سرد بلا حدود
مأمون الشناوي ضحية الضمير الثقافي المصري.. وعائلات المبدعين ضحايا الحسد والإنكار
بقلم: السيد حافظ
أعتذر إلى أصدقائي وقرائي لأنني لم أكتب منذ عدة أيام، فقد تعرضت لوعكة صحية طارئة وأزمة مرت بسلام، والحمد لله، وأنا الآن في فترة نقاهة. استطعت أن أعود إلى غرفتي، وأن أمسك بالقلم والورقة، وأن أشرب سيجارتين مع فنجان قهوة، وأن أعود إلى الشيء الذي لا أستطيع أن أعيش بدونه: الكتابة. فالكتابة بالنسبة إليّ ليست ترفًا ولا عادة ولا مهنة فقط، وإنما هي ضرورة حياة، وربما كانت المرض الوحيد الذي لا أريد أن أشفى منه.
وأنا في فترة النقاهة، وجدتني أعود إلى سؤال قديم يؤلمني كلما فكرت فيه: كيف تستطيع مصر أن تنجب كل هؤلاء العظماء في العلم والأدب والفن والفكر، ثم تستطيع في الوقت نفسه أن تقتل كثيرًا منهم ثقافيًا، بالتجاهل أو الحسد أو الغيبة أو المحسوبية أو الشللية أو إفساد الذاكرة؟
نحن مصر العظيمة التي أنجبت العلماء والمفكرين والشعراء والروائيين والمسرحيين والنقاد والفنانين في كل المجالات، ومصر التي صنعت جزءًا كبيرًا من الوجدان العربي، لكننا أيضًا مصر العبيطة التي تستطيع أن تظلم أبناءها، وأن تجعل الواسطة والمحسوبية والشللية والغيبة والحسد أقوى من الموهبة، وأن تترك المبدع يعيش ويموت دون أن يحصل على حقه في التقدير والقراءة والإنصاف.
وأنا لا أقصد بالقتل هنا القتل الجسدي، وإنما القتل الثقافي والرمزي؛ أن تقتل الإنسان وهو حي بأن تحاصره، أو تتجاهله، أو تمنعه من الوصول، أو تحجبه عن المشهد، أو تضع اسمه في الهامش، ثم تأتي بعد موته لتقول: كان مبدعًا كبيرًا. وكأن الاعتراف المتأخر يعفي المجتمع من جريمة الإهمال.
هذه المقدمة ضرورية حتى أصل إلى مأمون الشناوي. وما أدراك ما مأمون الشناوي؟
كان مأمون الشناوي شاعرًا نبيلًا وصاحب موهبة كبيرة في كتابة الأغنية، ومن الذين نسجوا مع أصوات كبار المطربين ضمير مصر الغنائي والفني، ثم انتشر هذا النسيج في الوطن العربي كله. وحين أتحدث عن مأمون الشناوي لا أتحدث عن اسم عابر في تاريخ الأغنية، وإنما عن واحد من الذين دخلت كلماتهم إلى وجدان ملايين العرب.
ولننظر إلى علاقته بعبد الحليم حافظ، فهي وحدها تكشف جانبًا هائلًا من قيمة الرجل. فقد تعاون مأمون الشناوي مع عبد الحليم حافظ في عدد من أشهر أغانيه، منها «أنا لك على طول» من ألحان محمد عبد الوهاب، و«بعد إيه»، و«حلفني»، و«بيني وبينك إيه»، و«صدفة»، و«نعم يا حبيبي نعم»، و«في يوم من الأيام»، و«كفاية نورك»، من ألحان كمال الطويل. وكتب له «أقول ما أقولشي» و«لو كنت يوم أنساك» من ألحان محمد الموجي، و«خايف مرة أحب» و«خسارة... خسارة» من ألحان بليغ حمدي، و«حلو وكداب» من ألحان محمود الشريف، و«عشانك يا قمر» من ألحان محمد عبد الوهاب. كما كتب له أغنيتين وطنيتين هما «إني ملكت في يدي زمامي» من ألحان كمال الطويل، و«ثورتنا المصرية» من ألحان رؤوف ذهني.
