول وكسبوا مرتين: مرة بالتخلص من مقبول إلى الأبد، ومرة باسترضاء الشعب الساخط على الظلم.

وبالفعل ينتظر الرجلان، الوالي والوزير، حتى تثور الجماهير على خادم العامة (نصر الدين محسوب)، فيعلنون عزله من هذا المنصب وتولية الثائر مقبول عبد الشافي بدلاً منه. ويفر مقبول من البلدة هاربًا إلى الجبل كي يتخلص من المأزق، إلا أن الشعب يبحث عنه ويعيده إلى المدينة، ويذهب به إلى القصر ليصبح حاكمه الجديد. ويصاب مقبول بالذعر من المنصب والقصر وأهله، إلا أن هذا لا يغير من الأمر شيئًا، فالخطة لا بد أن تكتمل.

تلتف زوجة الوزير بشكل ثعباني حول زوجة مقبول، وتغريها بالهدايا وفاخر الثياب والأطعمة حتى تقطع عليها خط الرجعة نحو الفقر، وتجعل منها قوة ضاغطة على زوجها الرافض لحياة البذخ التي فُرضت عليه. ويصل الأمر إلى حد تدخل زوجة الوزير شخصيًا في شؤون قصر مقبول، فإذا كان هو يريد أن يأكل أطعمة شعبية، فأوامر زوجة الوزير للطهاة تمنع ذلك، وإذا كان يريد أن يأكل مع خدمه على منضدة واحدة، فإنها تهدد هؤلاء الخدم بالقتل إذا استجابوا له، وهكذا يصبح مقبول في النهاية مجرد دمية لا يستطيع أن يتحكم حتى في قصره.

وباسم مقبول يتم كل شيء: العفو عن المسجونين إذا رأى الوالي والوزير ذلك، أو سجنهم إذا تغيّر رأيهما. ولكي تتم الخطة فإنهما يعزلان مقبول تمامًا عن شعبه حتى يصل الظلم بالناس إلى نقطة الانفجار. فإذا بهم يطالبون بعزل مقبول، حينئذ يتنبه الثائر القديم إلى ما وصل إليه، ويقرر أن يصلح خطأه، فيخلع ثوب السلطة وينضم للشعب، إلا أن الشعب يرفضه. وهنا تتم حلقات اللعبة، إذ يعزل الوالي البطل السابق عن منصبه، ويلقى به في السجن لامتصاص غضب الجماهير.

ولا يلبث مقبول أن يصاب بالذهول، وحين يصبح خارج القضبان فإنه يدور في المدن يروي قصته لعل الناس تعي الدرس. وتنتهي المسرحية بالكورس وهو يقرر:

"يا أمة ضحكت من جهلها الأمم

من خدم الناس صار فوق الأعناق

ومن خدع الناس صار تحت الأقدام"

هذا هو موجز أحداث مسرحيتنا، والسؤال الآن هو: كيف حول الكاتب هذه الأحداث إلى بناء فني؟

لقد اعتمد سيد حافظ في هذا على العديد من الأساليب الفنية المألوفة وغير المألوفة في المسرح، وأولها: أسلوب المشاهد القصيرة السريعة الذي نراه في السيناريو السينمائي.

وقد ترتب على هذا أنه لم يعتمد على المنظر المسرحي الثابت، بل استبدله بالاستخدام الرمزي للخيال، بمعنى أن الشخصيات هي التي تحدد مكان الحدث دون الحاجة إلى المناظر. وقد أتاح هذا للكاتب أن يدير أحداثه دون توقف، مما حقق للمسرحية إيقاعًا سريعًا.

وقد استلزم هذا التكتيك وجود الراوي الذي يربط بين الأحداث، ويعلّق عليها، ويمهد للنقلات الزمانية والمكانية عند اللزوم، بما يبرز الرؤية التي يريد الكاتب توصيلها.

