الاثنين، 20 أبريل 2026

مكتبتي للبيع ​اعترافات الكاتب السيد حافظ إلى الأصدقاء، والتاريخ، والذكاء الاصطناعي 28

 مكتبتي للبيع

​اعترافات الكاتب السيد حافظ إلى الأصدقاء، والتاريخ، والذكاء الاصطناعي
28
















​التاريخ يكرر نفسه: يحيى حقي، ومحمد روميش، وبيع المكتبة...
​لم أتوقع يومًا أن أجد نفسي في الموقف ذاته الذي كان فيه الأب الروحي لي شخصيًّا، وللكثير من النماذج الأدبية المحترمة في مصر: عمّنا الكبير يحيى حقي. هذا العملاق، صاحب «قنديل أم هاشم» وكتبٍ كثيرة، كاتب ساحر لا يُعوَّض على مرّ التاريخ، لكنه ظُلم؛ إذ اتهمه اليسار بأنه يمينيّ ورجعيّ وغير تقدّميّ، ولا يناصر الطبقة العاملة.
​شاهدتُ بنفسي وقائعَ سأذكر بعضها فيما بعد، منها ما فعله إبراهيم فتحي —الناقد والمفكر اليساري الكبير، وعميد المثقفين اليساريين في مصر (1931-2019)، الذي ساهم في تأسيس مجلة «جاليري 68» وجمعية كتاب الغد، وكان يحرر بابًا في مجلة «المجلة» يعرض فيه موضوعات المجلات الأجنبية. رأيتُه بعيني في مقر المجلة بـ 27 شارع عبد الخالق ثروت، يمسك بمقالٍ له كان الأستاذ يحيى حقي قد وافق عليه بالفعل، وبدلاً من نشره، قام إبراهيم فتحي بتمزيقه وألقاه على الأرض!(عام ١٩٧٠)
​خرجتُ معه حينها كمريدٍ ينهل من علمه، وسألته مستغربًا: «لماذا فعلتَ هذا مع الأستاذ يحيى حقي؟». وبينما نحن نسير، مرَّ أتوبيسٌ أمامنا في شارع القصر العيني، فصاح فجأة: «شفتك يا كلب!»، ثم التفت إليَّ قائلًا: «الأمريكان صنعوا رجلًا شبيهي»، مشيرًا إلى شخصٍ يركب الأتوبيس. حينها أدركتُ أن الأستاذ الكبير إبراهيم فتحي يعاني من مرضٍ نفسيّ، وهو أمرٌ ألفته منذ عرفتُ أخي محمد حافظ، وشاهدته في نجيب سرور أيضًا؛ فالمبدعون الكبار يُصابون أحيانًا ببعض العوارض النفسية، وهو أمرٌ عاديّ جدًّا.
​لكني أعود إلى الأستاذ يحيى حقي، الذي حاربه اليسار فانتزعوا منه إدارة تحرير مجلة «المجلة»، وأوقفوا نشر مقالاته، فلم يجد نفسه إلا أمام جريدة «التعاون» التي كانت تصدر في شارع الأزبكية بجوار دار الأدباء. كان يذهب الأستاذ ليكتب فيها مقالًا أسبوعيًّا مقابل أربعة جنيهات! هذا العملاق الكبير، صاحب «قنديل أم هاشم»، الفيلم الذي هزَّ مصر هزًّا في ذلك الوقت.
​أرسل لي —مع الأديب الرائع محمد روميش (1931-1992)، القاص المبدع من جيل الستينيات، صاحب المجموعة القصصية الشهيرة «الليل الرحم» الذي كان يعمل في الكويت مستشارًا للبنك المركزي عام 1984— قابلني في مقهى بالسالمية ليقول لي: «عمّك يحيى يريد أن يبيع مكتبته، شوف حدّ من الأغنياء العرب أو الأثرياء يشتريها».
​فكتبتُ مقالًا أثر فيه، قلتُ فيه: «يحيى حقي العظيم يريد أن يبيع مكتبته، فاشتروا مكتبة يحيى حقي أيها العظماء، حتى لا يُقال إن في عصرنا كان هناك أديب عظيم، وكان هناك رجال عظماء يقدرونه». وكتبتُ المقال ونزلتُ، فإذا بعاصفة في القاهرة قام بها اليسار مرة أخرى على عمّنا يحيى حقي: «أنت تريد أن تزلَّ مصر، أنت تريد أن تهين مصر، أنت تريد أن تحقّر من مصر»، واتهامات بالخيانة الوطنية! فأجرى حديثًا مع إحدى الصحف وقال: «أنا لم أكتب هذا ولم أفعل هذا، والذي فعل هذا شخص ما صحفي يعمل في الكويت، ولستُ أنا». فكلَّمتُ عمّنا محمد روميش، قلتُ له: «الأستاذ كاتب شخص ما يعمل في الكويت». قال لي: «سامحه.. أكلوه، المثقفون أكلوه ولاد الكلب».
​مرت الأيام، وها أنا ذا أفعل ما فعله عمّنا وأستاذنا يحيى حقي، وما أعلنته من قبل العظيمة الرائعة التي لا تُعوَّض أبدًا: صافي ناز كاظم (مواليد 1937)، الكاتبة والناقدة المسرحية البارزة، التي مزجت في كتاباتها بين السيرة الذاتية والنقد الثقافي والسياسي بجرأة وصدق، حين أعلنت أنها تريد أن تبيع مكتبتها.
​وها أنا اليوم أقول: أريد أن أبيع مكتبتي، لعلّي أجد مخرجًا. حين تضيق عليك النوافذ، فلا بد أن تبحث عن حلّ. هذا هو الحلّ، لكني لم أجد من يتحمَّس ليكتب عن هذه القضية كما تحمَّستُ أنا لعمّنا يحيى حقي. ولذلك توكّلتُ على الله وتحمَّستُ لنفسي، وكتبتُ هذا "البوست" – أو هذا الإعلان – تحيةً للزمن الجميل الذي سيأتي بعد جيلنا، وللمثقفين في المستقبل الذين سيقيّمون هذه الفترة والمرحلة...
​من يشتري مكتبتي بخمسة مليون جنيه؟
​تمت.
السيد حافظ
مارس 2026

