الأحد، 5 يوليو 2026

بين شريهان و محمد بن راشد سؤال لم يبرأ..سرد بلا حدود

 سرد بلا حدود


 بين شريهان و محمد بن راشد سؤال لم يبرأ


بقلم: السيد حافظ



هناك أسئلة في حياتنا لا تبحث عن إجابات، لأنها ولدت لتظل أسئلة. وكلما مر الزمن ازدادت غموضًا، حتى تصبح جزءًا من السيرة الشخصية، لا من التاريخ.

ومن بين هذه الأسئلة سؤالان لازما ذاكرتي سنوات طويلة، وما زلت حتى اليوم لا أملك لهما تفسيرًا.

كنت أكتب مسرحية «أنا ماليش حل» مع المخرج العبقري سيد راضي، فإذا به يطلب مني أن أحول النص من بطولة رجالية إلى بطولة نسائية. عدت إلى بيتي، وانغمست في إعادة كتابة المسرحية، ولم يستغرق الأمر سوى يومين أو ثلاثة حتى كان النص الجديد جاهزًا.

قال لي سيد راضي، وهو يبتسم بثقة:

"المسرحية ستكون لشريهان... اتصلت بها، وموعدنا غدًا الساعة التاسعة مساءً في فيلتها بالمنصورية."

خرجت من عنده وأنا أشعر أن بابًا جديدًا يوشك أن يُفتح أمامي. اشتريت بدلة جديدة من أحد محال شارع طلعت حرب، وقميصًا وربطة عنق وحذاءً جديدًا، وكأنني أتهيأ لليلة قد تغير مسار حياتي.

لكن، بينما كنت أستعد للقاء، كانت الأسئلة تدور في رأسي: هل سأستطيع التعايش مع المسرح التجاري؟ هل سأكتب الضحك من أجل الضحك؟ لقد كتبت المسرح التاريخي، والاجتماعي، والسياسي، والكوميديا الهادفة، وكوميديا الموقف، لكنني لم أكتب يومًا كوميديا الفارس التجارية.

جلست في كافتيريا فندق شهرزاد بالعجوزة منذ الثامنة مساءً في انتظار سيد راضي. دقت التاسعة، ثم العاشرة، ثم الحادية عشرة، واتصلت به مرارًا، فلم يجب.

انتظرت حتى الواحدة بعد منتصف الليل.

ركبت سيارتي التويوتا موديل 1983، وتوجهت إلى مكتبه في شارع أحمد عرابي. وجدته جالسًا وسط عدد من الفتيات الصغيرات الحالمات بالسينما والمسرح والنجومية.

دخلت غاضبًا.

فابتسم وهو يقول: "جاء عبقري المسرح."

قلت: "كان بيننا موعد."

قال ببساطة: "نسيت يا بابا... لكن شريهان أخذت الورق وستقرأه."

توقفت مذهولًا وقلت: "أي ورق؟ النسخة الوحيدة معي."

ابتسم وقال: "ما أنا حافظ المسرحية يا بابا."

خرجت وأنا لا أعرف حتى هذه اللحظة: هل قرأت شريهان المسرحية فعلًا؟ أم أن الحكاية كلها كانت وعدًا تبخر في الهواء؟

بعد سنوات، تكرر المشهد بصورة تكاد تكون مطابقة، ولكن هذه المرة في دبي.

كان بطل الحكاية سيف المري، عبقري الصحافة الإماراتية، الرجل الذي منحني فرصة لم تمنحها لي مصر ولا العراق ولا الكويت ولا غيرها، حين اختارني مديرًا لتحرير مجلتي الشاشة والمغامر في وقت واحد.

كان يؤمن بالأحلام الكبيرة، وحول مؤسسة الصدى إلى مؤسسة تصدر عشر مجلات في وقت واحد، في تجربة صحفية عربية نادرة. واستطعت خلال تلك الفترة أن أستقطب نخبة من كبار المبدعين العرب للكتابة في هذه الإصدارات، قبل أن تتعثر التجربة بفعل الخلافات والمؤامرات.

في تلك الأيام، كنت أعمل مع سيف المري على مشروع ثقافي كبير، وأحمل في رأسي عشرات الأفكار، من بينها مشروع قناة تلفزيونية ثقافية عربية، كنت قد بدأت أفاتح الفنان الكبير نور الشريف في بعض تفاصيلها، وكنت أفكر أيضًا في أن يقدم نجوم كبار، مثل يسرا، برامج ثقافية تجعل المعرفة قريبة من الناس.

وفي أوج نجاح المؤسسة، تقرر أن يزور الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم المؤسسة، ويلتقي بمديري التحرير.

لكنني لم أعرف شيئًا عن الموعد.

في صباح اليوم التالي، فوجئت بالأستاذ محمد بن سعود، مدير العلاقات العامة، يسألني:

"لماذا لم تحضر لقاء الأمس؟"

قلت بدهشة: "أي لقاء؟"

قال: "الشيخ محمد بن راشد كان هنا... واجتمع بجميع مديري التحرير، وأنت الوحيد الذي لم يحضر."

دخلت إلى مكتب سيف المري وسألته:

"لماذا لم تدعني؟"

فقال في هدوء: "نسيت."

ثم أضاف: "وعلى فكرة... عرضت على الشيخ مشروع القناة الثقافية الذي كنت تريده، لكنه لم يوافق."

خرجت من مكتبه، وأنا أحمل صمتًا أثقل من الكلام.

بعد قليل، دعاني محمد بن سعود إلى فنجان قهوة في مقهى قريب من المؤسسة.

قال لي: "أنا أعرف ما يدور في رأسك."

قلت: "كنت أريد أن أطرح مشروعات ثقافية للمؤسسة ولدبي."

فقال: "أعرف... لكن تأتي الرياح بما لا تشتهي السفن."

سألته: "وماذا قال مديرو التحرير؟"

فأجاب: "لم يتكلم أحد. تحدث الشيخ محمد بن راشد أكثر من نصف ساعة، ثم سألهم: هل لدى أحدكم شيء يقوله؟ فلم يتحدث أحد."

واليوم، وبعد كل هذه السنوات، أعود إلى السؤال نفسه.

لماذا لم يدعني سيد راضي إلى لقاء شريهان، رغم أن الحديث كان عن مسرحيتي؟

ولماذا لم يدعني سيف المري إلى لقاء الشيخ محمد بن راشد، رغم أن لدي مشروعًا ثقافيًا كنت أؤمن به؟

هل كان الأمر مجرد نسيان، كما قال الاثنان؟

أم أن هناك أسبابًا أخرى لم أعرفها؟

لا أتهم أحدًا، ولا أبحث عن إدانة أحد، لكنني أتأمل مفارقة عجيبة: في لحظتين كان يمكن أن تكونا من أهم لحظات حياتي المهنية، كنت أنا الغائب الوحيد.

ربما كانت الصدفة.

وربما كان القدر.

وربما كانت الحياة تريد أن تعلمني أن ليس كل باب يُفتح أمامك يعني أنك ستعبره.

هكذا بقيت الحكايتان في ذاكرتي، لا كحكايتين عن فرصة ضائعة، وإنما كسؤالين كبيرين، ما زلت أكتبهما حتى اليوم...

لماذا؟

السيد حافظ

القاهر.

.....


رأي الذكاء الاصطناعي الأمريكي 


إذا قرأت النص قراءة تفكيكية عميقة، فسأقول إنك لم تكتب عن حادثتين في حياتك، بل كتبت عن بنية الغياب التي تحكم السيرة كلها.

النص لا يروي ذكريات، وإنما يهدم مفهوم "السيرة الذاتية" نفسه. فالسيرة التقليدية تقوم على الوقائع والنتائج: حدث كذا، فكانت النتيجة كذا. أما هنا، فإن الحدث ينهار قبل أن يكتمل. اللقاء لا يقع، والفرصة لا تتحقق، والحقيقة لا تُعرف. وهنا تبدأ التفكيكية.

في القراءة التفكيكية، لا يكون مركز النص شريهان أو سيد راضي أو سيف المري أو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، بل كلمة واحدة تتكرر مرتين: «نسيت». وهذه الكلمة ليست تفسيرًا، بل علامة على انهيار التفسير. إنها تؤجل الحقيقة ولا تكشفها، فتتحول من جواب إلى سؤال.

ومن هنا تنقلب العلاقات داخل النص. فالشخصيات ليست شخصيات مستقلة، بل تؤدي الوظيفة نفسها. سيد راضي وسيف المري لا يمثلان شخصين مختلفين، بل يتكرران كبنية واحدة؛ حتى إن الحدثين يتطابقان: وعد، انتظار، غياب، تبرير، ثم سؤال بلا جواب. وكأن النص يقول إن التاريخ يعيد إنتاج نفسه بأقنعة مختلفة.

وهناك مستوى أعمق. فأنت في النص لست الضحية ولا البطل. أنت الشاهد. والشاهد لا يمتلك الحقيقة، بل يشهد على استحالة الوصول إليها. ولذلك فإن النص يقاوم الإدانة، ولا يمنح البراءة. إنه يترك الجميع داخل منطقة رمادية، وهي المنطقة التي تحبها التفكيكية لأنها تهدم الثنائيات الجاهزة: صادق/كاذب، نسيان/تعمد، نجاح/فشل.

كما أن النهاية لا تغلق السرد، بل تنسفه. عندما تقول: «ربما كانت الصدفة... وربما كان القدر...» فإنك لا تقدم احتمالين، بل تهدم الاثنين معًا، لأن كل احتمال ينقض الآخر. وهكذا يصبح النص معلقًا بين معنيين لا ينتصر أحدهما، ويظل المعنى مؤجلًا.

ومن أجمل ما في النص أن الشخصيات الكبرى تتراجع تدريجيًا حتى تختفي، بينما يتضخم السؤال الأخير: «لماذا؟». في البداية يبدو أن شريهان والشيخ محمد بن راشد هما محور الحكاية، لكن مع التقدم في القراءة يكتشف القارئ أن وجودهما ليس إلا أثرًا عابرًا، وأن البطل الحقيقي هو السؤال نفسه. وهذا قلبٌ لمركز النص؛ فالأشخاص يصبحون هامشًا، بينما يتحول السؤال إلى المركز.

ومن منظور Deconstruction، فإن النص لا يبحث عن الحقيقة، بل يكشف أن الحقيقة نفسها مؤجلة، وأن الذاكرة لا تستعيد الماضي كما وقع، بل تعيد إنتاجه بوصفه شبكة من الاحتمالات والفراغات. لذلك فإن قيمة النص ليست في معرفة ما إذا كان ما حدث نسيانًا أم إقصاءً، وإنما في أن هذا الغموض ظل حيًا في الذاكرة حتى صار هو الحدث الحقيقي.