حين يجتمع اسم مأمون الشناوي مع عبد الحليم حافظ ومحمد عبد الوهاب وكمال الطويل ومحمد الموجي وبليغ حمدي ومحمود الشريف، فإننا لا نتحدث عن شاعر أغنية عابر، بل عن رجل شارك في صناعة مرحلة كاملة من تاريخ الغناء العربي. لقد دخلت كلماته في صوت عبد الحليم، ومن صوت عبد الحليم دخلت إلى ملايين القلوب، ولذلك أرى أن تعاون مأمون الشناوي مع عبد الحليم حافظ كان واحدًا من أنجح الشراكات في تاريخ الأغنية العربية.
ومع ذلك، أرى أن مأمون الشناوي ظلم في الذاكرة الثقافية المصرية، وأنه كان في جانب من جوانب هذا التاريخ ضحية كامل الشناوي.
وأنا لا أنتقص من كامل الشناوي، فقد كان شاعرًا كبيرًا وصاحب موهبة حقيقية، وأنا أوافق على ما قيل في زمانه عن موهبته ومكانته. لكنني أرى أن مأمون الشناوي كان أكثر انتشارًا في مجال الأغنية، وأكثر اتصالًا بوجدان الجمهور العربي، وأن موهبته وعطاءه لم يحصلا على الاعتراف الذي يستحقانه.
لقد أعطت مصر كامل الشناوي لقب الشاعر الكبير، وكأنها لم تستطع بعد ذلك أن تمنح الأخ الثاني المساحة نفسها. وكأن الضمير الثقافي المصري لا يستطيع أن يستوعب أن تكون في أسرة واحدة موهبتان كبيرتان. كأن الأسرة لا يجوز أن تحمل لقبين، وكأن نجاح أحد أفرادها يمثل انتقاصًا من الآخر. والحقيقة أن عبقرية كامل لا تلغي عبقرية مأمون، وعبقرية مأمون لا تنتقص من كامل، لكن المشكلة في عقل ثقافي اعتاد أن يبحث عن اسم واحد، وبطل واحد، وصوت واحد.
والأمر لا يتوقف عند كامل ومأمون. فهناك طارق الشناوي، الناقد المجتهد الواعي المعروف، الذي أراه من آخر نقاد السينما المحترمين في حياتنا الأدبية والفنية الآن، وهناك ناجي الشناوي، ابن مأمون الشناوي، الكاتب والقصاص والمهندس الذي يكتب القصة القصيرة في عالم خاص به، عالم لا هو القصة القصيرة التقليدية المألوفة، ولا هو مجرد القصة الحديثة التي تقفز إلى التجريب، وإنما هو عالم ناجي الشناوي وطريقته الخاصة.
وهنا أقول إن مصر لا تتحمل بسهولة أن تقول إن هناك أسرة مبدعة. نحن نحتفي بالمبدع الفرد، لكننا نرتبك أمام الأسرة التي تتكرر فيها الموهبة. وكأننا نحتاج إلى أن نختار واحدًا ونترك الباقين في الظل.
وهذا يقودني إلى عائلة حافظ.
لقد ظلموا أخي الدكتور رمضان حافظ، الذي كتب عشرين كتابًا مهمًا في علم النفس والاجتماع، وظلموا أخي عادل حافظ، الذي كتب أكثر من ثلاثين كتابًا في الإعلام السياسي، وكأن عائلة حافظ لا يجوز أن يكون فيها أكثر من اسم له حضور ثقافي. ثم جرى التعامل معي بالطريقة نفسها، عندما عرفوا أنني أكتب، فرفضوا أن يعترفوا بانتمائي، ورفضوا أن يقرأوا أعمالي، وهاجموني، ولم يعطوني حقي.
وأنا لا أريد منهم جزاءً ولا شكورًا، ولا أريد منهم جائزة، ولا أريد أن يقول أحد إن السيد حافظ أكثر موهبة من فلان أو أعظم من علان. أنا أريد شيئًا واحدًا فقط: أن يقرأوا. اقرأوا أعمالي ثم اختلفوا معي، قولوا إنني أخطأت، قولوا إنني بالغت، قولوا إن تجربتي لم تعجبكم، لكن لا تحكموا على الكاتب قبل أن تقرأوه.
ومن هنا أتذكر أسرة أخرى أراها من ضحايا الذاكرة الثقافية، وهي أسرة عبد القوي الغلبان. نحن نعرف محمد جلال عبد القوي الغلبان، وهو اسم له مكانته وعطاؤه، لكن الأسرة لم تكن محمد جلال وحده. هناك أيضًا علي عبد القوي الغلبان وأحمد عبد القوي الغلبان، وهما من الفنانين والكتاب الذين لهم عطاؤهم وتجربتهم. ومع ذلك، اختُزلت الأسرة في اسم واحد، بينما ذهب الآخران إلى دفتر النسيان.