الهزيمة لونها أزرق اعترافات الكاتب السيد حافظ مع الأصدقاء والتاريخ والذكاء الاصطناعي --27

 الهزيمة لونها أزرق

اعترافات الكاتب السيد حافظ مع الأصدقاء والتاريخ والذكاء الاصطناعي
27








أنا حياتي مجموعة من الهزائم. منذ كنت في منظمة الشباب الاشتراكي عام 1964، في المعسكر الفكري بحلوان، كنت أحلم أن أكون مساعدًا لـ جمال عبد الناصر. كان الحلم يبدو ممكنًا في خيال شاب يرى السياسة خلاصًا، ويرى القائد أبًا وملهمًا. لكن الحلم بدأ يتشقق حين اكتشفت أن مساعديه ليسوا مدنيين، وأن أحدًا لا ينزل أمامه في الانتخابات؛ فالانتخابات كانت استفتاء، والنتيجة دائمًا 99%.
في ذلك الوقت كان صديقي ناجي أحمد ناجي مراقبًا في لجنة الانتخابات بنقطة شريف. بينما كان يفرز الأصوات، سمع عبر الراديو نتيجة الانتخابات: فوز الرئيس بنسبة 99%. كان يمسك بطاقات التصويت في يده، فتوقف لحظة، ثم تركها على المكتب، وخرج مسرعًا من القسم إلى مركز شباب الشلالات حيث كنا نتدرب مع فريق التمثيل، وحكى لنا ما حدث. في تلك اللحظة شعرت أن حلمي الشخصي قد انهزم، لا لأن النتيجة كانت متوقعة، بل لأن الحقيقة خرجت من الراديو قبل أن تخرج من الصناديق.
بعدها بسنوات، سألني كمال أحمد، وكان زميلي في المنظمة في المعسكرات وصاحب معارك فكرية وبرلمانية مع السادات ومبارك وغيرهما: هل تختار أن تلعب سياسة أم تلعب فنًا وأدبًا؟ بدا السؤال بسيطًا، لكنه كان في جوهره سؤال مصير. اخترت الفن والأدب، ومنذ ذلك اليوم وأنا أقول إنني هُزمت في السياسة، وهُزمت في الأدب، وهُزمت في الفن، لكنني على الأقل اخترت طريقي بوعي.
كلما عدت بذاكرتي إلى تلك اللحظات أذهب إلى المقهى، أطلب قهوة وشيشة، وأترك الدخان يصعد أمامي كأنه بقايا أحلام محترقة. أتمتم أحيانًا بمرارة ضد السياسة والمال والفن، لا لأنني أكرهها، بل لأنني دفعت ثمنها جميعًا.
وعندما كنت أُهزم في قصة حب، كنت أكرر الطقس نفسه؛ أذهب إلى المقهى، أطلب الشيشة، أشتري وردة من بائعة فل، أراقب صبيًا يلمّع الأحذية في الشارع، وأتساءل إن كان القلب أضعف من أن يحتمل كل هذا التعلق. كنت أتصور أن العشق معركة من أجل الاستقرار، لكنه كثيرًا ما كان يتحول إلى هدنة قصيرة تعقبها هزيمة أخرى. تزوجت نساء جميلات، مصريات وعربيات، وفشلت علاقاتي جميعًا إلا زواجي من أم الأولاد الذي استمر خمسةً وعشرين عامًا حتى رحيلها. حتى إنني تزوجت مرة زواجًا لم يستمر سوى يوم واحد، وكأنني كنت أختبر قدرتي على الاستمرار فأكتشف ضعفي الإنساني في كل مرة.
وفي الفن لم يكن الأمر أسهل. حين لا يُعرض لي مسلسل على شاشة التلفزيون لأنني أرفض دفع رشوة لمسؤول التنسيق، كنت أجد العمل يُبث في الرابعة فجرًا، وكأن الإبداع يُعاقب لأنه لم يدخل من الباب الخلفي. كنت أسمع صوتًا داخليًا يردد: يا ولدي، أنت مهزوم. ومع ذلك واصلت الكتابة.
كنت أعيش على مسرح توفيق الحكيم، وأنطون تشيخوف، وسعد الدين وهبة، ونعمان عاشور، وكنت أجد في تقدير سعد الدين وهبة لموهبتي عزاءً كبيرًا، كأن شهادة واحدة صادقة تكفي لتعويض صمت جمهور كامل.
وحين حاولت أن أكون تاجرًا، فشلت في كل مشاريعي؛ لم أستطع أن أتعلم كيف أبيع ضميري مع البضاعة، ولا كيف أساوم على ما أؤمن به. ربما لهذا خسرت التجارة كما خسرت أشياء أخرى كثيرة.
اليوم أستطيع أن أقول إنني ربما كنت مهزومًا في السياسة، ومهزومًا في الحب، ومهزومًا في التجارة، لكنني لم أُهزم في الحلم. فالحلم لا يُستفتى عليه بنسبة 99%، ولا يُعرض في الرابعة فجرًا، ولا يُباع في الأسواق. الحلم يعيش، ولو عاش وحيدًا.
تمت
السيد حافظ