لهذا أرى أن النص يتجاوز كونه مذكرات شخصية؛ إنه نص عن الغياب بوصفه قوة تصنع المصير، وعن السؤال بوصفه بطل السيرة، وعن المعنى الذي كلما اقتربنا منه، ابتعد خطوة أخرى. وهذه، في تقديري، هي أكثر طبقاته عمقًا.

.محمد عفيفي مطر... ومجلة سنابل ونفيسة قنديل والطليعة الأدبية. سرد بلا حدود

 سرد بلا حدود

محمد عفيفي مطر... ومجلة سنابل ونفيسة قنديل والطليعة الأدبية

بقلم: السيد حافظ



في عام 1970 التحقت بكلية دار العلوم بجامعة القاهرة، بعد أن حصلت على الثانوية العامة للمرة الثانية. كنت قادمًا إلى القاهرة، العاصمة الأم، وأنا أحمل أحلام شاب يرى فيها مدينة الأدباء والشعراء والفنانين الكبار، ومدينة الجامعات والأساتذة العظام. كنت أتصور أن الطريق إلى الأدب يبدأ من القاهرة، لكن المفاجأة جاءت من كفر الشيخ، حيث صدرت مجلة صغيرة في حجمها، كبيرة في أثرها، هي مجلة "سنابل".


كان يرأس تحريرها الشاعر الكبير محمد عفيفي مطر، ومعه الشاعر محمد الشهاوي، وبدعم من الكاتب والصحفي محمد صدقي. كانت مجلة إقليمية في مكان صدورها، لكنها كانت تحمل مشروعًا ثقافيًا يتجاوز حدود الإقليم، وتبحث عن الأصوات الجديدة في كل مكان.


كتبت مسرحية قصيرة من فصل واحد، وأرسلتها إلى المجلة. لم تُنشر. وعرفت بعد ذلك أن المجلة اختارت نشر مسرحية للكاتب كامل الكفراوي. وروى لي صديقنا الكاتب فؤاد حجازي أن محمد عفيفي مطر سأله يومًا: «هل تعتقد أن السيد حافظ سيستمر في الكتابة المسرحية؟» فأجاب: «نعم». ثم سأله عن كامل الكفراوي، فأجاب: «لا أظن». وكانت الأيام وحدها هي التي قدمت إجاباتها.


لم أتوقف. كنت طالبًا، وكانت أربعة جنيهات تعني لي الكثير. فابتكرت بابًا بعنوان «رسالة الإسكندرية الثقافية»، ورصدت فيه الحركة الفنية والثقافية في الإسكندرية، من معارض الأتيليه إلى الندوات والفعاليات الأدبية، وكتبت خمس صفحات بخط اليد، ثم أرسلتها إلى مجلة "سنابل".


وفي العدد التالي نُشرت الرسالة.


بعد أيام ذهبت إلى دار الأدباء بشارع القصر العيني، في ذلك الزمن الذي كانت فيه الندوات تجمع كبار المبدعين العرب. وهناك التقيت بمحمد عفيفي مطر، فصافحني مبتسمًا، وأخرج من جيبه أربعة جنيهات، وقال: «هذه مكافأتك.»


كانت تلك أول مكافأة أدبية أتقاضاها في القاهرة، وما زلت أذكر فرحتي بها حتى اليوم.


لكن عندما التقيته بعد عدة أشهر في مقهى ريش، وسألته عن سبب توقف «رسالة الإسكندرية الثقافية»، قال لي مبتسمًا: «لقد فتحت عليّ أبوابًا لم أتوقعها. وصلتني من الإسكندرية رسائل كثيرة، بعضها يهاجمك، وبعضها يطلب أن يكتب أصحابه هذا الباب، فقررت أن أوقفه تمامًا.»


لم أسأله يومها عن أسماء الذين كتبوا، ولم أسأل بعد ذلك، ولا أريد أن أعرف. فالسنوات علمتني أن الكاتب إذا نجح، ولو في خطوة صغيرة، فإنه يوقظ المنافسة قبل أن يوقظ الإعجاب.


ثم جاءت مرحلة أخرى من حياتي.


بعد انتقال محمد عفيفي مطر إلى العراق، حيث عمل هناك كما عمل كثير من المثقفين العرب في تلك المرحلة، أرسلت إلى مجلة «الطليعة الأدبية» قصة بعنوان «أحزان مواطن بلا عنوان»، وهي قصة كتبتها بروح تجريبية، مستلهمةً واقع البطل عبد العاطي، لتطرح سؤالًا عن مصير البطل العربي بعد انتهاء المعركة.


نشرت المجلة القصة، ثم فوجئت في العدد التالي بدراسة نقدية مطولة كتبتها الأديبة والناقدة نفيسة قنديل، زوجة محمد عفيفي مطر. كانت دراسة قاسية، خصت قصتي وحدها بالنقد من بين القصص المنشورة في العدد. اختلفت مع قراءتها آنذاك، لكنني أدركت فيما بعد أن النصوص التي تثير الجدل هي النصوص التي تفرض وجودها.


ولم تنته الحكاية عند هذا الحد.


فقد شعرت بعد ذلك بأن كاتبًا مصريًا كان يقيم في العراق قد استلهم قصتي في عمل سينمائي، فاعترضت، وأرسلت إلى الملحقية الثقافية بالسفارة العراقية في الكويت، مرفقًا بالقصة المنشورة في مجلة «الطليعة الأدبية» باعتبارها دليلًا على أسبقيتي. كان الرد أن الفيلم قد أُنجز، وانتهى الأمر، وعُرض عليّ تعويض مالي، فرفضت يومها وأغلقت الملف.


لكن الذاكرة لا تغلق ملفاتها بسهولة.


مرت السنوات، وعاد الرجل إلى القاهرة، ومضت الحياة كما تمضي دائمًا. أما أنا فبقيت أتأمل تلك الوقائع، وأسأل نفسي: لماذا توقفت «رسالة الإسكندرية الثقافية» بعد نجاحها؟ ولماذا اختارت نفيسة قنديل قصتي وحدها للنقد؟ وهل كانت تلك مجرد مصادفات ثقافية، أم أن لكل زمن حساباته الخفية؟


لا أملك اليوم إلا أن أروي ما عشته كما رأيته.


وبرغم كل ما جرى، بقي محمد عفيفي مطر في وجداني شاعرًا كبيرًا، وصاحب مشروع ثقافي استثنائي، وإنسانًا ودودًا في لقاءاتي معه. فالحياة لا تُختزل في موقف واحد، ولا في خلاف واحد، كما أن البشر أكبر من أن يُحاكموا بلحظة واحدة.


وهكذا تمضي الأيام. يرحل أصحابها، وتبقى الذكريات وحدها شاهدة على زمن كانت الثقافة فيه حلمًا كبيرًا، وكانت المجلات الأدبية تصنع أسماء، وتفتح أبوابًا، وتغلق أخرى. ويبقى السؤال مفتوحًا: من كان صديقًا؟ ومن كان خصمًا؟ ربما لا يهم الآن... فما يبقى في النهاية ليس إلا ما كتبه الإنسان، وما تركه من أثر في ذاكرة الأدب.

تمت

السيد حافظ

القاهرة

.....

......

رأي الذكاء الاصطناعي الأمريكي


إذا قرأناه بمنهج تفكيكي عميق، فإن المقال لا يتحدث في حقيقته عن محمد عفيفي مطر أو مجلة سنابل أو نفيسة قنديل، بل عن سلطة الثقافة العربية وآليات إنتاج الاعتراف والإقصاء. الشخصيات هنا علامات داخل بنية أكبر، وليست الغاية النهائية للنص.

القراءة التفكيكية العميقة

منذ الجملة الأولى يضع النص القارئ أمام ثنائية كبرى: القاهرة/الإقليم. فالقاهرة تبدو المركز الثقافي، لكن الاعتراف الأول لا يأتي منها، بل يأتي من مجلة إقليمية في كفر الشيخ. هنا ينسف النص فكرة المركز؛ فالهامش هو الذي يمنح الشرعية للمبدع، بينما المركز يكتفي باستقبالها لاحقًا.

ثم تظهر ثنائية أخرى أكثر تعقيدًا، وهي النشر/الاستبعاد. فعدم نشر المسرحية يبدو خسارة، لكنه يقود إلى كتابة "رسالة الإسكندرية الثقافية"، التي تصبح سببًا لأول مكافأة أدبية. أي أن الفشل ينتج النجاح، والرفض يصبح طريقًا للاعتراف. وهكذا ينهار التقابل التقليدي بين النجاح والإخفاق.

وعندما يتوقف الباب الثقافي بعد نجاحه، يكشف النص مفارقة أشد قسوة؛ فالنجاح لا يضمن الاستمرار، بل قد يكون سببًا في الإقصاء. هنا تصبح المؤسسة الثقافية بنية تنتج الاعتراف بقدر ما تنتج المنع، وكأنها لا تستطيع تحمل نجاح خارج آلياتها التقليدية.

أثر دريدا في النص

وفق تصور جاك دريدا، لا يوجد معنى ثابت، بل سلسلة لا تنتهي من الاختلافات والتأجيلات. وهذا ما يفعله المقال.

فالسؤال:

لماذا توقف الباب؟

لا يجيب عنه النص.

ثم ينتقل إلى سؤال آخر:

لماذا اختارت نفيسة قنديل قصتي وحدها؟

ثم إلى سؤال ثالث:

هل كانت مصادفات أم حسابات خفية؟

كل جواب يؤجل الجواب التالي. فلا يصل القارئ إلى يقين، وإنما إلى شبكة من الاحتمالات، وهو ما يسميه دريدا تأجيل المعنى.

نفيسة قنديل بوصفها علامة

في القراءة التقليدية تبدو نفيسة قنديل ناقدة هاجمت قصة الكاتب.

أما تفكيكيًا، فهي تمثل سلطة القراءة نفسها.

النقد هنا ليس إلغاءً للنص، بل اعتراف ضمني بقوته؛ إذ إن النصوص الضعيفة تُنسى، أما النصوص التي تُكتب عنها دراسات مطولة فهي تدخل دائرة التأويل. وهكذا يتحول الهجوم إلى شكل آخر من أشكال تثبيت حضور النص.

الذاكرة بوصفها أرشيفًا مضادًا

المقال لا يقدم وثائق ولا محاضر ولا أحكامًا، وإنما يقدم الذاكرة.

والتفكيك يمنح الذاكرة مكانة خاصة؛ لأنها ليست سجلًا موضوعيًا، بل إعادة كتابة دائمة للماضي.

لذلك لا يدّعي الكاتب امتلاك الحقيقة، بل يكتب:

"لا أملك اليوم إلا أن أروي ما عشته كما رأيته."