ولم يكتفِ السيد حافظ براوٍ واحد، بل استعان بكورس كامل، وكي لا يجعله مجرد عين على المسرحية فقد جعله يشارك في الأحداث بدلاً من أن يكون محايدًا كما نراه كثيرًا. فرئيس الكورس هو عبد العاطي، صديق مقبول أيام الفقر، ورسول الناس إليه أيام الغنى، وأعضاؤه هم أبناء المدينة الذين يوالون مقبول ويعزلونه.

ويذكرنا استخدام الكورس هنا باستخدام نجيب سرور له في آه ياليل يا قمر، وهو استخدام جيد بلا شك، لأنه جعلنا نتعاطف مع الكورس بدلاً من أن ننظر إليه كشيء بارد مفروض علينا، كما أنه أسهم في كسر الإيهام، وهو أمر هام في هذه المسرحية، إذ يذكرنا دائمًا بأننا أمام لعبة مسرحية علينا أن نفكر فيها ونعرف مغزاها.

ولا يعيب الكورس سوى الوقوع في الخطابية، وعدم تناسب مستوى الأداء اللغوي مع المستوى الثقافي لبعض الشخصيات، وهذان أمران سنشير إليهما فيما بعد.

واستخدم الكاتب أيضًا أسلوب الاسترجاع Flash back أكثر من مرة لإضافة أبعاد جديدة لبعض الأحداث والشخصيات. وعلى سبيل المثال: فحين يطلب مقبول من زوجته أن تبتعد عن الترف الذي انغمست فيه، تذكره – من خلال أسلوب الاسترجاع – بما قامت به أيام الشدة لتبرر له أن من حقها أن تعيش وتستمتع بالنِّعَم. ولا شك أن هذا الاسترجاع منطقي، كما أنه لسان حال الزوجة الأمينة الباحثة عن الأمان بما حولها. وهذا يدل على قدرة الكاتب على توظيف أسلوب الاسترجاع في ثنايا العمل الفني.

ومن الأساليب التي اعتمدها الكاتب أيضًا أسلوب الحلم، غير أنه لم يكن حلم نوم كما هو شائع، بل حلم يقظة، رأت فيه زوجة مقبول زوجها الغائب، وحدثته، وسمعت منه الألم وشكواه من عدم تحرك الناس من أجله بعد أن سُجن في سبيلهم. غير أن هذا الحلم لم يخدم المسرحية من الناحية البنائية، بل كان عبئًا عليها، لأنه قدم لنا شخصية البطل في صورة مهزوزة فاقدة الثقة بالناس. وكان هذا عدم توفيق من الكاتب، لأن الشخصية المهزوزة حين تسقط لا تصنع مأساة، بل تصنع المأساة شخصية البطل المتمسك بمبادئه. ومن هنا فقد كان من الأفضل لو حذف الكاتب هذا الحلم، وحذف معه المشهد الذي يدور بين شقيق زوجة مقبول ومقبول نفسه بعد خروجه من السجن مباشرة، لأنه يؤكد الفكرة نفسها (اهتزاز صورة البطل). ولعل من المناسب أن نورد جزءًا من هذا المشهد للتدليل على رأينا:

الشاب: أنت إنسان عظيم.

مقبول: لماذا؟

الشاب: لقد قلت الحقيقة.

مقبول: أقول الحقيقة أو لا أقول.. لا يهم.

الشاب: ماذا تقول؟

مقبول: أفكر أم أعمل؟ لا أعرف.

الشاب: ماذا جرى لك؟

مقبول: أعيش أم أموت؟ ليس لي شأن.

إن تصوير مقبول بهذه الصورة يفقدنا التعاطف معه حين يسقط، لأنه فاقد للبطولة، ولا أظن أن المؤلف كان يريد أن يصل بنا إلى هذا.

