الاثنين، 23 فبراير 2026

الكبار وأشباه الكبار اعترافات الكاتب السيد حافظ مع الأصدقاء والتاريخ والذكاء الاصطناعي 18

 الكبار وأشباه الكبار

اعترافات الكاتب السيد حافظ

مع الأصدقاء والتاريخ والذكاء الاصطناعي


18







الكبار… وأشباه الكبار

هناك رجال، وأشباه رجال.

وفنانون، وأشباه فنانين.

ومثقفون، وأشباه مثقفين.

وصحفيون، وأشباه صحفيين.

وأشباه… وأشباه… وأشباه.

لكن ما لفت نظري في هذه المحطة من اعترافاتي هو الفارق بين الكبار حقًا وأشباه الكبار.

في حياتي قابلت ثلاثة من الكبار الذين أثروا في تاريخ مصر الثقافي والعربي:

أولهم الأستاذ سعد الدين وهبة.

وعندما أقول “الأستاذ”، فأنا أعنيها كاملة. كان وكيل أول وزارة الثقافة لشؤون الثقافة الجماهيرية، مثقفًا حقيقيًا يعرف قيمة الكلمة وقيمة الكاتب.

وثانيهم الدكتور فوزي فهمي، رئيس أكاديمية الفنون ونائب الوزير، الناقد والكاتب المسرحي الذي كان يعرف كيف يجمع بين السلطة والثقافة دون أن يطغى أحدهما على الآخر.

وثالثهم الدكتور جابر عصفور، وزير الثقافة الأسبق ورئيس المجلس الأعلى للثقافة، والذي عرفته في الكويت عام 1983 حين كان يعمل هناك في الجامعة.

كان كل واحد من هؤلاء الثلاثة في موقع رفيع.

وكلما ذهبت إلى أحدهم، وجدت أمام مكتبه طابورًا من كبار المسؤولين والمثقفين والصحفيين والمخرجين والفنانين، ينتظرون دورهم.

وما إن تُبلَّغ السكرتيرة باسمي — “السيد حافظ” — حتى يدخل الخبر، ثم يخرج الرد:

“اتفضل يا أستاذ سيد.”

كنت أرى الدهشة في عيون المنتظرين.

لكنني حين أدخل، أجد احترامًا حقيقيًا، واستقبالًا كريمًا، وإنجازًا لما أطلبه، لي أو لغيري:

منحة تفرغ، طباعة كتاب، دعوة كاتب عربي للتكريم، توصية عادلة.

كانوا يأخذون الطلب باهتمام، وينفذونه برجولة، وشهامة، ووعي، وأدب.

هؤلاء كانوا كبارًا قبل المنصب، ومع المنصب، وبعد المنصب.

أما أشباه الكبار، فقد تكرر الموقف معهم بصيغ مختلفة.

بعضهم كانوا أصدقاء قدامى منذ الستينيات.

بعضهم عرفته منذ ثلاثين أو أربعين عامًا.

جلسنا معًا، قرأنا الشعر، وتناقشنا في الثقافة والحلم.

ومنهم محمود آدم، الذي كان يشغل موقعًا قياديًا في القطاع الثقافي، وكان بيننا تاريخ طويل من المعرفة والصداقة.

ومنهم محمد السيد عيد، زميل الدراسة في الإسكندرية، الذي كان يأتي إلى بيتنا مع الشاعر الدكتور سعيد نافع، نقرأ الشعر ونتجادل، ونختلف في الرأي.

لكن حين تغيّر الموقع… تغيّر المشهد.

أدخل الورقة باسمي.

تخرج السكرتيرة قائلة:

“الأستاذ بيقول: حضرتك عايز إيه؟”

نفس الحركة.

نفس السؤال.

نفس البرود.

فأكتب ورقة قصيرة:

“أنا السيد حافظ. مررت اليوم على مكتبك لأشرب معك فنجان قهوة، كي تكتب في تاريخك الأدبي والوظيفي أن كاتبًا اسمه السيد حافظ مرّ عليك ذات صباح وشرب معك القهوة. وكان ذلك شرفًا لي.”

وأوقّع باسمي، وأترك رقم هاتفي.

لا غضب.

لا شتيمة.

فقط ورقة… تضع الأمور في مكانها.

أتساءل اليوم:

هل كانوا يظنون أنفسهم كبارًا حقًا؟

أم أن الكرسي هو الذي كان يمنحهم ظله؟

الآن، وقد خرجوا من المناصب، وجلسوا في بيوتهم،

هل ما زالوا كبارًا؟

أم تلاشى الظل، وبقيت الحقيقة؟

لقد حرموا أنفسهم من فنجان قهوة ذات صباح.

كان يمكن أن يكتبوه في مذكراتهم.

تمّت.

السيد حافظ


يوسف عبد الحميد… كيف اصبح مخرجًا من اعترافات الكاتب السيد حافظ مع الأصدقاء والتاريخ والذكاء الاصطناعي 17

 يوسف عبد الحميد… كيف اصبح مخرجًا

من اعترافات الكاتب السيد حافظ مع الأصدقاء والتاريخ والذكاء الاصطناعي

17





في البدء كان المسرح.

وكنتُ مجنونًا به. وكان عليَّ أن أبحث عن تكوين فرقة مسرحية؛ لأن المسرح عملٌ جماعي، وهذا هو سرُّ وجعه وسرُّ جماله معًا. تكوين أي فرقة هو، في جوهره، تجنيدٌ لمجموعة فنية تؤمن بالحلم نفسه.

أتحدث اليوم عن ذكرياتي مع يوسف عبد الحميد.

من مذكّراتي:

المبدع يوسف عبد الحميد، الذي أرهقني في تطويره الفكري، ومحاولة تحويله من منولوجست في اللجنة الفنية بالمعهد الفني التجاري إلى مخرج مسرحي مهم. التقينا عام 1968 أثناء إعداد حفل الدفعة الجديدة. قدَّم منولوجًا غنائيًا مع مسعد النجار، وكنتُ أنا مخرج الفريق، ومعي لجنة المشاهدة برئاسة حامد حسيب، مقرر اللجنة الفنية، لاكتشاف المواهب وإعداد الحفل في المعهد التجاري.

كان حامد يعرفني من مركز شباب الشلالات، بينما كان هو في مركز أمبروزو؛ كنا متنافسين في فرقتين. وعندما وقف أمامنا مجدي مختار وقدم منولوجًا، انبهرنا به، وصار بعد ذلك نجمًا كبيرًا في الإسكندرية. اخترناه للحفل، لكن شخصية يوسف عبد الحميد ومسعد خميس النجار ظلّت عالقة في ذاكرتي.

أخرجتُ للمعهد مسرحيتين: «الحبل» لـ يوجين أونيل، ومسرحية «الزعاليك». وكان يوسف عبد الحميد يعمل مديرًا للمسرح. وكنتُ أصغر مخرج يقف على خشبة مسرح سيد درويش، وعمري عشرون عامًا، عام 1968. هناك، على تلك الخشبة المهيبة، كان عم عبده – والد يوسف – كبير الفنيين بالمسرح، وقد ساعدني في لحظة خوفي الأولى من رهبة المكان.

