كلُّ من عليها خان 9
مقالات
المقال رقم ٩
العراق ــ دار الكتب المصرية ــ محمد كشيك والصدمة
بقلم: السيد حافظ
من مذكراتي
هناك أشياء لا تنتهي حين تقع.
تبقى.
تجلس في زاوية بعيدة من الذاكرة، وتنتظر سنوات طويلة، ثم تعود فجأة، لا لتذكّرك بما حدث، وإنما لتقول لك إن ما حدث لم ينتهِ بعد.
ومن الأشياء التي لم تنتهِ في داخلي: سقوط بغداد.
في أوائل أبريل/نيسان عام 2003، سقطت بغداد.
دخل الجيش الأمريكي العاصمة العراقية، وانتهت المعركة التي عُرفت بمعركة سقوط بغداد، وسقط معها شيء أكبر من مدينة:
سقطت صورة وطن كان يبدو عصيًا على السقوط.
وقيل إن كولن باول، وزير الخارجية الأمريكي، قال ــ أو نُسب إليه قول بمعناه ــ إنهم لو كانوا يعلمون أن دخول بغداد يمكن أن يتم بثمن صاروخ واحد، لما أنفقوا كل تلك الأموال.
كان المقصود، بالطبع، أولئك الذين فتحوا الأبواب من الداخل.
ولم أكن أعرف يومها ماذا يعني أن يكون سقوط الوطن أرخص من تكلفة الحرب.
لكن ابني محمد كان في الثانوية العامة.
كنت أحكي له ما حدث، فاستمع إليّ قليلًا، ثم قال ببراءة ساخرة تشبه براءة المصريين حين يواجهون الكارثة بالنكتة:
ـ يا أبي... بعلبة سجائر مارلبورو أحمر، الأمريكان يدخلوا مصر من غير حرب... مش بثمن صاروخ في بغداد!
ضحكت.
ضحك هو.
لكنني بعد أن انتهت الضحكة، بقيت أفكر.
أحيانًا يقول الطفل في جملة ساخرة ما يحتاج المثقف إلى عمر كامل كي يقوله.
كانت ضحكة محمد صغيرة...
لكن وراءها كانت تقف مأساة كبيرة:
حين يصبح الوطن قابلًا للبيع، لا يعود السؤال: من يملك السلاح؟
بل: من يملك مفاتيح الأبواب؟
ومن بغداد، أخذتني الذاكرة إلى الكويت.
إلى زميلي عبدالله الفليح.
كان قد جاء إلى مصر لتصوير كتب تراثية من دار الكتب المصرية، وعاد لي بحكاية لا تزال حتى الآن تثير في داخلي شيئًا يشبه الغضب والخجل معًا.
قال لي:
إن بعض المصريين عرضوا عليه أن يدفع عشرة آلاف دينار، وأنهم سيحملون إليه كتب التراث النسخ الاصلية التي يريدها كلها.
سألهم:
ـ وكيف؟
فجاءه الرد ببرود:
ـ تهريب... وما يهمك شيء!
تهريب التراث!
حتى الكلمة نفسها كانت ثقيلة على القلب.
لم يكن الحديث عن بضعة كتب.
كان الحديث عن ذاكرة أمة.
عن مخطوطات وكتب وعلوم وحكايات وأسماء عاش أصحابها وماتوا، وبقيت كتبهم تقول لنا: هنا كان الإنسان المصري.
وحين أخبر عبدالله الفليح سعادة الوزير العظيم عاشق مصر عبد العزيز حسين بما حدث، كان الرد الذي أراحني وقتها:
ـ لا يمكن أن نفعل هذا بمصر.
وظلت الجملة في ذاكرتي.
ربما لأنني كنت أحتاج إلى أن أسمعها.
ربما لأن الإنسان، حين يرى الأشياء من حوله تتهاوى، يبحث عن جملة واحدة فقط تقول له:
لا... ليس كل شيء للبيع.
لكن الصدمة الحقيقية جاءتني في مصر.
لم تأتِ من دبابة.
ولا من طائرة.
ولا من جندي أجنبي.
جاءتني من مكتب.
ومن جملة.
ومن رجل كان يمكن أن يطبع كتابًا.
في عام 1986 عدت من الكويت إلى مصر.
كنت أحمل معي كتابًا، ومخطوطة، وحلمًا صغيرًا جدًا.
ذهبت إلى الدكتور عبد العزيز الدسوقي، وكان يشرف على سلسلة كنت أتمنى أن ينشر الكتاب من خلالها.
دخلت مكتبه وأنا أظن أنني عائد إلى بلدي.
لم أكن أطلب مالًا.
ولا منصبًا.
ولا جائزة.
كنت أطلب أن تطبع مصر كتابًا لكاتب مصري.
لكنني فوجئت به يصرخ في وجهي:
ـ نطبع لك ليه؟
إنت معاك فلوس، وكل المجلات والصحف العربية بتكتب عنك... عايز إيه من مصر؟
لم أعرف ماذا أقول.
أحيانًا تكون الجملة قاسية إلى درجة أنها تسلب الإنسان القدرة على الدفاع عن نفسه.