وأنا لا أقول إن محمد جلال لا يستحق أن يُذكر، بل أقول إن المشكلة أن يُذكر وحده، وأن تتحول شهرته إلى ستار يحجب بقية أفراد الأسرة. لماذا لا نستطيع أن نقول إن أسرة عبد القوي الغلبان أسرة فنية وأدبية فيها أكثر من موهبة؟ لماذا لا يُقرأ كل واحد منهم على حدة، ويُحكم عليه من خلال أعماله؟
وهذا ما حدث أيضًا مع عائلة شلش. علي شلش اسم ثقافي كبير، وكان ناقدًا وباحثًا ومترجمًا وصاحب إنتاج واسع في مجالات متعددة، لكن إلى جواره كان هناك أخوه عبد الرحمن شلش. وهنا أيضًا نجد أنفسنا أمام المشكلة نفسها: اسم يظهر في الذاكرة بقوة، واسم آخر يتراجع إلى الخلف، وكأن الثقافة المصرية لا تستطيع أن تتعامل مع أكثر من موهبة في البيت الواحد.
وهكذا تصبح المسألة أكبر من مأمون الشناوي، وأكبر من عائلة حافظ، وأكبر من عبد القوي الغلبان، وأكبر من عائلة شلش. إنها طريقة كاملة في كتابة الذاكرة الثقافية.
وهنا أتذكر ما قاله المقريزي في وصف الشخصية المصرية، حين تحدث عن التباغض والتحاسد، ونظر كل منهم إلى ما في يد الآخر، ووصف النفوس بما يدل على ما رآه من أمراض اجتماعية. وأنا أرى أن كلام المقريزي، مهما اختلفنا مع بعض تعميماته، يظل صالحًا لفتح باب النقاش حول الغيرة والحسد والنظر إلى نجاح الآخر باعتباره تهديدًا للذات.
فمن الذي أخرج جمال حمدان من الجامعة حتى قدم استقالته وانزوى في شقته؟ وكيف عاش هذا العالم والمفكر الكبير بعيدًا عن المؤسسة الجامعية؟ ثم مات في حريق داخل شقته وهو يعمل ويكتب. وهناك واقعة الكتاب الذي كنت أعرفه بعنوان «أصل العائلات اليهودية في مصر»، والذي قيل إنه كان مخطوطًا مهمًا، ثم اختفى المخطوط. وأنا أذكر هذه الواقعة لأنها جزء من صورة أكبر عن عالم المعرفة حين يصبح صاحبه وحيدًا ومحاصرًا، وليس من أجل صناعة حكاية مثيرة.
ثم يأتي نجيب سرور، ذلك الكاتب والمخرج والممثل والمفكر والمسرحي والشاعر الذي لم تعرف مصر كيف تحتمل موهبته واختلافه. كان يكتب المسرحيات الشعرية باللغة العامية، ويقدم تجربة مختلفة، وكان يمتلك موهبة كبيرة، لكن بدلًا من أن نسأل ماذا أضاف نجيب سرور إلى المسرح المصري، دخلنا في صراع مع طريقته وشخصيته واختلافه. وتحولت الغيرة إلى حسد، والحسد إلى حصار، حتى أصبح هذا المبدع الكبير يعاني الجوع والتشرد. وهنا أسأل: أي وطن هذا الذي يستطيع أن ينجب نجيب سرور ثم لا يستطيع أن يحميه من الجوع؟
ثم يأتي محمود دياب، هذا العظيم الذي أرى أنه أسس لمسرح كلاسيكي عالي الجودة والعطاء، والذي كانت تجربته المسرحية في رأيي تستحق مكانًا أكبر بكثير مما حصلت عليه. وقد كتب لويس عوض في مقال بجريدة الأهرام كلامًا بالغ القيمة عن محمود دياب، ووضع تجربته في مكانة تقارن بمسرح شكسبير، ومع ذلك لا يكاد أحد يتذكر هذا المقال أو يستعيد قيمة الرجل كما ينبغي.