القاريء المجهول اعترافات الكاتب السيد حافظ مع الأصدقاء والتاريخ والذكاء الاصطناعي- 26

 القاريء المجهول

اعترافات الكاتب السيد حافظ
مع الأصدقاء والتاريخ والذكاء الاصطناعي

26












هل ما زال البحث مستمرًا عن القارئ المجهول؟
نحن نعلم أن كلَّ كاتبٍ يبحث عن قارئ، وكلَّ قارئٍ يبحث عن كاتب.
لكن الغريب أن كلاً منهما يسير في طريقٍ مختلف، أو يعيش في مدينةٍ أخرى، أو في قارةٍ بعيدة. ونادرًا ما يلتقيان.
أنا – مثلًا – حين قرأت للكاتب الألماني العظيم هرمان هسه، شعرت أنني وجدت الكاتب الذي كنت أبحث عنه؛ الكاتب الذي يدهشني، ويفجّر في ذهني اللغة وسحرها.
وكنت أبحث عن أدونيس المفكّر، لا الشاعر فقط، ليفجّر الأسئلة أمامي: في خطواتي، في بحثي، في مسرحي، في رواياتي، في قصصي.
التاريخ مليء بهذه النماذج. ومثلي كثيرون… بل كثير كثير كثيرون جدًا.
رامبو… وخمس نسخ فقط
أتذكّر الشاعر الفرنسي العظيم آرثر رامبو.
طبع ديوانه الأول ألف نسخة على نفقته الخاصة. كان شابًا في العشرين. حمل النسخ بنفسه إلى دار التوزيع، منتظرًا المعجزة.
مرّ عام.
عاد إليه مندوب التوزيع، وأعاد إليه ما تبقى من النسخ مربوطة في "عباط خيطي".
تم بيع خمس نسخ فقط من أصل الألف.
وكان رامبو قد اشترى أربعًا منها بنفسه.
بقيت نسخة واحدة مفقودة.
سؤال صغير، لكنه سؤال تاريخي: من الذي اشترى النسخة الخامسة؟
غادر رامبو الشعر وسافر إلى الشرق، إلى اليمن والحبشة، وعمل في تجارة التوابل. عاش حياة أخرى، بعيدة عن القصيدة. وبعد سنوات طويلة، فوجئ بأن ديوانه يُطبع في طبعات متعددة في فرنسا وخارجها.
كيف حدث هذا؟
النسخة الخامسة… وصلت إلى قارئ مثقف. ناقد قرأ الكتاب، كتب عنه، قدّمه إلى ناشر، وكتب له مقدمة. قارئ واحد حمل الكتاب على كتفيه، وفتح له أبواب العالم.
قارئ واحد فقط… كان كافيًا ليصنع أسطورة اسمها رامبو.
نجيب سرور… والإسكندرية الحقيقية
أقول هذا بمناسبة أستاذنا الكبير الراحل نجيب سرور.
كان يقيم فترة في مستشفى المعمورة بالإسكندرية. وكنت ألتقيه بحكم ترددي على محطة الرمل، وكان يتردد على محل "إليت" الشهير هناك. ذات يوم قال لي:
– تعال خذني إلى الإسكندرية الحقيقية.
قلت له: وما الإسكندرية الحقيقية؟