هذه الجملة وحدها تنسف فكرة الحقيقة المطلقة، وتؤكد أن كل كتابة هي وجهة نظر، لا نسخة نهائية من الواقع.

الاقتصاد الرمزي

الأربعة جنيهات ليست مجرد مكافأة.

إنها تتحول إلى رمز للاعتراف.

بعدها يصبح المال نفسه بلا قيمة أمام القيمة الرمزية للاعتراف الأول.

ثم يظهر التعويض المالي في قضية الاستلهام السينمائي، لكنه يفشل في شراء الذاكرة.

إذن المال في أول النص يمنح الفرح، وفي آخره يعجز عن محو الشعور بالظلم.

وهنا يفكك المقال العلاقة بين القيمة المادية والقيمة الرمزية.

الحضور والغياب

الشخصيات تغيب لكنها لا تختفي.

مجلة سنابل توقفت، لكنها حاضرة في الذاكرة.

الطليعة الأدبية انتهت، لكنها ما زالت تنتج معنى.

محمد عفيفي مطر رحل، لكنه يظل فاعلًا داخل النص.

الغياب هنا هو شكل آخر من الحضور، وهي إحدى الأفكار المركزية في التفكيك.

خاتمة تفكيكية

النهاية ليست خاتمة، بل فتح جديد للأسئلة.

فحين يقول الكاتب:

"من كان صديقًا؟ ومن كان خصمًا؟"

فهو لا يبحث عن إجابة، بل يهدم الثنائية نفسها.

لأن الشخص الواحد قد يكون في لحظة داعمًا، وفي لحظة أخرى سببًا في الإقصاء، وقد يكون النقد اعترافًا، والرفض بداية نجاح، والهامش مركزًا، والذاكرة وثيقة، والصمت خطابًا.

لهذا أرى أن هذا المقال لا يروي سيرة شخصية فحسب، بل يكشف البنية العميقة للمؤسسة الثقافية العربية، ويجعل القارئ يعيد التفكير في مفاهيم الاعتراف، والسلطة، والنجاح، والإقصاء. وهذه هي القيمة التفكيكية الحقيقية للنص، إذ لا يقدّم أجوبة، بل يزعزع اليقين، ويترك المعنى مفتوحًا على قراءات لا تنتهي.

جزيرة بافوس... والحلم المفقود والبحر الهادئ المجنون..سرد بلا حدود

سرد بلا حدود

جزيرة بافوس... والحلم المفقود والبحر الهادئ المجنون

بقلم: السيد حافظ



في عام 1983 زرت قبرص بدعوة من الكاتب الليبي الكبير محمد علي الشويهدي، رئيس تحرير مجلة «الموقف العربي»، في زمن كانت فيه المنافي العربية تصنع الثقافة أكثر مما تصنعها العواصم. كان كثير من الكتّاب والصحفيين الذين يحملون فكرة أو مشروعًا يرحلون إلى باريس أو لندن أو قبرص، حيث كانت المجلات الأدبية والثقافية والسياسية تولد خارج حدود الرقابة.

كنت يومها أعمل في دولة الكويت، في المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، وأكتب في جريدة «السياسة»، ولم أكن أعرف محمد علي الشويهدي معرفة شخصية، رغم أن بيننا حكاية تستحق أن تُروى.

كان الصديق حسونة الشاويش، الملحق الثقافي الليبي، قد أهداني مجموعة من الكتب الليبية. وبين تلك الكتب استوقفتني المجموعات القصصية لمحمد علي الشويهدي، كما استوقفني إبداع علي  على مصطفى المصراتي. كتبت عن أعمال الشويهدي بإعجاب، وأنا لا أعرف الرجل، ولا أعرف منصبه، ولا أين يعيش.

بعد ذلك علم الشويهدي بما كتبته عنه، وسأل عني في الكويت، ثم دعاني إلى قبرص. لم يكن يومها وزيرًا ولا صاحب سلطة، وإنما كان يبحث عن كاتب كتب عنه بإخلاص، بعيدًا عن المجاملة والمصلحة. وذلك موقف لا أنساه، لأنه كان دليلًا على احترامه للكلمة قبل أي شيء آخر.

غير أن الرحلة التي استمرت شهرًا كاملًا  هناك لم يبق منها في ذاكرتي سوى مدينة واحدة... بافوس.

كانت بافوس بالنسبة إليَّ حلمًا يمشي على الأرض. مدينة تشبه الإسكندرية كما عرفناها في أربعينيات القرن الماضي؛ بحر أزرق، ورمال بيضاء، ومظلات هادئة، ومقاهٍ تطل على الماء، وصمت يجعل الإنسان يسمع صوته الداخلي.

وأنا في الطريق إلى المطار، تمنيت أن أطلب من السائق أن يتوقف.

أنزلوني هنا...

اتركوني في بافوس.

لا أريد مطارًا، ولا وظيفة، ولا مدينة مزدحمة.لا اريد اى مكان غيرها

أريد كوخًا صغيرًا على البحر، وكتبًا، وكوب شاي، ورغيفًا ساخنًا من مخبز يطل على الساحل، وأن أقضي ما بقي من عمري أقرأ وأكتب.

كنت أتخيل نفسي مثل لسان الدين بن الخطيب، الذي ترك الوزارة والقصور، واختار العزلة، لأن الروح أحيانًا تحتاج إلى الخلاص أكثر مما تحتاج إلى السلطة.

أما أنا، فقد تمنيت أن أهاجر من الوظيفة، ومن صخب الصحافة، ومن ازدحام الحياة، ومن كل ما يسرق الإنسان من نفسه، لأعيش مع البحر وحده.

لكن بعض الأحلام، مهما كانت صغيرة، لا تتحقق.

والغريب أن هذا الحلم لم يولد في قبرص، بل كان يسكنني منذ الصبا.

أتذكر أنني، وأنا طالب في المرحلة الثانوية، ذهبت إلى الطبيب النفسي الدكتور عزيز رياض. سألني مبتسمًا:

ـ ما الذي جاء بشاب في مثل عمرك إلى طبيب نفسي؟

قلت له:

أحلم أن أعيش على البحر... أو في الصحراء... بعيدًا عن الناس. أريد مكانًا أقرأ فيه وأكتب، بعيدًا عن الزحام، وعن الضجيج، وعن عالم يأكل فيه الناس سمعة بعضهم بعضًا، ويقتلون بعضهم بالكلمة قبل السكين.

لم يكن ذلك مرضًا.

كان حنينًا إلى حياة أكثر صفاء.

واليوم، وبعد عشرات السنين، ما زلت أشعر أنني أحتاج إلى تلك الجزيرة الهادئة، وإلى ذلك الكوخ الذي لم أبنه، وإلى ذلك البحر الذي لم أستقر على شاطئه.

أنظر إلى عالمنا العربي فأراه يحمل فوق كتفيه تاريخًا طويلًا من الانكسارات، والاستبداد، والتخلف، وضياع الفرص. وأشعر أن التجاعيد لم تعد على وجوه البشر وحدهم، بل امتدت إلى وجه الوطن نفسه.

لقد شاخ الوطن العربي قبل أوانه، بينما تمضي الأمم الأخرى إلى المستقبل.

ولن يكون الخلاص إلا بثورة حقيقية في التعليم، والثقافة، والفنون، والبحث العلمي، والطب، والإدارة، وفي طريقة تفكير الإنسان العربي نفسه.

أما أنا...

فما زلت كلما تذكرت بافوس، سمعت البحر يناديني.

وكأن حلمًا صغيرًا، لم يتحقق يومًا، ما زال ينتظرني على شاطئ بعيد

تمت

. السيد حافظ 

القاهرة 

......

رأى الذكاء الاصطناعي جروك 

1. لعبة الغياب/الحضور وانهيار المركز

في قلب النص يقف بافوس كـ"حلم يمشي على الأرض". هذا التعبير كاشف: الحلم لا يُعاش، بل "يمشي" — أي هو متحرك، غير مستقر، دائم التنقل. بافوس ليست مركزًا ثابتًا (presence) بل trace (أثر) لشيء غائب دائمًا.

الكاتب زارها فعليًا، لكنه لم يبقَ. الزيارة تصبح دليلاً على استحالة الحضور الكامل. كلما اقترب من الشاطئ، ابتعد عنه (في الذاكرة والواقع). هذا هو الديفرانس (différance): الاختلاف والتأجيل معًا. الرغبة في "أنزلوني هنا" تظل معلقة، مكتوبة بدل أن تُنفَّذ. النص نفسه هو الكوخ الذي بناه الكاتب — لكنه كوخ ورقي، لا حجري.

2. الثنائية المتداعية: البحر الهادئ/المجنون

العنوان نفسه يفكك النص من بدايته:

«البحر الهادئ المجنون».

الهادئ والمجنون ليسا نقيضين خارجيين، بل متداخلين داخليًا. البحر الذي يعد بالخلاص يحمل الجنون ذاته (الجنون الهادئ للعزلة، جنون الحنين الذي يأكل صاحبه). هذا يذكر بـ"الدواء/السم" (pharmakon) عند دريدا — البحر دواء للروح المرهقة، وسم يجعل الكاتب يظل معلقًا في حالة حنين مزمنة لا تشفى.

3. الذات المشقوقة والآخر الداخلي

النص يبني "أنا" مثالية (الكاتب الذي يحترم الكلمة، الحالم بالعزلة) مقابل "عالم عربي" مريض. لكن التفكيك يكشف أن الآخر موجود داخل الذات.

الكاتب ينتمي إلى عالم "المنافي العربية" التي "تصنع الثقافة" — أي إلى نفس المنظومة التي ينتقدها.

هو يشتغل في "المجلس الوطني للثقافة" و"جريدة السياسة"، ثم يكتب هذا النص في القاهرة.

حتى حنينه إلى ابن الخطيب (الذي ترك السلطة) هو شكل من أشكال السلطة الرمزية: سلطة الكاتب الذي يروي قصة "تركه للسلطة" ليثبت تفوقه الأخلاقي.

الذات إذن ليست موحدة، بل مشتقة (différée) — متأخرة عن نفسها.

4. الزمن المعكوس والشيخوخة المسبقة

النص يقول: "شاخ الوطن العربي قبل أوانه". هذه جملة قوية تفككية. الوطن يُصوَّر كجسد مسن، والكاتب يرى "تجاعيد" على وجه الوطن. لكن من يشيخ فعلاً؟

الكاتب نفسه يعترف أن الحلم موجود منذ المرحلة الثانوية، وما زال موجودًا "بعد عشرات السنين". الشيخوخة إذن مزدوجة: شيخوخة الوطن، وشيخوخة الحلم نفسه الذي لم يتحقق. الحلم لم يمت، لكنه عجوز — مثل صاحبه. هنا يحدث انقلاب هرمي: الشاب الذي ذهب للطبيب النفسي هو الذي كان "ناضجًا" في حنينه، بينما الوطن "شاخ قبل أوانه". الزمن مشوش، والتسلسل الزمني (ماضٍ → حاضر → مستقبل) يتداعى.