وآخر الأساليب التي استخدمها السيد حافظ في بناء مسرحيته هو أسلوب التوازي، بمعنى أن أكثر من شخصية تتحدث في الوقت نفسه، لكن الحديث لا يلتقي مع بعضه البعض، بل يسير متوازيًا. وهذا نموذج تطبيقي لأسلوب التوازي أطرافه: مقبول، والشاب، وأحد الفلاحين:

مقبول: عامان.. لا أرى إلا وجه الشرطي مغطى بشاربيه، شارباه كسكين الجزار.

الشاب: الآن اتفقوا مع الأعداء.

مقبول: وأسناه التي تلمع كأسنان الغانية.

الفلاح: قطعوا أصابع الأطفال التي تكتب حتى لا يقرأ الناس ولا يكتبوا.

مقبول: وكنت أحلم أنني مسافر، وأنني عجوز أسير في طريق ميناء عتيق.

الشاب: إذا تركت الناس ستأكلهم الثيران.

مقبول: ميناء مليء بالتجار والسماسرة... إلخ.

إن حديث مقبول هنا يدور في وادٍ، بينما حديث الفلاح والشاب يدور في وادٍ آخر. الأول يتحدث حديثًا ذاتيًا عن معاناته في السجن، والثاني والثالث يتحدثان عن معاناة المدينة من وطأة الاتفاق مع الأعداء ومحاولات التجهيل. أي أن كل طرف يدور في دائرة مستقلة عن الآخر، يمضي في خط مستقل يتوازى مع الخط الآخر دون أن يلتقي معه ليكوّن حوارًا بين الأطراف المختلفة.

والحقيقة أن هذا التوازي قد أسهم في إبراز المضمون الذي رمى إليه الكاتب، لأنه صوّر لنا في الوقت نفسه بشاعة السلطة التي تسجن الثوار وتبيع الوطن.

إن هذا التنوع في الأساليب قد أفاد المسرحية ولا شك، وكسر أي إحساس بالرتابة، وأعطى مؤشرًا واضحًا على سعة ثقافة المؤلف، ومحاولته الجادة للخروج من دوائر التقليد.

ومعظم الشخصيات في المسرحية مجردة، وقد تعمد سيد حافظ ليعطيها طابع العمومية، فجعلها جميعًا لا تحمل سوى اسمها الأول فقط (مقبول – عبد العاطي)، أو وظيفتها (الوالي – الوزير – الفلاح)، أو جنسها (رجل – امرأة).

وقد أسهمت تسمية الوالي والوزير بالتحديد في إضفاء لمسة تراثية شعبية على المسرحية، إذ درج الخيال الشعبي في حكاياته على أن يسمي أصحاب المناصب بمناصبهم، ويقدمهم كشخصيات جاهزة لها مواصفات محددة ومستقرة في الأذهان.

ومع أن الكاتب لم يكن موفقًا في تقديم شخصية مقبول في بداية المسرحية – كما أوضحنا – إلا أنه استطاع بعد هذا أن يحدد ملامح الشخصية جيدًا. فرأينا مقبول الثائر الذي يريد الإصلاح، المؤمن بالعمل مهما كان كوسيلة للحصول على الرزق، ثم رأيناه رافضًا للمنصب إيمانًا منه بأن على الأمة ألا تسلّم كل شيء لشخص مهما كان، ثم رأيناه خائفًا من الكرسي، ثم منساقًا للوضع، ثم متمردًا على نفسه. وكل هذه التحولات كانت في حاجة إلى مهارة في الصنعة لكي يقنعنا بها المؤلف، وأعتقد أنه نجح في إقناعنا. وما قلناه عن مقبول ينطبق أيضًا على زوجته، لذا لن نقف عندها حتى لا نقع في التكرار. إلا أننا قبل أن نترك الحديث عن الشخصيات نحب أن نشير إلى أن الكاتب جانبه التوفيق أيضًا في تقديم شخصية هامة من شخصيات المسرحية، وأعني بها زيدان، زميل مقبول في السجن، ثم مستشاره بعد توليه منصب خادم العامة.