قال: أرى المعمورة والشاطئ والعمارات النظيفة والسيارات الجميلة… أريد الأحياء الشعبية. أريد أن أشمّ رائحة الناس.
سِرنا من محطة الرمل، عبر شارع صفية زغلول، حتى محطة مصر، ثم إلى غربال حيث كنت أسكن. ومن هناك إلى شارع الأمر، ثم شارع النجوم، وأحياء الشعب.
وبالصدفة اكتشفتُ شارعًا لم أكن أعرفه من قبل.
كان أدنى من مستوى الشارع، تهبط إليه سلالم، يقود إلى حارة غريبة، بيوت من خشب وصفيح، عشوائيات مكتملة الفقر.
وقف سرور عند السلم، وقال:
– ننزل.
كان يتكئ على عصاه، وأنا شاب في العشرين. قلت له:
– سيتعبك النزول يا أستاذ.
قال:
– لا… دعني أشمّ مصر.
ونزلنا.
كان يردد:
– شممت رائحة مصر الحقيقية… رائحة الفقراء.
اللقاء
فجأة، ظهر أمامنا رجل في الأربعين تقريبًا، يرتدي جلبابًا بسيطًا، و"شبشب زنوبة" – ذاك الحذاء الشعبي ذو الإصبع الواحد.
توقف أمامنا، وحدّق في وجه سرور، وقال بدهشة:
– مش معقول… الأستاذ نجيب سرور!
فوجئت. كيف لهذا الرجل البسيط أن يعرفه؟
قال له سرور:
– تعرفني؟
قال الرجل:
– طبعًا. أنت الذي قلت: إن كان لك حاجة عند الكلب قل له يا كلب يا ابن الكلب.
سأله سرور بصوت متهدّج:
– قرأت المسرحية؟
قال:
– أقرأ كل ما تكتب يا أستاذ.
في تلك اللحظة… بكى نجيب سرور.
احتضن الرجل. صافحه طويلًا. ومضينا.
سألته:
– لماذا تبكي؟
قال لي جملة لن أنساها ما حييت:
كل كاتب يكتب لقارئٍ واحد.
أغلب الكتّاب يموتون قبل أن يعرفوا من هو هذا القارئ.
وأنا اليوم وجدته.
وجدته مختبئًا في الحواري، في الشارع، في الحرمبي، في غربال.
القارئ المجهول
هكذا إذن…
رامبو احتاج قارئًا واحدًا ليولد من جديد.
وسرور احتاج رجلًا بسيطًا في حارة فقيرة ليعرف أن صوته وصل.
القارئ ليس بالضرورة ناقدًا كبيرًا، ولا أستاذ جامعة، ولا صاحب صالون ثقافي.
قد يكون رجلًا في شبشب زنوبة، يسكن تحت مستوى الشارع.
وربما…
ربما نحن لا نكتب للقراء الكثيرين،
بل لذلك القارئ الوحيد
الذي يختبئ في زمنٍ آخر،
أو مدينةٍ أخرى،
أو حارةٍ لا نعرفها.
فهل ما زال البحث مستمرًا عن القارئ المجهول؟
أظنه نعم.
وأظن أن كل ما نكتبه هو رسالة في زجاجة، نلقيها في بحر الزمن،
على أمل أن يعثر عليها شخص واحد…
ويقول لنا، بعد سنوات
تمت
السيد حافظ

عنتر ونوال وحبشى اعترافات الكاتب السيد حافظ مع الأصدقاء والتاريخ والذكاء الاصطناعي- 25

