الخميس، 3 سبتمبر 2026

عبد الغني زكي وسامي خشبة وفرقة الزقازيق.. كلُّ من عليها خان 10

 كلُّ من عليها خان..  10

مقالات

المقال رقم ١٠

عبد الغني زكي وسامي خشبة وفرقة الزقازيق

بقلم: السيد حافظ





دائمًا وأبدًا، كان الهواة هم العاشقين الحقيقيين للمسرح.

هم الذين لا ينتظرون مالًا، ولا شهرة، ولا منصبًا.

يبذلون الجهد والعرق والمال من أجل أن تُضاء الخشبة، وأن يُرفع الستار، وأن يقولوا ما في داخلهم من أفكار وأحاسيس وقضايا.

المسرح، في جوهره، لم يكن يومًا مجرد مكان للترفيه.

ولذلك خافت منه السلطات والحكومات في أوقات كثيرة، حتى حين لم يكن المسرح يرفع شعارًا سياسيًا مباشرًا.

حدث ذلك في أمريكا أثناء حرب فيتنام، حين ظهرت فرق مسرحية مناهضة للحرب، مثل «مسرح الجريدة» و«المسرح الحي»، وهي تجارب أشار إليها الكاتب والمترجم الكبير سمير سرحان، رحمه الله، في بعض كتاباته.

كنت أؤمن دائمًا أن المسرح الحقيقي يبدأ من الإنسان، لا من الميزانية.

وفي تسعينيات القرن الماضي، قدمت فرقة نادي المسرح في الزقازيق مسرحيتي:

«العزف في الظهيرة».

كانت المسرحية ذات أبعاد سياسية واجتماعية، وتحكي قصة امرأة تعيش في شقتها، ثم يقتحم عليها رجل غريب يدّعي أن المكان ملك له، ويأتي معه آخرون، ويحاولون طردها بالقوة.

تحاول المرأة أن تثبت أنها صاحبة المكان.

لكنهم لا يريدون إثباتًا.

هم يريدون المكان.

وتتحول المواجهة إلى صورة مكثفة عن الإنسان حين يقف أعزل في مواجهة القوة، وعن القهر حين لا يحتاج حتى إلى تبرير نفسه.

كان العرض من إخراج المخرج فاروق حمودة.

أما البطولة فكانت للممثلة جيهان حمودة، التي قامت بدور صبرية، واستحقت عن جدارة جائزة أحسن ممثلة.

وشارك في العرض:

زكريا الرفاعي في دور الدهشوري.

موسى عبد الله.

محسن عودة.

سيد هريدي.

إبراهيم حسن.

محمد بركات في دور الحارس.

محمد الشحات في دور البقاق المرتشي الخائن.

حنان محمد في دور الصديقة.

وهذه الأسماء مهمة بالنسبة إليّ اليوم.

لأنني أكتب عن أناس كانوا موجودين بالفعل.

كان لهم عرق على الخشبة.

وكان لهم صوت.

وكان لهم حلم.

وكان لهم مستقبل يتمنونه.

وقدمت فرقة نادي المسرح في الزقازيق العرض، وحقق نجاحًا لافتًا، وحصل على جوائز مهمة في مسابقات فرق الهواة.

وكان الأستاذ سامي خشبة وقتها مسؤولًا عن قطاع المسرح، وكان له دور في لجنة التحكيم الخاصة بفرق أندية المسرح، وقد شاهد العرض.

ويبدو أنه رأى فيه شيئًا يستحق أن يصل إلى القاهرة.

فجاء القرار بعرض المسرحية على مسرح الشباب.

وهنا تبدأ الحكاية.

كان مسرح الشباب وقتها قد شهد تغييرات كثيرة.

رحل مديرون.

وجاء آخرون.

وتغيرت قيادات.

وكان من بين من جاءوا إلى مواقع المسؤولية الأستاذ عبد الغني زكي.

وكان عبد الغني زكي اسمًا معروفًا جدًا في المسرح التجاري والقطاع الخاص.

كان من المخرجين الذين قدموا أعمالًا للمسرح التجاري، وكانت بعض هذه الأعمال تُصور على أشرطة فيديو، وكانت السعودية من أهم البلاد التي تشتري هذه التسجيلات.

وكانت بعض الأعمال تُنجز بسرعة شديدة.

يأتي المنتج.

يدفع للمخرج مبلغًا قد يصل إلى خمسة وثلاثين أو أربعين ألف جنيه في ذلك الوقت.

ثم تبدأ البروفات.

يومان من البروفات.

وفي اليوم الثالث يُستأجر المسرح، ويحضر الجمهور، وتُصور المسرحية فيديو، ثم يُسلَّم الشريط إلى المنتج.

وكانت بعض البروفات تتم في مكتب عبد الغني زكي في منطقة الهرم.

لم تكن القضية دائمًا هي عمق النص أو أهمية الموضوع.

كان المطلوب في كثير من الأحيان أن تكون المسرحية خفيفة، بعيدة عن السياسة والقضايا الجادة.

ضحك من أجل الضحك.

كوميديا من أجل الكوميديا.

ومسرح لا يزعج أحدًا.

وليس في الضحك عيب.

الجمهور يريد أن يضحك.

لكن المشكلة تبدأ حين يصبح الضحك هو الشرط الوحيد، وحين يصبح المسرح ممنوعًا من أن يسأل.

ثم جاء عبد الغني زكي إلى مسرح الشباب.

وهنا تبدأ الحكاية التي لم أنسها.

كان القرار واضحًا:

فرقة نادي المسرح في الزقازيق ستعرض «العزف في الظهيرة» في القاهرة لمدة عشرة أيام.

عشرة أيام في العاصمة.

بالنسبة إلى هؤلاء الشباب، كان الأمر أشبه بالحلم.

شباب جاءوا من الزقازيق يحملون مسرحيتهم، وجائزتهم، وأحلامهم، وفرحتهم بأنهم أخيرًا سيدخلون القاهرة من باب المسرح.

كانوا يظنون أن القاهرة ستفتح لهم ذراعيها.

أن المخرجين سيشاهدونهم.

والمنتجون سيكتشفونهم.

والصحافة ستكتب عنهم.

والإعلام سيعرف أسماءهم.