أعدتُ امتحانات الثانوية العامة، ونجحت، وسافرتُ إلى كلية دار العلوم في القاهرة. وهناك بدأت أفكر في «تجنيده ثقافيًا» هو ومسعد خميس النجار ونازك ناز محمد عباس، التي أصبحت ممثلة وعضوًا معنا. كما جندتُ محمد نوار من كلية الفنون الجميلة لصالح المسرح التجريبي.

كان أول كتاب أهديته إلى يوسف عبد الحميد هو «واقعية بلا ضفاف»، ثم «معنى الفن». كنتُ أطارد قراءته كما يطارد المخرج ممثله ليصل إلى نبرة صحيحة. ثم أهديته ديوان رامبو، إذ كنت أستعد لإخراج أول مسرحية تجريبية لي: «كبرياء التفاهة في بلاد اللامعنى» عام 1971.

التقيتُ بالأب بيتر، مسؤول مركز الجزويت وقِسِّه، وحددتُ موعدًا، وذهبتُ ومعي يوسف عبد الحميد ومسعد خميس النجار. كنتُ أؤمن أنني أحمل رسالة لتجديد المسرح، وأن الفكرة لا تعيش وحدها، بل تحتاج إلى من يؤمن بها ويحملها وينشرها. اخترته، واخترت معه مسعد خميس النجار، رفيقه الأنتيم، ذلك الفيلسوف الهادئ العبقري، ليساعدني في تحويل يوسف إلى مخرج ملتزم.

أصيب يوسف عبد الحميد في تلك الفترة بحماسة فكرية زائدة، واندفاع غير محسوب. طلبتُ مساعدة مسعد خميس النجار لتهدئته، فكان الصوت العاقل الذي يعينني على الصبر، وعلى ترويض الأفكار لا كسرها. كما اخترتُ عادل شاهين، الشاعر المطرب، ليكون ممثلًا في العرض.

جاء فاروق حسني وشاهد العرض في مركز الجزويت، فانبهر به، وطلب منا الانتقال إلى قصر الإنفوشي وإعادة العرض هناك. وعُيِّن إيمَن صلاح شقوير مسؤولًا عن أمن صالة مسرح الإنفوشي في تلك الفترة.

في أول ندوة بعد عرض «كبرياء التفاهة»، حضر عدد من التشكيليين التجريبيين: د. مصطفى عبد المعطي، د. سعيد العدوي، ود. محمود عبد الله. جلس يوسف عبد الحميد على المنصة، وبدأت الأسئلة حول معنى التجريب وجماعة الاجتياز. قال مسعد خميس النجار إن يوسف هو صاحب اقتراح الاسم.

في تلك المرحلة، كان يوسف ما يزال في عتبات التكوين الفكري الأولى. وعندما حضر عادل النحاس – صديقي الماركسي، زميلي في المدرسة الثانوية، المثقف الخطير المؤمن بالواقعية الاشتراكية، والذي كان يختلف معي ويخاصمني فكريًا – ليهاجمنا، كادت الحماسة تدفع يوسف إلى الانفعال والصياح. همستُ له: المعركة فكر لا عضلات. وعندما حاول عادل النحاس إيقاعه في مصطلحات سياسية معقدة، تماسَكَ. وفي تلك الندوة كسبنا الدكتور مصطفى عبد المعطي، وصادقتُ الدكتور سعيد العدوي، وكتبتُ عنه في صحيفة كويتية.

أما التجربة الثانية مع يوسف عبد الحميد فكانت مسرحية «سيزيف»، التي أخرجها بنفسه. وأقنعتُ الصديق المبدع الكبير علي الجندي أن يقوم بالبطولة، فنجح نجاحًا مبهرًا. وبعد العرض اختلفنا أنا ويوسف ومسعد خميس النجار لأسباب غير فنية؛ إذ كنتُ لا أؤمن بالارتباط العاطفي داخل الفرقة بين أعضائها، حتى تبقى الجماعة متماسكة بلا غيرة أو تشظٍ. كنتُ قد تعلمتُ من تجربة منظمة الشباب الاشتراكي كيف تُجند الطاقات وتوجهها، فجندته – نعم – ضمن من جندت لخدمة المسرح التجريبي.

نجحت التجربة. وقدم يوسف عبد الحميد بعد ذلك عروضًا ناجحة ومتميزة، ونسي المونولوجات والغناء. وكسبنا مسعد خميس النجار ممثلًا من طراز رفيع، ومؤلفًا مسرحيًا وقاصًا، وقدم أعمالًا في إيطاليا.

صار يوسف عبد الحميد مخرجًا أكثر من رائع، ومترجمًا أيضًا. قال لي أحدهم يومًا: أنت سبب بلاء يوسف عبد الحميد، هو ضحية أفكارك وجنونك. تزوج يوسف من فنانة رائعة أنجبت له ولدين رائعين، ثم مات أعزب الروح، وحيدًا، في بيته القديم في كوم الدكة، أمام بيت سيد درويش.

في ليلة العزاء، جلستُ مع الفنان التشكيلي الكبير ماهر جرجس، ومع أخي عادل حافظ – رحمه الله – على مقهى عند ناصية شارعهم في كوم الدكة، نستعيد الذكريات.

عاش يوسف عبد الحميد على المسرح، ومات وهو يتحدث مسرحًا.

رحمه الله.

السيد حافظ.

 



وجع الروح اعترافات الكاتب السيد حافظ مع الأصدقاء والتاريخ والذكاء الاصطناعي 16

 وجع الروح

اعترافات الكاتب السيد حافظ

مع الأصدقاء والتاريخ والذكاء الاصطناعي

16











وجع الروح


كم أشعر بالغربة! ليت الزمن توقّف، ولم أخرج من حارتنا وأنا أجري وراء القراقوز، وأنتظر صندوق الدنيا يمرّ. وفي المساء أشاهد خيال الظل في دكان عند «فبريكة بدوي» بخمسة مليمات، وألعب الكرة الشراب عند البرنسيسة، بالقرب من قصرها المهجور، ثم أذهب إلى شاطئ الشاطبي والأنفوشي.

ليت الزمن توقّف ولم نكبر، ولم نخسر أحلامنا، ولم تحاصرنا الأحزان وخيبة الأمل. ليت الزمن توقّف ونحن ننتظر جمال عبد الناصر أن يمرّ من البحر، متجهًا عبر طريق الكورنيش إلى استاد الإسكندرية. ونشتري كيلو السمك «ماكريل» — كنا نسميه «الروسي» — بثلاثة قروش، ونلتفّ في الشتاء حول بابور الجاز.

