الخميس، 26 فبراير 2026

عبد الإله عبد القادر... وما تبخر من مشاريع ثقافية اعترافات الكاتب السيد حافظ مع اللقاء والتاريخ والذكاء 19

 عبد الإله عبد القادر... وما تبخر من مشاريع ثقافية

اعترافات الكاتب السيد حافظ مع اللقاء والتاريخ والذكاء 

19




في المشاريع التي تبخرت بفعل خيانة المثقفين

عندما سمعتُ أن الشارقة تقوم بنشاط ثقافي متميز عام 1981، وأن الرجل العظيم الفنان صاحب السمو الشيخ سلطان بن محمد القاسمي قد أسّس الدائرة الثقافية لتكون المؤسسة التي تعمل على النهوض بالبلاد ثقافيًّا، وعيَّن الشيخ أحمد بن محمد بن سلطان القاسمي مسؤولًا عن الدائرة الثقافية بوصفه أول مسؤول ثقافي رسمي، كتبتُ في عام 1983 رسالةً إلى الدائرة الثقافية.

كنتُ أعمل في الكويت، في جريدة السياسة، وكنتُ أنوي كتابة كتاب عن المسرح في الإمارات، خاصة أن المسرح هناك بدأ يتردد اسمه بقوة عندما هاجر صقر الرشود غاضبًا من الكويت؛ لأنه لم تعطه المؤسسات الحكومية ما يريد، ولم يُعطه المجتمع قدره، فذهب ليؤسس في الإمارات مسرحًا، ومات هناك غريبًا في حادث سيارة، في حادثٍ دراميٍّ مأساوي.

ثم جاء بعده صديقي العظيم المخرج المنصف السويسي.

فقلتُ: سأذهب لأجمع ما تيسر من مادة عن المسرح هناك.

وكنتُ، في ذلك الوقت، لا أعرف معنى «الإمارات السبع»، ولا أن دولة الإمارات مكوَّنة من سبع إمارات، لكل إمارة حاكم مستقل مختلف. كنتُ لا أفهم البعد الجيوسياسي، ولم أكن أعي التفاصيل والفروقات.

ذهبتُ إلى الشارقة، فوجدتُ نفسي أنزل في مطار دبي. قلتُ للمسؤول في المطار: «أنا رايح الشارقة مش دبي»، فجاءني أحدهم، مندوب العلاقات العامة في الشارقة، الفنان علي خميس، الذي جاء متأخرًا إلى المطار (كنا في الثمانينيات)، وأخذني الفنان القدير علي خميس من مطار دبي إلى فندق هوليدي إن في الشارقة. وقال لي: «الشيخ أحمد حيشوفك إن شاء الله ونلتقي».

ثم جاءني بعد ذلك رجل كبير في السن، يكبرني بعشر سنوات، مهذب المظهر، يدل على أنه مدير أو وزير، شخصية عراقية؛ هو الأستاذ عبد الإله عبد القادر، أو كما يُلقَّب الآن: الدكتور عبد الإله عبد القادر، فقد حصل على الدكتوراه مؤخرًا من قزاخستان. كان رجلًا مهذبًا لطيفًا. تعرفتُ عليه، فقال: «أهلًا وسهلًا، مرحبًا بك في الشارقة. أنا مسؤول أن أجمع لك ما تريد من مواد خاصة بالمسرح في الإمارات».

قلتُ له: «شيء عظيم».

قال: «ستقابل الشيخ أحمد إن شاء الله».

قلتُ: «إن شاء الله سأقابله».

ثم ذهبتُ فاتصلتُ بأصدقائي في الإمارات، في أبوظبي ودبي. كان صديقي العزيز، الصحفي العظيم سيد شحم موجودًا في دبي، فقال لي: «تعالَ نتغدَّى معنا». فذهبتُ إلى دبي، فقابلته في جريدة البيان. وكان الأستاذ فتحي البرقاوي، الناقد السينمائي وصديقي من أيام الكويت، مسؤولًا عن الصفحة الفنية والثقافية في جريدة البيان. وكانت زميلتنا فاطمة فقيه، الصحفية اللبنانية أو الفلسطينية المرموقة، التي كنت أعرفها من أيام الكويت، هناك أيضًا.

أجروا معي حوارًا، واحتفلوا بي ككاتب مسرحي وتلفزيوني، وتناولنا القهوة، ودار الحوار حول مسرح الطفل، والدراما التي أقدّمها في التلفزيون.

في نفس اليوم تناولتُ الغذاء مع العظيم سيد شحم وزوجته نجوى فؤاد، وقابلت فتحي البرقاوي، وقابلت فاطمة فقيه، وزرت جريدة البيان، ثم عدتُ إلى الشارقة.

في اليوم التالي فوجئتُ بالأستاذ عبد الإله عبد القادر يأتي صارخًا في وجهي في غرفتي في الفندق:

«شو سويت؟ شو عملت؟ إيش سويت؟ ما الذي حدث؟!»

قلتُ: «ماذا؟»

قال: «أنت نازل لك حوار صفحة اليوم في جريدة البيان!»

قلتُ: «نعم».

قال: «أنت ضيف على الشارقة، مش ضيف على دبي!»

قلتُ له: «وما الفرق بين دبي والشارقة؟ كلها دولة الإمارات».

قال: «لا، لا! أنت ضيف هنا. كان يجب أن تجري لقاءً مع جريدة الخليج».

قلتُ: «لم يأتني أحد من الخليج. أنا كنت ذاهبًا لتناول الغذاء مع صديقي سيد شحم الذي يعمل في البيان، ووجدتُ فتحي البرقاوي هناك».

لكنه لم يسمعني. ظل يبرطم ويعلن غضبه، وكأنني كسرتُ شيئًا مقدسًا لا أعرفه، أو عملتُ جريمة.

فصمتُّ.

بعد ساعة جاءني اتصال هاتفي في الفندق من فنان ومخرج عراقي لا أعرفه من قبل، وكان يعرفني، وهو يعمل في أبوظبي، كان مساعدًا للمنصف السويسي قبل أن يترك أبوظبي ويعود إلى تونس. قال لي الرجل المهذب: «يا أستاذ، ماذا حدث؟»

فحكيتُ له ما جرى. سألته: «من هو الأستاذ عبد القادر؟»

قال: «هو رجل يعمل على الإيقاع في فرقة الفنون الشعبية العراقية، وليس رجل مسرح».

قلتُ: «يا رجل؟»

قال: «نعم».

قلتُ: «إذًا هو فنان أيضًا! له علاقة بالمسرح؟»

قال: «هو مسؤول إداري».

وفي اليوم التالي جاءتني فرقة من الشباب، ومعهم المخرج الكبير النبيل يحيى الحاج، رجل مهذب ولطيف ومحترم. كانت فرقة يحيى الحاج الوحيدة التي التقيتُ بها. قال لي: «أنا أعرفك وقرأت لك». وجلس معي هو وشباب فرقته المسرحية في الفندق. كانوا حوالي عشرة شباب.

طلبتُ لهم شايًا أو قهوة.

فوجئتُ بالفندق يطلب مني أن أدفع الحساب، وحتى ثمن زجاجة الماء؛ لأنني طلبتُ ماءً إضافيًّا.

قلتُ: «ما هذا الأسلوب؟»

قالوا لي: «هذه تعليمات من الأستاذ عبد الإله عبد القادر: لك وجبات محددة، وأي شاي أو قهوة أو ماء زائد تدفع حسابه».

دهشتُ. دفعتُ الحساب.

والمشكلة حلَّها الشيخ أحمد بن محمد بن سلطان القاسمي.

عندما قابلته وقلتُ له ضاحكًا: «أخاف أن أطلب شايًا أو قهوة لأولادكم إذا زاروني».

فضحك وقال: «لا، لا، هذا كلام فارغ. ولا يهمك. اشرب شاي وقهوة أنت وزوارك».

جاءني عبد الإله عبد القادر بعد ذلك، فقلتُ له: «يا رجل، أنت زميلي. أنت تعمل في الفنون الشعبية».

قال: «نعم».

وامتقع لونه.