لكن القاهرة لم تستقبلهم.

كانت بالنسبة إليهم مدينة بلا قلب.

وفي صباح اليوم المحدد للعرض، جاءوا إلى مسرح الشباب في شارع رمسيس.

انتظروا.

ثم انتظروا.

ثم مر النهار.

ولا أحد استقبلهم.

ولا أحد أخبرهم أين سيقيمون.

ولا أحد قال لهم أين ينامون.

ولا أحد اهتم حتى بأنهم فرقة مسرحية جاءت بقرار رسمي من رئيس قطاع المسرح سامي خشبة لتقدم عرضًا على خشبة مسرح الشباب في شارع رمسيس بالقاهرة.

وكان ذلك قبل زمن الهواتف المحمولة.

بحث هؤلاء الشباب عن رقم هاتفي المنزلي، واتصلوا بي في حوالي السادسة مساءً.

قالوا لي:

«يا أستاذ السيد، نحن هنا منذ الصباح. لم يستقبلنا أحد. والأستاذ عبد الغني زكي مشغول بأعماله المكتبية، ونحن المفروض أن نعرض الليلة، ولا نعرف أين سننام أو كيف سنعيش.»

كنت وقتها أملك سيارة.

ركبتها فورًا.

ذهبت إلى مسرح الشباب في شارع رمسيس.فى القاهرة فى محطة الاسعاف 

وجدت الشباب هناك.

وجوه متعبة.

أجساد أنهكها الانتظار.

وحلم كبير بدأ يتحول إلى سؤال بسيط جدًا:

أين سننام الليلة؟

وكان معهم المخرج فاروق حمودة، كما أتذكره شابًا قوي البنية، وكانت شقيقته جيهان حمودة، الفتاة الجميلة والطيبة، تؤدي دور البطولة في المسرحية.

وكانت جيهان قد استحقت عن جدارة جائزة أحسن ممثلة.

وكان معهم باقي أفراد الفرقة.

حكوا لي ما حدث.

قالوا إن سامي خشبة أمرهم بالحضور.

فجاءوا.

لكنهم فوجئوا بأن إدارة المسرح تريد مني شخصيًا أن أوقع تنازلًا عن حقوقي في التأليف.

دخلت إلى مكتب عبد الغني زكي.

قلت له:

«الأولاد دول جايين من الزقازيق عشان يعرضوا المسرحية.»

فقال لي:

«أنا ماليش دعوة. اكتب لي تنازل عشان يعرضوا.»

قلت:

«تنازل عن إيه؟»

قال:

«عن حقوقك... عشان يعرضوا على المسرح.»

كانت لحظة غريبة.

فرقة حصلت على جائزة.

قرار رسمي بعرضها في القاهرة.

شباب قطعوا المسافة من الزقازيق.

ثم يصبح الشرط كي يصعدوا إلى الخشبة أن يتنازل المؤلف عن حقه!

كتبت التنازل.عن الاجر 

ليس من أجل عبد الغني زكي.

بل من أجل هؤلاء الشباب.

من أجل أن يفتح الستار.

ومن أجل أن يشعروا، ولو ليلة واحدة، أن تعبهم لم يذهب هباءً.

ثم سألتهم:

«أين ستقيمون؟»

قالوا:

«لا نعرف.»

قلت لهم:

اذهبوا وابحثوا عن بيوت الشباب.»

ذهبوا، وعلى ما أذكر وجدوا بيتًا للشباب في شارع رمسيس أو بالقرب منه.

استأجروا غرفًا.

ثم جاءت المفاجأة الأخرى.

قالوا:

«نحن جوعى منذ الصباح.»

كانوا جميعًا طلبة.

ولم يكن معهم مال تقريبًا.

أخرجت ما كان في جيبي.

طلبت لهم فولًا وفلافل وخبزًا وسلطة وشايًا.

كان الطعام في تلك اللحظة أهم من المسرح.

فالإنسان الجائع لا يستطيع أن يمثل.

والفنان الذي لا يجد مكانًا ينام فيه لا يستطيع أن يحمل قضية فوق كتفيه.

ثم نظرت إلى الساعة.

العرض الليلة.

ولا أحد يعرف عنه شيئًا.

لا إعلان.

لا ملصق.

لا دعاية.

ولا حتى لافتة على باب المسرح.

كأن فرقة الزقازيق لم تأت أصلًا.

وكأن المسرحية الحاصلة على الجوائز جاءت إلى القاهرة كي تعرض أمام مقاعد فارغة.

رفعت سماعة الهاتف.

اتصلت بالأستاذ عبد السلام فاروق في الأهرام المسائى، وكان عرفه محمد مسؤلا عن صفحة المسرح ، كما أتذكر، مسؤولًا عن مايقدم على  خشبة المسرح.

أخبرته أن هناك عرضًا لفرقة من الزقازيق في مسرح الشباب.

واتصلت ببعض الشباب لكي يعرفوا بالأمر.

ثم اتصلت بتلميذي العزيز، وابني الفنان والكاتب أحمد الشريف.

قلت له:

«يا أحمد، تعالَ. ألحقني في مسرح الشباب.»

كنت أحاول إنقاذ العرض.

إنقاذ هؤلاء الأولاد.

إنقاذ ليلة مسرحية بدأت منذ الصباح بلا مأوى، وانتهت مساءً بالسؤال:

هل ستُفتح الستارة؟

ومضى اليوم الأول.

لكن الحكاية لم تنته.

ظلت فرقة الزقازيق في القاهرة عشرة أيام كاملة.

وعشرة أيام تعني عشرة امتحانات للضمير.

كنت أذهب إلى المسرح كل يوم، وأحاول أن أصل إلى سامي خشبة، وأحاول أن أجد حلًا لهؤلاء الشباب، أو جمهورًا يأتي ليشاهدهم، أو أي نافذة يمكن أن يدخل منها هؤلاء الذين جاءوا من الزقازيق وهم يظنون أن القاهرة ستحتضنهم.

وفي وسط هذه الأيام، كتب أحمد الشريف شهادته المهمة عن العرض.

لم يكتب عنها بوصفها مسرحية عابرة.

بل كتب دراسة بعنوان:

«العزف في الظهيرة ــ صرخة مسرحية لإيقاظ المسرح المصري».