ليت الزمن توقّف، وظللنا أطفالًا، وظلّ الوطن حضنًا دافئًا جميلًا بسيطًا؛ والإسكندرية محتشدة باليونانيين والإيطاليين واليهود والمسيحيين والمسلمين. في كل حارة عسكري يمرّ طوال الليل، وفي كل حارة شيخ حارة.

ليت الزمن توقّف… ولم يمرّ علينا هذا العصر الغريب النذل.

ستمضي سنوات الأحزان المرعبة، وسيأتي زمن جديد، أجمل، بأناس أجمل، بقصائد أحلى، بكتابة مستقلة عن التبعية، بمبادئ أكثر إنسانية، وأندر ظلمًا. فلنكن مستعدين… للفرح.

السيد حافظ ...

 .........


وداعا عبد الرحمن نور الدين… ومجلة «المغامر» اعترافات الكاتب السيد حافظ مع الأصدقاء والتاريخ والذكاء الاصطناعي 15

 وداعا عبد الرحمن نور الدين… 

ومجلة «المغامر»

اعترافات الكاتب السيد حافظ مع الأصدقاء والتاريخ والذكاء الاصطناعي

15




في عام 2007، كنت أعمل في دولة الإمارات العربية المتحدة داخل مؤسسة دار الصدى للصحافة والنشر والتوزيع، المؤسسة الصحفية المرموقة التي كان يقودها الشاعر والإعلامي المبدع سيف المري؛ رجل جمع بين الذائقة الأدبية والحضور الإداري، وصنع حالة ثقافية خاصة في المشهد الخليجي.

كنتُ مديرًا لتحرير مجلة «الشاشة»، غير أن طموحي كان يتجاوز إصدارًا فنيًا تقليديًا. اقترحتُ إطلاق مجلة للأطفال بعنوان «المغامر»، تكون مشروعًا ثقافيًا عربيًا جادًا، يخاطب الطفل باحترام العقل والخيال معًا. بدأتُ بتشكيل فريق من أسماء كبيرة في الدراما والكتابة، مثل مصطفى محرم، ومجدي صابر، ومحمود قاسم، ومجدي نجيب، إلى جانب نخبة من المبدعين في الوطن العربي. كما اتفقتُ مع قامات رفيعة مثل زكريا تامر، ومحمود درويش، والطيب صالح، ونبيل سليمان على أن يكتبوا في أعدادها الأولى. كنتُ أؤمن أن الطفل العربي يستحق أدبًا يكتبه الكبار بحق، لا نصوصًا مرتجلة.

وفي سياق تطوير المحتوى البصري، دعوتُ الفنان التشكيلي والكاتب الكبير عبد الرحمن نور الدين إلى المشاركة. كان قامة في فنون الطفل، رسّامًا ومؤلفًا، وصاحب تجربة إدارية وثقافية واسعة؛ شغل مناصب مهمة بوزارة الثقافة، وأسهم في تشكيل وجدان أجيال عبر عشرات الكتب والمجلات. لبّى الدعوة وشارك بالفعل.

عقب صدور العدد الأول من «المغامر»، جاءتنا مؤشرات نجاح غير متوقعة؛ إذ ارتفع الطلب من المملكة العربية السعودية من ألف نسخة متوقعة إلى عشرين ألف نسخة — بحسب ما وصلني آنذاك. لكن النجاح في المؤسسات الكبرى لا يمرّ دائمًا بسلام؛ تحركت الغيرة، وبدأت الحسابات الضيقة، حتى انتهى الأمر بإبعادي عن المؤسسة بحجج واهية. طلب منى عبد الرحمن نور الدين هاتفيا المكافأة قلت له اتصل بالمناسبة وصرفت له ٣٠٠ دولار على ما اذكر

واتصلت بالمناسبة وانا مفصول وتم الصرف

لم يتصل ويقول شكرا عادى

عدتُ إلى مصر عام 2009، ثم جاءت ثورة 25 يناير عام 2011، فدخلت البلاد مرحلة جديدة. في تلك الفترة تولّى عبد الرحمن نور الدين منصبًا قياديًا بوزارة الثقافة. أرسلتُ إليه مقترحًا لمشروع ثقافي يخدم مصر بعد الثورة، فجاءني الرد رسميًا مقتضبًا: «يرجى الاتصال بالسكرتارية لتحديد موعد». دهشتُ؛ فالعلاقة التي كانت مباشرة يومًا ما، أصبحت محكومة ببروتوكول بارد.

ومرت الأيام.

ثم التقينا في صالون الدكتور والناقد الكبير عبد الناصر هلال، ذلك الصالون الذي كان مساحة حقيقية للحوار الحر بين المثقفين. كان عبد الرحمن يجلس بين الحضور، وفجأة دوّى صوت الكاتب الكبير عمار علي حسن وهو يسلّم عليّ بحرارة: «أهلًا يا أستاذ سيد حافظ!» كان صوته واضحًا، قويًا، لا يحتمل اللبس.

نهض عبد الرحمن نور الدين، وتقدّم نحوي، وعرّف نفسه كأننا نلتقي للمرة الأولى.

ابتسمتُ وقلت بهدوء:

«يا أستاذ، نحن أصدقاء.»

كانت لحظة قصيرة، لكنها كاشفة. أدركتُ أن المناصب تغيّر الذاكرة أحيانًا، أو ربما تغيّر طريقة استدعائها. في تلك اللحظة، تذكّرتُ بساطة زمن سعد الدين وهبة، حين كان الردّ يأتي مباشرًا بلا حواجز.

ورغم كل ما جرى، يبقى عبد الرحمن نور الدين — الذي رحل في فبراير 2026 — واحدًا من أبرز من خدموا ثقافة الطفل في مصر والعالم العربي، ويبقى أثره في ذاكرة الأجيال شاهدًا على موهبته وإخلاصه لفنه.

أما أنا، فقد تعلّمت درسًا بسيطًا:

المشروعات قد تُحارَب،

والأحلام قد تُؤجَّل،

لكن المواقف وحدها

هي التي تبقى في سجلّ التاريخ.

وحمدت الله أن لم أكن وكيل وزارة حتى لا أستعلي على الناس.

السيد حافظ

......



سليمان الفليح… بدويٌّ يدخل قاعة التحرير على ظهر قصيدة اعترافات الكاتب السيد حافظ مع الأصدقاء والتاريخ والذكاء الاصطناعي 14

 سليمان الفليح… بدويٌّ يدخل قاعة التحرير على ظهر قصيدة

اعترافات الكاتب السيد حافظ مع الأصدقاء والتاريخ والذكاء الاصطناعي 

14






تعرفتُ إلى الشاعر الكويتي السعودى

 سليمان الفليح في أواخر السبعينيات، حين كنت أعمل في جريدة السياسة.