عبد الإله عبد القادر، شخصية تتسم بهيبة الوزراء في صورهم الفوتوغرافية الرسمية؛ يرتدي الكرافتة بأناقة تامة، ويملك حضورًا مهيبًا يفرض نفسه. عندما يحدثك، ينظر مباشرة في عينيك بقوة وثبات، كأنه يؤكد كل كلمة ينطق بها، أو يسعى لإقناعك، أو يبهرك، أو حتى يخدعك أحيانًا ببراعة في صياغة المفاهيم التي يريد إيصالها.

لقد التقيتُ الشيخ أحمد للمرة الثانية. في تلك الفترة، كنت أنتظر مقابلة الفرق المسرحية الموجودة هناك، فكانت الفرقة الوحيدة التي تمكنت من لقائها هي فرقة أبوظبي، عند صديقنا محمد العكش. بدأت الأمور في غموض وشبه ضباب، فتحدثت مع الشيخ أحمد، فقال لي ضاحكًا: «إننا انشغلنا عنك بسبب أن يوسف إدريس لا يزال مسافرًا، وكان عندنا. والرجل – والله – رجل عظيم ومحترم جدًّا. أنت أخبارك إيه؟ وما طلباتك؟»

ثم أضاف مازحًا أن يوسف إدريس طلب سيارة «بي إم دبليو» مدفوعة الضرائب. فضحك الجميع من حوله من الموظفين. فقلتُ له: «والله يا صاحب الفخامة، إذا طلب يوسف إدريس سيارة واحدة، فأعطوه سيارتين، فهو يستحق أكثر». إنه يوسف إدريس الكبير حقًّا.

فقال لي: «لماذا؟» فأجبته برواية قصة معاوية بن أبي سفيان، حين زار أحد العلماء في بيته ليستفتيه، فوجده في حالة تواضع شديد كسائر العلماء والأدباء والحكماء. فقال له معاوية: «أمرت لك بحمار تركبه لتصعد الجبل، وحصان تركبه إذا استعجلت في أمر ما، وناقة تركبها حين تسافر من بلد إلى بلد، وجارية جميلة تخدمك وتتزوجها حتى لا تعيش أعزبًا ولا وحيدًا. ووالله لو أمر الله بشيء آخر يُركب، لأمرت لك به. وسيأتيك كل شهر من بيت المال ما يكفيك».

فضحك الشيخ أحمد وقال: «يا سيدي، تؤمر بإيه؟» فأجبته: «عندما أنتهي من الكتاب – إن شاء الله – سآتي وآخذ ما أريد».

خرجتُ من الجلسة، ثم تحدثتُ بالهاتف مع صفاء غراب، تلميذي الذي شاركني التمثيل في مسرحية «حديقة الحيوان» للكاتب إدوارد أولبي مع علاء عبد الله والنجم الكبير أحمد آدم، وطلب منه سلف ألفي درهم عشان الفلوس خلّصت، وسوف أرسلها له فور عودتي إلى الكويت، وحدث ذلك.

عدتُ من الإمارات بحقيبة بها عشرات البرامج للمسرحيات، لا وثائق لا، واندهشتُ: أين التوثيق لما أنجزه المبدعون هناك من إماراتيين وعرب؟

بعد عامين وجدتُ كتابًا صدر بعنوان «المسرح في الإمارات 1984» للأستاذ عبد الإله عبد القادر، ثم صدرت له مجموعة «خصوصية». والحقيقة أنني لا أعرف لماذا حجب عني المعلومات حتى يطبعها باسمه، مع أنه ليس متخصصًا أصلاً في الكتابة، لكنه دخل عالم الكتابة، وله الحق في ذلك. يحق له أن يبدأ قصصًا أو يجتهد في كتابة قصة مبدعة – وأنا لم أقرأها بعد – أو يجمع كتبًا، أو أن يكتب كتبًا نقدية تسجيلية توثيقية، يحكم عليها النقاد الكبار. أما أنا فلست مؤهلًا للحكم على عمل تجميعي توثيقي، فأنا أقدر على تقييم العمل الإبداعي، لكن ليس التوثيقي.

ظل الرجل محتقنًا مني دون سبب واضح لي، ولا أدري لماذا جعلني أغادر الإمارات محاطًا بالحنين والأسئلة. لماذا أصر على إحاطتي بنفسه، وأخرج كتابه عن المسرح الإماراتي؟ ظل ينتقل من مؤسسة إلى أخرى، إلى جائزة سلطان العويس، وحكى لي حبيب الصايغ أنه ذهب لمقر الجائزة وقال: سأقتل نفسي، أنا أستحقها. ترى كم شخص منع عنه عبد الإله عبد القادر الجائزة؟ وعاش حياته هناك، حصل على الدكتوراه من قزاخستان، وأصبح الرجل الثاني الذي يعمل في الظل، يحرك الأمور في كثير من القضايا المتعلقة بالثقافة والثقافة العربية.

ولا ألومه، فالرجل يريد أن يعيش، وكم من فنانين في الدول العربية غيّروا مجالاتهم؛ شاهدت في الكويت مدرسين تحولوا إلى صحفيين، وعازفين أصبحوا ملحنين. وهكذا عبد الإله عبد القادر – الرجل الطيب على ما أظن، والجيد على ما أظن، والرائع على ما أظن – تحول من ضابط إيقاع إلى دكتور ومؤلف. إنها رحلة كفاح تستحق الاحترام والتقدير والثناء. أنا أثمن كل إنسان يجتهد في تغيير مسار حياته نحو الأفضل.

تمت

السيد حافظ

....


صينية البطاطس اعترافات الكاتب السيد حافظ مع الأصدقاء والتاريخ والذكاء الاصطناعي 20

 صينية البطاطس 

اعترافات الكاتب السيد حافظ مع الأصدقاء والتاريخ والذكاء الاصطناعي

20






صينيّة البطاطس – ملامح من شخصية وليم باسيلي

بعد وفاة الزعيم جمال عبد الناصر في سبتمبر 1970، ومع بداية عام دراسي جديد في كلية دار العلوم  جامعة القاهرة، كنتُ أتعلم المسرح كما أتعلم الحياة. وفي تلك الأيام تعرّفت عن قرب إلى واحد من الوجوه المهمة في الكتابة الكوميدية المصرية: وليم باسيلي.

كان وليم باسيلي مؤلفًا مسرحيًا وسينمائيًا معروفًا، كتب عددًا كبيرًا من الأعمال للمسرح والسينما، تجاوز العشرين أو الثلاثين عملًا. لكن ما لا يعرفه كثيرون أنه لم يكن حكرًا على الخشبة فقط، بل امتدت كتابته إلى الأغنية أيضًا.

فهو مؤلف كلمات الأغنية الشهيرة «اعمل معروف يا أبو عود ملفوف» التي غناها محمد عبد المطلب، ولحّنها موسيقار الأجيال محمد عبد الوهاب، وكانت من أشهر أغنيات زمنها، تتردد في الشوارع والمقاهي والأفراح، وتحمل روح الدعابة الشعبية التي تميزت بها كتاباته.

تعرفت إليه أثناء بروفات مسرحية «موزة وثلاث سكاكين»، بطولة عماد حمدي ونجوى سالم، ومعهما الكوميدي الصاعد آنذاك محمد نجم، و مظهر أبو النجا صديقي من الإسكندرية وكان من فريق شركة ستيا أو كابو، ومن إخراج السيد راضي.

حين قدّمني إليه صديقي محمد متولي، لم يتعامل معي بتعالٍ الكاتب الكبير أمام الشاب المبتدئ، بل سألني بهدوء:

«بتكتب مسرح؟»

ثم استمع إلى عنوان مسرحيتي كبرياء التفاهة في بلاد اللامعنى باهتمام، وردده كما لو كان يختبر موسيقاه، تمامًا كما يختبر الشاعر إيقاع كلماته في أغنية.

قال لي إنه كتب كثيرًا للمسرح وللسينما، ولم ينس أن يذكر تجربته في كتابة الأغنية، مؤكدًا أن الكلمة واحدة، سواء وقفت على خشبة المسرح أو ذابت في لحن. ثم ترك لي جملة لا تزال تسكنني:

«المسرح اللي إنت بتكتبه… هيبقى له مكان. صدّقني، هيبقى لك مستقبل».