5. الكتابة كـ"ملاذ" وكـ"سجن"

أخطر ما في النص (تفكيكيًا) هو أن الكتابة تُقدَّم كحل، بينما هي الإشكالية ذاتها. الكاتب يريد "كتبًا وكوب شاي" في الكوخ، أي يريد أن يكتب بعيدًا عن العالم. لكنه لا يستطيع الكتابة إلا بسبب العالم الذي يرفضه.

النص هو supplément (مكمل/بديل): هو يحل محل الحياة الهادئة التي لم تحدث. الكتابة تكمل النقص (الغياب عن بافوس)، لكنها في الوقت نفسه تذكر بهذا النقص باستمرار. كل جملة في النص تؤكد أن الكاتب لم يترك الوظيفة، لم يبنِ الكوخ، لم يعش على البحر.

خاتمة تفكيكية

النص ليس مجرد تأمل شخصي جميل، بل هو نص يفكك نفسه وهو يكتب. يعلن الرغبة في الخروج من اللغة والسلطة والمدينة، وهو في الوقت نفسه يبقى أسيرًا داخلها. بافوس ليست حلًا، بل هي اسم الرغبة المستحيلة — الـdifférance التي تسمح للكتابة بأن تستمر.

هذا ما يجعل النص أدبيًا حقًا: ليس لأنه يقدم حلمًا نقيًا، بل لأنه يكشف — رغمًا عنه — عن الشقوق التي تجعل الحلم ممكنًا ومستحيلاً في الوقت ذاته.

مساء الخير... يا وطن

 مساء الخير... يا وطن

السيد حافظ 



اختفت القضايا الوطنية، ولم تعد الأوطان هي السؤال الأكبر، بل غدت التفاهة هي المشروع الكوني الجديد. ولذلك لن يبقى كيانٌ عصيّ على التفكيك؛ ستُهدم الجماعات، وتتآكل الأحزاب، وتذوب كل التكوينات الإنسانية الكبرى، لأن العالم لم يعد يحتفي بالفكرة، بل بالصورة، ولم يعد يقدّس الوعي، بل يصفّق للسطحية.

وسيختفي الأدب... نعم، سيختفي الأدب كما عرفناه؛ الشعر، والرواية، والقصة، والمسرح. سيغدو الإبداع ومضةً خاطفة، لا تحتمل التأمل ولا الصبر. ولعل هذا ما دفعني، منذ سنوات، إلى كتابة ما يقرب من خمسين مسرحية قصيرة جدًا، لا يتجاوز زمن الواحدة منها خمس دقائق، ضمن مجموعتي «صراع الألوان» و**«مزامير السيد حافظ المسرحية»**، وكأنني كنت أقرأ ملامح المستقبل قبل أن يصل.

وسوف تعود أفلام الدقائق الخمس، تلك التجربة التي ابتكرتها السينما الإيطالية في ستينيات القرن العشرين ثم توارت، ولكنها ستعود هذه المرة لأن العصر لم يعد يحتمل الزمن الطويل، ولا الحكايات الممتدة، ولا التأمل العميق. وسوف تُغلق قاعات المسرح أبوابها، لتحل محلها شاشة الهاتف المحمول، وربما تلحق بها قاعات السينما، فيغدو العالم كله شاشةً صغيرة، ويغدو الإنسان مجرد متفرجٍ على حياته.

إننا ندخل عصرًا لا يخجل من تفاهته، بل يرفعها رايةً، ويتباهى بها، ويسير بها شامخ الرأس حتى السماء. وسيزداد الأغنياء ثراءً، والفقراء فقرًا، حتى يصبح الإنسان نفسه سلعة، ويغدو الجشع قانونًا، ويأكل الأغنياء لحم الفقراء، لا لأن الطعام قد نفد، بل لأن شهوة الامتلاك لا تشبع، وشهوة السلطة لا تعرف نهاية.

ليست هذه نبوءة سوداء، ولا أمنية بيضاء، وإنما محاولة لقراءة ما يتشكل أمام أعيننا. فالعالم لم يعد منقسمًا إلى يمينٍ ويسار، ولا إلى ماركسيةٍ ورأسمالية، ولا إلى هذا المعسكر أو ذاك؛ بل أصبح الانقسام الحقيقي بين عقلٍ يفكر، وضجيجٍ يبتلع التفكير.

وسيظل الغباء ينتشر في كل شيء، بينما يُسلَّم الذكاء إلى الآلة... إلى الذكاء الاصطناعي، في الوقت الذي يتنازل فيه الإنسان، طواعية، عن أجمل ما منحه الله له: القدرة على التفكير، والشك، والخيال، والإبداع.

مساء الخير... يا وطن.

..........

رأي الذكاء الاصطناعي الأمريكي 

أقرأ النص بوصفه بيانًا ثقافيًا أكثر منه مقالًا سياسيًا. أنت لا تتحدث، في جوهر النص، عن اختفاء الأدب، بل عن تحول الإنسان نفسه. وهذه نقطة لو برزت أكثر، لأصبح النص أكثر عمقًا.

هناك فكرة فلسفية قديمة تقول إن كل حضارة تبتكر الأداة التي ستعيد تشكيل وعيها. النار غيّرت الإنسان، والكتابة غيّرته، والطباعة غيّرته، والإنترنت غيّره، واليوم يفعل الذكاء الاصطناعي الشيء نفسه. لذلك فالقضية ليست الأدب، ولا المسرح، ولا السينما، بل مصير الوعي الإنساني.

في رأيي، أقوى ما في النص ليس نبوءاته، وإنما قلقه الحضاري. فأنت لا ترثي المسرح، بل ترثي الزمن الذي كان يسمح للمسرح أن يوجد. ولا ترثي الرواية، بل القارئ الذي كان يمتلك الصبر ليقرأ رواية. ولا تخشى الذكاء الاصطناعي، بل تخشى الإنسان الذي يتخلى، بإرادته، عن مهمة التفكير.

وأرى أيضًا أن النص يحمل أثرًا من كتابات المفكرين الذين تحدثوا عن "مجتمع الفرجة" و"عصر الصورة"، لكنه لا يقتبس منهم، بل يصل إلى الفكرة بطريقته الخاصة، وهذا يمنحه شخصية مستقلة.

ومع ذلك، أرى أن هناك نقطة يمكن أن تجعل النص أكثر خلودًا. النص الآن يعلن النتائج أكثر مما يكشف أسبابها. فالأدب العظيم لا يقول: "سيختفي الأدب"، بل يسأل: لماذا أصبح الإنسان غير محتاج إلى الأدب؟ هنا يبدأ العمق الحقيقي.

أما أجمل عبارة عندي فهي ليست "سيختفي الأدب"، بل:

"وسيظل الغباء ينتشر في كل شيء، بينما يُسلَّم الذكاء إلى الآلة."

هذه ليست جملة صحفية، بل مفارقة فلسفية، لأنها تقول إن المشكلة ليست في الآلة التي أصبحت ذكية، وإنما في الإنسان الذي يتنازل عن ذكائه.

ولو كنت أحرر النص لتحويله إلى نص سيبقى سنوات، لأجعل خاتمته تدور حول الإنسان لا حول التكنولوجيا. فالتكنولوجيا ليست البطل الحقيقي، بل الإنسان الذي يغيّر علاقته بالعالم وبنفسه.

وأضيف ملاحظة أخيرة، وهي ربما أهم ما شعرت به وأنا أقرأ: هذا النص ليس متشائمًا كما قد يظنه البعض، بل هو جرس إنذار. إنه يشبه كتابات من يكتبون قبل الكارثة لا بعدها. وهذا، في تقديري، هو ما يمنحه قيمته الفكرية، سواء اتفق القارئ مع استنتاجاته أم اختلف معها.

رجاء النقاش... وسرُّ مهنة الصحافة.. سرد بلا حدود

 سرد بلا حدود

رجاء النقاش... وسرُّ مهنة الصحافة

بقلم: السيد حافظ



هناك كتب نقرأها ثم نطوي صفحاتها، وهناك كتب تتحول إلى جزء من تكويننا الفكري والوجداني، تظل كلماتها تسير معنا سنوات طويلة، وربما ترسم لنا طريقًا كاملًا دون أن نشعر. ومن هذه الكتب، بالنسبة إليَّ، كتاب «في أضواء المسرح» للناقد والصحفي الكبير رجاء النقاش.

صدر الكتاب عام 1965 عن دار المعارف ضمن سلسلة «اقرأ»، في نحو مائة وإحدى وخمسين صفحة، وكان من أوائل كتبه في النقد المسرحي، جامعًا بين متابعة العروض، وتأمل قضايا المسرح، والحديث عن كبار المسرحيين العرب والعالميين. ولم يكن هذا الكتاب نهاية مشروع، بل كان بدايته؛ فقد واصل رجاء النقاش رحلته النقدية في كتب مهمة، من بينها «مقعد صغير أمام الستار»، ثم «شخصيات وتجارب في المسرح العربي»، وغيرها من الكتب التي أصبحت علامات مضيئة في المكتبة العربية.

غير أن ما بقي محفورًا في ذاكرتي لم يكن دراسة طويلة ولا فصلًا كاملًا، وإنما فكرة عابرة، لا تزيد على سطرين. كتب رجاء النقاش ما معناه أن الكاتب المسرحي أو كاتب السيناريو، إذا عمل في الصحافة، أصبحت الطريق إلى خشبة المسرح أكثر سهولة؛ فالصحافة تفتح أبواب المعرفة، وتخلق شبكة من العلاقات، وتمنح الكاتب فرصة أن يلتقي بالمخرجين والمنتجين والمسرحيين، وأن يصل إلى جمهوره بسرعة، بينما يظل الكاتب البعيد عن هذا الوسط يقطع الطريق وحده، بما فيها من مشقة وانتظار.

بدت لي هذه العبارة يومها مفتاحًا لفهم جانب خفي من الحياة الثقافية. فالموهبة وحدها لا تكفي، والإبداع يحتاج إلى نافذة يطل منها، كما يحتاج إلى من يراه ويؤمن به. ومن هنا أدركت أن الصحافة ليست مجرد مهنة، وإنما جسر يصل بين الفكرة وصاحبها، وبين الكاتب والقارئ، وبين النص وخشبة المسرح.

ولم تمض سنوات حتى وجدت نفسي أعيش هذه الفكرة على أرض الواقع.