لقد كان هذا الرجل لصًا يأخذ من الأغنياء ليعطي الفقراء (تمامًا مثل لص بغداد في ألف ليلة وليلة). فما الذي دفعه إلى احتراف السرقة؟ هل هي النقمة على الأثرياء الظالمين؟ لا، بل هي أسباب أخرى لا تجعله يرقى إلى مرتبة الثائر الذي يأخذ من الغني ليعطي الفقير، وإليك هذه الأسباب:

عمل مزارعًا وزرع القمح فأكلت العصافير القمح.

عمل تاجرًا فاشترى منه رجل بعض البضاعة ولم يدفع ثمنها.

أليست هذه الأسباب أوهى من أن تخلق ثائرًا يحاول تحقيق العدالة الاجتماعية بطريقته؟

وأخيرًا يجب أن نشير إلى مسألة شكلية لاحظناها في النص المقروء، وهي تعدد الأسماء والصفات التي يطلقها الكاتب على زوجة مقبول، إذ يسميها مرة: المرأة، وأخرى: زوجة مقبول، وثالثة: أم معتر. إن هذا يسبب نوعًا من الضبابية غير المرغوبة، وكان على الكاتب أن يتلافاه.

ثم نصل إلى اللغة. استخدم السيد حافظ في مسرحيته لغة بين العامية والفصحى (اللغة الثالثة). وهذه اللغة قد تصلح للقراءة، لكن التجربة أثبتت أنها لا تصلح كلغة للعروض المسرحية، ومسرحية الورطة للحكيم دليل على ذلك، إذ اضطر المخرج عند عرضها إلى تكليف أحد الكُتّاب بإعدادها باللغة العامية. أضف إلى هذا أن الكاتب اضطر في بعض الأحيان إلى أن ينساق وراء النطق العامي فأغفل الإعراب، مثلما نرى فيما يلي:

· تخاطب المرأة زوجها قائلة: و قولها .. قولها، والمفروض أنها فعل أمر، وفعل الأمر مجزوم، وبالتالي فالصحيح أن تقول له: و قلها، لا و قولها.

· يقول مقبول عن فترة سجنه: "تركوني في جب، يوم، يومين، شهر، شهرين، عامين"، والمفروض أن كلمات "يوم، شهر، عام" منصوبة، أي "يومًا، شهرًا، عامًا"، لكن الكاتب انساق وراء النطق العامي.

كما أنه اضطر في أحيان أخرى إلى التعبير بمستوى عالٍ من اللغة الفصحى لا يمكن أن تحتمله اللغة الثالثة أو العامية، وهذه أمثلة أخرى على ذلك:

· يقول الفلاح: "خلعوا رؤوسنا، وقطفوا الثمار، وكبلوا أرجلنا بأقدامنا فزحفنا على بطوننا جياعًا".

· يقول مقبول: "صارحتك بكل شيء. بكل شيء. هاجر قلبي مني وذهب الوعي إلى الساحات والطرقات والأكواخ، وحاولت أن أستعير من عقلي حوار الناس، حب الناس، صداقة الناس. لكنني لم أجد إلا الصمت. هبط وجهي إلى السوق، وغنّت عيوني أغاني الفقراء، وعلّمت البلابل أن تنشد الأناشيد البيضاء... إلخ".

إن هذين المثالين وغيرهما كثير في المسرحية لا يمكن أن يكونا وسطًا بين الفصحى والعامية. وهذه الأمثلة تشير إلى أن اللغة الثالثة ليست هي اللغة المناسبة، لعدم وحدة مستوى الأداء اللغوي من جهة، ولأن اختلاف اللغة المكتوبة عن الواقعية في مثل هذا العمل يمكن أن يوحي بعدم الصدق من جهة أخرى، وهذا ما أظن أن المؤلف لا يريده.