لم يكن قد قرأ لي نصًا، لكنه قرأ شيئًا آخر: قرأ الرغبة، قرأ الحلم.كنت فى دهشة 

وبعد انتهاء البروفة في تلك الليلة( كنا في البروفة بسبب ان محمد  متولي  يعمل مدير  خشبة  المسرح  ونحن طلبة) ، ذهبنا – أنا ومحمد متولي وسامي عبد الحليم – إلى بيت متولى  المتواضع بحثًا عن ما يسد الجوع بعد يوم طويل. كنا ننتظر صينية البطاطس المشوية التي كان يعدّها لنا دائمًا، لكننا لم نجدها. انتهت الصينية، ولم يتبقَ إلا القليل من الفتات المحترق في قاع الطاسة، ما يشبه "دمعة البطاطس" الوحيدة. أخذنا نأكل تلك الدمعة بأصابعنا، والخبز  نتقاسمها ونضحك كالأطفال. لم يهزمنا الفقر، ولم نشعر بمرارة الأيام. كنا نحلم بالمستقبل: صار سامي عبد الحليم نجمًا وأستاذًا بالمعهد، وصار متولي أحد نجوم مسلسلات أسامة أنور عكاشة.

من خلال هذا اللقاء وتلك اللحظات البسيطة أدركت أن وليم باسيلي لم يكن مجرد كاتب كوميدي، بل صاحب حس شعبي رفيع، يعرف كيف يكتب الضحكة دون أن يبتذلها، وكيف يجعل الكلمة خفيفة الظل، سواء في مسرحية تُعرض أمام جمهور حي، أو في أغنية يشدو بها صوت مثل محمد عبد المطلب على لحن محمد عبد الوهاب.

هكذا بقي في ذاكرتي:

كاتبًا يربط بين المسرح والأغنية، بين الخشبة والشارع، بين الفن والحياة.

وبين ضحكة نجوى سالم، وحكاية عماد حمدي عن يوم الحداد الكبير، وهو موت الزعيم جمال عبد الناصر  واعتذاره  للجمهور عن تكملة العرض  الماتينية وصينية البطاطس الناقصة في بيت محمد متولي، و"دمعة البطاطس" التي أكلناها وضحكنا عليها… ظل وليم باسيلي علامة مضيئة في بداياتي، وكلمة تشجيع قالها في وقتها كانت، بحق، أشهر وأغلى من أي أغنية

تمت السيدحافظ...

....


إينو ​اعترافات الكاتب السيد حافظ مع الأصدقاء والتاريخ والذكاء الاصطناعي 21

 إينو

​اعترافات الكاتب السيد حافظ مع الأصدقاء والتاريخ والذكاء الاصطناعي

21








​هل شاهدتُ إينو في «مسافر ليل»؟

​في عام 1968 صدرت مسرحية «مسافر ليل» للعبقري صلاح عبد الصبور. نصٌّ يمزج العبث بالرمزية السياسية، كُتب بعد هزيمة 1967، كأنه صفعة شعرية على وجه السلطة.

​ثلاثة أشخاص فقط:

​الراكب: المواطن الأعزل.

​الكمساري: السلطة الغامضة القامعة.

​الراوي: المثقف الذي يرى ولا يتدخل.

​مسرحية قصيرة، لكنها كانت بحجم وطن مهزوم.

​في صيف 1970، كنتُ قد عُيِّنت مدربًا لفريق التمثيل بمركز شباب الحرية في شارع الإسكندراني بمحرم بك في الإسكندرية، بجوار بيت العائلة، مقابل ثلاثة جنيهات في الشهر. ثلاثة جنيهات فقط… لكنها كانت تعني أن القاهرة — بكل مصاريفها الباهظة — لن تبتلع حلمي في كلية دار العلوم.

​القاهرة عاصمة، والعواصم دائمًا تصنع نجوم الأدب والفن والثقافة. أما نحن… فكنا نحاول أن نصنع نجمة صغيرة في شارع جانبي، في مدينة الملح؛ الإسكندرية.

​كان هناك الأستاذ كمال عز الذي يدرب الفريق، وكان مدير المركز الأستاذ وسيم، ونائبه صبري سالم — جارنا — الذي توسط لي في الحصول على هذا العمل. كنت أحتاج إلى العمل كي أواصل الدراسة، وكنت أحتاج إلى المسرح كي أواصل الحياة.

​كنت قد أصدرت أول كتاب لي، أعلنتُ فيه ميلاد المسرح التجريبي في داخلي: «كبرياء التفاهة في بلاد اللامعنى»، وفكرت أن أخرج «مسافر ليل» بأسلوب تجريبي. جمعتُ فرقة مركز الشباب؛ فرقة شباب وعمال من سن العشرين إلى الخامسة والعشرين. قرأتُ النص لهم، فنظروا إليّ ببراءة صادمة:

— «إحنا مش فاهمين حاجة من المسرحية.»

ورفضوا النص… برفض مهذب.

​خرجت من صالة البروفات، وفي الخارج دوّت صفارة انتهاء مباراة كرة القدم. صرخ المدرب:

— «بكرة الساعة عشرة الصبح!»

ركض الأطفال نحو الباب، كنت أقف على الباب رافضًا هزيمتي. وقفت أمامهم وقلت فجأة:

— «دي صفارة التجمع للمسرح… تعالوا خمس دقائق بس.»

​فتحتُ باب صالة المسرح، ودخلوا معي. جلسوا على كراسٍ متحركة، يضحكون، لا يعرفون ماذا ينتظرهم. سألتهم:

— «تحبوا التمثيل؟»

قالوا بصوت واحد:

— «نعم!»

​ومن تلك اللحظة… بدأ المشوار. كل يوم كنت أنتزع خمس دقائق من وقت كرة القدم، ثم عشرًا، ثم أزيد عشر دقائق، حتى أصبحت هناك بروفات صباحية ومسائية؛ بدلاً من الجري خلف الكرة… الجري خلف الحلم.

​إلى أن ظهر أمامي «إينو»؛ طفل في الثانية عشرة، صبي سبّاك — أدوات صحية. يداه متسختان، وشعره كثيف ناعم لا يهتم به كما يفعل نجوم السينما المصرية في ذلك الزمن. كان يقف بجوار عم جمال… الفراش وصاحب البوفيه؛ الرجل الطويل ذو الصوت الأجش، كأنه خارج من مسرح شعبي قديم.

​وقتها سألت نفسي: هل يمكن أن يخرج «الراكب» من يدٍ متسخة بالشحم؟ هل يمكن أن يمثل «الكمساري» طفل لم يعرف بعد ثمن التذكرة؟ وهل كنت أبحث عن ممثلين… أم كنت أبحث عن وطن صغير يفهم «مسافر ليل»؟

​كان إينو يخرج من حارة ضيقة كأنها صفحة من روايات تشارلز ديكنز (Charles Dickens)؛ شعرٌ ناعم كثيف يلمع رغم الفقر، وجهٌ تغطيه طبقة من تراب النهار، يدان متعبتان من عمله صبيَّ سبّاك، وملابس لا تعرف الأناقة لكنها تعرف الكفاح. كان يحمل على جسده آثار المهنة، وفي عينيه آثار الحلم.

​سمحت له بحضور البروفات. كان يدخل الخشبة بحذرٍ أول الأمر، ثم يتحول فجأة إلى طاقة مشتعلة. كان يتنمّر أحيانًا على بعض الأطفال ذوي الملابس النظيفة، وكانوا يتنمّرون عليه بدورهم. لم يكن الأمر شرًّا، بل كان ارتباكًا اجتماعيًا مبكرًا؛ طفلٌ يكتشف أن العالم مقسوم إلى درجات، فيحاول أن يقفز درجةً بالصوت العالي أو بالمشاكسة. كان يتنمّر كمن يدافع عن حقه في الوجود. كنت أوقفهم جميعًا وأقول: «لا شجار، الفنان لا يتنمّر، الفنان يرتقي. الفنان رسالة، ومن يحمل رسالة يجب أن يكون قدوة».

​حين بدأتُ إعداد مسرحية «مسافر ليل»، اخترت ثلاثين أو أربعين طفلًا؛ عشرين على الخشبة، وعشرين للكورال يحيطون بالمشهد كأنهم ضمير النص. استدعيت حمدي رؤوف، الشاب المتوهج موهبةً، الذي كنت أراه بليغ حمدي الثاني لو أُتيحت له الفرصة؛ كان نهر ألحان لا ينضب، وموجة موسيقى لا تهدأ.