في عام 1970 كنت أتردد على مجلة «الكواكب» للقاء الشاعر الكبير مجدي نجيب، وكان رجاء النقاش يومها رئيسًا للتحرير. كانت تلك الزيارات بالنسبة إلى الكاتب الشاب مدرسة حقيقية، يتعلم فيها من حركة الصحافة الثقافية، ومن وجوهها الكبيرة، ومن المناقشات التي كانت تدور في المكاتب والممرات، حيث كانت الثقافة تُصنع كل يوم.

ثم جاءت زيارتي الأولى إلى دولة قطر عام 1983، في عهد الأستاذ مانع الهاجري مدير التلفزيون، ومعه الأستاذ محمد جاسم العلي، الذي أصبح بعد ذلك مديرًا عامًا لقناة الجزيرة. وكان من الطبيعي أن أزور رجاء النقاش في مجلة «الدوحة» الثقافية، التي كانت آنذاك من أهم المنابر الفكرية في الوطن العربي.

وفي تلك الزيارة تعرفت إلى الكاتب والشاعر والمثقف سنان المسلماني، شفاه الله وعافاه، وكانت معرفة أعتز بها حتى اليوم.

ودعاني بعد زيارتى للمجلة الأستاذ رجاء النقاش، بصحبة زوجته الفاضلة، إلى نادي الكشافة البحرية القطرى ، حيث تناولنا فى اليوم التالي  وجبة استاكوزا لا تزال رائحتها ومذاقها عالقين في الذاكرة.

وبساطةً سألته السؤال الذي كان يشغلني:

لماذا لا تنشر لي؟

ابتسم ابتسامته الهادئة وقال:

«أنت وجمال الغيطاني... لسه صغيرين.»

كانت جملة قصيرة، لكنها كانت تحمل منطق جيل كامل من رؤساء التحرير، الذين كانوا يرون أن للكاتب زمنًا ينبغي أن ينضج فيه قبل أن يتصدر المشهد.

وفور أن سمعت إجابته، عاد بي الزمن إلى الدكتور سهيل إدريس، رئيس تحرير مجلة «الآداب» اللبنانية، الذي منحني ثقته وأنا في أوائل العشرينيات اى عام ١٩٧٣ فنشر لي قصة امتدت أربع صفحات كاملة بعنوان «عندما تحول المواطن فوزي الدسوقي إلى سياسي»، وكانت تلك من اللحظات الفارقة في حياتي الأدبية، لأنها أكدت لي أن الإيمان بالكاتب قد يصنع مستقبله.

وأثناء جلستنا، نهضت السيدة زوجته لبعض الوقت، فالتفت إليَّ رجاء النقاش، وسألني مبتسمًا:

كيف منى طالب؟

وكان يقصد الكاتبة والمثقفة الكويتية.

فضحكت وقلت مازحًا:

سأخبر المدام بما سألتني عنه.

فانفجر ضاحكًا وقال:

«يا رجل... عيب!»

كانت لحظة إنسانية جميلة، كشفت لي جانبًا آخر من شخصية رجاء النقاش؛ ذلك الناقد الكبير الذي عرفه الناس بصرامته الفكرية، بينما كان في جلساته الخاصة إنسانًا بسيطًا، حاضر الدعابة، رقيق الروح.

واليوم، كلما تذكرت تلك العبارة التي قرأتها في «في أضواء المسرح»، أيقنت أنها لم تكن مجرد ملاحظة نقدية، بل كانت خلاصة خبرة رجل عرف الثقافة من داخلها، وعرف كيف تصنع الصحافة الأسماء، وكيف تفتح الأبواب، وكيف تمنح الموهبة فرصة أن تصل إلى جمهورها.

وللحديث بقية 

رأى الذكاء الاصطناعي جروك 

رأي عميق في النص:

النص ليس مجرد ذكريات شخصية، بل شهادة تاريخية وثقافية على مرحلة مهمة من الحياة الثقافية العربية (السبعينيات والثمانينيات). السيد حافظ يستخدم السرد الشخصي ليوصل فكرة أعمق: كيف تصنع الثقافة العربية الحديثة؟ وما هي شروط النجاح فيها؟

1. الفكرة المركزية (السر الحقيقي لمهنة الصحافة):

النص يدور حول أن الصحافة الثقافية كانت في ذلك الزمن أكثر من مهنة؛ كانت مؤسسة وسيطة (intermediary institution) تقوم بدور أساسي:

تمنح الشرعية للكاتب.

تخلق الشبكات (networks).

تسرّع عملية الوصول إلى الجمهور والوسط الفني.

هذه الفكرة التي أخذها من رجاء النقاش (1965) لا تزال ذات صلة اليوم، لكن بشكل مختلف. في عصر السوشيال ميديا، أصبحت "الشبكات" أسرع وأوسع، لكنها أيضًا أقل عمقًا وأقل مصداقية في بعض الأحيان.

2. الجانب الإنساني مقابل المؤسسي:

أجمل ما في النص هو التوازن بين:

الجانب المؤسسي: صرامة رؤساء التحرير («لسه صغيرين») — وهي صرامة كانت تحمي المستوى الثقافي من التسرع.

الجانب الإنساني: الدعابة، الاستضافة، وجبة الاستاكوزا، سؤال «كيف منى طالب؟» والضحك.

هذا التباين يكشف شخصية رجاء النقاش بشكل رائع: ناقد صارم فكريًا، لكنه إنسان رقيق اجتماعيًا. هذا النوع من "الأبوة الثقافية" (cultural mentorship) كان سمة جيل كامل.

3. النقاط القوية في الكتابة:

الإيقاع: النص يبدأ فلسفيًا (الكتب التي تتحول إلى جزء من تكويننا)، ثم ينتقل إلى السرد الشخصي، ثم إلى اللحظات الحية (الحوارات). هذا انتقال سلس.

الصدق: لا يبالغ في تصوير نفسه، ولا يتردد في إظهار نفسه "كاتبًا شابًا" يسأل ببساطة «لماذا لا تنشر لي؟».

القيمة التاريخية: يوثّق أسماء وأماكن ومجلات (الكواكب، الدوحة، الآداب) كانت تشكل الخريطة الثقافية العربية.

4. ملاحظات نقدية (عميقة):

النص رومانسي إلى حد ما في تصوير الصحافة. كانت هناك أيضًا محاباة، وإقصاء، وصراعات أجيال. «لسه صغيرين» جملة حكيمة، لكنها قد تكون قاسية أو محبطة لمواهب حقيقية.

يغيب الجانب النقدي لشخصية رجاء النقاش نفسه. كان ناقدًا حادًا أحيانًا، وله مواقف فكرية مثيرة للجدل. النص يركز فقط على الجانب الإيجابي الإنساني.

يعكس النص نهاية عصر: عصر المجلات الثقافية الورقية القوية، والرؤساء التحرير "الأبطال"، قبل أن ينهار هذا النموذج اقتصاديًا وتقنيًا.

خلاصة رأيي:

نص ناضج ومؤثر، يجمع بين الذكرى الشخصية والتأمل الثقافي. هو أقرب إلى "أدب الذكريات" الراقي منه إلى المقال الصحفي التقليدي. يستحق أن يكون جزءًا من كتاب أكبر، كما يشير «وللحديث بقية».

العراق لا ينسى رواده... فمتى يُنصف وليم يلدا وسعدي يونس بحيري؟

 العراق لا ينسى رواده... فمتى يُنصف وليم يلدا وسعدي يونس بحيري؟

بقلم

السيد حافظ



نداء إلى وزارة الثقافة العراقية وأكاديمية الفنون

ليست الأمم العظيمة بما تشيده من أبنية، بل بما تحفظه من ذاكرة، وبما ترده من جميل إلى رجالٍ صنعوا وجدانها الثقافي، ومضوا في صمت، تاركين أعمالهم تتحدث عنهم.

والعراق، الذي علَّم الأمة العربية معنى الحضارة والإبداع، جديرٌ بأن يراجع ذاكرته المسرحية، وأن يلتفت إلى اثنين من كبار رواد المسرح التجريبي، تركا بصمة لا يجوز أن تُطوى بمرور الزمن.

أولهما الدكتور وليم يلدا، الذي خاض عام 1976 مغامرة فنية رائدة عندما أخرج في أكاديمية الفنون مسرحيتي «الطبول الخرساء في الأودية الزرقاء»، في وقت كان المسرح العربي يبحث عن لغته الجديدة، فكان هذا العرض علامة مضيئة في مسيرة المسرح التجريبي بالعراق، وإعلانًا بأن الخشبة العراقية قادرة على احتضان أكثر التجارب جرأة وحداثة.

وثانيهما الدكتور سعدي يونس بحيري، الذي قدَّم عام 1980 مسرحيتي «حكاية الفلاح مطاوع»، ولم يكتفِ بحدود المسرح التقليدي، بل خرج بالعرض إلى المقاهي والحدائق والفضاءات المفتوحة، مؤمنًا بأن المسرح رسالة تصل إلى الناس حيث يعيشون، وأن الفن لا ينبغي أن ينتظر جمهوره، بل يذهب إليه. وكانت تلك التجربة من العلامات المبكرة في المسرح التجريبي العربي.

إن هذين الاسمين لم يكونا مجرد مخرجين قدَّما عرضين مسرحيين، بل كانا من الذين آمنوا بالمغامرة الفنية، وأسهما في كتابة فصل مهم من تاريخ المسرح العراقي والعربي، يوم كان التجريب مشروعًا ثقافيًا لا مجرد مصطلح نقدي.

لذلك، فإن من حقهما على العراق، وهو بلد الوفاء للمبدعين، أن تحمل إحدى قاعات أكاديمية الفنون اسم الدكتور وليم يلدا، وأن تحمل قاعة أخرى اسم الدكتور سعدي يونس بحيري، أو أن يُطلق مهرجان سنوي للمسرح التجريبي يحمل اسميهما، ليبقى عطاؤهما حيًا في ذاكرة الأجيال القادمة.

إن تكريم الرواد ليس مجاملةً لأشخاص، بل اعترافٌ بقيمة التاريخ، وصيانةٌ لذاكرة وطن، ورسالةٌ تقول للشباب إن الإبداع الحقيقي لا يضيع، وإن العراق يعرف أبناءه الذين خدموا مسرحه بإخلاص، حتى وإن تأخر الاعتراف بهم.

فهل آن الأوان لأن يرد العراق الجميل إلى اثنين من فرسان المسرح التجريبي؟

إنه سؤال لا يخص شخصين فحسب، بل يخص ضمير الثقافة العراقية، ووفاءها لذاكرتها، واحترامها لتاريخها.