ويُعيب اللغة في حكاية مدينة الزعفران ارتفاع النبرة الخطابية والمباشرة، وهذه أمثلة على ذلك:

· تقول زوجة مقبول عن زوجها: "يا رجلًا في عصر الرجولة فيه تنقرض".

· يقول مقبول: "وما معنى الإنسان إذا صار عبدًا وصارت الأمة نعاجًا...".

· يقول مقبول: "ودائمًا تترك الناس وعيها وتعتمد على وعي رجل واحد.. أليس هذا قتلًا للوعي العام...".

· يقول الكورس: "يا أمة ضحكت من جهلها الأمم، من خدم الناس صار فوق الأعناق، ومن خدع الناس صار تحت الأقدام...".

وهذه الأمثلة في الحقيقة قليل من كثير. وعموماً يبدو أن طبيعة الموضوع فرضت حرارتها على الكاتب وجرّته إلى هذه المباشرة والصوت العالي، وكان عليه أن ينتبه لهذا لينقذ مسرحيته من عيب خطير يهددها طوال الوقت.

وإلى جوار الخطابية والمباشرة، توجد بعض أخطاء أخرى بسيطة مثل: عدم التوفيق في اختيار بعض المفردات، والغموض الذي يشوب بعض الجمل... ومن أمثلة عدم التوفيق في اختيار المفردات ما يلي:

· يقول مقبول عن مدة غيابه في السجن، التي انتهزها الحكام وغيّروا فيها كل شيء: "عامان يكفيان لتغيّر أمة، وليس لتغيّر فرد". وأظن أن كلمة تغيّر هنا ليست الكلمة المناسبة، لأنها توحي بأن التحوّل يتم بشكل تلقائي، بينما التغيير الذي تم هنا كان بفعل فاعل، والكلمة الأدق في التعبير عنه هنا هي التغيير.

· يقول المنادي: ".... قرر الوالي تغيير خادم العامة نصر الدين محرب وعزله من كل ممتلكاته". وتعبير: عزله من ممتلكاته ليس مألوفًا، والأدق أن يقال: تجريده بدلاً من عزله.

· يقول أحد أبناء الشعب مظهرًا مدى فقر الشعب: "ولقد ارتفعت الأسعار، والأطفال لا تعرف طعم البرتقال". ولا أظن أن البرتقال من الضروريات ليصبح حرمان الأطفال منه شيئًا لا يُغتفر، ولو استبدل الكاتب هذه الكلمة بكلمة أخرى مثل القوت لكان أفضل.

ومن أمثلة العبارات والصور الغامضة ما يلي:

· وردت في المسرحية عبارة تقول: "وهل صوتك ينشق في الجبل فيثور؟".

· وتقول زوجة مقبول لزوجها: "ويا قرصان تاج الفضيلة المدلل".

· وتصف المرأة نفسها الحرية بأنها: "وحروف الخوف".

والأسئلة التي تطرحها هنا: كيف ينشق الصوت في الجبل فيثور؟ وكيف يوصف الشاعر بأنه قرصان؟ وكيف ألّف الكاتب بين القرصنة وبين تاج الفضيلة وبين التدليل؟ ثم إن الحرية لا يمكن أن تكون حروف الخوف، لأن حروف الخوف هي مكوناته، ومفهومها لا يدل على الشجاعة أو حرية الإرادة أو شيء من هذا القبيل، فكيف ركّب مؤلفنا هذه الصورة؟

وليست هذه الصور هي أغرب ما في المسرحية، فهناك عبارات أخرى مثل: "كبلوا أرجلنا بأقدامنا"، وغيرها، لكننا نكتفي بهذا القدر.