​انضمّت إلينا طفلة جميلة أصبحت اليوم زوجة الفنان الكبير النجم أحمد آدم؛ السيدة آمال. وكان معنا العميد مبابي علي أبو يزيد، ابن خالي — أطال الله عمره — وهو يومها كان طفلاً بين هؤلاء الأطفال.

​وفي ليلة العرض على مسرح الأنفوشي، جعلت الشخصيات الثلاث — السائق، والكمساري، وعشري السُّترة — تتكاثر؛ كل شخصية يؤديها عشرة أطفال. كنت أفتت الفرد إلى جماعة، وأحوّل الرمز إلى جسد متعدد. كان المشهد يتحرك كأن المدينة كلها تتكلم. تحاورت مع حمدي حول مقاطع للتلحين، واستخدمنا ألحانًا تشبه النبض الخفي للنص. كانت تجربة مسرحية تستحق أن تُكتب في التاريخ لا أن تُنسى.

​لكن الشكوى جاءت من مركز شباب "إمبروزو"؛ قُدمت ضدي بلاغات. صديقي العزيز المخرج المبدع ناجي أحمد ناجي، والصديق مرسي إبراهيم، والقدير محمد مرسي — رحم الله من رحل وأطال عمر من بقي — رأوا في النص تجاوزًا وألفاظًا ملحدة أو كافرة. لم أرَ في النص إلا سؤالًا وجوديًا كما أراده صلاح عبد الصبور، لكن الفن حين يقترب من الأسئلة الكبرى يُتَّهم.

​عام 1976 تركت المركز وغادرت مصر إلى الكويت. كان إينو قد شارك معنا في أمسيات شعرية عن محمود درويش وسميح القاسم، وقدمنا أشعار عبد الرحمن الأبنودي ومجدي نجيب وإبراهيم رضوان ززكى عمر وسيد حجاب والابنودى وغيرهم، في أمسيات مسرحية شعرية كان الأطفال فيها ينطقون اللغة العربية بكرامة نادرة.

​عدت في زيارة عام 1983 إلى ساحة الحرية. قابلت عم جمال، الحارس والفراش الوحيد الذي كان يفتح "الكانتين" ويصنع لي الشاي كل يوم. كنت أدفع له ثلاثة جنيهات للشاي في الشهر مقدمًا، ونصف جنيه إضافيًا كأنها ضريبة وفاء. (في هذه البروفات شاهد فاروق حسني بروفة عندما عاد من باريس في أول إجازة له وكان يبحث عني).

​سألت عم جمال عن إينو، فقال إنه يسأل عني دائمًا. وبعد يومين جاءني إلى البيت. صافحته، كان قد صار فتى في الخامسة عشرة أو السادسة عشرة. قال لي:

— «ليه سافرت يا أستاذ؟ ليه ما قعدتش معانا في مصر؟»

لم أستطع أن أقول له إن مصر هي التي دفعتني إلى الرحيل. لن يفهم السياسة، ولن يفهم المنفى. قلت فقط: «إن شاء الله نكون هنا».

​وعندما عدت نهائيًا سنة 1986، علمت أن عم جمال خرج إلى المعاش وسكن في وادي القمر. وسألت عن إينو، فقالوا لي: مات في حادث. هكذا ببساطة… حلمٌ ينطفئ بجملة.

​وأذكر أنه قال لي في زيارته:

«الفرقة بتاعت المركز مع كمال عز بتعمل مسرحيات كلام فاضي… مش زي مسافر ليل والقتيل 48. ما يعرفوش يتكلموا عربي.»

​لقد درس إينو معي اللغة العربية، وكان يقيس الفن بالمعنى لا بالصوت العالي. واليوم، بعد كل هذه السنوات، أسأل نفسي: هل أخذت طفلًا من الحارة إلى سماء أعلى من احتماله؟ أم أعطيته جناحين ولو لسنوات قليلة؟ هل كان تنمّره صرخة طبقية، أم محاولة مبكرة لصناعة ذات؟ وهل كنت أُعلّمه المسرح… أم كنت أُعلّمه الحلم؟

​لا أعرف. لكنني أعرف أن طفلاً يشبه أبطال ديكنز وقف يوماً على خشبة مسرح، وتكلم العربية بفصاحة، وحلم بأن يكون جزءاً من معنى أكبر من الحارة. ربما لم أكتب تاريخ تلك «التكة» بعد… لكنها مكتوبة في داخلي كجرحٍ مضيء.

​تمت

السيد حافظ

...

الهجرة من الوطن فشلت مرتين اعترافات الكاتب السيد حافظ مع الأصدقاء والتاريخ والذكاء الاصطناعي 22

 الهجرة من الوطن فشلت مرتين 

اعترافات الكاتب السيد حافظ مع الأصدقاء والتاريخ والذكاء الاصطناعي

22





الهجرة مرتين… وطن يضيق وحلم يتسع

لم تكن الهجرة عندي انتقالًا جغرافيًا، بل كانت محاولة نجاة.

وكانت مرتين.

الهجرة الأولى: الكويت…١٩٧٦ حين ظننت أنني وجدت هجرة الى الأبد

عندما قررت السفر إلى الكويت، لم أكن مسافرًا بعقد عمل، بل كنت مهاجرًا بنيّة البقاء. كنت أريد أن أعيش هناك إلى الأبد. لم يكن في قلبي مشروع عودة.

نجحت مسرحياتي للأطفال هناك نجاحًا لافتًا. وارتفع أجري حتى أصبحت الأعلى أجرًا في تاريخ المسرح الكويتي آنذاك في الثمانينيات. لم يكن الأمر مجرد مال، بل اعترافًا بقيمة ما أكتب. غير أن النجاح، في عالمنا العربي، لا يمرّ هادئًا.

شعرت أن أكثر من جهة تحاربني بلا سبب واضح. حسدٌ يتخفّى في ثياب الزمالة. غيرةٌ تنطق بابتسامات باردة. بعض المصريين هناك — ممن قبلوا الفتات وانحنوا طويلاً — لم يحتملوا أن يأتي مصري لا ينحني. بعضهم أساتذة في المعهد العالي للفنون المسرحية، وبعضهم محسوبون على الوسط الثقافي. وكثيرون ادّعوا الفن والكتابة، بينما كانوا يمارسون الجباية الرمزية من موائد السلطة.

تواترت الإشارات. فهمت الرسالة.

كان لا بد أن أُحصّن نفسي.

كنت في مصر أعمل بقصر ثقافة الحرية بعقدٍ هزيل: عشرة جنيهات شهريًا بوظيفة محاضر. عشرة جنيهات فى الشهر لا تكفي لشراء كرامة، ولا حتى وهم كرامة.

ذهبت إلى اللواء مصطفى سمك، قريبي من قرية الضهرية بالبحيرة. لم أذهب إليه خائفًا، بل حذرًا. سألته: هل يمكن أن يُمنع اسمي في المطار؟ اريد ان اهاجر الى الخليج.

قال لي مطمئنًا: لا توجد ممانعة. لكن نصيحتي ألا تعود إلا وأنت محصّن بالمال. المال هنا درع.

ثم كانت الخطوة التالية الجيش.

ذهبت إلى اللواء شريف أباظة، القريب من الشاعر الكبير عزيز أباظة. رجل يحمل ملامح البشوات، لكن في قلبه حب حقيقي للمسرح. كان رئيس اللجنة الثقافية في نادي سبورتنج. كتب لي توصية إلى منطقة التجنيد بالعباسية. لم يسألني: لماذا تريد السفر؟ بل قال ببساطة: حاضر.

ذهب أخي أحمد، وأخي الدكتور رمضان — رحمه الله — بالكارت إلى اللواء المختص، وعادا بالتأجيل واصبح في يدي كجواز عبور مؤقت من قبضة الدولة.

بقي «الكارت الأصفر».

ذهبت إلى الكاتب الكبير سعد الدين وهبة. فى القاهرة كان الكارت الأصفر في ذلك الزمن تصريح حياة أو منع حياة. وساعدني الروائي سمير ندا، مدير عام العلاقات العامة للثقافة الجماهيرية، صاحب رواية «الشفق»، صديقي الذي كان يجيء إلى الإسكندرية ليرى ماذا يفعل هذا المجنون بالمسرح. وقال له سعد وهبه خلص الكارت الأصفر لسيد حافظ ياسمير 

بهؤلاء جميعًا — وبعناية خفية لا أستطيع إنكارها — عناية الله خرجت من مصر .