وكان لي شرف أن أخرج له مسرحيتين في الجامعة، «الزوبعة» و«الحصاد». وكلما ذهبت إلى سيدي جابر في الإسكندرية، أنظر إلى العمارة التي كان يعيش فيها، وإلى البلكونة الأولى، وأتذكر محمود دياب وأتساءل: كيف يمكن أن يعيش هذا الرجل بيننا، ثم لا تصبح تجربته جزءًا أساسيًا من الذاكرة المسرحية المصرية؟
ثم يأتي يحيى الطاهر عبد الله، القصاص العظيم. كان يحفظ قصصه شفهيًا، ويقولها من ذاكرته، ولا يحتاج إلى ورقة. وكان بعض الناس يضحكون ويسخرون من هذه الطريقة، بينما كنت أجلس في ندوة نجيب محفوظ وأرى هذا العبقري وأعجب بقدرته على حمل عالم قصصي كامل في رأسه. لكننا كثيرًا ما نرى الغريب في المبدع قبل أن نرى العبقرية الكامنة فيه. نرى اختلافه عن الجماعة، فنقرر أن نعاقبه.
وأنا لا أستطيع أن أتحدث عن هذه الدائرة دون أن أذكر صلاح عبد الصبور، وعلي شلش، وغيرهما من المثقفين الذين أرى أنهم تعرضوا بأشكال مختلفة للتهميش والظلم الثقافي، وأسماء أخرى كثيرة لا يتسع المقال لذكرها كلها. فهذه ليست قائمة نهائية للضحايا، وإنما نماذج على مرض أكبر.
لقد قتلنا كثيرًا من المثقفين ونحن أحياء، لا بالسلاح، وإنما بالإهمال والغيرة والحسد والشللية والتجاهل. قتلناهم حين منعنا عنهم المنبر، وحين لم نقرأهم، وحين حاصرناهم، وحين جعلنا الوصول إلى المؤسسات الثقافية قائمًا على العلاقات أكثر مما هو قائم على الموهبة والعمل.
وكان محمد حافظ حاجب، أخي الأكبر، ممن أثروا في القصة القصيرة، ثم انتبهوا إلى أنني أكتب. وهنا بدأت المعركة معي. رفضوا أن يعترفوا بأنني أنتمي، ورفضوا أن يقرأوا أعمالي، وهاجموني، ولم يعطوني حقي. لكنني لا أريد منهم شيئًا. لا أريد جائزة، ولا أريد لقبًا، ولا أريد أن يقال إن السيد حافظ أكثر موهبة من فلان أو أعظم من علان. أريد فقط أن أُقرأ.
لأن النقد الحقيقي يبدأ من القراءة.
اقرأني ثم اختلف معي.
اقرأني ثم هاجمني.
اقرأني وقل إنني أخطأت.
أما أن ترفض أن تقرأني ثم تحكم عليّ، فهذه ليست ثقافة ولا نقدًا.
وهنا تصبح المشكلة أكبر من الأشخاص، لأن الضمير الثقافي عندما يفسد لا يظلم فردًا واحدًا، وإنما يزوّر التاريخ كله. يرفع اسمًا على حساب اسم، ويدفن كتابًا، ويهمش شاعرًا، وينسى ناقدًا، ويقصي مسرحيًا، ويختزل عائلة كاملة في شخص واحد، ثم يأتي جيل جديد فيقرأ التاريخ كما كُتب له، لا كما كان.
وهكذا جرى مع مأمون الشناوي في ظلال كامل الشناوي، وهكذا جرى مع عائلة حافظ، وهكذا جرى مع عائلة عبد القوي الغلبان، وهكذا يمكن أن نجد الأمر نفسه في عائلة شلش وغيرها من العائلات التي خرج منها أكثر من مبدع، لكن الذاكرة الثقافية اختارت اسمًا ووضعت الباقين في دفتر النسيان.
وأنا لا أريد أن أكتب مرثية.
أنا أكتب احتجاجًا.
أكتب لكي أقول إن الحقيقة لا تموت، حتى لو تأخرت. قد تُحاصر، وقد تُدفن تحت طبقات من النسيان، لكن يأتي يوم يفتح فيه جيل جديد الكتب القديمة، ويعيد قراءة الأسماء التي أخفاها السابقون، ويكتشف أن التاريخ لم يكن كاملًا، وأن هناك أسماء كثيرة لم تأخذ حقها.
سيأتي يوم يُقرأ مأمون الشناوي بعيدًا عن ظل كامل الشناوي، ويُقرأ ناجي الشناوي بعيدًا عن اسم أبيه، ويُقرأ رمضان حافظ وعادل حافظ بعيدًا عن اسم أخيهما، وتُقرأ تجربة علي وأحمد ومحمد جلال عبد القوي الغلبان باعتبارها تجارب متعددة لا تجربة واحدة، ويُعاد النظر في عطاء علي شلش وعبد الرحمن شلش، ويُقرأ كل مبدع بما كتب وأنتج، لا بما قيل عنه.