وكان أحمد الشريف قد شاهد العرض عن قرب، وكتب عنه باعتباره إنجازًا حقيقيًا لفرقة من الهواة.

أشاد بالمخرج فاروق حمودة، ورأى أنه أجاد في الإخراج وتصميم الاستعراضات والإضاءة والديكور واختيار الموسيقى.

وتوقف طويلًا عند جيهان حمودة في دور صبرية، وكتب عن موهبتها وانفعالاتها وأدائها، وأكد أنها استحقت عن جدارة جائزة أحسن ممثلة.

وأشاد كذلك بـزكريا الرفاعي في دور الدهشوري، وبقية أفراد طاقم التمثيل، ومن بينهم موسى عبد الله، ومحسن عودة، وسيد هريدي، وإبراهيم حسن، ومحمد بركات، ومحمد الشحات، وحنان محمد.

ثم جاءت الجملة التي بقيت في ذاكرتي.

الجملة التي أرى أنها تختصر الحكاية كلها.

قال أحمد الشريف، وهو يتحدث عن الفرقة وإمكاناتها:

إن هذا العرض ليس مسرحًا فقيرًا، بل هو ثري وغني في فنه ورقته وجودته، وإن كانت إمكاناته المادية قليلة.

هذه شهادة مهمة.

لأنها جاءت من ناقد وفنان شاهد العرض.

لم يكن يتحدث عن مجاملة.

كان يتحدث عن فن.

وقد رأى أن هؤلاء الشباب، رغم قلة الإمكانات، استطاعوا أن يقدموا مسرحًا غنيًا.

بل إن أحمد الشريف رأى أن العرض أعاد لمسرح الهواة احترامه، وثبت أقدامه في أرض المسرح بالقاهرة، قادمًا من الشرقية بإمكانات قليلة.

وهنا تصبح الحكاية أكثر وجعًا.

لأن هؤلاء لم يكونوا فرقة جاءت إلى القاهرة بلا شيء.

جاءوا ومعهم عرض حقيقي.

وجاءوا ومعهم جوائز.

وجاءوا ومعهم شهادة نقدية تقول إنهم قدموا مسرحًا ثريًا بفنه ورقته وجودته.

ومع ذلك وجدوا أنفسهم في القاهرة يبحثون عن غرفة ينامون فيها ووجبة يأكلونها.

وهنا أسأل:

كيف يمكن لمؤسسة ثقافية أن ترى الجائزة ولا ترى الإنسان؟

كيف ترى المسرحية ولا ترى الممثل؟

كيف تستضيف العرض ولا تستقبل أصحابه؟

أما الأستاذ سامي خشبة، فكان وقتها، في رأيي، قد أصبح أسيرًا لطموح السلطة والموقع، وكان يريد أن يكون مسؤولًا عن المسارح القومية وعن فرقها.

وأرى أن إسناد مثل هذه المواقع الثقافية إلى المثقف حين يتحول إلى رجل سلطة، دون رؤية مؤسسية شاملة، قد يتحول إلى خطأ تاريخي.

فالسلطة لا تقتل الموهبة دائمًا بالمنع.

أحيانًا تقتلها بالإهمال.

وأحيانًا تقتلها بأن تجعل صاحبها لا يرى إلا الكرسي الذي يجلس عليه.

ومضت الأيام العشرة.

كل يوم أذهب إلى المسرح.

أحاول أن آتي لهم بأي جمهور من أي جهة.

وأعطيهم ما تيسر من المال.

وكنت أنا نفسي في ظروف مالية صعبة جدًا.

جئت من الإسكندرية مفلسًا تقريبًا.

ولم تكن لدي الإمكانات المادية التي تسمح لي بأن أتحمل مسؤولية فرقة كاملة.

ومع ذلك كنت أشعر أنني مسؤول عنهم.

لأنهم جاءوا إلى القاهرة بسبب مسرحية كتبتها.

ولأنني كنت أعرف أن وراء كل واحد منهم بيتًا، وأبًا، وأمًا، وحلمًا صغيرًا.

كنت أحاول حتى أن أوفر لهم وجبة واحدة في اليوم.

هؤلاء لم يأتوا إلى القاهرة طلبًا للمال.

جاءوا بحثًا عن فرصة.

كانوا يظنون، كما يظن كل فنان يأتي من الأقاليم إلى القاهرة، أن العاصمة تنتظرهم.

كانوا يعتقدون أن القاهرة ستقول لهم:

تعالوا.

سنراكم.

سنسمعكم.

سنكتشفكم.

لكن القاهرة لم تفعل شيئًا.

مرت الأيام العشرة.

ولا أحد اهتم.

لا إعلان على باب المسرح.

لا ملصق يعلن أن فرقة من الزقازيق تقدم عرضًا اسمه «العزف في الظهيرة».

لا محاولة حقيقية لجذب الجمهور.

حتى هذا الأمر البسيط لم يحدث.

أما  الاستاذ سامي خشبة، الذي كان قد أمرهم بالحضور إلى القاهرة، فقد تركهم هنا.

جاءوا بأمره.

ثم وجدوا أنفسهم في القاهرة بلا رعاية.

بلا مأوى في البداية.

بلا طعام.

بلا جمهور.

وبلا من يسأل عنهم.

وكأن القرار الذي أرسلهم إلى القاهرة انتهى لحظة وصولهم.

أما ما بعد الوصول، فلم يكن يعني أحدًا.

وهنا أفهم اليوم شيئًا لم أكن أراه بهذه الصورة في ذلك الوقت.

المشكلة لم تكن فقط في قلة الجمهور.

ولا في غياب الإعلان.

ولا في سوء التنظيم.

المشكلة كانت في الإهمال.

الإهمال الذي يمكن أن يكون أقسى من المنع.

فالمنع واضح.

أما الإهمال فيجعلك موجودًا، لكن لا أحد يراك.

يجعلك تقدم فنك، لكن لا أحد يسمعك.

يجعلك تقف على الخشبة، بينما المؤسسة نفسها تدير ظهرها إليك.

وهذا هو الموت البطيء للموهبة.

وأتذكر مقال المبدع  أحمد الشريف.