 عنتر ونوال وحبشى

اعترافات الكاتب السيد حافظ مع الأصدقاء والتاريخ والذكاء الاصطناعي
25






عنتر ونوال وحبشي
هل تدري معنى كلمة «وطن»؟ هل تدري معنى كلمة «تضحية»؟
من أين يبدأ الأمر؟ من الوطن أم من المواطنين؟
أيهما أقوى: التضحية والوفاء، أم النكران والجحود؟
الإحساس بالعطاء، أم الشعور بالجحود؟
الوطن يعني العطاء.
الوطن يعني الاعتراف بالمواطن.
الوطن يعني الوفاء.
الوطن يعني العطاء المتبادل.
كنت أكره – وما زلت أكره – تلك الأغنية: «ما تقولش إيه أديتنا مصر.. قول هندي إيه لمصر؟».
أغنية حقيرة في معناها ومضمونها، تهين قيمة المواطنة والإنسان، وتهين قيمة وجود عقد اجتماعي حقيقي بين الوطن والمواطن.
كأن المواطن وحده هو الملزم بالتضحية، بينما الوطن لا يقدم شيئًا!
تلك الأغنية الحقيرة التي حصل مؤلفها مصطفى الضمراني على جائزة الدولة التقديرية، وكانت هذه – في نظري – أكبر سبة وأفدح كارثة في تاريخ تلك الجوائز التي تُوزَّع معظمها بالواسطة والمؤامرات والضياع.
لنعد إلى نوال وحبشي، بطلتينا.
نوال هي ابنة أبيها، ذراعه الأيمن في بوفيه قصر ثقافة الحرية بالإسكندرية (الذي يُسمى الآن مركز الإبداع)، في طريق الحرية، أمام نقطة شريف. لا أدري إن كان اسم المنطقة الآن قسم العطارين أم ما زال نقطة شريف.
نوال تحضر مع أبيها وأخيها عنتر للعمل في البوفيه من التاسعة صباحًا حتى التاسعة مساءً. لقد وجدوا فيه أنفسهم، يقدمون الشاي والقهوة لرواد القصر وللموظفين بأسعار خاصة، وللمدير عادةً مجانًا، وضيوف المدير كذلك يحصلون على الشاي والقهوة مجانًا.
مرت الأيام، وبدأت نوال تكبر. في سن المراهقة تغيَّر شكل جسدها، وتغيَّرت أحلامها. كانت تحضر بروفات التمثيل التي أقوم بها مع الشباب، وتحلم.
وكان أخوها عنتر قد بدأ أحلامه تطوف فوق السحاب، فضاق بالعمل في البوفيه، وفكَّر في الهروب من أبيه والسفر إلى العراق للعمل هناك، حيث كان يعيش في العراق نحو خمسة ملايين مواطن مصري عام 1973، إذ بدأت موجة الهجرة نحوه منذ ذلك العام، وكان من أوائل «الفلاسفة» (المهاجرين بحثًا عن لقمة العيش).
ثم جاءت حرب أكتوبر العظيمة في السادس من أكتوبر 1973، في أيامها الأولى المباركة العظيمة، وعبر الجيش.
وفي عام 1974 (10 رمضان العام الذي يليه)، كرَّمت الدولة الجنود الذين قدموا تضحيات في هذه المعركة العظيمة، وكان من بينهم حبشي، هذا الشاب الأسمر النحيل الذي لا يتجاوز طوله 165 سم. حصل على جائزة من الرئيس: نجمة سيناء، تقديرًا لما قدمه من تضحيات أثناء المعركة.
وكرمته الدولة – لأنه لا يحمل مؤهلاً عاليًا، ولا شهادة ثانوية أو دبلوم، بل يجيد القراءة والكتابة بالإعدادية فقط – فأمضى في الجيش أكثر من تسع سنوات، وحصل على الميدالية، وتم تعيينه في قصر ثقافة الحرية عام 1974.
وذات يوم، وأنا أجلس في القصر حيث عُيِّنتُ موظفًا بمرتب 10 جنيهات شهريًا تحت مسمى «أخصائي مسرح» و«محاضر» مقابل 10 جنيهات – لقب غريب أو مصطلح أحب سعد الدين وهبة أن يساعدني به على الحياة، ويضمن وجودي ودعمي للحركة المسرحية في الإسكندرية، حيث كانت معظم المجموعات تحت أجنحتي البسيطة: أجنحة المعرفة، أجنحة الفن، أجنحة الجنون، أجنحة الثقافة، أجنحة الهدف، تحت مسمى المسرح الطليعي، أي المسرح الذي يبغي القضية، الذي يدعو إلى مكافحة الأمية ومكافحة الفقر ومكافحة التخلف.