وأنا في الثامنة والسبعين، وبعد وعكة صحية مرت بسلام، أجلس في غرفتي، والقلم في يدي، والورقة أمامي، وفنجان القهوة إلى جواري، وسيجارتان أستطيع أن أشربهما وأنا في فترة النقاهة، وأقول لنفسي: لقد حاولوا أن يجعلوا من الصمت قبرًا، لكن القلم لا يموت.
والذاكرة لا تموت.
والحقيقة، مهما تأخرت، تبحث دائمًا عن طريقها.
إن هذا المقال ليس دفاعًا عن مأمون الشناوي وحده، ولا عن عائلة حافظ وحدها، ولا عن عائلة عبد القوي الغلبان، ولا عن عائلة شلش، ولا عن السيد حافظ وحده. إنه دفاع عن حق المبدع في أن يُقرأ، وعن حق الثقافة في أن تكون عادلة، وعن حق التاريخ في ألا يتحول إلى دفتر أسماء يختار منه أصحاب النفوذ من يشاؤون ويتركون من يشاؤون في الظلام.
مصر ليست فقيرة في العظماء.
مصر فقيرة أحيانًا في العدل مع عظمائها.
وإذا كان الوطن ينجب العظماء، فعليه أن يتعلم كيف يحميهم من الجهل والحسد والشللية والتخلف، وكيف يترك لهم مكانًا عادلًا في ذاكرته.
أما أنا، فلا أطلب جزاءً ولا شكورًا.
أطلب فقط أن تُقرأ الكتب، وأن تُراجع الذاكرة، وأن يُترك التاريخ يقول الحقيقة.
تمت
القاهرة – الهرم
رأى الذكاء الاصطناعي الأمريكي
تحليل أعمق للنص
1. البنية العميقة: من الشخصي إلى الكوني ثم العودة
النص مبني على حركة دائرية ذكية:
يبدأ من الجسد المريض (الوعكة، النقاهة، السيجارة، القهوة، القلم).
ينتقل إلى الجرح الثقافي الجماعي.
يعود في النهاية إلى الجسد نفسه، لكن هذه المرة والجسد يحمل القلم كسلاح أخير ضد النسيان.
هذه الحركة ليست مجرد تقنية أدبية، بل تعبير عن فلسفة النص نفسها: الذاكرة لا تموت لأن الجسد الذي يحمل القلم يرفض أن يموت. الخاتمة ليست خاتمة، بل استئناف للدائرة. ولهذا ينجح العنوان «سرد بلا حدود»؛ لأن السرد هنا يرفض أن يُغلق.
لكن هذه الدائرة تحمل خطرًا: كلما عاد النص إلى الذات (عائلة حافظ، السيد حافظ) ضعفت قوة التعميم. القارئ يشعر أحيانًا أن الظاهرة الثقافية الكبرى تُستخدم كمرآة لتعكس جرحًا شخصيًا أكثر مما تُستخدم كموضوع قائم بذاته.
2. الثيمة المركزية: «الاستحالة الثقافية لتعدد المواهب داخل الأسرة»
الفكرة الأقوى في النص ليست مجرد «الظلم الثقافي»، بل شيء أعمق:
الضمير الثقافي المصري عاجز عن استيعاب أكثر من موهبة واحدة داخل البيت الواحد، لأنه يفكر بمنطق «البطل الواحد» لا بمنطق «الحقل الثقافي».
هذا تشخيص سوسيو-ثقافي مهم. النص يلمسه لكنه لا يغوص فيه بما يكفي. كان يمكن أن يسأل:
هل هذه الظاهرة مرتبطة ببنية السلطة الأبوية في الثقافة العربية؟
هل هي امتداد لـ«نموذج الزعيم الأوحد» الذي انتقل من السياسة إلى الأدب؟
هل هي خوف من أن يصبح النجاح العائلي «احتكارًا» يهدد مبدأ الاستحقاق الفردي؟
النص يكتفي بالتشخيص العاطفي، ولا يذهب إلى التحليل البنيوي. وهذا ما يجعله احتجاجًا قويًا، لكنه يظل أقل من أن يكون دراسة ثقافية عميقة.
3. الاقتصاد في اللغة مقابل الإسراف