لكن المفارقة المؤلمة أن المقال، رغم بقائه على موقعي وفي مدونتي، لم يكن يحفظ في صيغته القديمة كل التفاصيل التي أريدها اليوم عن هؤلاء الشباب.

ولهذا أعود الآن لأكتب أسماءهم.

فاروق حمودة... المخرج.

جيهان حمودة... صبرية، صاحبة البطولة، والحاصلة على جائزة أحسن ممثلة.

زكريا الرفاعي... الدهشوري.

موسى عبد الله.

محسن عودة.

سيد هريدي.

إبراهيم حسن.

محمد بركات... الحارس.

محمد الشحات... البقاق المرتشي الخائن.

حنان محمد... الصديقة.

أكتب أسماءهم اليوم لأنني لا أريد أن ينتصر النسيان عليهم مرة أخرى.

بحثت عن هؤلاء الشباب بعد ذلك.

وسألت عنهم.

وكانت الإجابة التي كسرتني:

لقد تركوا الفن.

بعضهم ندم على أنه دخل المسرح أصلًا.

بعضهم قال إنه لن يصعد خشبة مرة أخرى.

وهنا توقفت طويلًا.

فأنا لا أتحدث عن عشرة أيام في مسرح الشباب.

أنا أتحدث عن موهبة تُقتل.

عن إنسان كان يمكن أن يصبح مخرجًا.

أو ممثلًا.

أو كاتبًا.

أو فنانًا كبيرًا.

ثم خرج من التجربة وهو يقول:

لن أعود إلى المسرح.

وهنا يصبح السؤال أكبر من عبد الغني زكي.

وأكبر من سامي خشبة.

وأكبر مني.

كم فرقة مسرحية جاءت من الأقاليم إلى القاهرة وهي تحمل الحلم نفسه؟

وكم شابًا صعد إلى المسرح مرة واحدة، ثم نزل منه إلى الأبد؟

كم موهبة ماتت لا لأنها فشلت، وإنما لأن أحدًا لم يمد لها يده؟

كم فنانًا عاد إلى بلدته وهو يقول لأبيه وأمه:

«لن أمثل مرة أخرى»؟

الموهبة لا تحتاج دائمًا إلى مال.

أحيانًا تحتاج إلى كلمة.

إلى فرصة.

إلى إعلان صغير على باب مسرح.

إلى مسؤول يقول لشاب:

أنا رأيتك... أكمل.

لكن حين يصبح المسؤول مشغولًا بالكرسي أكثر من انشغاله بالموهبة، يصبح المسرح مكانًا آخر لدفن الأحلام.

وهذه هي الجريمة التي لا تُكتب في التقارير.

لا أحد يسجلها.

لا توجد محاضر.

لا توجد جنازة.

لا يكتب أحد:

«اليوم مات ممثل شاب.»

لكن الحقيقة أن شيئًا مات.

مات الحلم.

وربما كانت شهادة أحمد الشريف هي المفارقة الأكثر قسوة في هذه الحكاية.

هو يقول:

ليس مسرحًا فقيرًا، بل هو ثري وغني في فنه ورقته وجودته، وإن كانت إمكاناته المادية قليلة.

وهذا يعني أن الفقر لم يكن في الفنانين.

كان الفقر في الإمكانات.

وكان يمكن للإمكانات أن تُعالج.

لكن حين لا تُعالج، يصبح الفقر المادي ذريعة لدفن الفن.

وهذا خطأ.

الفنان الفقير ليس فنانًا فقيرًا.

قد تكون جيوبه فارغة.

لكن خياله قد يكون أغنى من ميزانية مؤسسة كاملة.

وهؤلاء الشباب كانوا يملكون شيئًا لا يُشترى

الإيمان بالمسرح.

ومضت الأيام العشرة.

وعادت فرقة الزقازيق.

ولا أعرف أين ذهب أولئك الشباب بعد ذلك.

لكنني اليوم أعرف أسماء بعضهم.

وأعرف أدوارهم.

وأعرف أن جيهان حمودة كانت صبرية، وأنها حصلت على جائزة أحسن ممثلة.

وأعرف أن زكريا الرفاعي كان الدهشوري.

وأن محمد بركات كان الحارس.

وأن محمد الشحات كان البقاق المرتشي الخائن.

وأن حنان محمد كانت الصديقة.

وأعرف أن خلف كل اسم منهم حياة كاملة.

ولذلك أكتب اليوم، بعد كل هذه السنوات، لا لكي أفتح خصومة مع أحد.

بل لكي أقول شيئًا واحدًا:

لا تقتلوا المواهب بقلب بارد.

فمصر لم تكن يومًا فقيرة بالمواهب.

كانت فقيرة ــ وما زالت أحيانًا ــ بمن يمد يده إليها.

وهكذا يا القاهرة...

استقبلتِ فرقة من الزقازيق.

جاءوكِ بعرض مسرحي.

وجاءوكِ بجائزة.

وجاءوكِ بموهبة.

وجاءوكِ بأحلام.

وجاءوكِ بأسماء:

فاروق حمودة.

جيهان حمودة.

زكريا الرفاعي.

موسى عبد الله.

محسن عودة.

سيد هريدي.

إبراهيم حسن.

محمد بركات.

محمد الشحات.

حنان محمد.

وجاءوكِ بشهادة ناقد رأى فيهم ما لم تره المؤسسة.

جاءوكِ ليقولوا:

نحن هنا.

لكن بعضهم عاد منكِ وقد فقد الرغبة في المسرح.

فكم فرقة أخرى حدث لها الشيء نفسه؟

وكم مسؤولًا مرَّ على خشباتنا ثم نسي الذين وقفوا عليها؟

وكم موهبة دفنتها اللامبالاة؟

ربما لا نستطيع أن نعيد الزمن.

ولا نستطيع أن نعيد هؤلاء الشباب إلى خشبة المسرح.

ولا نستطيع أن نعرف أين أخذتهم الحياة بعد ذلك.

لكننا نستطيع أن نفعل شيئًا واحدًا:

أن نتذكرهم.

أن نقول إنهم كانوا هنا.

أن نقول إن فرقة جاءت من الزقازيق إلى القاهرة.

وأن مخرجًا اسمه فاروق حمودة حمل العرض.