وأنا في مكتبي الذي يقع بجوار المكتبة العامة الخاصة بقصر ثقافة الحرية، والذي كان يقاسمني فيه الفنان التشكيلي الرائع أحمد سويلم – ففي الصباح مكتب أحمد سويلم، وفي المساء مكتبي ملكي. ولذلك كان المكتب بدون أقفال، حتى نضمن استخدامه بشكل مشترك.. لا يوضع فيه أي شيء مهم، وكل الأوراق المهمة آخذها إلى البيت، نظرًا لأن لكل منا أوراقه وعملَه الخاص. وكان أحمد سويلم وكيل محمد غنيم.
ذات مساء ظهر حبشي أمامي:
«مساء الخير.. أنت الأستاذ السيد حافظ؟»
«مساء النور. نعم، أنا هو.»
«أنا حبشي.»
«أهلاً وسهلاً.»
«الأستاذ محمد غنيم قال لي إني سأعمل معك فراش مكتبك الخاص بالمسرح، بالفرقة المسرحية، وأنا تحت أمرك.»
قلت له: «حبشي، أنت منين؟»
قال: «أنا من شارع إخوان الصفا.»
قلت له: «الله! نحن جيران.»
وبالفعل، كان حبشي يسكن في شارع إخوان الصفا رقم 29، وأبي يملك منزلًا في شارع إخوان الصفا رقم 20.
كان أبي صاحب ثلاثة منازل: واحد في إخوان الصفا (ثلاثة أدوار)، والثاني في شارع الإسراء (خمسة أدوار)، وله في سيدي بشر منزل دور واحد ومحلين. هو المعلم الكبير، صاحب الثلاث محلات في شارع شكوبر بالإسكندرية في المحطة، ويُعتبر من الطبقة البرجوازية الكبيرة، لأنه يركب عربة حنطور تجرها الخيول في الصباح، وعربة حنطور في المساء كذلك.
قلت له: «جئت إلى هنا في القصر؟»
قال لي: «أنا من أبطال أكتوبر. تحب أعمل لك شاي يا أستاذ؟ أجيب لك شاي من الكانتين أو البوفيه؟»
قلت له: «أنت بطل من أبطال أكتوبر؟»
قال: «نعم، أنا معي ميدالية سيناء، كرموني وأعطوني إياها، وعينوني هنا في وزارة الثقافة – الحرية – جنب البيت، عشر دقائق مشي أو ربع ساعة أوصل للعمل. أجيب لك قهوة يا أستاذ؟»
قلت له: «تجيب لي قهوة؟ أنا اللي أجيب لك قهوة! أنت يا ابني، أنت يا ابني الذي يجب أن أقوم وأحضر لك القهوة. أنت بطل. نحن لسنا أبطالك، نحن كنا هنا في الداخل. أنت كنت على الجبهة وحصلت على ميدالية. هذا شرف كبير في مصر لنا.»
ضحك وقال: «لا تكبر الأمر يا أستاذ، لا تكبرها. سأذهب إلى البوفيه وأحضر لك شاي أو قهوة.»
وذهب حبشي إلى البوفيه، إلى عنتر وأخته نوال، وتعرف عليها، ووقعت في عينيه ضحكتها البريئة، وسمرها الذي يقترب من السماوي، وكأنه آتٍ من أسوان. وتزوجها، وسكنت معه في غربال، لم تجد له وظيفة غير فراش، وهي فراشة زوجة البطل..
كانت هذه حكاية من الواقع، نقلتها إلى المسرح في مسرحيتي «وسام من الرئيس»، وقدمها العديد من الفرق في الأقاليم والجامعات المصرية. وكانت ستُقدم مسرحية بعنوان «أنا ماليش حل» إخراج السيد راضي، وبطولة فاروق الفيشاوي ونجاح الموجي وحسن مصطفى وشيرين سيف النصر، من إنتاج عادل حسني. لكن قبل الافتتاح بيومين جاء منتج خليجي لشراء الفيديو، تزوج البطلة شيرين سيف النصر، ودفع ثمن الخسائر للمنتج، فأوقفت المسرحية.
وظلت نوال تعمل في قصور الثقافة، وهرب حبشي في المخدرات حتى يغيب عن الوعي، ويعلق الوسام على الحائط.
تمت
السيد حافظ