السيد حافظ

القاهرة ٢٠٢٦

صورة دكتور سعدى يونس

جابر عصفور ومحمد حسن عبد الله... تقريرٌ أشعل أزمة في الكويت.. سرد بلا حدود

 سرد بلا حدود

جابر عصفور ومحمد حسن عبد الله... تقريرٌ أشعل أزمة في الكويت

بقلم: السيد حافظ



تنبيه: ما يرد في هذا الفصل هو شهادة شخصية أرويها كما عشتها خلال سنوات عملي في المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب بدولة الكويت، وما شهدته بنفسي من وقائع وأحداث في الوسط الثقافي.

التقيت بالدكتور جابر عصفور في الكويت مصادفة داخل جمعية السالمية التعاونية. كنت بصحبة زوجتي الراحلة نتسوق، فإذا به أمامي. قلت دون مقدمات: «إزيك يا دكتور جابر؟» فابتسم وقال: «إزيك يا حافظ... إزيك يا مدام حافظ». لم يكن اللقاء الأول بيننا، فقد كانت تربطنا معرفة سابقة، وكنت آنذاك أكتب يوميًا في جريدة السياسة الكويتية، وكانت تصدر فيما بين ستة وعشرين وثلاثين صفحة يوميًا، وكنت أكتب فيها زاويتين ثابتتين هما «مسافرون بلا هوية» و**«سبوت لايت»**.

اغتنمت الفرصة وعاتبته على موقفه أثناء مناقشة أول رسالة جامعية تناولت مسرحي، وهي رسالة الباحثة الفاضلة آمال الغريب بعنوان: «الحكاية الشعبية في مسرح السيد حافظ: الشاطر حسن وسندريلا»، وكانت آنذاك خريجة المعهد العالي للفنون المسرحية بالكويت. قلت له إنك كنت قاسيًا معها، وإنك سألتها: لماذا اخترت كاتبًا مصريًا ولم تختاري كاتبًا كويتيًا؟ فنفى أنه قال ذلك، ثم أخذ يتحدث عن أن البحث كان يحتاج إلى إضافات ومراجعات. لم أطِل الجدال، وتصافحنا وانتهى اللقاء بود.

كان الدكتور جابر عصفور واحدًا من أبرز النقاد العرب في عصره، وصاحب مشروع تنويري واسع، وشغل مناصب ثقافية مهمة، وكان مؤمنًا بالمناهج النقدية الحديثة، ومدافعًا عن الحداثة والعقلانية. ومن أشهر كتبه: «زمن الرواية»، و**«مفهوم الشعر»، و«الصورة الفنية في التراث النقدي والبلاغي»، و«هوامش على دفتر التنوير»، و«أنوار العقل»**. وقد اختلف معه كثيرون، لكن أحدًا لم يستطع إنكار تأثيره الكبير في الحركة النقدية العربية.

أما أنا، فكنت أعمل في المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب بالكويت، ضمن الفريق الذي اختاره بعناية الدكتور خليفة الوقيان. كنا سبعةً وعشرين موظفًا فقط. بدأت عملي في الأرشيف، وكنت أظنها عقوبة، ثم اكتشفت أنها كانت نعمة؛ فمن خلالها اطلعت على ملفات الثقافة العربية، والمراسلات، والشكاوى، والمشروعات الثقافية، ورأيت الوجه الخفي للحياة الثقافية العربية، وعرفت من كان يعمل بإخلاص، ومن كان يبحث فقط عن المال أو الشهرة.

وبجانب عملي في المجلس، كنت أعمل في سلسلة عالم المعرفة مساعدًا للأستاذ حسين اللبودي والأستاذ محسن عبد الحفيظ مع المفكر الكبير الدكتور فؤاد زكريا. وهناك تعلمت كيف تُصنع الكتب الكبرى، وكيف تُدار السلاسل الثقافية باحترام شديد للعقل والقارئ.

كما كنت مقررًا وسكرتيرًا للجنة تشجيع المؤلفات المحلية برئاسة الشاعر والإنسان هاشم السبيتي، شقيق الشاعر الكبير علي السبيتي. وكانت جميع الكتب المقدمة إلى اللجنة تمر بين يدي، كما كانت التقارير السرية الخاصة بالمحكمين تصل إلى مكتبي.

في تلك الفترة كان الدكتور محمد حسن عبد الله يتردد على المجلس، مقدمًا كتبه الجديدة عن الأدب الكويتي. وكان رجلًا مجتهدًا بصورة لافتة. بدأ حياته مدرسًا للغة العربية في الكويت، ثم واصل دراسته حتى حصل على الماجستير والدكتوراه، والتحق بالعمل الجامعي، وكرس سنوات طويلة لدراسة الأدب الكويتي. وألف كتبًا عديدة عن الشعر الكويتي، والقصة القصيرة في الكويت، والرواية الكويتية، والمسرح الكويتي، والحركة الأدبية في الكويت، وأعلام الأدب الكويتي، والدراسات النقدية في الأدب الكويتي، حتى أصبح اسمه من أكثر الأسماء ارتباطًا بتوثيق الثقافة الكويتية.

تقدم الدكتور محمد حسن عبد الله بأحد كتبه إلى لجنة تشجيع المؤلفات. وكالعادة أرسلناه إلى أحد المحكمين، فوقع الاختيار على الدكتور جابر عصفور. ولا أذكر الآن من الذي رشحه، وإن كنت أذكر أن أعضاء اللجنة كانوا من كبار المثقفين الكويتيين، ومنهم سليمان الشطي وخالد سعود الزيد وسليمان العسكري وآخرون.

عاد التقرير.

وكان، في تقديري، تقريرًا قاسيًا إلى أقصى الحدود.

كان الدكتور جابر عصفور يكتب من موقع الناقد المؤمن بالمناهج الحديثة، بينما كان الدكتور محمد حسن عبد الله ينتمي إلى المدرسة التي تعطي الأولوية للتوثيق والتاريخ والرصد. رأى جابر عصفور أن هذه الكتب لا تقدم رؤية نقدية جديدة، وأنها أقرب إلى التجميع منها إلى التحليل، وأن مثل هذا العمل يستطيع إنجازه باحث مبتدئ. كانت كلمات التقرير صادمة، بل أشبه بمذبحة نقدية.

وضعت التقرير في ملفه السري، كما تقتضي اللوائح، انتظارًا لاجتماع اللجنة.

لكن المفاجأة أن التقرير سُرِّب خارج اللجنة، وصُوِّر، ووصل إلى أساتذة الجامعة، رغم أنه تقرير سري لا يجوز أن يطلع عليه أحد خارج اللجنة.

وفي صباح اليوم التالي فوجئت بالدكتور محمد حسن عبد الله يدخل مكتبي غاضبًا، وهو يقول:

«أنا عملت لك إيه علشان تعمل فيَّ كده؟ ليه تذبحني؟»

لم أفهم شيئًا.

قال: «أنت الذي صورت التقرير ووزعته.»

قلت له في هدوء: «يا دكتور محمد، هل تتصور أنني أذهب إلى الجامعة لأوزع تقريرًا سريًا؟ وإذا كنت أريد أن أنتقدك، فأنا أملك منابر صحفية أكتب فيها كل يوم، وأستطيع أن أقول رأيي علنًا، ولا أحتاج إلى تسريب ورقة سرية.»

واشتعلت الأزمة.

ذهب يشكوني إلى صديقه العزيز عبد العزيز السريع، كما وصلت الشكوى إلى قيادات المجلس، بينما ذهبت أنا إلى الدكتور خليفة الوقيان، وإلى الأستاذ سليمان الشطي، أشرح ما حدث.

وكان ردي بسيطًا ومنطقيًا، وهو الذي أقنع الجميع:

لو كنت أريد أن أهاجم الدكتور محمد حسن عبد الله، لفعلت ذلك باسمي الصريح في جريدة السياسة أو في أي صحيفة عربية، ولم أكن في حاجة إلى توزيع تقرير سري داخل الجامعة.

عندها هدأت العاصفة.

لكن ما لم يهدأ في داخلي هو إحساسي بأن الثقافة العربية كثيرًا ما تظلم أبناءها، وأن الصراعات الشخصية والمؤسسية قد تكون أقوى من الكتب نفسها.

كان حلم الدكتور محمد حسن عبد الله أن يحصل على الجنسية الكويتية بعد سنوات طويلة من العمل وخدمة الثقافة الكويتية، لكنه لم يحقق هذا الحلم. وبعد مغادرته الكويت عاد إلى مصر، والتحق بالعمل الجامعي، غير أن معاناته لم تنته، إذ واجه - كما كان يروي - صعوبات في الاعتراف العلمي بجزء كبير من إنتاجه المتعلق بالأدب الكويتي، وطُلب منه أن يواصل النشر والبحث وفق متطلبات الترقية الجامعية.

ورغم كل ما جرى، ظللت أحترم الرجلين.

احترمت جابر عصفور لأنه كان ناقدًا كبيرًا، صاحب مشروع فكري واضح، لا يجامل في أحكامه.

واحترمت محمد حسن عبد الله لأنه كان باحثًا مكافحًا، أفنى عمره في خدمة الأدب الكويتي، ووثق أسماءً وتجارب كان يمكن أن تضيع لولا جهده وصبره.

ويبقى السؤال الذي يؤرقني حتى اليوم:

هل كان الخلاف بين الرجلين خلافًا بين شخصين، أم كان صدامًا بين مدرستين نقديتين؛ مدرسة ترى أن قيمة البحث في منهجه ورؤيته، ومدرسة ترى أن التوثيق نفسه عمل حضاري لا يقل أهمية عن التنظير؟

ذلك السؤال ما زلت أتركه للتاريخ، وللقارئ، وللأجيال القادمة.

وحتى الان لا أفهم لماذا عنف محمد حسن عبدالله مصطفى الضبع لاستلام كتاب دكتورة ليلى بنت عايشة عن تجربتى المسرحية ورفض نشره فى هيئةالثقافةالجماهيرية.وكانه ينتقم منى بسبب التقرير الذى كان سبب فى فصله وانا لاناقة لى ولا جمل

تمت

السيد حافظ 

القاهرة

د. مدحت الجيار. سرد بلا حدود

 سرد بلا حدود 

بقلم السيد حافظ 

د. مدحت الجيار

بقلم: السيد حافظ

القاهرة




د. مدحت الجيار هو أحد أولئك الشعراء الذين قدموا إلى القاهرة الكبرى حاملين في قلوبهم حلمَ برجٍ شامخ يعتلونه، أو دكّة شيخٍ في معبد الشعر يبنون عليها جيلاً أدبيًا جديدًا يليق بعصر التجديد والإشراق.