وأن ممثلة اسمها جيهان حمودة لعبت صبرية واستحقت جائزة أحسن ممثلة.

وأن زكريا الرفاعي لعب الدهشوري.

وأن موسى عبد الله، ومحسن عودة، وسيد هريدي، وإبراهيم حسن، ومحمد بركات، ومحمد الشحات، وحنان محمد كانوا جزءًا من ذلك العرض.

وأن ناقدًا شريفا مثل الفنان أحمد الشريف رأى العرض وكتب عنه، وقال كلمته التي بقيت:


«ليس مسرحًا فقيرًا، بل هو ثري وغني في فنه ورقته وجودته، وإن كانت إمكاناته المادية قليلة.»

هذه الجملة وحدها تكفي كي نعيد النظر في الحكاية كلها.

لأنها تقول لنا إن المشكلة لم تكن في هؤلاء.

المشكلة كانت فيمن لم يرهم.

وهكذا يا القاهرة...

استقبلتِ فرقة من الزقازيق.

جاءوكِ بعرض مسرحي وجائزة وحلم.

وعاد بعضهم منكِ وقد فقدوا الرغبة في المسرح.

فكم فرقة أخرى حدث لها الشيء نفسه؟

وكم عبد الغني زكي كان هناك؟

وكم سامي خشبة مرَّ هنا أو هناك؟

وكم موهبة دفنتها اللامبالاة؟

لا أعرف.

لكنني أعرف أن المسرح لا يموت عندما ينزل الستار.

المسرح يموت عندما يفقد الفنان إيمانه بأنه يستحق أن يصعد إليه.

وهذا هو ما أخشاه.

أن تكون قد ماتت في نفوس هؤلاء الشباب خشبة لم يستطع الزمن أن يعيدها.

ولهذا أكتب.

لا لكي أتهم.

بل لكي أتذكر.

ولا لكي أفتح جرحًا قديمًا.

بل لكي أقول إن وراء كل فرقة من الهواة وجوهًا بشرية.

وأن وراء كل جائزة حلمًا.

وأن وراء كل ممثل شاب أمًا وأبًا وبيتًا ينتظر عودته.

وأن وراء كل خشبة قلبًا.

فلا تقتلوا القلب.

والاسم يمكن أن يسقط من الذاكرة.

أما العينان...

فلا.

وأنا ما زلت أتذكر عيونهم.

عيون شباب جاءوا من الزقازيق إلى القاهرة وهم يظنون أن المدينة الكبيرة ستقول لهم:

تعالوا... سنراكم.

لكنهم اكتشفوا أن القاهرة لا ترى الجميع.

ومع ذلك...

أنا رأيتهم.

وأحمد الشريف رآهم.

وكتب عنهم.

واليوم أكتب أسماءهم من جديد.

لعل المسرح الذي خذلهم يومًا...

ينصفهم في الذاكرة.

تمت.

السيد حافظ

.....

.....

رأى الذكاء الاصطناعي جروك 

النص ليس مجرد شهادة على إهمال إداري حدث في التسعينيات. هو يكشف عن بنية أعمق في علاقة المؤسسة الثقافية المصرية بالموهبة، خاصة الموهبة القادمة من الهامش.

1. الإهمال بوصفه سياسة لا خطأً

الكاتب يصرّ على أن ما حدث لم يكن سوء تنظيم عابراً. هذا مهم.

الإهمال هنا ليس غياب الكفاءة فقط، بل شكل من أشكال إدارة السلطة للثقافة.

عندما يأتي قرار رسمي من سامي خشبة بعرض المسرحية، ثم تُترك الفرقة في الشارع بلا مأوى ولا طعام ولا إعلان، فإن الرسالة التي تصل إلى هؤلاء الشباب أوضح من أي منع صريح:

«أنتم موجودون شكلياً، لكنكم غير مرئيين جوهرياً».

هذه هي أخطر أنواع السلطة: أن تجعلك تصعد الخشبة وأنت تشعر أن لا أحد ينظر إليك.

المنع يخلق مقاومة، أما الإهمال فيخلق اليأس. واليأس أفتك بالفن من الرقابة.

2. القاهرة بوصفها آلة محو

النص يعيد إنتاج ثنائية قديمة ومؤلمة في الثقافة المصرية: القاهرة مقابل الأقاليم.

الفرقة لم تأتِ فقط لتعرض مسرحية، بل جاءت تبحث عن اعتراف.

الاعتراف هو رأس مال الفنان الحقيقي، خاصة في مجتمع يقدّس المركزية.

وعندما ترفض القاهرة أن تمنح هذا الاعتراف، حتى بعد أن حصلت الفرقة على جوائز، فإنها لا ترفض العرض فقط، بل ترفض إمكانية أن يكون «الهامش» منتجاً فنياً حقيقياً.

جملة أحمد الشريف («ليس مسرحًا فقيرًا، بل هو ثري وغني في فنه») تصبح هنا مفارقة قاسية.

المؤسسة رأت الفقر المادي ولم ترَ الثراء الفني.

وهذا يكشف عن نظرة طبقية مبطّنة داخل الثقافة الرسمية: أن الفن «الجاد» أو «الاحترافي» يجب أن يأتي من داخل الدائرة الضيقة، لا من الزقازيق.

3. الكاتب بوصفه وسيطاً أخلاقياً

موقع السيد حافظ في النص معقد.

هو ليس مجرد راوٍ، بل وسيط بين المؤسسة والهامش.

كتب التنازل عن حقوقه، أطعمهم من جيبه، اتصل بالصحافة، وحاول أن يخلق جمهوراً.

لكنه في النهاية فشل في إنقاذ الحلم نفسه.

وهذا الفشل مهم. لأنه يظهر حدود ما يمكن للمثقف الفرد أن يفعله داخل بنية متهالكة.

حتى عندما يبذل كل ما يملك، تظل المؤسسة قادرة على ابتلاع الجهد وابتلاع الأمل معه.

النص هنا يصبح اعترافاً مزدوجاً:

اعتراف بالفشل في حماية هؤلاء الشباب،

واعترافاً بأن الذاكرة هي السلاح الوحيد المتبقي بعد فشل الفعل.