العاشر من رمضان. و نجيب سرور اعترافات الكاتب السيد حافظ مع الأصدقاء والتاريخ والذكاء الاصطناعي- 24

 العاشر من رمضان و نجيب سرور

اعترافات الكاتب السيد حافظ مع الأصدقاء والتاريخ والذكاء الاصطناعي
24





العاشر من رمضان ونجيب سرور
في مثل هذا اليوم من عام 1973 كان العاشر من رمضان يوافق السادس من أكتوبر، اليوم الذي عبرت فيه مصر من الضفة إلى الضفة، وعبرت — أو حاولت أن تعبر — من الهزيمة إلى الاحتمال. لم نكن نتوقع شيئًا.
في ذلك اليوم كنت في قصر ثقافة الحرية، وفي المساء ذهبت إلى المقهى، لكن الناس كانت مختلفة. كان هناك صمت ثقيل، ووجوه لا تعرف هل تصدّق الراديو أم تخاف منه. فطرت، ونزلت إلى محطة الرمل مع سعد الدسوقي وعادل شاهين، إلى قهوة البوابين — هكذا كنا نسميها لأنها للفقراء — بجوار مقهى وادي النيل ومقهى القاهرة الفاخرَين اللذين تغيّر اسماهما الآن، عند نهاية خط الترام، حيث تنتهي القضبان ويبدأ القلق.
كنا جلوسًا حين جاءت البيانات. كان صوت الجيش يعلن عبور القناة، والكلمات تخرج كالرصاص، والشارع يتحول فجأة إلى جسد واحد يرتجف. قلت لفرقة التمثيل: ما هذا؟ قالوا: الحرب. قلت: نعم… الحرب.
كنت يومها زعلانًا من مصر. قبلها بيومين استدعاني أمن الدولة في شارع الفراعنة. سألني العقيد محمد خضر: لماذا بروفات عن الحرب والضرب؟ لماذا محمود درويش؟ ولماذا الأبنودي، ومجدي نجيب، وسيد حجاب، وأحمد فؤاد نجم، وإبراهيم رضوان، وزكي عمار؟ نحن في حالة لا سلم ولا حرب، ولسنا في حالة حرب. كنت مسؤولًا عن المسرح السياسي في منظمة الشباب الاشتراكي، وكان يرأس التنظيم الشبابي وقتها الأستاذ محمد الخولي، رجلًا وطنيًا محترمًا، كان يليق به أن يكون وزيرًا للشباب أو الثقافة.
خرجت من المقهى فرأيت التراب معلقًا في الهواء، والناس بين مصدّق وخائف ومفتٍ. بعضهم كان يهتف: «اطفوا النور… اطفوا النور…» كأن الطائرات الإسرائيلية والأمريكية فوق الرؤوس، وكأن الظلام سيحمي المدن من القدر. في تلك اللحظات يتحول الشعب كله إلى محلل سياسي، وإلى فقيه حرب، وإلى مسؤول مؤقت عن المصير، ربما لأن دوره الحقيقي في الحياة العامة كان دائمًا مؤجلًا، إلا من دفع الضرائب.
قلت للفرقة: هيا بنا إلى قصر الثقافة، لنبدأ البروفات. الحرب بدأت، وعلينا أن نصدق أنها حرب.
سرت في شارع صفية زغلول إلى الحاج محمد الرملي، إلى الصحف، إلى عم السيد، إلى محل «على كيفك»، وإلى سينما ستراند أمامه. هنا حدث ما ظلّ يطاردني نصف قرن.
كان هناك رجل يهتف في الشارع، يمسك عصًا ويشير بها إلى الهواء كأنها سهم: «يا ناس… السادات سيخدعكم… ليست حربًا… ليست حربًا…». اقتربت ونظرت في وجهه، فإذا به نجيب سرور.
كنت أعرفه في الإسكندرية. كان يخرج بإذن خاص من مستشفى المعمورة للأمراض النفسية كل يوم، يتجول في المدينة، ويشرب زجاجات البيرة في «إيليت» المحل الشهير في شارع صفية زغلول، ثم يعود بالتاكسي إلى المستشفى. وكان الأطباء يسمحون له بذلك، لكن الشارع لا يسمح.
بدأ بعض الناس يتهاوشون معه، يشدّون قميصه ويدفعونه وهم يقولون: «انزل يا راجل… إنت تعبان…». وهو يصرخ: «إنه خائن… سيخدعكم… ليست وطنية… ليست حربًا…». حاولت أن أنقذه وقلت له: أستاذ، أرجوك، ارجع إلى المستشفى الآن. توسلت إليه، لكنه لم يسمعني.
الحشد حين يغضب لا يرى شاعرًا ولا يعرف تاريخًا، والعشوائية حين تثور لا تفرّق بين جنون وصدق. بدأوا يندفعون نحوه، ولم أستطع أن أحميه ولا أن أحمي نفسي. شدّني أصدقائي من الممثلين بعيدًا، وتركناه في قلب العاصفة.
عدت إلى قاعة البروفات في قصر ثقافة الحرية وفي صدري حجر. هل كان مخطئًا؟ هل كان يرى ما لا نراه؟ هل كانت حربًا حقًا أم تمثيلية سياسية؟ هل خدعنا أنور السادات؟ أم كنا نحن أسرى شكوكنا؟
ضميري ما زال يسألني: لماذا لم تحمه؟ ولماذا تركته؟
العاشر من رمضان لا يعني لي فقط عبور قناة ولا تحطيم خط بارليف في حرب أكتوبر، بل يعني يومًا انكشف فيه شيء أعمق: هشاشة المثقف، وغضب الجماهير، والخوف الذي يسكن القلوب حين تختلط الحقيقة بالشائعة.
مصر عندي ليست خطابًا عسكريًا ولا بيانًا إذاعيًا. مصر وجع. وجع اسمه نجيب سرور، ومحمود دياب، ويحيى الطاهر عبد الله، ومحمد حافظ رجب، وغيرهم من الذين أحبوا هذا الوطن حبًا نادرًا؛ حبًا لا يعرف التصفيق ولا يحتمي بالهتاف.
العاشر من رمضان عندي ليس عيدًا فقط، بل جرح مفتوح يضيء.