سافرت إلى الكويت، إلى حلمي الأول.

لكن الحلم الذي لا يحميه وطن، يظل هشًا.

عدت.

.الهجرة الثانية: أريزونا…

 حين ضاق الوطن واتسعت الشاشة

الدعوة جاءت من جامعة أريزونا. مؤتمر لمسرح الطفل. الجامعة تبنّت نشر أعمالي المترجمة إلى الإنجليزية على موقعها. ترجم المسرحيات الشاعر المبدع خميس عز العرب، وكان يؤمن بما أكتب كما أؤمن به.

كنت هذه المرة أكثر وضوحًا مع نفسي: سأذهب ولا أعود.

لم يعد الوطن يحتملني، أو لم أعد أحتمله. كل باب أطرقه يُغلق. كل مساحة أفتحها تُحاصر.

كان يقول لي الكاتب الكبير محفوظ عبد الرحمن:

إذا أُغلقت الإذاعة، فاذهب إلى التلفزيون.

إذا أُغلق التلفزيون، فاذهب إلى المسرح.

إذا أُغلق المسرح، فاذهب إلى الصحافة.

وكنت أذهب. أتنقل كالماء. لكن حتى الماء يحتاج مجرى.

قدّمت طلبًا إلى الفنان يوسف شعبان، نقيب المهن التمثيلية آنذاك، ليساعدني في الحصول على تذكرة السفر. بناء على دعوة جامعة الاريزونا فى امريكا حوّل يوسف شعبان الطلب إلى محمد غنيم، الإداري القوي، مدير قصر ثقافة الإسكندرية السابق، ثم وكيل وزارة الثقافة للشؤون الخارجية.

بيننا تاريخ من الحوار والاشتباك والاحترام الحذر. كنت أعرف — من خلال ما قاله لي اللواء مصطفى سمك — أنه كتب عني تقارير. وكنت أعلم ذلك دون أن يخبرني أحد. كان يتعامل مع الأجهزة كما يتعامل مع الملفات: ببرود إداري.

انتظرت شهرًا. ثم شهرين. ثم ثلاثة.

مرّ المؤتمر. مرّ الحلم.

قابلته في نادي نقابة المهن التمثيلية بشارع البحر الأعظم. سألته: لماذا لم تُصرف لي التذكرة والتأشيرة؟

قال بهدوء إداري قاتل: لم نجد تليفونك ولا عنوانك.

وكان هاتفي مع كل مثقفي مصر.

وكان عنواني معروفًا حتى لساعي البريد.

في تلك اللحظة فهمت أن الحصار لا يحتاج إلى أسوار. يكفيه تأجيل. يكفيه إهمال متعمّد.

ضاع الحلم مرتين.

الكويت… وأريزونا.

وبقيت هنا.

أحمل تهمة غير مكتوبة: أنني لا أنحني.

وأحمل وصفًا قديمًا قرأته في الجزء الرابع من كتاب مروج الذهب، حين نقل عن الرحالة العربي قوله لعمر بن الخطاب في وصف المصريين… أن الفطن منهم يجيب بما ينجو به. لأنهم يخيبون الفطن منهم فى الوطن .

ياليتني لم أكن من الفطنين.

كنت أجيب بما أؤمن به.

وهكذا وجدتني — بين الأصدقاء والتاريخ والذكاء الاصطناعي — أكتب اعترافًا لا أطلب فيه براءة، بل أسجّل واقعة:

حاولت الهجرة مرتين.

وفي المرتين، كان الوطن أسرع من الطائرة.

يحتجزنى ليقهرنى كل لحظة

تمت

السيد حافظ 

...

.

على حافة الهاوية اعترافات الكاتب السيد حافظ مع الأصدقاء والتاريخ والذكاء الاصطناعي 23

 على حافة الهاوية 

اعترافات الكاتب السيد حافظ مع الأصدقاء والتاريخ والذكاء الاصطناعي 

23








كاتب على حافة الهاوية

 بيان وجودي

لم يكن الفقر وصمة عار في تاريخ الإبداع. كان الانتماء السري للعظماء.

تشيخوف أنهى حياته مفلسًا، يحوّل بيته إلى عيادة للفقراء، كأن الإنسانية كانت مشروعه الأخير. دوستويفسكي كتب روائعه الخالدة تحت وطأة الديون، لكنه ظل يوزع قلبه كما يوزع كلماته. وتولستوي، عملاق الأدب، هرب من قصره ليموت في غرفة انتظار بمحطة قطار؛ وكأنه أراد أن يقول لنا: في اللحظة الأخيرة، نحن جميعًا بلا مقاعد.

على ضفافنا العربية، الجحيم له نكهة أخرى. السياب مات غريبًا في الكويت، يلفه النسيان إلا من قلة. فهد العسكر عاش معزولًا، وكأن الشعر كان خطيئته الوحيدة. وفي مصر... نجيب سرور احترق بناره، يحيى الطاهر رحل كأنه استعجل الموت لأنه عرف أن الزمن ليس زمنه. وبيرم التونسي تنقل في منفاه حاملاً رباعياته، أكثر مما تنقل في صالات التكريم.

أما أنا؟

كنت مليونيرًا في عام 1986. أغرقتني نشوتي. فتحت بيتي وقلبي وجيبي في الإسكندرية، ووزعت أموالي كأنها وعاء لا ينضب. لم يعد إليّ شيء من المديونين. إلا الفنان أحمد العطار. كان الاستثناء الذي يؤكد القاعدة: في لحظة سقوطك، لا تنتظر. ثم سقطتُ.

في 1990 فى القاهرة ، بدأت من الصفر، أتأرجح بين الإذاعة والتلفزيون، بين الضوء والعتمة. اليوم، أنا رهن ديون لبنك في دولة عربية، وملتزم تجاه

اصدقاء فقراء مثلي.

كلما طرقت أبواب الإبداع، خرجت لي من حارة. الابداع أشباه مبدعين، و ناشرون يبيعون الوهم، ومخرجون يصرخون ليغطوا على خواء الداخل. وجمهور ابله يصفق لما يخيفه، لا لما ينيره.

أسأل نفسي كل صباح:

هل الموهبة حكم بالإعدام المؤجل؟

هل الإبداع هو الطريق السريع إلى حافة الفقر؟

هل كُتب على المجنون بالكتابة أن يعيش معلقًا بين خط الستر وخط الخطر، بين قلق اجتماعي وجسد ينهشه المرض؟

لكنني، رغم كل شيء، لا أندم.

لأنني اخترت. اخترت أن أكون كاتبًا لا موظفًا ناجحًا. اخترت الحرية على الاستئناس. اخترت أن أتنفس بالكلمات لا بالهواء. بيني وبين الله عهد قديم: أكتب. لا لأربح، بل لأثبت أنني ما زلت حيًا.

تبًا لأيام لا تنصف المبدعين إلا في غيابهم. تبًا لوطن لا يرى أبناءه إلا بعد أن يصبحوا تماثيل.

ومع ذلك... سأظل أكتب.

لأن الكتابة ليست مهنة. إنها قدر.

وكما قال حكيم مصري قديم: "هنيئًا لمن يعيش على أرض مصر... ويرى العدالة تتحقق."

لعلي أراها قبل الرحيل.

السيد حافظ

....


الاثنين، 23 فبراير 2026

الكبار وأشباه الكبار اعترافات الكاتب السيد حافظ مع الأصدقاء والتاريخ والذكاء الاصطناعي 18

 الكبار وأشباه الكبار

اعترافات الكاتب السيد حافظ

مع الأصدقاء والتاريخ والذكاء الاصطناعي


18







الكبار… وأشباه الكبار

هناك رجال، وأشباه رجال.

وفنانون، وأشباه فنانين.

ومثقفون، وأشباه مثقفين.

وصحفيون، وأشباه صحفيين.

وأشباه… وأشباه… وأشباه.

لكن ما لفت نظري في هذه المحطة من اعترافاتي هو الفارق بين الكبار حقًا وأشباه الكبار.