كنتُ قد جئتُ إلى الصحافة مؤمنًا بأنها محطة عابرة، سبع سنوات كما قال إرنست همنغواي، قال هى تكفى ثم يترك الكاتب القلم على المكتب ويذهب قال يكفى الكاتب الحقيقي سبع سنوات للعمل فى الصحافة ثم يترك قلمه على مكتبه فى الصحافة ويذهب ليكتب ما يشبهه حقًا. وكنت أعدّ سنواتي هناك بدقة: من 1977 حتى أوائل الثمانينيات، قبل أن أعود إلى المسرح بعد نجاح مسرحيتى «الشاطر حسن»..نعود الى الوراء قليلا

كنا نجلس في صالة التحرير، في مجموعة من الحالمين: السيد عثمان، نبيل سويدان، وفايز كركوتلى ومحمد عبد الحميد و عبدالقادر كراجة، وسليمان الشيخ، وغيرهم من رفاق الكلمة. كانت القاعة تضجّ برائحة الحبر، من كل الاجناس كانت الكويت بلاد العرب وصوت الآلات التى تطبع تشهد على ذلك و نوع الكاتبة، وأخبار السياسة التي تركض قبل الطباعة.

وفجأة… يدخل علينا سليمان الفليح.

كان دخوله مشهدًا مسرحيًا كاملاً.

بغترته وعقاله وكأنه يركب ناقة، بضحكته البدوية، وكأنه جاء من عمق الصحراء لا من شوارع الكويت. يفتح الباب ويقول بصوته الجهوري:

“سلام يا قوم!”

فتنفجر القاعة إما بالضحك… أو بالصمت المندهش.

يجلس أمامي، يخرج من جيبه ورقة مطوية، ويقول( لم يكن له مكتبا يكتب على اى مكتب خال.)..

“هات رأيك يا سيد… هذه قصيدة جديدة.”

كنت أتعجب: كيف لهذا البدوي الأنيق، بملامحه القادمة من الرمل والريح، أن يكتب قصيدة حداثية بهذه الكثافة؟ كيف تمشي الصحراء داخل اللغة بهذه الخفة؟ كان صعلوكًا نبيلاً، يعيش على حافة الشعر، في زمن بدأت فيه الكلمات تُباع كما تُباع السلع.

حين وُلد ابني محمد، ١٩٨٠ جاءني سليمان خجِلاً.فى صالة التحرير

قال:

“كنت أريد أن أقدم لك هدية… لكنني مفلس. سامحني.”

ضحكت وقلت له:

“يا رجل، يكفيني أنك هنا.”

لم يكن الفقر يومها نقصًا… بل كان شرفًا مشتركًا بيننا.

وكان بيننا أيضًا عبد اللطيف الأشمر، رئيس قسم الإخراج الفني، اللبناني الرقيق الذي كان يرى في القصيدة حدثًا بصريًا. هو من ساعد سليمان في نشر بعض قصائده في ملحق الجريدة. واصدرها فى كتاب تابع لجريدة السياسة كنا جميعًا نحاول أن ننقذ الشعر من ضيق الصفحة.

مرت السنوات. غادرتُ الكويت.

ثم جاء الغزو العراقي، وتفرقت الطرق. قيل لي إن سليمان لم يحصل على الجنسية الكويتية، وأنه انتقل إلى السعودية.

وبعد قرابة عشرين عامًا، كنت في زيارة إلى الجريدة، حين قالت لي أم الخير — الصحفية اللبنانية — إن سليمان يتصل من السعودية ويسأل عني.واتصلت به

جاءني صوته عبر الهاتف، كما لو أنه يعبر صحراء كاملة:

“يا سيد يا حافظ… الآن حصلت على الجنسية السعودية. معي مال. أستطيع أن أرسل لك هدية لابنك محمد. معي سبعة آلاف دولار في البنك، وعشرة آلاف ريال. اكتب لي عنوان الفندق. ارسلهم لك”

توقفت لحظة.

لم يكن يعرض مالًا.

كان يريد أن ينتصر على لحظة قديمة، حين لم يستطع أن يهدي طفلًا هدية.

قلت له بهدوء:

“يا صديقي… محمد كبر. وأنا أعمل وأكتب.مسلسلات لا أحتاج شيئًا.”

ضحك وقال:

“إذًا أنت بخير !”

ضحكت نعم انا بخير . وأغلقت المكالمة.

لم يكن سليمان الفليح مجرد شاعر.

كان صورة لجيلٍ كاملٍ عاش بين الحلم والخذلان، بين المنفى والجنسية، بين القصيدة والهوية.

بدويٌّ يدخل قاعة التحرير على ظهر قصيدة،

ويخرج منها ليبحث عن وطنٍ يعترف به.

لكن الحقيقة التي أعرفها — وأشهد بها —

أن الشعر كان وطنه الأول والأخير. ومات هناك فى السعودية وسط قبيلته .لم تحفظ سيرته ف. أدباء الكويت ولا السعودية. مات و ظل يبحث عن وطن وقصيدة.سلاما على روحك ياسليمان

.....


.

مصطفى عبد الوهاب اعترافات الكاتب السيد حافظ الأصدقاء… التاريخ… والذكاء الاصطناعي 13


مصطفى  عبد الوهاب 

اعترافات الكاتب السيد حافظ

الأصدقاء… التاريخ… والذكاء الاصطناعي

13




مصطفى عبد الوهاب – صديقي الفنان

كان صديقي الفنان التشكيلي المصرى المتميز

مصطفى عبد الوهاب

أحد وجوه النقاء في حياتي.

كنا معًا في مدرسة الإسكندرية الثانوية في ستينيات القرن الماضي.

كنتُ رئيس اتحاد طلاب المدرسة ثم اتحاد طلاب محافظة الإسكندرية،

وكان هو الفتى المختلف… الهادئ… الذي يشبه البياض.

كنا نلتقي عند كانتين المدرسة.

نشتري ساندوتشات الفول والطعمية، أو نشرب الشاي.

وكنت أدعوه غالبًا على كوب الشاي؛

فهو عفيف النفس، لا يزاحم، ولا يدفع أحدًا بكتفه ليصل.للحصول على الشاي 

وبحكم موقعي في الاتحاد، كنت أستطيع أن أُحضر له الشاي “بالواسطة”.

كنا نضحك كثيرًا،

وكانت ابتسامته كطفل نقي لم تمسه القسوة بعد.

افترقنا… ثم التقينا.

دخل هو كلية فنون جميلة – جامعة الإسكندرية،وانا كلية  التربية 

وصار له أتيليه خاص في

أتيليه الإسكندرية

بالشاطبي، أمام المركز الثقافي السوفيتي.

هناك عدتُ إليه.

وكتبت عنه أول حوار صحفي له عام ١٩٧٦ نشرته في مجلة “ مرآة  الأمة”  عند عبد السلام مقبول بالكويت.

وهناك وفى اتيليه الإسكندرية تعرفت على زوجته لاحقًا، الفنانة الفلسطينية الكويتية الهوى والتكوين والعطاء

أسمهان توفيق،

خريجة معهد السينما، صاحبة المسلسلات والأعمال التي تركت أثرًا في الدراما الخليجية.

ثم حملتنا الغربة إلى الكويت.