4. الذاكرة بوصفها مقاومة أخيرة

تكرار الأسماء في النص ليس أسلوباً أدبياً فقط. هو فعل سياسي.

عندما يكرر الكاتب أسماء جيهان حمودة وزكريا الرفاعي ومحمد الشحات، فإنه يرفض تحويلهم إلى أرقام أو إلى «تجربة فاشلة».

هو يقول: هؤلاء كانوا موجودين، وكان لهم عرق وصوت وحلم.

والنسيان هو الامتداد الطبيعي للإهمال الذي بدأ في مسرح الشباب.

هنا يصبح النص مقاومة مزدوجة:

مقاومة للنسيان الفردي،

ومقاومة للنسيان المؤسسي الذي يمحو كل ما لا يدخل في السردية الرسمية للثقافة.

5. السؤال الأكبر الذي يطرحه النص

النص في عمقه يسأل:

ما الذي يقتل الموهبة فعلاً؟

ليس الفقر بالضرورة.

ولا غياب الإمكانات المادية.

بل غياب الاعتراف.

غياب اليد التي تمتد.

غياب النظرة التي تقول: «رأيتك».

جيهان حمودة حصلت على جائزة أحسن ممثلة، ثم اختفت من المشهد.

هذا ليس فشلاً فنياً. هذا فشل بنيوي.

والمشكلة أن هذا النمط يتكرر.

كل جيل من هواة الأقاليم يأتي وهو يحمل الحلم نفسه، ويعود وقد فقد شيئاً لا يمكن تعويضه: الإيمان بأنه يستحق أن يُرى.

خلاصة أعمق

النص ناجح لأنه لا يكتفي بالشكوى.

هو يحول الألم الشخصي إلى سؤال بنيوي عن كيفية إدارة الثقافة في مصر.

ويحوّل الذاكرة إلى فعل مقاومة.

ويحوّل الأسماء المنسية إلى شهود على جريمة هادئة لا تُسجل في المحاضر: جريمة قتل الحلم بالإهمال.

أضعف ما فيه أنه يظل أسيراً للمنظور الشخصي جداً، ولا يفتح الباب بما يكفي لفهم آليات المؤسسة من داخلها.

لكن قوته الحقيقية تكمن بالضبط في هذا الانحياز الإنساني الكامل.

لأنه يذكرنا أن المسرح في النهاية ليس خشبة ولا ميزانية ولا قرارات إدارية.

المسرح هو العيون التي جاءت من الزقازيق تنتظر أن يراها أحد.

الأحد، 30 أغسطس 2026

العراق ــ دار الكتب المصرية ــ محمد كشيك والصدمة.. كل من عليها خان 9

 كلُّ من عليها خان 9

مقالات

المقال رقم ٩

العراق ــ دار الكتب المصرية ــ محمد كشيك والصدمة

بقلم: السيد حافظ






من مذكراتي

هناك أشياء لا تنتهي حين تقع.

تبقى.

تجلس في زاوية بعيدة من الذاكرة، وتنتظر سنوات طويلة، ثم تعود فجأة، لا لتذكّرك بما حدث، وإنما لتقول لك إن ما حدث لم ينتهِ بعد.

ومن الأشياء التي لم تنتهِ في داخلي: سقوط بغداد.

في أوائل أبريل/نيسان عام 2003، سقطت بغداد.

دخل الجيش الأمريكي العاصمة العراقية، وانتهت المعركة التي عُرفت بمعركة سقوط بغداد، وسقط معها شيء أكبر من مدينة:

سقطت صورة وطن كان يبدو عصيًا على السقوط.

وقيل إن كولن باول، وزير الخارجية الأمريكي، قال ــ أو نُسب إليه قول بمعناه ــ إنهم لو كانوا يعلمون أن دخول بغداد يمكن أن يتم بثمن صاروخ واحد، لما أنفقوا كل تلك الأموال.

كان المقصود، بالطبع، أولئك الذين فتحوا الأبواب من الداخل.

ولم أكن أعرف يومها ماذا يعني أن يكون سقوط الوطن أرخص من تكلفة الحرب.

لكن ابني محمد كان في الثانوية العامة.

كنت أحكي له ما حدث، فاستمع إليّ قليلًا، ثم قال ببراءة ساخرة تشبه براءة المصريين حين يواجهون الكارثة بالنكتة:

ـ يا أبي... بعلبة سجائر مارلبورو أحمر، الأمريكان يدخلوا مصر من غير حرب... مش بثمن صاروخ في بغداد!

ضحكت.

ضحك هو.

لكنني بعد أن انتهت الضحكة، بقيت أفكر.

أحيانًا يقول الطفل في جملة ساخرة ما يحتاج المثقف إلى عمر كامل كي يقوله.

كانت ضحكة محمد صغيرة...

لكن وراءها كانت تقف مأساة كبيرة:

حين يصبح الوطن قابلًا للبيع، لا يعود السؤال: من يملك السلاح؟

بل: من يملك مفاتيح الأبواب؟

ومن بغداد، أخذتني الذاكرة إلى الكويت.

إلى زميلي عبدالله الفليح.

كان قد جاء إلى مصر لتصوير كتب تراثية من دار الكتب المصرية، وعاد لي بحكاية لا تزال حتى الآن تثير في داخلي شيئًا يشبه الغضب والخجل معًا.

قال لي:

إن بعض المصريين عرضوا عليه أن يدفع عشرة آلاف دينار، وأنهم سيحملون إليه كتب التراث  النسخ الاصلية التي يريدها كلها.

سألهم:

ـ وكيف؟

فجاءه الرد ببرود:

ـ تهريب... وما يهمك شيء!

تهريب التراث!

حتى الكلمة نفسها كانت ثقيلة على القلب.

لم يكن الحديث عن بضعة كتب.

كان الحديث عن ذاكرة أمة.

عن مخطوطات وكتب وعلوم وحكايات وأسماء عاش أصحابها وماتوا، وبقيت كتبهم تقول لنا: هنا كان الإنسان المصري.

وحين أخبر عبدالله الفليح سعادة  الوزير العظيم عاشق مصر  عبد العزيز حسين بما حدث، كان الرد الذي أراحني وقتها:

ـ لا يمكن أن نفعل هذا بمصر.