خرجت من مكتبه.
كان الكتاب تحت ذراعي.
لكنني لم أكن أحمل كتابًا فقط. ذهبت الى محمد كشيك الشاعر الجميل المسؤل عن المطبوعات فقال مايشبه نفس الكلام انت جاى من بره من الكويت معاك فلوس اطبع على حسابك احنا بنطبع للكتاب للفقراء.
كنت أحمل سؤالًا.
سؤالًا ظل يطاردني سنوات:
أنا جنسيتي إيه؟
ثم جاء السؤال الأكثر وجعًا:
أنا عايز إيه من مصر؟
ماذا كنت أريد؟
كنت أريد أن أعود إلى المكان الذي ولدت فيه.
كنت أريد أن أضع كتابي على رف في مكتبة مصرية.
كنت أريد أن تقول لي بلادي:
أهلًا بك.
فقط.
لم أكن أعرف أن العودة من الخارج يمكن أن تجعل الإنسان متهمًا.
لم أكن أعرف أن نجاحك في بلد عربي آخر قد يصبح سببًا في أن يسألك وطنك:
ماذا تريد منا؟
كأن الكتاب الذي كتبته في الغربة صار دليل اتهام.
وكأن الصحف التي كتبت عني في الوطن العربي أصبحت تهمة.
وكأن السنوات التي قضيتها أكتب وأعمل وأحلم باسم مصر لم تكن كافية كي أعود إليها بصفتي ابنًا لها.
ومنذ ذلك اليوم، وأنا أفكر في الخيانة بطريقة مختلفة.
الخيانة ليست دائمًا رجلًا يفتح باب مدينة لجيش أجنبي.
قد تكون موظفًا يبيع كتابًا.
أو إنسانًا يبيع مخطوطًا.
أو شخصًا يساوم على ذاكرة بلده.
وقد تكون، في لحظة أخرى، كلمة تقول لك:
ماذا تريد من مصر؟
فتكتشف أنك لا تعرف كيف تشرح لمن أمامك أنك لا تريد شيئًا.
أنك فقط تريد وطنك.
تريد أن تكون منه، حتى لو لم يعترف بك.
تريد أن تكتب له، حتى لو أغلق أبوابه في وجهك.
تريد أن تموت وأنت مطمئن إلى أن اسمك لن يكون غريبًا في المكان الذي ولدت فيه.
سقطت بغداد.
وكادت كتب التراث أن تُباع.
وخرجت أنا من مكتبه في الثقافة الجماهيرية فى القاهرة وأنا أحمل مخطوطتي وأسأل نفسي عن جنسيتي.
ثلاث حكايات تبدو بعيدة عن بعضها.
لكنها، في داخلي، حكاية واحدة.
حكاية الإنسان حين يكتشف أن أخطر ما يهدد الوطن ليس دائمًا من يقف خارجه.
أحيانًا يكون الخطر في الداخل.
وأحيانًا يكون في لحظة صمت.
وأحيانًا يكون في إنسان يقول لك:
ماذا تريد من وطنك؟
وأنت لا تعرف كيف تقول له:
لا أريد شيئًا...
كنت فقط أريد أن أشعر أنني ما زلت ابنًا لهذا الوطن.
ولهذا، كلما تذكرت بغداد، ودار الكتب، وعبدالله الفليح، وابني محمد، ومكتبي القديم في مصر، أتذكر عنوانًا واحدًا يختصر كل هذه الحكايات:
كلُّ من عليها خان...
إلا الذين ظلوا أوفياء لوطنهم، حتى حين خذلهم الوطن.
تمت
السيد حافظ
القاهرة
رأى الذكاء الاصطناعي الأمريكي
النص قوي جدًا، وأراه من أفضل نصوص سلسلة «كل من عليها خان»؛ لأنه لا يعتمد على الحكاية وحدها، بل يبني تدريجيًا مفهومًا أوسع للخيانة: من سقوط بغداد، إلى تهريب التراث، إلى جرح الكاتب مع مؤسسته الثقافية، ثم إلى السؤال الوجودي: «أنا عايز إيه من مصر؟»
وأرى أن النص يمكن أن يصبح أعمق وأشد أدبية ببعض التعديلات، من دون أن نفقد صدقه وحرارة الذاكرة.
ما الذي نجح فيه النص؟
1. البداية ممتازة
«هناك أشياء لا تنتهي حين تقع. تبقى.»
هذه بداية ناضجة جدًا. فيها هدوء، ثم تفتح الباب للذاكرة والوجع. وأفضل ما فيها أنها لا تبدأ بالسياسة، بل بالإنسان.
2. حكاية محمد من أجمل أجزاء المقال
الجملة:
«يا أبي... بعلبة سجائر مارلبورو أحمر، الأمريكان يدخلوا مصر من غير حرب...»
تعطي النص حياة وواقعية. وهي أيضًا تكسر ثقل الموضوع فجأة، ثم تأتي بعدها الجملة الجميلة:
«أحيانًا يقول الطفل في جملة ساخرة ما يحتاج المثقف إلى عمر كامل كي يقوله.»