في أيامه الأولى في العاصمة، وهو يخوض غمار التدريس الجامعي، اختار أن ينخرط في المنظومة الثقافية السائدة، تلك التي ترفع راية طه حسين وتسير على نهج الأدب التأسيسي للحركة الأدبية المصرية الحديثة. ومع ذلك، كان في وسعه أن يكون رائدًا نقديًا جريئًا ومؤثرًا للحركة الأدبية الشبابية. فقد أقام بذكاء حاد ومثابرةٍ نادرة ندواتٍ أدبية لكل مبدع صادفه، سواء في أسوان أو مرسى مطروح، وكان يُواظب على حضور كل دعوة إعلامية تُعنى بالأصوات الشابة. إلا أنه في المقابل حجَبَ إنتاج هؤلاء الشباب حجزًا تعسفيًا عن أروقة الدراسات الأكاديمية.

له بصمات ناصعة وعميقة في الحركة الثقافية المصرية، وهو صاحب فضلٍ لا يُنسى على تجربتي الروائية. شجعني بحرارة على الكتابة، وحثّني على السير قدمًا في دروب الرواية، وقال لي ذات يوم بكل ثقة وصدق: «أنت ستهزم الكثيرين». فأجبته: «أنا لا أسعى إلى هزيمة أحد، بل أحلم بأن أفتح نافذةً واسعة للرواية العربية كي تتنفس من جديد أكسجين التجديد والإبداع الحر».

دائمًا ما يسعى مدحت الجيار إلى إرضاء الجميع، حتى لا يضطر إلى أن يكون جلادًا لأحد منهم. لكن هذا الإحساس الشاعري الرقيق، وهذا القلب النبيل الذي يرفض القسوة، كان يُسبب له في كثير من الأحيان كراهيةً مجانية وجارحة. كان جديرًا بأن يتولى وزارة الثقافة، أو يرأس الهيئة العامة للكتاب، أو مؤسسة الثقافة الجماهيرية، غير أنه ظل — كسعد الدين وهبة — بعيدًا عن رضا دوائر المسؤولين والمثقفين.

إن مدحت الجيار بالنسبة لي أيقونة أدبية من الطراز الرفيع النادر. فهو يجمع بين عمق الفيلسوف في تأملاته الأدبية، وبين روحٍ مرحة أحيانًا تستهتر بكل شيء، كأنه يلقي لآلئ كلماته أمام من لا يسمعون ولا يفقهون. بسيطٌ في جوهره، عميقٌ في فكره، باسمُ الوجه رغم الجروح الخفية التي يحملها في صدره. ومن حسن القدر أن يكون له أخٌ رائع، هو الناقد المتميز الدكتور شريف الجيار، الذي أثرى الحياة الثقافية نقدًا أصيلاً وفنًا مبدعًا. وقد رفض أن ينشر لي أي كتاب أثناء توليه منصب مدير النشر بالهيئة.

كان مدحت الجيار أول من فرح ورحّب بروايتي الأولى «نسكافيه» عام 2010، وأقام ندوةً ثريةً استمرت ساعة كاملة عن روايتي «قهوة سادة» عام 2011. كما كان أول من نشر ملفًا مطولاً يمتد لأربع وعشرين صفحة عن «نسكافيه» أثناء رئاسته لمجلة «الرواية» عام 2013. ومع ذلك، رفض نشر ملف رواية «قهوة سادة» عام 2015 بعد أن بلغ حجمه 188 صفحة، قائلًا بصراحةٍ مؤلمة: «لو نشرته سيقتلوني هؤلاء الذين يكتبون الرواية في مصر.. أنا مش قدهم».

تمنياتي له بالشفاء العاجل والعافية الدائمة، وطول العمر في خدمة الأدب والثقافة.

السيد حافظ

القاهرة

....

رأى الذكاء الاصطناعي جروك 

رأيي في النص باستخدام النهج التفكيكي (Deconstruction)

القراءة التفكيكية:

النص يبدو في ظاهره مديحًا شخصيًا حارًا للدكتور مدحت الجيار، لكنه في أعماقه نصٌ شديد التوتر والتناقض، يقوض نفسه باستمرار.

1. الثنائيات المقلوبة والمفككة:

الأب/الجلاد: يُقدم مدحت كـ«أب روحي» شجع الكاتب وفتح له أبوابًا، لكنه في الوقت نفسه «جلاد» للشباب (يحجب إنتاجهم تعسفيًا). الكاتب يمدحه لأنه «لم يكن جلادًا له» تحديدًا، مما يفضح علاقة سلطة شخصية (patronage) وليست مبدئية.

الحرية / الرقابة: يتحدث النص عن «أكسجين التجديد» وفتح النوافذ، بينما يصف مدحت بأنه جزء من منظومة «تقديس طه حسين» التي تحولت إلى سلطة تمنع الدخول الأكاديمي للأصوات الجديدة.

الضحية / الجلاد: مدحت نفسه ضحية («كراهية مجانية»، بعيد عن المناصب، «سيقتلوني») وفي الوقت نفسه جلاد للآخرين. هذا التبادل يفكك فكرة «الشهيد الثقافي» التي يحاول النص بناءها.

2. ما يُخفيه النص (الغيابات):

يتحدث عن «الشباب» ككتلة واحدة يجب فتح أبوابها، لكنه لا يتساءل: لماذا يحجب مدحت إنتاجهم؟ ما هي معاييره؟ هل كان يحمي «المعبد» من «الغزاة»؟

الكاتب يقول «أنا لا أريد أن أهزم أحدًا»، لكنه في الواقع ينتصر في النص: هو الذي حصل على الدعم، والندوة، والملف، بينما الآخرون (الـ188 صفحة) حُجبوا. هناك انتصار خفي تحت ستار التواضع.

غياب النقد الحقيقي للمنظومة: النص ينتقد مدحت بلطف، لكنه يُبرره («حتى لا يكون جلادًا»، «أنا مش قدهم»). هذا دفاع عن السلطة باسم الضعف.

3. اللغة والسلطة:

استخدام لغة دينية/صوفية («برج»، «دكة شيخ»، «أيقونة»، «فيلسوف») تحول مدحت إلى رمز مقدس، مما يعيد إنتاج خطاب السلطة الثقافية التي يدّعي النص الخروج عليها.

عبارة «أنا مش قدهم» مفتاحية: تكشف عن خوف داخلي من «الآخرين» (الشباب) كتهديد وجودي للمنظومة. النص يفضح هنا ما يحاول إخفاءه: أن المؤسسة الثقافية تخشى التجديد الحقيقي.

4. التناقض الأكبر:

النص يريد أن يكون سردًا شخصيًا شاكرًا، لكنه يتحول إلى سرد تفكيكي لا إرادي لآلية السلطة الثقافية في مصر:

مثقف يريد الثورة لكنه يشارك في الحفاظ على البوابات.

كاتب يريد التجديد لكنه يستفيد من المنظومة القديمة.

مدح يخفي انتقادًا، وانتقاد يخفي امتنانًا.

الخلاصة التفكيكية:

النص غير مستقر. هو مديح ظاهري، لكنه في الحقيقة شهادة اتهام خفية ضد المنظومة الثقافية بأكملها، بما فيها مدحت والكاتب نفسه. يفكك النص نفسه من الداخل: كلما مدح، كشف عن التناقض. كلما برر، فضح.

هذا ما يجعله نصًا مثيرًا للاهتمام أدبيًا، رغم أنه لم يكتب بنية تفكيكية. هو نص «بريء» يقول أكثر مما يقصد.


.....

عبد المنعم مطاوع... عبقريٌّ عاش للفن ومات وفي قلبه جرح الحب.. سرد بلا ضفاف

 سرد بلا ضفاف

عبد المنعم مطاوع... عبقريٌّ عاش للفن ومات وفي قلبه جرح الحب

بقلم: السيد حافظ




«الحب آخر موجة جوه إسكندرية.»— عبد المنعم مطاوع

«إن دأب الفرد فينا... يحررنا من الفناء.»— عبد المنعم مطاوع

هناك فنانون يرسمون اللوحة ثم يغادرونها، وهناك فنانون تتحول حياتهم نفسها إلى لوحة مفتوحة على الألم والجمال. وكان عبد المنعم مطاوع من هؤلاء القلائل الذين عاشوا الفن قدرًا لا مهنة، ورسالة لا وسيلة، حتى صار العشق جرحًا، والثقافة عزلة، والإبداع طريقًا إلى الفناء الجميل.

عبد المنعم مطاوع، ابن كفر الشيخ – على ما أظن – وابن عم الفنان عبد الرحيم مطاوع، وابن عم المخرج الكبير كرم مطاوع، وابن عم الصحفي الكبير عبد الوهاب مطاوع بالأهرام. وهو من مواليد عام 1935، ومن دفعة 1963-1964 بكلية الفنون الجميلة بجامعة الإسكندرية، دفعة الفنان العالمي فاروق حسني.

كان من أمهر وأعمق الفنانين التشكيليين الذين أنجبتهم مصر، وصاحب مدرسة خاصة في الواقعية، حتى إن كثيرًا من الفنانين الكبار تأثروا بتكنيكه وأفكاره، ولا داعي لذكر أسمائهم في هذا المقال منعًا للإحراج. وكان أيضًا شاعرًا حقيقيًا، كتب أجمل قصائده لفتاة أحبها بكل جوارحه، زميلته في كلية الفنون الجميلة. ويقال إنه كتب لها ديوانًا كاملًا، ضاع مع الزمن، أو حاول بعض أصدقائه جمعه بعد وفاته.

لكن القدر كان أكثر قسوة من الفن.

بعد التخرج، ذهب ليتقدم لخطبة حبيبته، فإذا بمعيد في الكلية يسبقه إلى طلب يدها، فتوافق هي، ويوافق أهلها، فتنهار الدنيا في داخله. كانت تلك الصدمة بداية انهياره النفسي، فأصيب باضطراب عصبي ونفسي معقد، أثر في حياته كلها، لكنه لم يمنعه من الرسم، وظل مخلصًا للفن حتى رحيله عام 1982.كنت وقتها فى الكويت 

كان من المفترض أن يُعيَّن معيدًا بكلية الفنون الجميلة، وأن يتزوج زميلته التي أحبها، لكن ذلك لم يحدث، فخسر الحب وخسر المستقبل في لحظة واحدة.

عينه الأستاذ سعد الدين وهبة في قصر ثقافة الشاطبي، الكائن في مبنى محافظة الإسكندرية، في الدور الثاني. وكان الفنان التشكيلي المصري الجميل مجدي ويلسون مديرًا للقصر، وكانت الأستاذة عبلة وكيلة القصر، بينما كانت الفنانة التشكيلية أميرة فهمي، زوجة الدكتور أحمد المصري، تهتم بمسرح العرائس، وتحاول تأسيس تجربة رائدة في الإسكندرية خلال السبعينيات.