وظلت الجملة في ذاكرتي.

ربما لأنني كنت أحتاج إلى أن أسمعها.

ربما لأن الإنسان، حين يرى الأشياء من حوله تتهاوى، يبحث عن جملة واحدة فقط تقول له:

لا... ليس كل شيء للبيع.

لكن الصدمة الحقيقية جاءتني في مصر.

لم تأتِ من دبابة.

ولا من طائرة.

ولا من جندي أجنبي.

جاءتني من مكتب.

ومن جملة.

ومن رجل كان يمكن أن يطبع كتابًا.

في عام 1986 عدت من الكويت إلى مصر.

كنت أحمل معي كتابًا، ومخطوطة، وحلمًا صغيرًا جدًا.

ذهبت إلى الدكتور عبد العزيز الدسوقي، وكان يشرف على سلسلة كنت أتمنى أن ينشر الكتاب من خلالها.

دخلت مكتبه وأنا أظن أنني عائد إلى بلدي.

لم أكن أطلب مالًا.

ولا منصبًا.

ولا جائزة.

كنت أطلب أن تطبع مصر كتابًا لكاتب مصري.

لكنني فوجئت به يصرخ في وجهي:

ـ نطبع لك ليه؟

إنت معاك فلوس، وكل المجلات والصحف العربية بتكتب عنك... عايز إيه من مصر؟

لم أعرف ماذا أقول.

أحيانًا تكون الجملة قاسية إلى درجة أنها تسلب الإنسان القدرة على الدفاع عن نفسه.

خرجت من مكتبه.

كان الكتاب تحت ذراعي.

لكنني لم أكن أحمل كتابًا فقط. ذهبت الى محمد كشيك الشاعر الجميل المسؤل  عن المطبوعات فقال مايشبه نفس الكلام انت جاى من بره من الكويت  معاك فلوس  اطبع على حسابك احنا بنطبع للكتاب للفقراء.

كنت أحمل سؤالًا.

سؤالًا ظل يطاردني سنوات:

أنا جنسيتي إيه؟

ثم جاء السؤال الأكثر وجعًا:

أنا عايز إيه من مصر؟

ماذا كنت أريد؟

كنت أريد أن أعود إلى المكان الذي ولدت فيه.

كنت أريد أن أضع كتابي على رف في مكتبة مصرية.

كنت أريد أن تقول لي بلادي:

أهلًا بك.

فقط.

لم أكن أعرف أن العودة من الخارج يمكن أن تجعل الإنسان متهمًا.

لم أكن أعرف أن نجاحك في بلد عربي آخر قد يصبح سببًا في أن يسألك وطنك:

ماذا تريد منا؟

كأن الكتاب الذي كتبته في الغربة صار دليل اتهام.

وكأن الصحف التي كتبت عني في الوطن العربي أصبحت تهمة.

وكأن السنوات التي قضيتها أكتب وأعمل وأحلم باسم مصر لم تكن كافية كي أعود إليها بصفتي ابنًا لها.

ومنذ ذلك اليوم، وأنا أفكر في الخيانة بطريقة مختلفة.

الخيانة ليست دائمًا رجلًا يفتح باب مدينة لجيش أجنبي.

قد تكون موظفًا يبيع كتابًا.

أو إنسانًا يبيع مخطوطًا.

أو شخصًا يساوم على ذاكرة بلده.

وقد تكون، في لحظة أخرى، كلمة تقول لك:

ماذا تريد من مصر؟

فتكتشف أنك لا تعرف كيف تشرح لمن أمامك أنك لا تريد شيئًا.

أنك فقط تريد وطنك.

تريد أن تكون منه، حتى لو لم يعترف بك.

تريد أن تكتب له، حتى لو أغلق أبوابه في وجهك.

تريد أن تموت وأنت مطمئن إلى أن اسمك لن يكون غريبًا في المكان الذي ولدت فيه.

سقطت بغداد.

وكادت كتب التراث أن تُباع.

وخرجت أنا من مكتبه في الثقافة الجماهيرية فى  القاهرة وأنا أحمل مخطوطتي وأسأل نفسي عن جنسيتي.

ثلاث حكايات تبدو بعيدة عن بعضها.

لكنها، في داخلي، حكاية واحدة.

حكاية الإنسان حين يكتشف أن أخطر ما يهدد الوطن ليس دائمًا من يقف خارجه.

أحيانًا يكون الخطر في الداخل.

وأحيانًا يكون في لحظة صمت.

وأحيانًا يكون في إنسان يقول لك:

ماذا تريد من وطنك؟

وأنت لا تعرف كيف تقول له:

لا أريد شيئًا...

كنت فقط أريد أن أشعر أنني ما زلت ابنًا لهذا الوطن.

ولهذا، كلما تذكرت بغداد، ودار الكتب، وعبدالله الفليح، وابني محمد، ومكتبي القديم في مصر، أتذكر عنوانًا واحدًا يختصر كل هذه الحكايات:

كلُّ من عليها خان...

إلا الذين ظلوا أوفياء لوطنهم، حتى حين خذلهم الوطن.

تمت

السيد حافظ

القاهرة

رأى الذكاء الاصطناعي الأمريكي 

النص قوي جدًا، وأراه من أفضل نصوص سلسلة «كل من عليها خان»؛ لأنه لا يعتمد على الحكاية وحدها، بل يبني تدريجيًا مفهومًا أوسع للخيانة: من سقوط بغداد، إلى تهريب التراث، إلى جرح الكاتب مع مؤسسته الثقافية، ثم إلى السؤال الوجودي: «أنا عايز إيه من مصر؟»

وأرى أن النص يمكن أن يصبح أعمق وأشد أدبية ببعض التعديلات، من دون أن نفقد صدقه وحرارة الذاكرة.

ما الذي نجح فيه النص؟

1. البداية ممتازة

«هناك أشياء لا تنتهي حين تقع. تبقى.»

هذه بداية ناضجة جدًا. فيها هدوء، ثم تفتح الباب للذاكرة والوجع. وأفضل ما فيها أنها لا تبدأ بالسياسة، بل بالإنسان.

2. حكاية محمد من أجمل أجزاء المقال

الجملة:

«يا أبي... بعلبة سجائر مارلبورو أحمر، الأمريكان يدخلوا مصر من غير حرب...»