هذه من الجمل التي تستحق أن تبقى.
3. الانتقال من بغداد إلى الكويت ثم إلى مصر ذكي
أنت لا تحكي ثلاث حكايات منفصلة، بل تجعلها تتجمع حول سؤال واحد: متى تتحول الخيانة من فعل عسكري إلى فعل يومي؟
وهذا هو العمود الفقري الحقيقي للمقال.
4. أقوى منطقة في النص في رأيي هي حكاية الدكتور عبد العزيز الدسوقي
خصوصًا:
«لم أكن أطلب مالًا. ولا منصبًا. ولا جائزة. كنت أطلب أن تطبع مصر كتابًا لكاتب مصري.»
ثم:
«أنا جنسيتي إيه؟»
ثم:
«أنا عايز إيه من مصر؟»
هنا يرتفع النص من مقال سياسي/ثقافي إلى اعتراف شخصي مؤلم.
وهذه النقلة مهمة جدًا؛ لأنها تجعل القارئ لا يتعامل معك باعتبارك راوياً لأحداث الآخرين، وإنما باعتبارك الشخص الذي وقع عليه الجرح نفسه.
لكن هناك نقطة أراها تحتاج إلى رفع المستوى
النهاية جيدة، لكنها تشرح الفكرة أكثر مما ينبغي.
أنت قلت للقارئ أكثر من مرة إن الخيانة ليست فقط من الخارج، وإنها قد تكون من الداخل. لذلك عندما تصل إلى:
«ثلاث حكايات تبدو بعيدة عن بعضها. لكنها، في داخلي، حكاية واحدة.»
فهذا جميل.
لكن بعد ذلك تبدأ في تفسير الفكرة عدة مرات.
وأنا أقترح أن نترك مساحة أكبر للصمت.
فالنص في بدايته يقول:
«هناك أشياء لا تنتهي حين تقع. تبقى.»
وهذه الفكرة نفسها يمكن أن تعود في النهاية، لكن بصورة أكثر قسوة وهدوءًا.
كذلك لدي ملاحظة مهمة جدًا
عبارة:
«كل من عليها خان... إلا الذين ظلوا أوفياء لوطنهم، حتى حين خذلهم الوطن.»
معناها واضح، لكنها مباشرة جدًا مقارنة بالمستوى الأدبي الذي وصل إليه النص.
العنوان نفسه أقوى من هذه الجملة.
يمكن أن تكون النهاية مثلًا:
«سقطت بغداد منذ سنوات طويلة، لكن بعض السقوط لا يحتاج إلى دبابة.
يكفي مكتب مغلق، وكتاب تحت الذراع، وسؤال واحد: ماذا تريد من مصر؟
يومها لم أعرف ماذا أجيب.
واليوم، بعد كل هذه السنوات، عرفت.
لم أكن أريد شيئًا.
كنت أريد فقط أن أعود.
أن أكون ابنًا في بلده.
وربما لهذا ما زلت أكتب.
لأن الذين لا يستطيعون دخول الوطن من بابه، يحاولون أن يدخلوا إليه من الكلمات.
كل من عليها خان...
إلا من ظل وفيًا، حتى وهو يُخذل.»
هذه النهاية، في رأيي، أكثر وجعًا وأقل خطابية.
وأقترح أيضًا عنوانًا فرعيًا أقوى
بدل:
العراق ــ دار الكتب المصرية ــ محمد كشيك والصدمة
يمكن أن يصبح:
العراق ــ دار الكتب المصرية ــ محمد كشيك وسؤال الوطن
أو:
العراق ــ دار الكتب المصرية ــ حين يصبح الوطن هو السؤال
أو، وهو الأقرب إلى روح المقال:
العراق ــ دار الكتب المصرية ــ ماذا تريد من مصر؟
الأخير شديد القوة؛ لأنه يأخذ جملة قيلت لك في مكتب، ويحولها إلى عنوان لمأساة كاملة.
تقييمي للنص
الفكرة: 9.5/10
الصدق والذاكرة: 10/10
البناء السردي: 9/10
اللغة: 8.5/10
القوة الدرامية: 9.5/10
النهاية الحالية: 8/10
إمكاناته بعد الصقل: 9.5/10
والأهم: لا أنصح بتغيير روح النص. فهو ليس مقالًا معلوماتيًا عن العراق أو دار الكتب، وإنما قطعة من سيرة كاتب اصطدم أكثر من مرة بفكرة الوطن: وطن يُحتل، وتراث يُهرّب، ومؤسسة ثقافية تسأل الكاتب: «ماذا تريد من مصر؟».
وهنا بالذات تكمن قيمة ال مقال. إنه في جوهره ليس عن بغداد، ولا عن دار الكتب، ولا عن عبد العزيز الدسوقي وحده؛ إنه عن رجل ظل يحاول طوال حياته أن يثبت لنفسه أنه ابن وطنه، حتى عندما جعل الوطن نفسه هذا الانتماء موضع سؤال.



4:18 م
sayedhafez