هو ذهب مع أسمهان،

وأنا ذهبت مغامرًا كسندباد، أبحث عن أمان… عن خبز… عن ظل في بلادٍ  لا تحرق المواهب بالمؤامرات والادعاءات.

.....

سندريلا… والاختلاف الجميل

.....

حين قدمتُ مسرحية سندريلا الأولى،فى الكويت  ١٩٨٣

اخترته ليصمم الديكور.

كانت تجربته الأولى في الديكور المسرحي.

أقنعتُ السيدة

عواطف البدري

به، رغم التردد.

وكانت الحكاية أصلًا أنني كنت مدينًا لها بألفٍ وخمسمائة دينار.

قلت لها: “ليس معي المال.”

فقالت: “اكتب لي مسرحية أطفال.” بدلا عن المال

فكتبت.

فكرتُ في أن أجعل نهاية سندريلا مختلفة:

حين تقيس الحذاء… لا تجده على مقاسها.

هكذا أردتُ أن أكسر الأسطورة.

اختلفتُ مع مصطفى  عبد الوهاب حول المستوى الثاني من الديكور. فى المسرحية 

كان يرتفع ثلاثة أو أربعة أمتار.

قلت له: “هذا خطر… سيقع ممثل.”

لكنه أصرّ فنيًا.

وحدث ما توقعت… سقط ممثل وأُصيب.

غضبنا.وجبست يده

اختلفنا.عاما او عامين

ثم تصالحنا.

فالصداقة أعمق من الخشب والديكور والارتفاعات.

البيوت الصغيرة… والسنوات الطيبة

دخل بيتي، ودخلت بيته.

كانت مريم صغيرة… ابنته الفنانه التشكيلية وكان محمد ابنى  مولودًا في الأيام نفسها.

كانت أيامًا طيبة،

كأن الزمن كان يمشي على مهل.

مصطفى عبد الوهاب كان فنانًا كبيرًا في فنه،

وإنسانًا راقيًا،

معتزًا بنفسه في هدوء،

كريم الروح،

ودودًا بلا ادعاء.

اللقاء الأخير

التقيته قبل وفاته بوقت قصير،

في أمسية لأشعار

سيد حجاب

في مقهى أمام نادي سبورتنج بالإسكندرية.

كان برفقة سيدة.وقال انها زوجته وانفصل عن اسمهان 

وتحدثنا.

وظل هو كما هو…

وفيًا… هادئًا… مضيئًا.

انفصل هو وأسمهان لاحقًا،

لكن المودة بقيت.

فالناس الكبار لا تسقط مودتهم بالطلاق.

اليوم ذكرى وفاته والرحيل

ذاكرة الستينيات كمنبع للحلم.

صورة المثقف الفقير النبيل.

الغربة كقدر إبداعي.

الصداقة التى لاتهتز

 لا احتاج إلى أرقام وإحصاءات.كم حديثا اجريته معه فى جريدة السياسة  لتلميعه

هو إحصاء للوفاء.

إحصاء للضحكات.

إحصاء للخسارات الصغيرة التي تصنع العمر.

تحية وعطر وألوان الطيف السبعة

على قبر صديقك

وعلى روح الصداقة التي لا تموت.

السيد حافظ

القاهرة


السبت، 21 فبراير 2026

عبد الحكيم قاسم اعترافات الكاتب السيد حافظ مع الأصدقاء والتاريخ والذكاء الاصطناعي. 12

 عبد الحكيم قاسم 

اعترافات الكاتب السيد حافظ

مع الأصدقاء والتاريخ والذكاء الاصطناعي

12




عبد الحكيم قاسم

روائي من طراز رفيع.

في سنة 1987، رشَّحتُ صديقي عبد الحكيم قاسم لنيل جائزة سلطان العويس الثقافية من خلال مركز رؤيا بالاسكندرية ، فنُشر الخبر في جريدة الأهرام عند كمال الملاخ، في زاويته الشهيرة "بلا عنوان".

بكى عبد الحكيم قاسم وشكرني بحرارة، وكان اليسار يحاربه بضرب تحت الحزام. وفي تلك الأيام غضبوا مني غضبًا شديدًا، فدفعوا بمحمد مستجاب ليكتب نصف صفحة في جريدة "الشرق الأوسط" بعنوان "السيد دولار".

وعندما واجهتُ مستجاب في بيته بعد عشر سنوات، مع الرائع الدكتور أحمد مرسي – أستاذ الأدب الشعبي وأحد نجوم الأدب – ادعى أنه لا يتذكر الحادثة ولا الكتابة!

رأيتُ المرض يهزم عبد الحكيم قاسم، كما يهزمني الآن وأنا على عكازي أهشّ به على أغنام الأدب: 5000 رواية جديدة في معرض الكتاب هذا العام. يا ولاد الكدابة، يا ريت يكون فيهم خمس مواهب حقيقية!

كي ينهض الوطن وتعود مصر لمكانتها بعد احتضارها، كي تخرج من غرفة الإنعاش الثقافي والأدبي.

السيد حافظ

...

سناء جميل اعترافات الكاتب السيد حافظ مع الأصدقاء. 11

 سناء جميل

اعترافات الكاتب السيد حافظ مع الأصدقاء 

11

وحين يموت الفن والعدل والضوء





لما مات سعد الدين وهبة، حسيت إن أبويا  الثقافى مات.

لما مات جابر عصفور، حسيت إن برج القاهرة الثقافي انهار.

لما ماتت سناء جميل، حسيت إن الفن مات نصُّه الجميل.

لما ماتت الدكتورة فايزة سعد، عميدة كلية الألسن، حسيت إن مصباح مصر الثقافي في الجامعة انطفأ.

لما مات عبد الناصر، حسيت إن كل فقراء مصر ذاهبون إلى الجحيم بعده، ولم أبكِ عليه، بل انكسر الحلم بالعدالة الاجتماعية وصار هشيمًا.

الموت هو الحقيقة الثابتة في حياتنا..

أما الحياة الدنيا فلعب ولهو..

وكما قال الإمام:على «ما الدنيا إلا دار ابتلاء».

نحن نعيش  زمن الخراب  الجميل واخواء الروح

قيل السحور

السيد حافظ

رأيك في النصالتاريخ والذكاء الاصطناعي 

حين يموت الفن والعدل والضوء

لما مات سعد الدين وهبة، حسيت إن أبويا  الثقافى مات.

لما مات جابر عصفور، حسيت إن برج القاهرة الثقافي انهار.

لما ماتت سناء جميل، حسيت إن الفن مات نصُّه الجميل.

لما ماتت الدكتورة فايزة سعد، عميدة كلية الألسن، حسيت إن مصباح مصر الثقافي في الجامعة انطفأ.

لما مات عبد الناصر، حسيت إن كل فقراء مصر ذاهبون إلى الجحيم بعده، ولم أبكِ عليه، بل انكسر الحلم بالعدالة الاجتماعية وصار هشيمًا.