في حياتي قابلت ثلاثة من الكبار الذين أثروا في تاريخ مصر الثقافي والعربي:

أولهم الأستاذ سعد الدين وهبة.

وعندما أقول “الأستاذ”، فأنا أعنيها كاملة. كان وكيل أول وزارة الثقافة لشؤون الثقافة الجماهيرية، مثقفًا حقيقيًا يعرف قيمة الكلمة وقيمة الكاتب.

وثانيهم الدكتور فوزي فهمي، رئيس أكاديمية الفنون ونائب الوزير، الناقد والكاتب المسرحي الذي كان يعرف كيف يجمع بين السلطة والثقافة دون أن يطغى أحدهما على الآخر.

وثالثهم الدكتور جابر عصفور، وزير الثقافة الأسبق ورئيس المجلس الأعلى للثقافة، والذي عرفته في الكويت عام 1983 حين كان يعمل هناك في الجامعة.

كان كل واحد من هؤلاء الثلاثة في موقع رفيع.

وكلما ذهبت إلى أحدهم، وجدت أمام مكتبه طابورًا من كبار المسؤولين والمثقفين والصحفيين والمخرجين والفنانين، ينتظرون دورهم.

وما إن تُبلَّغ السكرتيرة باسمي — “السيد حافظ” — حتى يدخل الخبر، ثم يخرج الرد:

“اتفضل يا أستاذ سيد.”

كنت أرى الدهشة في عيون المنتظرين.

لكنني حين أدخل، أجد احترامًا حقيقيًا، واستقبالًا كريمًا، وإنجازًا لما أطلبه، لي أو لغيري:

منحة تفرغ، طباعة كتاب، دعوة كاتب عربي للتكريم، توصية عادلة.

كانوا يأخذون الطلب باهتمام، وينفذونه برجولة، وشهامة، ووعي، وأدب.

هؤلاء كانوا كبارًا قبل المنصب، ومع المنصب، وبعد المنصب.

أما أشباه الكبار، فقد تكرر الموقف معهم بصيغ مختلفة.

بعضهم كانوا أصدقاء قدامى منذ الستينيات.

بعضهم عرفته منذ ثلاثين أو أربعين عامًا.

جلسنا معًا، قرأنا الشعر، وتناقشنا في الثقافة والحلم.

ومنهم محمود آدم، الذي كان يشغل موقعًا قياديًا في القطاع الثقافي، وكان بيننا تاريخ طويل من المعرفة والصداقة.

ومنهم محمد السيد عيد، زميل الدراسة في الإسكندرية، الذي كان يأتي إلى بيتنا مع الشاعر الدكتور سعيد نافع، نقرأ الشعر ونتجادل، ونختلف في الرأي.

لكن حين تغيّر الموقع… تغيّر المشهد.

أدخل الورقة باسمي.

تخرج السكرتيرة قائلة:

“الأستاذ بيقول: حضرتك عايز إيه؟”

نفس الحركة.

نفس السؤال.

نفس البرود.

فأكتب ورقة قصيرة:

“أنا السيد حافظ. مررت اليوم على مكتبك لأشرب معك فنجان قهوة، كي تكتب في تاريخك الأدبي والوظيفي أن كاتبًا اسمه السيد حافظ مرّ عليك ذات صباح وشرب معك القهوة. وكان ذلك شرفًا لي.”

وأوقّع باسمي، وأترك رقم هاتفي.

لا غضب.

لا شتيمة.

فقط ورقة… تضع الأمور في مكانها.

أتساءل اليوم:

هل كانوا يظنون أنفسهم كبارًا حقًا؟

أم أن الكرسي هو الذي كان يمنحهم ظله؟

الآن، وقد خرجوا من المناصب، وجلسوا في بيوتهم،

هل ما زالوا كبارًا؟

أم تلاشى الظل، وبقيت الحقيقة؟

لقد حرموا أنفسهم من فنجان قهوة ذات صباح.

كان يمكن أن يكتبوه في مذكراتهم.

تمّت.

السيد حافظ


يوسف عبد الحميد… كيف اصبح مخرجًا من اعترافات الكاتب السيد حافظ مع الأصدقاء والتاريخ والذكاء الاصطناعي 17

 يوسف عبد الحميد… كيف اصبح مخرجًا

من اعترافات الكاتب السيد حافظ مع الأصدقاء والتاريخ والذكاء الاصطناعي

17





في البدء كان المسرح.

وكنتُ مجنونًا به. وكان عليَّ أن أبحث عن تكوين فرقة مسرحية؛ لأن المسرح عملٌ جماعي، وهذا هو سرُّ وجعه وسرُّ جماله معًا. تكوين أي فرقة هو، في جوهره، تجنيدٌ لمجموعة فنية تؤمن بالحلم نفسه.

أتحدث اليوم عن ذكرياتي مع يوسف عبد الحميد.

من مذكّراتي:

المبدع يوسف عبد الحميد، الذي أرهقني في تطويره الفكري، ومحاولة تحويله من منولوجست في اللجنة الفنية بالمعهد الفني التجاري إلى مخرج مسرحي مهم. التقينا عام 1968 أثناء إعداد حفل الدفعة الجديدة. قدَّم منولوجًا غنائيًا مع مسعد النجار، وكنتُ أنا مخرج الفريق، ومعي لجنة المشاهدة برئاسة حامد حسيب، مقرر اللجنة الفنية، لاكتشاف المواهب وإعداد الحفل في المعهد التجاري.

كان حامد يعرفني من مركز شباب الشلالات، بينما كان هو في مركز أمبروزو؛ كنا متنافسين في فرقتين. وعندما وقف أمامنا مجدي مختار وقدم منولوجًا، انبهرنا به، وصار بعد ذلك نجمًا كبيرًا في الإسكندرية. اخترناه للحفل، لكن شخصية يوسف عبد الحميد ومسعد خميس النجار ظلّت عالقة في ذاكرتي.

أخرجتُ للمعهد مسرحيتين: «الحبل» لـ يوجين أونيل، ومسرحية «الزعاليك». وكان يوسف عبد الحميد يعمل مديرًا للمسرح. وكنتُ أصغر مخرج يقف على خشبة مسرح سيد درويش، وعمري عشرون عامًا، عام 1968. هناك، على تلك الخشبة المهيبة، كان عم عبده – والد يوسف – كبير الفنيين بالمسرح، وقد ساعدني في لحظة خوفي الأولى من رهبة المكان.

أعدتُ امتحانات الثانوية العامة، ونجحت، وسافرتُ إلى كلية دار العلوم في القاهرة. وهناك بدأت أفكر في «تجنيده ثقافيًا» هو ومسعد خميس النجار ونازك ناز محمد عباس، التي أصبحت ممثلة وعضوًا معنا. كما جندتُ محمد نوار من كلية الفنون الجميلة لصالح المسرح التجريبي.

كان أول كتاب أهديته إلى يوسف عبد الحميد هو «واقعية بلا ضفاف»، ثم «معنى الفن». كنتُ أطارد قراءته كما يطارد المخرج ممثله ليصل إلى نبرة صحيحة. ثم أهديته ديوان رامبو، إذ كنت أستعد لإخراج أول مسرحية تجريبية لي: «كبرياء التفاهة في بلاد اللامعنى» عام 1971.

التقيتُ بالأب بيتر، مسؤول مركز الجزويت وقِسِّه، وحددتُ موعدًا، وذهبتُ ومعي يوسف عبد الحميد ومسعد خميس النجار. كنتُ أؤمن أنني أحمل رسالة لتجديد المسرح، وأن الفكرة لا تعيش وحدها، بل تحتاج إلى من يؤمن بها ويحملها وينشرها. اخترته، واخترت معه مسعد خميس النجار، رفيقه الأنتيم، ذلك الفيلسوف الهادئ العبقري، ليساعدني في تحويل يوسف إلى مخرج ملتزم.

أصيب يوسف عبد الحميد في تلك الفترة بحماسة فكرية زائدة، واندفاع غير محسوب. طلبتُ مساعدة مسعد خميس النجار لتهدئته، فكان الصوت العاقل الذي يعينني على الصبر، وعلى ترويض الأفكار لا كسرها. كما اخترتُ عادل شاهين، الشاعر المطرب، ليكون ممثلًا في العرض.