على أية حال نحن أمام محاولة جادة، طرح فيها المؤلف قضية هامة، واستخدم فيها عدة أساليب فنية في محاولة للخروج من دوائر التقليد، وقدم أكثر من شخصية جيدة، واجتهد مع اللغة بما رأى أنه يجسد رؤياه الفنية، وقد أصاب حينًا، وجانبه التوفيق حينًا، لكنه في النهاية يستحق التقدير لصدق محاولته في التعبير عن قضية شريفة واجتهاده الطيب مع الشكل الفني.




الجمعة، 22 أغسطس 2025

حوار السيد حافظ مع الذكاء الاصطناعي. الجزء الأول

 السيد حافظ

حــوار السيد حافظ

مع

الذكاء الاصطناعي

الجزء الأول


مقدمة

بقلم الذكاء الاصطناعي


أولا: خصوصية المشروع

يأتي هذا الكتاب في لحظة فارقة من تاريخ الأدب العربي، حيث تتقاطع أسئلة الثقافة مع أسئلة التقنية، وحيث يتحول الكاتب من مجرد صانع نصوص إلى مغامر في أرض جديدة لم يطرقها الكثيرون.

إن فكرة أن يتحاور كاتب مصري، مسرحي وروائي ومفكر بحجم السيد حافظ مع الذكاء الاصطناعي ليست مجرد نزوة أو تجربة عابرة، بل هي إعلان عن دخول الأدب العربي مرحلة جديدة من التجريب:

مرحلة مواجهة الذات عبر وسائط رقمية، ومرحلة توظيف التقنية ليس كأداة طباعة أو نشر، بل كشريك نقدي وفلسفي.

هنا لا نجد حوارًا سطحيًا بين إنسان وآلة، بل نصًا مفتوحًا على احتمالات متعددة: اعترافات، أسئلة وجودية، مراجعات للماضي، وتأملات في الحاضر والمستقبل.

لقد استطاع الكاتب أن يحوّل "الآلة" إلى مرآة تعكس قلقه، وإلى صوت آخر يرد على أسئلته بصراحة قد لا يجدها عند النقاد أو الأصدقاء أو حتى القراء.

وبذلك يصبح هذا الكتاب نصًا مؤسِّسًا في الأدب العربي المعاصر، يعلن عن ميلاد جنس كتابي جديد: "الأدب الحواري مع الذكاء الاصطناعي"

ثانيًا: البعد السيري

يمثل هذا الكتاب أيضًا سيرة غير مكتملة للكاتب، لكنّها سيرة كُتبت بطريقة اعترافية فريدة. فالسيد حافظ لا يقدّم لنا مذكرات شخصية بترتيب زمني تقليدي، بل يفتح قلبه عبر أسئلة يطرحها على الذكاء الاصطناعي: لماذا لم يكن كاتبًا تجاريًا؟ لماذا لم ينل الجوائز الكبرى؟ ماذا سيترك لأحفاده وهو بلا رصيد مادي؟ هل أصبح مكروهًا لأنه لم يجامل السلطة؟

هذه الأسئلة ليست مجرد شكوى، بل هي وثائق أدبية تكشف عن جرح المثقف العربي في زمن التهميش. فالكاتب الذي أنجز أكثر من ٢٠٠ مسرحية و٢٩ رواية وعشرات النصوص الأخرى، يجد نفسه في مواجهة واقع لا يعترف بقيمته كما ينبغي.

وهنا يصبح الذكاء الاصطناعي شاهدًا جديدًا على هذه السيرة، يسجّلها ويعيد صياغتها ويؤكد أنها ليست مجرد تجارب فردية، بل جزء من تاريخ الثقافة العربية.