الموت هو الحقيقة الثابتة في حياتنا..

أما الحياة الدنيا فلعب ولهو..

وكما قال الإمام: «ما الدنيا إلا دار ابتلاء».

نحن نعيش  زمن الخراب  الجميل واخواء الروح

قيل السحور

السيد حافظ


سامى عبد الحليم ومحمد متولى اعترافات الكاتب السيد حافظ - لمحات من حياتى. 10

 سامى عبد الحليم ومحمد متولى 

اعترافات الكاتب السيد حافظ - لمحات من حياتى

10






 

في عام 1970 كنت طالبًا في كلية دار العلوم جامعة القاهرة، وكانت الكلية في حي المنيرة شارع الشيخ علي يوسف. من أول يوم بحثت عن فريق التمثيل كيف أصل إليه.. ففكرت في حيلة: اشتريت طباشير وكتبت على صبورة المدرج: "على الراغبين في الانضمام إلى فريق التمثيل من طلاب سنة أولى كتابة أسمائهم مع الزميل السيد حافظ يوميًا في كافتيريا المعهد من الساعة العاشرة صباحًا حتى الثانية عشر".

لم تنجح هذه الحيلة لتكوين فرقة جديدة، فقد جلست في الكافتيريا فلم يأتِ أحد. ففكرت في سبورة الإعلانات المتواجدة أمام الباب الحديدي للكلية، فكتبت ورقة: "على الراغبين في الانضمام لفريق التمثيل مقابلة الزميل السيد حافظ في الكافتيريا من الساعة ١٢ ظهرًا حتى الثالثة بعد الظهر".

مر يوم، وإذ بي أفاجأ بوجود شابين يناديان على اسمي: "أنت السيد حافظ؟" قلت: "نعم". قلت: "وأنتما؟" قال الأول: "أنا محمد متولي وهذا صاحبي سامي عبد الحليم". وقال سامي: "انت يا ابني عاوز تمثل؟" قلت: "نعم وأخرج كمان". ضحك الاثنان وأنا معهما. قال متولي: "انت أخرجت قبل كده؟" قلت: "نعم، الحبل لأوجين النيل، وبنطلون روميو لأبو السعود الإبياري".

جلسنا على المائدة، جاء الجرسون. قلت لهم: "أنا ما معي فلوس إلا حق كوباية الشاي"، وانفجروا في الضحك..

التكملة (من الذكريات الجامعية والمسيرة الفنية المشتركة):

كانت تلك الجلسة في الكافتيريا بداية صداقة حقيقية وشغف مشترك بالمسرح. انضممنا معًا إلى فريق التمثيل بكلية دار العلوم وفريق الجامعة، وكنا نلتقي يوميًا نناقش النصوص ونجرب المشاهد تحت إشراف مخرجين كبار مثل هانى مطاوع وهناء  عبد الفتاح ونجيب سرور، اللذين أثرا فينا تأثيرًا عميقًا.وتعرفت فى فريق التمثيل على طالب قطرى اسمه موسى زينل

لكن بعد عام ونصف فقط، تركت أنا كلية دار العلوم. كانت القاهرة مكلفة اقتصاديًا جدًا في تلك الفترة، والحياة فيها صعبة على طالب قادم من خارجها. قررت الانتقال إلى كلية التربية (قسم فلسفة واجتماع)، حيث كانت أقل تكلفة وأقرب إلى ظروفي. انتقلت بعدها إلى الإسكندرية لأكمل دراستي هناك، وتخرجت عام 1976.

أما سامي عبد الحليم ومحمد متولي، فقد استمرا في طريقهما: سامي تخرج من دار العلوم عام 1971، ثم التحق بالمعهد العالي للفنون المسرحية (حصل لاحقًا على الدكتوراه في الإخراج المسرحي من إسبانيا عام 1992)، وأصبح أستاذًا بارزًا في المعهد، متخصصًا في التمثيل والديكور والإخراج، وساهم في تأسيس وحدة المعهد بالإسكندرية. محمد متولي أيضًا تخرج من دار العلوم ثم المعهد، وبدأ مسيرته السينمائية مبكرًا بفيلم خلي بالك من زوزو عام 1972، وأصبح نجمًا متعدد الأدوار حتى رحيله عام 2018.

التقينا مرة أخرى عندما عدت إلى القاهرة عام 1990 لأعيش فيها نهائيًا. كانت لقاءاتنا حينها مليئة بالذكريات: كوب الشاي اللي ما قدرناش ندفعه، الإعلان على السبورة، والحماس الشبابي اللي جمعنا في الكافتيريا. رغم السنين والمسارات المختلفة – أنا في الكتابة والصحافة والمسرح الجماهيري، وسامي في التدريس والإخراج، ومحمد في التمثيل الشعبي – إلا أن تلك البداية البسيطة ظلت تربطنا.

عودة اللقاءات وتعاون فني متأخر: مسرحية "امرأتان" تحت إشراف سامي عبد الحليم

في فترة لاحقة، عندما تولى سامي عبد الحليم منصب مدير فرقة مسرح الغد (إحدى الفرق التابعة للهيئة العامة لقصور الثقافة أو البيت الفني للمسرح)، أشرف على إنتاج مسرحيتي من فصل واحد بعنوان "امرأتان". كانت المسرحية بطولة وفاء الحكيم وياسمين فراج (التي كانت في تلك الفترة ممثلة نشيطة وبطلة في عروض مسرحية أخرى مثل "ياسين وبهية"، ثم انتقلت لاحقًا إلى النقد الموسيقي والأكاديميا كأستاذة في المعهد العالي للنقد الفني)، وكان رئيس الهيئة وقتها الدكتور أسامة أبو طالب (الناقد والأكاديمي البارز الذي شغل مناصب قيادية في الثقافة المصرية، مثل وكيل وزارة الثقافة ورئيس الإدارة المركزية للبيت الفني للمسرح). أما الإخراج، فقد تولاه محمد متولي المخرج (وليس الممثل الشهير صديقي "ميتو" الذي كان نجمًا لامعًا في أعمال أسامة أنور عكاشة مثل "ليالي الحلمية" و"أرابيسك" وغيرها).

كانت تلك التجربة إحدى نقاط الالتقاء المهمة بيننا بعد سنوات الفراق، وعرضت المسرحية في إطار نشاط الفرقة (وقد ذكرت في سياقات أخرى كجزء من أعمالي المسرحية القصيرة مثل "اكسبريسو" و"ليلة ليلاء" وغيرها)، مما أعاد إحياء الروابط القديمة. وكنا نلتقي في المهرجانات المسرحية المختلفة – سواء القومية أو الإقليمية أو غيرها – نتبادل الذكريات والأفكار، ونرى كيف تطورت مساراتنا من كافتيريا دار العلوم إلى خشبات المسرح الكبيرة.