جاء فاروق حسني وشاهد العرض في مركز الجزويت، فانبهر به، وطلب منا الانتقال إلى قصر الإنفوشي وإعادة العرض هناك. وعُيِّن إيمَن صلاح شقوير مسؤولًا عن أمن صالة مسرح الإنفوشي في تلك الفترة.

في أول ندوة بعد عرض «كبرياء التفاهة»، حضر عدد من التشكيليين التجريبيين: د. مصطفى عبد المعطي، د. سعيد العدوي، ود. محمود عبد الله. جلس يوسف عبد الحميد على المنصة، وبدأت الأسئلة حول معنى التجريب وجماعة الاجتياز. قال مسعد خميس النجار إن يوسف هو صاحب اقتراح الاسم.

في تلك المرحلة، كان يوسف ما يزال في عتبات التكوين الفكري الأولى. وعندما حضر عادل النحاس – صديقي الماركسي، زميلي في المدرسة الثانوية، المثقف الخطير المؤمن بالواقعية الاشتراكية، والذي كان يختلف معي ويخاصمني فكريًا – ليهاجمنا، كادت الحماسة تدفع يوسف إلى الانفعال والصياح. همستُ له: المعركة فكر لا عضلات. وعندما حاول عادل النحاس إيقاعه في مصطلحات سياسية معقدة، تماسَكَ. وفي تلك الندوة كسبنا الدكتور مصطفى عبد المعطي، وصادقتُ الدكتور سعيد العدوي، وكتبتُ عنه في صحيفة كويتية.

أما التجربة الثانية مع يوسف عبد الحميد فكانت مسرحية «سيزيف»، التي أخرجها بنفسه. وأقنعتُ الصديق المبدع الكبير علي الجندي أن يقوم بالبطولة، فنجح نجاحًا مبهرًا. وبعد العرض اختلفنا أنا ويوسف ومسعد خميس النجار لأسباب غير فنية؛ إذ كنتُ لا أؤمن بالارتباط العاطفي داخل الفرقة بين أعضائها، حتى تبقى الجماعة متماسكة بلا غيرة أو تشظٍ. كنتُ قد تعلمتُ من تجربة منظمة الشباب الاشتراكي كيف تُجند الطاقات وتوجهها، فجندته – نعم – ضمن من جندت لخدمة المسرح التجريبي.

نجحت التجربة. وقدم يوسف عبد الحميد بعد ذلك عروضًا ناجحة ومتميزة، ونسي المونولوجات والغناء. وكسبنا مسعد خميس النجار ممثلًا من طراز رفيع، ومؤلفًا مسرحيًا وقاصًا، وقدم أعمالًا في إيطاليا.

صار يوسف عبد الحميد مخرجًا أكثر من رائع، ومترجمًا أيضًا. قال لي أحدهم يومًا: أنت سبب بلاء يوسف عبد الحميد، هو ضحية أفكارك وجنونك. تزوج يوسف من فنانة رائعة أنجبت له ولدين رائعين، ثم مات أعزب الروح، وحيدًا، في بيته القديم في كوم الدكة، أمام بيت سيد درويش.

في ليلة العزاء، جلستُ مع الفنان التشكيلي الكبير ماهر جرجس، ومع أخي عادل حافظ – رحمه الله – على مقهى عند ناصية شارعهم في كوم الدكة، نستعيد الذكريات.

عاش يوسف عبد الحميد على المسرح، ومات وهو يتحدث مسرحًا.

رحمه الله.

السيد حافظ.

 



وجع الروح اعترافات الكاتب السيد حافظ مع الأصدقاء والتاريخ والذكاء الاصطناعي 16

 وجع الروح

اعترافات الكاتب السيد حافظ

مع الأصدقاء والتاريخ والذكاء الاصطناعي

16











وجع الروح


كم أشعر بالغربة! ليت الزمن توقّف، ولم أخرج من حارتنا وأنا أجري وراء القراقوز، وأنتظر صندوق الدنيا يمرّ. وفي المساء أشاهد خيال الظل في دكان عند «فبريكة بدوي» بخمسة مليمات، وألعب الكرة الشراب عند البرنسيسة، بالقرب من قصرها المهجور، ثم أذهب إلى شاطئ الشاطبي والأنفوشي.

ليت الزمن توقّف ولم نكبر، ولم نخسر أحلامنا، ولم تحاصرنا الأحزان وخيبة الأمل. ليت الزمن توقّف ونحن ننتظر جمال عبد الناصر أن يمرّ من البحر، متجهًا عبر طريق الكورنيش إلى استاد الإسكندرية. ونشتري كيلو السمك «ماكريل» — كنا نسميه «الروسي» — بثلاثة قروش، ونلتفّ في الشتاء حول بابور الجاز.

ليت الزمن توقّف، وظللنا أطفالًا، وظلّ الوطن حضنًا دافئًا جميلًا بسيطًا؛ والإسكندرية محتشدة باليونانيين والإيطاليين واليهود والمسيحيين والمسلمين. في كل حارة عسكري يمرّ طوال الليل، وفي كل حارة شيخ حارة.

ليت الزمن توقّف… ولم يمرّ علينا هذا العصر الغريب النذل.

ستمضي سنوات الأحزان المرعبة، وسيأتي زمن جديد، أجمل، بأناس أجمل، بقصائد أحلى، بكتابة مستقلة عن التبعية، بمبادئ أكثر إنسانية، وأندر ظلمًا. فلنكن مستعدين… للفرح.

السيد حافظ ...

 .........


وداعا عبد الرحمن نور الدين… ومجلة «المغامر» اعترافات الكاتب السيد حافظ مع الأصدقاء والتاريخ والذكاء الاصطناعي 15

 وداعا عبد الرحمن نور الدين… 

ومجلة «المغامر»

اعترافات الكاتب السيد حافظ مع الأصدقاء والتاريخ والذكاء الاصطناعي

15




في عام 2007، كنت أعمل في دولة الإمارات العربية المتحدة داخل مؤسسة دار الصدى للصحافة والنشر والتوزيع، المؤسسة الصحفية المرموقة التي كان يقودها الشاعر والإعلامي المبدع سيف المري؛ رجل جمع بين الذائقة الأدبية والحضور الإداري، وصنع حالة ثقافية خاصة في المشهد الخليجي.

كنتُ مديرًا لتحرير مجلة «الشاشة»، غير أن طموحي كان يتجاوز إصدارًا فنيًا تقليديًا. اقترحتُ إطلاق مجلة للأطفال بعنوان «المغامر»، تكون مشروعًا ثقافيًا عربيًا جادًا، يخاطب الطفل باحترام العقل والخيال معًا. بدأتُ بتشكيل فريق من أسماء كبيرة في الدراما والكتابة، مثل مصطفى محرم، ومجدي صابر، ومحمود قاسم، ومجدي نجيب، إلى جانب نخبة من المبدعين في الوطن العربي. كما اتفقتُ مع قامات رفيعة مثل زكريا تامر، ومحمود درويش، والطيب صالح، ونبيل سليمان على أن يكتبوا في أعدادها الأولى. كنتُ أؤمن أن الطفل العربي يستحق أدبًا يكتبه الكبار بحق، لا نصوصًا مرتجلة.

وفي سياق تطوير المحتوى البصري، دعوتُ الفنان التشكيلي والكاتب الكبير عبد الرحمن نور الدين إلى المشاركة. كان قامة في فنون الطفل، رسّامًا ومؤلفًا، وصاحب تجربة إدارية وثقافية واسعة؛ شغل مناصب مهمة بوزارة الثقافة، وأسهم في تشكيل وجدان أجيال عبر عشرات الكتب والمجلات. لبّى الدعوة وشارك بالفعل.