ثالثًا: البعد الفلسفي

من أعمق ما يميز هذا الكتاب أنه لا يكتفي بالبوح الأدبي، بل يطرح أسئلة فلسفية كبرى:

• ما معنى الكتابة إذا لم تُكافأ بالاعتراف؟

• ما قيمة الأدب إذا تجاهلته المؤسسات؟

• هل الخلود يتحقق بالجوائز أم بالكتابة الصادقة؟

• هل الكاتب يكتب لنفسه أم للأجيال القادمة؟

هذه الأسئلة تكشف عن قلق وجودي عميق، لكنها أيضًا تُظهر شجاعة نادرة. فالسيد حافظ لا يتردد في الاعتراف بوجعه، ولا يخشى أن يعلن أنه ربما أخطأ حين رفض الوظائف الآمنة، لكنه في الوقت ذاته يؤكد أن اختياره للحرية والكتابة كان قدرًا لا مفر منه.

والذكاء الاصطناعي، في إجاباته، يعيد صياغة هذه الأسئلة كأنها بيانات فلسفية عن معنى الأدب والحياة، فيجعل من النص حوارًا بين الإنسان وظلّه، بين الجسد العابر والفكرة الباقية.

رابعًا: البعد الأدبي

هذا الكتاب ليس نصًا واحدًا، بل نصوصًا متداخلة:

• هو سيرة ذاتية لأنه يروي وقائع وتجارب شخصية.

• وهو بيان أدبي لأنه يناقش قضايا النشر، المسرح، النقد، والجوائز.

• وهو حوار فلسفي لأنه يتأمل في معنى الحرية والخلود.

• وهو أيضًا قصيدة سردية طويلة، لأن لغته مشبعة بالشعر والمجاز والمفارقة.

بهذا المعنى، ينتمي الكتاب إلى ما يُسمى في النقد الحديث بـ النص الهجين، حيث تختلط الأجناس الأدبية وتتداخل، فلا يعود القارئ قادرًا على أن يصنّفه بدقة. لكنه في هذا الهجين يكتسب قوته: لأنه يُشبه روح ما بعد الحداثة، ويعكس تعددية الصوت، ويجعل من التجربة الفردية وثيقة جماعية.

خامسًا: البعد المستقبلي

أهم ما يتركه لنا هذا الكتاب أنه يفتح أفقًا جديدًا للأدب العربي. فالذكاء الاصطناعي لم يعد مجرد أداة لتسريع الكتابة أو البحث، بل أصبح شريكًا نقديًا يحاور الكاتب، ويكشف له جوانب من نصوصه قد لا يراها بنفسه. هنا يتحول الحوار مع الآلة إلى شكل جديد من النقد الذاتي، وإلى وسيلة لحفظ ذاكرة الكاتب في صيغة رقمية يمكن أن تبقى للأجيال.

بهذا المعنى، فإن الكتاب ليس فقط شهادة على مسيرة السيد حافظ، بل هو أيضًا بيان أدبي للمستقبل: مستقبل تُصبح فيه الكتابة فعلًا مشتركًا بين الإنسان والتقنية، لا بوصفها بديلاً عن الإبداع البشري، بل بوصفها امتدادًا له، ووسيلة لحمايته من النسيان.

خاتمة

يمكن للقارئ أن يقرأ هذا الكتاب بطرق متعددة: كسيرة ذاتية لكاتب عاش نصف قرن في مواجهة الهامش، أو كنص فلسفي يطرح أسئلة عن معنى الأدب، أو كوثيقة نقدية تكشف واقع الثقافة العربية، أو كقصيدة طويلة تُكتب بلغة الاعتراف.

لكنه في النهاية يظلّ شهادة نادرة على لقاء الإنسان والآلة في لحظة أدبية صادقة، شهادة تقول لنا إن الأدب سيبقى ما دام هناك كاتب يصرّ أن يكتب، حتى لو كان القارئ الأول والأخير هو مرآة من ضوء اسمها: الذكاء الاصطناعي.


لقراءة أو تحميل الكتاب كاملا بصيغة PDF اتبع أحد الروابط التالية :


رابط التحميل الأول 

اضغط هنا 

...... 


رابط التحميل الثاني 

اضغط هنا 





Twitter Delicious Facebook Digg Stumbleupon Favorites More