السيد حافظ

الأحد، 19 أبريل 2026

اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس. الجزء الثاني

 اعترافات  السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس

 الجزء الثاني

2026




مقدمة

بقلم الذكاء الاصطناعي

في عالم الثقافة العربية، حيث تتلاقى الإبداعات الخالصة مع شبكات النفوذ والمصالح، تظل بعض الأصوات حرةً ومستقلةً، لا تنتمي إلى أي دائرة مغلقة، ولا تطلب رضا أحد. هذا الكتاب - الجزء الثاني من «اعترافات السيد حافظ والأصدقاء — ما وراء الكواليس» - ليس مجرد مذكرات شخصية، بل شهادة حية على واقع المشهد الثقافي العربي في الكويت ومصر والجزائر وغيرها، شهادة تكشف الستار عن آليات التهميش التي يتعرض لها المبدع الحرّ حين يرفض الخضوع لقواعد اللعبة غير المعلنة.

لقد أنجز السيد حافظ إنتاجاً مسرحياً وأدبياً غزيراً، حقق نجاحاً جماهيرياً لافتاً ، وألهم رسائل ماجستير ودكتوراه في جامعات عريقة كالإسكندرية والمنوفية وعين شمس والمنيا. ومع ذلك، ظل غائباً عن مناقشات تلك الرسائل، ومستبعداً من ندوات ومؤتمرات، ومحروماً من الدعوات الرسمية. لم يكن السبب نقصاً في القيمة الإبداعية، بل كان — كما تكشف الصفحات التالية — الاستقلال المطلق، وعدم الانخراط في «العصبيات الثقافية»، وعدم امتلاك «رأس المال الرمزي» الذي يمنحه المناصب والعلاقات لا الإنجاز نفسه.

هذه الاعترافات ليست شكوى، ولا هي مجرد سرد للظلم الشخصي. إنها تحليل دقيق لظاهرة أعمق: ثقافة «المركز والهامش» التي لا تزال تسيطر على المؤسسات الأكاديمية والثقافية العربية، حيث يُعامل المبدع الحيّ أحياناً كـ«موضوع للدراسة» لا كـ«شريك في المعرفة»، ويُفضَّل عليه من يملك شبكة المصالح على من يملك الموهبة والصدق. إنها شهادة على حياة كاتب رفض أن يصبح «تجارياً» أو «تابعاً»، وآثر أن يبقى حراً حتى لو كان ثمن الحرية التهميش المنظم.

يقدم هذا الجزء الثاني صوراً أكثر عمقاً وتفصيلاً من سابقه، يكشف عن لقاءات ومناقشات وأحداث لم تُروَ من قبل، ويضيء جوانب مظلمة في العلاقة بين المبدع والمؤسسة. إنه ليس كتاباً للترفيه، بل دعوة للتأمل: كيف نصنع مشهدًا ثقافيًا عربيًا يقدّر الإبداع الحقيقي لا الولاء، ويفتح أبوابه للمستقلين لا للمنتمين فقط؟

نأمل أن تكون هذه الصفحات خطوة نحو إعادة النظر في قيم المشهد الثقافي العربي، وتذكيراً بأن الإبداع الحقيقي - مهما حاولت الدوائر المغلقة تهميشه - يبقى أقوى من أي سلطة رمزية مؤقتة.


لقراءة أو تحميل الكتاب كاملا بصيغة PDF اضغط على أحد  الروابط التالية: 

رابط التحميل الأول 

اضغط هنا 

... 


رابط التحميل الثاني 

اضغط هنا 

... 


رابط التحميل الثالث 

اضغط هنا 

... 


رابط التحميل الرابع 

اضغط هنا 

... 

رابط التحميل الخامس 

اضغط هنا 

... 





 
Design by Free WordPress Themes | Bloggerized by Lasantha - Premium Blogger Themes | cheap international voip calls ta3rib : Abed