وكان يساعدها الفنان النوبي الجميل أحمد بحر، طالب كلية الآداب قسم الجغرافيا، الذي كان يعمل بمكافأة في القصر، ويقضي معظم وقته في تصميم وصناعة العرائس، وكان ينام داخل القصر. وإذا اضطر أحد زملائه في الجامعة إلى المبيت ليلًا حتى لا ينام في الشارع، كان يفسح له مكانًا إلى جواره داخل القصر. وكان أكثر من استفاد من هذا الكرم زميلنا الشاعر حسن عقل، الذي كان يختبئ من ملاحقات البوليس السياسي بسبب مقالاته عن السادات.

وهناك، في مكتب أميرة فهمي، تعرفت إلى عبد المنعم مطاوع. وكانت أميرة فهمي قد رسمت غلاف كتاب مسرحيتي «الطبول الخرساء في الأودية الزرقاء»، وكان تصميم الكتاب من عملي.

حذرني الجميع منه.

قالوا إن حالته العصبية صعبة، وإن حالته العقلية غير مستقرة.

لكنني وجدت إنسانًا وديعًا، هادئًا، رقيقًا، وشاعرًا كبيرًا. فرحت به منذ اللحظة الأولى، وأدهشتني بكارة صوره الشعرية ودقة اختياره للكلمات.

ما زلت أذكر قوله:

«الحب آخر موجة جوه إسكندرية.»

وأذكر قوله:

«إن دأب الفرد فينا... يحررنا من الفناء.»

ارتبطت به بصداقة عميقة، وصرت آخذه معي إلى بروفات المسرح. نعم، كانت له بعض التصرفات الغريبة، لكنها لم تكن تمحو إنسانيته.

أحيانًا، ونحن نسير في الشارع، كان يصرخ فجأة:

"انظر... لقد نطت القطة من بطني."

أنظر فلا أرى قطة.

ثم يجري، فأجري خلفه حتى أمسكه.

وأحيانًا نجلس في مقهى، فيقول لي:

"انظر... القطة أنجبت أطفالًا ونطوا من بطني."

ولم أفهم يومًا سر القطط التي كانت تعيش في عالمه الداخلي، ولا مصدر هذا الهلع الذي كان يفاجئه.

وكان إذا اشتدت عليه الأزمة داخل القصر بسبب مجدي ويلسون أو الأستاذة عبلة، كانوا يرسلون أحمد بحر إلى كافتيريا كلية الآداب، حيث كنت أجلس، ليطلب مني الحضور.

كان قصر ثقافة الشاطبي بجوار كلية الآداب.

فنمشي معًا حتى القصر.

فأجد الموظفين جميعًا واقفين على السلم.

وأدخل وحدي.

فأجده جالسًا في مكتبه، وقد وضع ساقيه فوق المكتب، في مواجهة المدير والموظفين.

لم يكن قد كسر شيئًا.

ولم يعتدِ على أحد.

كل ما فعله أنه احتج بطريقته الخاصة.

فيقول لي مجدي ويلسون:

"خذه معك."

فآخذه إلى كلية الآداب، أو إلى مقهى شعبي متواضع في الشاطبي.

نجلس بالساعات.

أسأله:

"إيه يا شاعر؟ إيه أخبارك؟"

فيحدثني عن طفولته، وعن الفن، وعن الحب، وعن عالم غريب تمتلئ سماؤه بالحيوانات والقطط.

كان إنسانًا رائعًا.

هادئًا.

وديعًا.

وكنت أتعجب كيف تركته أسرته وحيدًا في مدينة موحشة مثل الإسكندرية.

أخذته أكثر من مرة إلى منزلنا في غربال بمحرم بك بالإسكندرية.

عرفته على أمي وأخواتي.

وجلس معنا على الطبلية يأكل.

وفي مرة، بعد أن انتهى من الطعام، قال لي:

"أريد أن أنام على هذه الكنبة قليلًا."

فنام.

وطلبت من أمي أن تعد له كوبًا من الشاي.

وقلت لها:

"دعيه ينام نصف ساعة... إنه متعب."

كان أحيانًا يذهب معي إلى بروفات المسرح، وإلى البروفات التي كنت أقيمها في كلية التربية، وإلى قصر ثقافة الحرية. وعندما ينتهي اليوم، أقول له:

"اذهب إلى بيتك."

فيقول:

"لا... سأأتي معك."

فأقول له:

"أنا ذاهب إلى أمي وأخواتي، وأنت اذهب إلى بيتك."

ولم أكن أعرف أين يسكن، ولا كيف يعيش، لكنه كان دائمًا نظيفًا. قميصه نظيف، وبنطلونه نظيف، وحذاؤه يلمع.

وكانت عيناه تحملان نظرة حادة إلى المستقبل، لكنها نظرة ضاع منها الأمل، وضاع منها الحب.

لقد عاش وحيدًا وغريبًا.

وسُرق تكنيكه وأفكاره الفنية على يد كثيرين.

ورحل قبل أن ينال المكانة التي يستحقها.

سلامات على روحك يا صديقي العبقري...

في وطن لا يحب العباقرة، ولا الشهداء، ولا الشرفاء.

السيد حافظ

القاهرة

رأى الذكاء الاصطناعي جروك 

تحليل عميق بالمنهج التحليلي المتعدد الأبعاد لنص «سرد بلا ضفاف»

1. التحليل النفسي-الوجودي (Psycho-existential Analysis)

النص يقدم حالة كلاسيكية لـالفنان المعذب (Tortured Artist archetype). صدمة الرفض العاطفي تعمل كـ«صدمة تأسيسية» (Founding Trauma) أدت إلى انهيار نفسي.

الأعراض الموصوفة (الهلوسات البصرية عن القطط، الصراخ المفاجئ، الاحتجاج الجسدي بوضع القدمين على المكتب) تشير إلى اضطراب نفسي معقد، ربما فصامي (Schizophrenia) أو اضطراب ما بعد الصدمة الحاد مع مكونات هلوسية.

القطط ليست مجرد هلوسة عشوائية؛ هي رمز نفسي عميق: في التحليل اليونغي، القطة ترمز إلى الأنيمة (الجانب الأنثوي المكبوت). ظهورها «تنط من البطن» يعبر عن ولادة غير مكتملة للذات، أو عن الحمل العاطفي المجهض الذي عاشه الفنان بعد رفض حبيبته.

عبد المنعم يمثل الوجودي المصري: «إن دأب الفرد فينا يحررنا من الفناء» – جملة تعكس محاولة يائسة لخلق معنى وجودي من خلال الفن في مواجهة العبث والانهيار.

2. التحليل الرمزي والأسطوري

القطط: رمز متكرر يحمل دلالات متعددة (الغموض، الاستقلال، الخيانة، السحر). تتحول من رمز رومانسي إلى رمز رعب داخلي، مما يعكس تحول الحب إلى جرح مزمن.

الإسكندرية: ليست مجرد خلفية، بل رمز مكاني. المدينة الساحلية تمثل «آخر موجة» – أي الحد الفاصل بين الوجود والفناء، بين الجمال والعزلة. إسكندرية هنا مدينة للمنسيين والمبدعين المهمشين.

الفن كفناء جميل: الفنان يحول حياته إلى «لوحة مفتوحة على الألم»، أي فن تشكيلي وجودي يرفض الإغلاق (الانتحار أو الصمت).

3. التحليل الاجتماعي-الثقافي (Socio-cultural Critique)

النص يشكل نقدًا حادًا للمجتمع المصري في فترة السبعينيات:

إهمال المؤسسة الثقافية: قصر الشاطبي يمثل الدولة البيروقراطية التي تستوعب الفنان فقط كموظف، وتتعامل مع انهياره كمشكلة إدارية.

سرقة الإبداع: «سُرق تكنيكه وأفكاره» – ظاهرة شائعة في المشهد الثقافي المصري حيث يستفيد المنتفعون من عبقرية المرضى أو المنسيين.

الطبقية والعلاقات: رفض أهل الفتاة للفنان (رغم موهبته) مقابل معيد في الكلية يكشف عن قيم اجتماعية تقليدية تفضل الاستقرار الوظيفي على الموهبة.

الرجولة المصرية: الكاتب يقدم نموذجًا بديلًا للصداقة الذكورية الحانية والرعائية، بعيدًا عن الصورة التقليدية السطحية.

4. التحليل الأسلوبي والأدبي

السرد المزدوج: السيد حافظ يستخدم تقنية «الراوي-الشهود» ببراعة. هو ليس مجرد صديق، بل وسيط الذاكرة الذي ينقذ الفنان من النسيان.

اللغة: تتسم بالـبوليفونية (تعدد الأصوات): صوت الكاتب، صوت عبد المنعم (الاقتباسات)، صوت المجتمع (التحذيرات منه)، والصوت الشعبي (الحوارات).

الإيقاع: ينتقل من الشعرية العالية إلى الواقعية اليومية فجأة، مما يعكس حالة الفنان نفسه (الانتقال بين الواقع والعالم الداخلي).

الإيحاءات الأدبية: يذكر بأسلوب «السيرة الذاتية للفنان» عند غسان كنفاني أو «الغريب» لكامو، مع لمسة مصرية شعبية.

5. الدلالات الفلسفية والإنسانية

النص يطرح سؤالًا وجوديًا كبيرًا:

هل يستطيع الفنان أن يعيش بدون حب، أم أن الحب هو الوقود الذي إذا انقطع أدى إلى احتراق الذات؟

عبد المنعم يمثل الشهيد الفني في مجتمع لا يحتفل بالشهداء إلا بعد موتهم. النص يرفض الرومانسية الساذجة ويقدم رؤية تراجيدية ناضجة: العبقرية غالبًا ما تكون عقابًا وليست نعمة.

تقييم نهائي عميق:

النص ليس مجرد تذكر شخصي، بل عمل أدبي-توثيقي يحمل قيمة تاريخية وفنية عالية. ينجح في تحويل قصة فرد مأساوية إلى نقد أوسع للثقافة المصرية المعاصرة في تعاملها مع مبدعيها. رغم بعض الارتجال في البناء، فإن صدقه العاطفي وعمقه الإنساني يجعله نصًا استثنائيًا.

هو ينتمي إلى أدب «الشهادة على المنسيين»، ويستحق أن يُنشر ضمن كتاب أكبر عن فناني الإسكندرية المنسيين.

هل تريد التركيز على بعد معين (مثل التحليل النفسي بالتفصيل، أو مقارنة مع فنانين آخرين مثل فان غوخ أو حسين بيكار، أو تحليل لغوي دقيق)؟ أو تريد تحويل هذا التحليل إلى مقال منفصل؟

 
Design by Free WordPress Themes | Bloggerized by Lasantha - Premium Blogger Themes | cheap international voip calls ta3rib : Abed