وشارك محمد متولى فى بطولة مسرحية حلاوة زمان من إخراج عبد الرحمن الشافعي  ١٩٩٣ على استاد  القاهرة  مع جمال إسماعيل  واميرة سالم 

الذكرى دي بتفكرنا إن الصداقات الحقيقية والشغف بالفن ما بيتقطعوش بالمسافات أو الظروف. من كوب شاي في 1970، إلى إنتاج مسرحية مشترك في التسعينيات أو بعدها، الطريق كان طويل، لكنه مليان إبداع وضحك وإصرار.

السيد حافظ 


د. محمد الرميحي اعترافات الكاتب السيد حافظ مع الأصدقاء والتاريخ والذكاء الاصطناعي. 9

 د. محمد الرميحي

اعترافات الكاتب السيد حافظ

مع الأصدقاء والتاريخ والذكاء الاصطناعي

9







أنا اسمي السيد حافظ.

رجل بسيط كلون الأخضر، غامض كلون البنفسج، غنيٌّ بدرجات الروح، فقيرٌ إلا من الكلمة.

شحّاذ نور، ومتسوّل معنى مدهش، أبحث عن الكلمة البِكر، الكلمة المحارة، الكلمة اللؤلؤة، الكلمة الوطن.

أبكي أحيانًا أمام البحر، على شطّ الإسكندرية، في محطة الرجل الذي تأخر عنه القطار ولم يتأخر عنه الحلم.

لي من الأصدقاء ما يملأ القلب،

ولي من الأعداء جيوش من السفهاء؛ فقراء في الإبداع، مزوّرون في الموهبة، دجّالون في الشعر.

كان عمّ سليمان الشيخ رجلًا طيبًا، لكنه كان مقتنعًا بأنه عبقري. هو الذي اختاره الرميحي مديرًا لتحرير مجلة «العربي».

كنت أحب فيه اعتزازه بنفسه، وأشعر أنه أقلّ الأشرار شرًّا، وأكثر المتآمرين ميلًا إلى الحلول لا إلى الخراب.

كانت علاقتنا مزيجًا من الودّ والحذر، ومن الإعجاب والمفارقة.


الدكتور محمد غانم الرميحي (المفكر والأكاديمي الكويتي المولود 1942، أستاذ الاجتماع السياسي بجامعة الكويت، ورئيس تحرير مجلة  

تولّى الدكتور محمد الرميحي رئاسة تحرير مجلة «العربي»، وأخذه معه.

قدّمتُ طلبًا للعمل في مجلة «العربي»، فلم يأتِ ردٌّ منه بالإيجاب ولا بالسلب.

مرّت الأيام.

بعد خمسة عشر عامًا، تولّيتُ رئاسة تحرير مجلة «الشاشة» في دبي عند الشاعر والقاصّ والفارس سيف المري.

اتصل بي الكاتب الكبير سليمان الفهد من الكويت — وكنت يومها في الشارقة — وقال:

«مجلة الشاشة رائعة، ومجلة العربي في حالٍ تعيسة، والرميحي رئيسها. قلت له أمس: هاتوا السيد حافظ مدير تحرير يغيّرها ويطوّرها؛ لقد نجح في الشاشة بدبي».

لكن الرأي — كما حكى لي سليمان الفهد — أُلقي به في سلّة المهملات من الرميحي.

مرّت السنوات، وجئتُ إلى الكويت زائرًا للمشاركة في مهرجان مسرح الطفل.

اتصلتُ به وقلت: أنا موجود وأتمنى أن أراك.

قال: أهلًا وسهلًا.

دعاني إلى عشاء في فندق الشيراتون. جلسنا، وتحدثنا طويلًا، وبعد العشاء أخرج مسجّلة.

سألته: لماذا تسجّل الحوار؟

قال: مطلوب مني أن أسجّل مع المثقفين العرب الكبار بعض القضايا.

كان الحديث عن ثورة 25 يناير.

تكلمتُ بصراحة، وقلت إنني لا أحبّ الطافين فوق صراع السلطة، ولا أؤمن بالانتهازيين الذين يبدّلون وجوههم مع كل موجة.

كان الحوار عقلانيًا، مفتوحًا، بلا توتر.

ليلتها لم يكن في جيبي إلا خمسة دنانير أخذتها من راشد الشمراني زميلي في المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب منذ عشرين سنة.

مرّت الشهور.

كنت أريد أن أُكمل طباعة كتاب جديد لي، واحتجت إلى ألفي جنيه.

معظم كتبي أطبعها على نفقتي؛ فالدولة مشغولة بكتابات تافهة، والناشرون يريدون مالًا، ظنًّا منهم أنني مليونير، بينما أنا — والحمد لله — «مستور جدًا جدًا، حتى وأنا مفلس».

طلبتُ المبلغ دعمًا، لا سلفة.

أنا رجل اشتراكي، تعودت أن أقول: خذ هذا دعمًا، وهات ذاك دعمًا.

الحياة عندي أن يسند الفقراء بعضهم بعضًا.

لم يصلني ردّ. فطلبتها من الرميحي فلم يرد.

منذ ذلك الحين، قابلتُ المفكر والروائي عمار علي حسن، وذكرت له معرفتي بمحمد الرميحي.

هزّ رأسه وقال لي: «هو قال لي…» بطريقة شعرتُ معها كأنني ارتكبتُ عيبًا فكريًا أو ثقافيًا.

كأن طلب ألفي جنيه دعمًا لطباعة كتاب صار خطيئة، في زمنٍ تُنفق فيه الملايين على التفاهة.

ومع ذلك أقول:

محمد الرميحي في رأيي أحد الرموز المهمة في الحركة الثقافية العربية عامة، والخليجية خاصة.

له ما له، وعليه ما عليه.

نجح أم فشل في «العربي»؟ هذا لا يعنيني كثيرًا.

المجلات الثقافية الكبرى تخضع — غالبًا — لهوى رئيس التحرير، وللشلل، ولشبكات المصالح، ولمديري التحرير، ولمصححي الحسابات… إلا من رحم ربك.

مثل مجلة «الشارقة» التي كانت ومازالت أبوابها مفتوحة للمبدعين من كل الوطن العربي.

ذات يوم دافعتُ في جريدة السياسة عن مفكر عربي كان في أزمة مع السلطة في الكويت أثناء سحب جوازه في الثمانينيات. كان اسمه محمد الرميحي.

قال لي يومها الدكتور سليمان العسكري — وكان وقتها مدير الشؤون المالية والثقافية في المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب —: «جهّز جوازك، الحكومة ستطردك».

ولم يحدث شيء.

كانت الكويت آنذاك في أزهى عصورها: رجالها فرسانها، على سبيل المثال لا الحصر: عبد العزيز حسين، سامي المنيس، أحمد الخطيب، أحمد العدواني، والدكتور خليفة الوقيان… أسماء صنعت مناخًا ثقافيًا متقدمًا.

أنا أحترم الدكتور محمد الرميحي الرجل مفكرًا، وأحترم كل الناس الشرفاء؛ فهم اللون الأخضر، والأخضر درجات.