عقب صدور العدد الأول من «المغامر»، جاءتنا مؤشرات نجاح غير متوقعة؛ إذ ارتفع الطلب من المملكة العربية السعودية من ألف نسخة متوقعة إلى عشرين ألف نسخة — بحسب ما وصلني آنذاك. لكن النجاح في المؤسسات الكبرى لا يمرّ دائمًا بسلام؛ تحركت الغيرة، وبدأت الحسابات الضيقة، حتى انتهى الأمر بإبعادي عن المؤسسة بحجج واهية. طلب منى عبد الرحمن نور الدين هاتفيا المكافأة قلت له اتصل بالمناسبة وصرفت له ٣٠٠ دولار على ما اذكر

واتصلت بالمناسبة وانا مفصول وتم الصرف

لم يتصل ويقول شكرا عادى

عدتُ إلى مصر عام 2009، ثم جاءت ثورة 25 يناير عام 2011، فدخلت البلاد مرحلة جديدة. في تلك الفترة تولّى عبد الرحمن نور الدين منصبًا قياديًا بوزارة الثقافة. أرسلتُ إليه مقترحًا لمشروع ثقافي يخدم مصر بعد الثورة، فجاءني الرد رسميًا مقتضبًا: «يرجى الاتصال بالسكرتارية لتحديد موعد». دهشتُ؛ فالعلاقة التي كانت مباشرة يومًا ما، أصبحت محكومة ببروتوكول بارد.

ومرت الأيام.

ثم التقينا في صالون الدكتور والناقد الكبير عبد الناصر هلال، ذلك الصالون الذي كان مساحة حقيقية للحوار الحر بين المثقفين. كان عبد الرحمن يجلس بين الحضور، وفجأة دوّى صوت الكاتب الكبير عمار علي حسن وهو يسلّم عليّ بحرارة: «أهلًا يا أستاذ سيد حافظ!» كان صوته واضحًا، قويًا، لا يحتمل اللبس.

نهض عبد الرحمن نور الدين، وتقدّم نحوي، وعرّف نفسه كأننا نلتقي للمرة الأولى.

ابتسمتُ وقلت بهدوء:

«يا أستاذ، نحن أصدقاء.»

كانت لحظة قصيرة، لكنها كاشفة. أدركتُ أن المناصب تغيّر الذاكرة أحيانًا، أو ربما تغيّر طريقة استدعائها. في تلك اللحظة، تذكّرتُ بساطة زمن سعد الدين وهبة، حين كان الردّ يأتي مباشرًا بلا حواجز.

ورغم كل ما جرى، يبقى عبد الرحمن نور الدين — الذي رحل في فبراير 2026 — واحدًا من أبرز من خدموا ثقافة الطفل في مصر والعالم العربي، ويبقى أثره في ذاكرة الأجيال شاهدًا على موهبته وإخلاصه لفنه.

أما أنا، فقد تعلّمت درسًا بسيطًا:

المشروعات قد تُحارَب،

والأحلام قد تُؤجَّل،

لكن المواقف وحدها

هي التي تبقى في سجلّ التاريخ.

وحمدت الله أن لم أكن وكيل وزارة حتى لا أستعلي على الناس.

السيد حافظ

......



سليمان الفليح… بدويٌّ يدخل قاعة التحرير على ظهر قصيدة اعترافات الكاتب السيد حافظ مع الأصدقاء والتاريخ والذكاء الاصطناعي 14

 سليمان الفليح… بدويٌّ يدخل قاعة التحرير على ظهر قصيدة

اعترافات الكاتب السيد حافظ مع الأصدقاء والتاريخ والذكاء الاصطناعي 

14






تعرفتُ إلى الشاعر الكويتي السعودى

 سليمان الفليح في أواخر السبعينيات، حين كنت أعمل في جريدة السياسة.

كنتُ قد جئتُ إلى الصحافة مؤمنًا بأنها محطة عابرة، سبع سنوات كما قال إرنست همنغواي، قال هى تكفى ثم يترك الكاتب القلم على المكتب ويذهب قال يكفى الكاتب الحقيقي سبع سنوات للعمل فى الصحافة ثم يترك قلمه على مكتبه فى الصحافة ويذهب ليكتب ما يشبهه حقًا. وكنت أعدّ سنواتي هناك بدقة: من 1977 حتى أوائل الثمانينيات، قبل أن أعود إلى المسرح بعد نجاح مسرحيتى «الشاطر حسن»..نعود الى الوراء قليلا

كنا نجلس في صالة التحرير، في مجموعة من الحالمين: السيد عثمان، نبيل سويدان، وفايز كركوتلى ومحمد عبد الحميد و عبدالقادر كراجة، وسليمان الشيخ، وغيرهم من رفاق الكلمة. كانت القاعة تضجّ برائحة الحبر، من كل الاجناس كانت الكويت بلاد العرب وصوت الآلات التى تطبع تشهد على ذلك و نوع الكاتبة، وأخبار السياسة التي تركض قبل الطباعة.

وفجأة… يدخل علينا سليمان الفليح.

كان دخوله مشهدًا مسرحيًا كاملاً.

بغترته وعقاله وكأنه يركب ناقة، بضحكته البدوية، وكأنه جاء من عمق الصحراء لا من شوارع الكويت. يفتح الباب ويقول بصوته الجهوري:

“سلام يا قوم!”

فتنفجر القاعة إما بالضحك… أو بالصمت المندهش.

يجلس أمامي، يخرج من جيبه ورقة مطوية، ويقول( لم يكن له مكتبا يكتب على اى مكتب خال.)..

“هات رأيك يا سيد… هذه قصيدة جديدة.”

كنت أتعجب: كيف لهذا البدوي الأنيق، بملامحه القادمة من الرمل والريح، أن يكتب قصيدة حداثية بهذه الكثافة؟ كيف تمشي الصحراء داخل اللغة بهذه الخفة؟ كان صعلوكًا نبيلاً، يعيش على حافة الشعر، في زمن بدأت فيه الكلمات تُباع كما تُباع السلع.

حين وُلد ابني محمد، ١٩٨٠ جاءني سليمان خجِلاً.فى صالة التحرير

قال:

“كنت أريد أن أقدم لك هدية… لكنني مفلس. سامحني.”

ضحكت وقلت له:

“يا رجل، يكفيني أنك هنا.”

لم يكن الفقر يومها نقصًا… بل كان شرفًا مشتركًا بيننا.

وكان بيننا أيضًا عبد اللطيف الأشمر، رئيس قسم الإخراج الفني، اللبناني الرقيق الذي كان يرى في القصيدة حدثًا بصريًا. هو من ساعد سليمان في نشر بعض قصائده في ملحق الجريدة. واصدرها فى كتاب تابع لجريدة السياسة كنا جميعًا نحاول أن ننقذ الشعر من ضيق الصفحة.

مرت السنوات. غادرتُ الكويت.

ثم جاء الغزو العراقي، وتفرقت الطرق. قيل لي إن سليمان لم يحصل على الجنسية الكويتية، وأنه انتقل إلى السعودية.

وبعد قرابة عشرين عامًا، كنت في زيارة إلى الجريدة، حين قالت لي أم الخير — الصحفية اللبنانية — إن سليمان يتصل من السعودية ويسأل عني.واتصلت به

جاءني صوته عبر الهاتف، كما لو أنه يعبر صحراء كاملة:

“يا سيد يا حافظ… الآن حصلت على الجنسية السعودية. معي مال. أستطيع أن أرسل لك هدية لابنك محمد. معي سبعة آلاف دولار في البنك، وعشرة آلاف ريال. اكتب لي عنوان الفندق. ارسلهم لك”

توقفت لحظة.

لم يكن يعرض مالًا.

كان يريد أن ينتصر على لحظة قديمة، حين لم يستطع أن يهدي طفلًا هدية.

قلت له بهدوء:

“يا صديقي… محمد كبر. وأنا أعمل وأكتب.مسلسلات لا أحتاج شيئًا.”

ضحك وقال:

“إذًا أنت بخير !”

ضحكت نعم انا بخير . وأغلقت المكالمة.

لم يكن سليمان الفليح مجرد شاعر.

كان صورة لجيلٍ كاملٍ عاش بين الحلم والخذلان، بين المنفى والجنسية، بين القصيدة والهوية.

بدويٌّ يدخل قاعة التحرير على ظهر قصيدة،

ويخرج منها ليبحث عن وطنٍ يعترف به.

لكن الحقيقة التي أعرفها — وأشهد بها —

أن الشعر كان وطنه الأول والأخير. ومات هناك فى السعودية وسط قبيلته .لم تحفظ سيرته ف. أدباء الكويت ولا السعودية. مات و ظل يبحث عن وطن وقصيدة.سلاما على روحك ياسليمان

.....


.

 
Design by Free WordPress Themes | Bloggerized by Lasantha - Premium Blogger Themes | cheap international voip calls ta3rib : Abed