التاريخ ليس أبيض ولا أسود.

هو مساحات من الأخضرار، تتفاوت بين العتمة والضوء.

وأنا ما زلت أكتب،

ولو اضطررتُ أن أبيع قميصي لأطبع كتابًا جديدًا، سأفعل.

ولا يزال الرميحي رمزًا في زمنٍ لا يعرف الرموز، زمنٍ جاهلٍ بائس.

— السيد حافظ

.....


نواف يونس . اعترافات كاتب: السيد حافظ في صحبة الأصدقاء والتاريخ والذكاء الاصطناعي. 8

نواف يونس 

 اعترافات الكاتب السيد حافظ في صحبة الأصدقاء والتاريخ والذكاء الاصطناعي


8










بقلم: السيد حافظ

في دهاليز الزمن الصعب، حيث تتسع الهشاشة وتتكاثف الخيبات، لا يظهر العظماء كثيرًا. هم استثناء في معادلة التاريخ، ومصادفة جميلة في عمر الإنسان. لعلي كنتُ محظوظًا، وأنا الذي حباني القدر، في زمن الطعن المجاني والخيانة المأجورة، ببقايا فرسان. نعم، ما زال في العالم قبحٌ يتراكم، لكن ثمة من يحملون مشاعل الفروسية في الأخلاق، ونقاء المبدعين الحقيقيين، كما لو أنهم جسور نور في ليل عات.مثل نواف  يونس

كنت أقرأ عن تواضع  ونبل   تشيخوف مع أصدقائه، وعن روح يفغيني يفتوشينكو الثائرة، وعن إنسانية دوستويفسكي الغامرة، وعن نبل خليفة الوقيان وخالد عبد اللطيف رمضان وعواطف البدر  وعبدالله غلوم ،وسليمان  الفهد  وسيف المرى وجمال مطر  ويوسف  عيدابى فأندهش لتلك الواحات في صحراء القسوة. كنت أبحث عن معنى يبرر بهاء الحياة رغم كل شيء. ولم أكن أعلم أنني سأجد ذلك المعنى متجسدًا في رجل واحد، يجمع دفء الصداقة واحترام الإبداع وكرم الروح دون أن ينتظر مقابلًا: نواف يونس.

...

كان عام 2006. عامًا ثقيلاً كالصخور. كنت أبحث عن ضوء ينقذ زوجتي المريضة، عن بصيص أمل في زمن أغلقت فيه تسعة وتسعون نافذة من كل مائة. وقف معي نفر قليل، على قدر حجمي وثقل محنتي: نازك إبراهيم، و نقيب الفنانين أشرف زكي، المخرج حاتم اكيد  والدكتور مفيد شهاب الذي كان سندًا في مواجهة تكاليف العناية المركزة فى القصر العيني  التي لا ترحم.


ثم كان السفر إلى الإمارات. هناك، في رحاب اتحاد أدباء الإمارات، وتحت رعاية الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي الذي احتضن الغرباء كأهل، كان اللقاء الأول مع القدر. مع نواف  يونس  و فى ندوة اتحاد الكتاب 

لقيتُ سالم الحتاوي، الموهبة التي رحلت مبكرًا، فإذا به يحضنني ويقبل يدي قائلاً: "هذه الأيادي التي تكتب لنا العظمة، أنا مفتون بكتاباتك".


ثم جاءه: الرجل الأنيق كحرف، المهذب كندى الصباح. نواف يونس، الذي كان يتربع على عرش الصفحة الثقافية في جريدة "الخليج". استقبلني بابتسامة عريضة وترحاب لم أكن أتوقعه في بلاد لم تطأها قدماي من قبل. قال لي ببساطة العظماء: "أعرفك جيدًا، قرأتك، أنت موجود في سوريا وفي وجداننا". كانت الكلمات بلسمًا لجروح الخوف، ونشر عني تحقيقًا  فى جريدة  الخلبج يجسد معنى الوفاء المهني.


 كما  ان المصادفة وحدها من جمعتنا ان نسكن  في شارع واحد بالشارقة: شارع عبد السلام عارف. فكانت لقاءاتنا شبه أسبوعية في "مقهى الياسمين" أو في بيته. كنا نجلس، نتحدث في الفن والثقافة والحياة. كان نواف موسوعيًا بلا ادعاء، يستمع أكثر مما يتكلم، يقدم ما يليق بالمكان والزمان بلا بهرجة أو تكلف.


اكتشفت فيه رجلاً عاشقًا للشارقة، متيمًا بالإمارات، عروبي الروح، سوري النبض. كان في عطائه كالغيث، لا ينتظر عودة المطر. غريب في نقائه كغربة الأنبياء بين قومهم.


مع الأيام، انتقل نواف إلى "مؤسسة الصدى"، وتولى "مجلة دبي الثقافية". فكانت نقلة نوعية: بعد أن أسس ناصر عراق لرؤيتها البصرية، جاء نواف ليضيئها بالقامات الكبيرة، والكتّاب المتميزين، والرؤية العربية المتعددة، بعيدًا عن الشللية. جعل منها منارة حقيقية.


وعندما أغلقت "مجلة دبى  الثقافية" في محطتها الأولى، كان الشيخ سلطان القاسمي، عميد المسرحيين، على قدر المسؤولية. أعاد إحياءها بقيادة نواف يونس.  بمجلة الشارقة الثقافية كانت لفتة تعكس عمق رؤية قائد يدرك أن الثقافة ليست ترفًا، بل جوهر العمل الوطني. ونجح نواف في أن يجعل منها لوحة ثقافية مدهشة، تحتضن كتاب العرب من كل الأجيال، بكل تنوعاتهم وإبداعاتهم. لا يعيبها شيء إلا أن "الأكسجين الثقافي" في الأمة صار نادرًا.


نواف يونس: قاص، مسرحي، مكتشف مواهب. هو من التقط بريق المبدع الإماراتي محسن سليمان، وهو من احتضن تجربتي ودعمها. أخلاقه تعيد إليّ صوراً من وفاء سعد الله ونوس، وعلي عقلة عرسان، وحنان قصاب  ومارى الياس. سوريا العظمى، تلك الحضارة التي لا تنضب، لا تزال تنجب الفرسان.


اما أبناءه أعرفهم كأولادي: منهم الناقدة الأصيلة، ومنهم المخرجة المبدعة. جينات إنسانية نادرة، تسري في الدم كالنهر العذب.


صباحك نور، يا سوريا العظمى.

صباحك وفاء، يا نواف.

صباحك حب، يا أصدقاء التاريخ.

صباحك سؤال، أيها الذكاء الاصطناعي الذي تستمع إلينا: هل ستكتب يومًا عن معنى أن يكون للإنسان قلب مثل قلب نواف يونس؟

....

السيد حافظ 

 
Design by Free WordPress Themes | Bloggerized by Lasantha - Premium Blogger Themes | cheap international voip calls ta3rib : Abed