تعطي النص حياة وواقعية. وهي أيضًا تكسر ثقل الموضوع فجأة، ثم تأتي بعدها الجملة الجميلة:

«أحيانًا يقول الطفل في جملة ساخرة ما يحتاج المثقف إلى عمر كامل كي يقوله.»

هذه من الجمل التي تستحق أن تبقى.

3. الانتقال من بغداد إلى الكويت ثم إلى مصر ذكي

أنت لا تحكي ثلاث حكايات منفصلة، بل تجعلها تتجمع حول سؤال واحد: متى تتحول الخيانة من فعل عسكري إلى فعل يومي؟

وهذا هو العمود الفقري الحقيقي للمقال.

4. أقوى منطقة في النص في رأيي هي حكاية الدكتور عبد العزيز الدسوقي

خصوصًا:

«لم أكن أطلب مالًا. ولا منصبًا. ولا جائزة. كنت أطلب أن تطبع مصر كتابًا لكاتب مصري.»

ثم:

«أنا جنسيتي إيه؟»

ثم:

«أنا عايز إيه من مصر؟»

هنا يرتفع النص من مقال سياسي/ثقافي إلى اعتراف شخصي مؤلم.

وهذه النقلة مهمة جدًا؛ لأنها تجعل القارئ لا يتعامل معك باعتبارك راوياً لأحداث الآخرين، وإنما باعتبارك الشخص الذي وقع عليه الجرح نفسه.

لكن هناك نقطة أراها تحتاج إلى رفع المستوى

النهاية جيدة، لكنها تشرح الفكرة أكثر مما ينبغي.

أنت قلت للقارئ أكثر من مرة إن الخيانة ليست فقط من الخارج، وإنها قد تكون من الداخل. لذلك عندما تصل إلى:

«ثلاث حكايات تبدو بعيدة عن بعضها. لكنها، في داخلي، حكاية واحدة.»

فهذا جميل.

لكن بعد ذلك تبدأ في تفسير الفكرة عدة مرات.

وأنا أقترح أن نترك مساحة أكبر للصمت.

فالنص في بدايته يقول:

«هناك أشياء لا تنتهي حين تقع. تبقى.»

وهذه الفكرة نفسها يمكن أن تعود في النهاية، لكن بصورة أكثر قسوة وهدوءًا.

كذلك لدي ملاحظة مهمة جدًا

عبارة:

«كل من عليها خان... إلا الذين ظلوا أوفياء لوطنهم، حتى حين خذلهم الوطن.»

معناها واضح، لكنها مباشرة جدًا مقارنة بالمستوى الأدبي الذي وصل إليه النص.

العنوان نفسه أقوى من هذه الجملة.

يمكن أن تكون النهاية مثلًا:

«سقطت بغداد منذ سنوات طويلة، لكن بعض السقوط لا يحتاج إلى دبابة.

يكفي مكتب مغلق، وكتاب تحت الذراع، وسؤال واحد: ماذا تريد من مصر؟

يومها لم أعرف ماذا أجيب.

واليوم، بعد كل هذه السنوات، عرفت.

لم أكن أريد شيئًا.

كنت أريد فقط أن أعود.

أن أكون ابنًا في بلده.

وربما لهذا ما زلت أكتب.

لأن الذين لا يستطيعون دخول الوطن من بابه، يحاولون أن يدخلوا إليه من الكلمات.

كل من عليها خان...

إلا من ظل وفيًا، حتى وهو يُخذل.»

هذه النهاية، في رأيي، أكثر وجعًا وأقل خطابية.

وأقترح أيضًا عنوانًا فرعيًا أقوى

بدل:

العراق ــ دار الكتب المصرية ــ محمد كشيك والصدمة

يمكن أن يصبح:

العراق ــ دار الكتب المصرية ــ محمد كشيك وسؤال الوطن

أو:

العراق ــ دار الكتب المصرية ــ حين يصبح الوطن هو السؤال

أو، وهو الأقرب إلى روح المقال:

العراق ــ دار الكتب المصرية ــ ماذا تريد من مصر؟

الأخير شديد القوة؛ لأنه يأخذ جملة قيلت لك في مكتب، ويحولها إلى عنوان لمأساة كاملة.

تقييمي للنص

الفكرة: 9.5/10

الصدق والذاكرة: 10/10

البناء السردي: 9/10

اللغة: 8.5/10

القوة الدرامية: 9.5/10

النهاية الحالية: 8/10

إمكاناته بعد الصقل: 9.5/10

والأهم: لا أنصح بتغيير روح النص. فهو ليس مقالًا معلوماتيًا عن العراق أو دار الكتب، وإنما قطعة من سيرة كاتب اصطدم أكثر من مرة بفكرة الوطن: وطن يُحتل، وتراث يُهرّب، ومؤسسة ثقافية تسأل الكاتب: «ماذا تريد من مصر؟».

وهنا بالذات تكمن قيمة ال مقال. إنه في جوهره ليس عن بغداد، ولا عن دار الكتب، ولا عن عبد العزيز الدسوقي وحده؛ إنه عن رجل ظل يحاول طوال حياته أن يثبت لنفسه أنه ابن وطنه، حتى عندما جعل الوطن نفسه هذا الانتماء موضع سؤال.

المسرحية التي تفوز بالجائزة... ثم تموت.. محمد يوسف وفوزى خضر.. كل من عليها خان 8

 كل من عليها خان 8

مقالات

رقم ٨

المسرحية التي تفوز بالجائزة... ثم تموت..

محمد يوسف وفوزى خضر.

بقلم: السيد حافظ







في عام 1977، أو قريبًا منه، جاء إلى الكويت صديقي الشاعر الكبير والإنسان النبيل المهذب جدا محمد يوسف.

كنت قد تعرفت إليه من خلال أدباء المنصورة العظام: زكي عمر، وإبراهيم راضوان، وغيرهما من الكتاب والفنانين. وكانت لي أيضًا ذكرى قديمة مع الكاتب اليساري الرائع فؤاد حجازي، الذي التقيته في مؤتمر أدباء الشبان بالزقازيق عام 1969.كان رئيسا لوفد المنصورة

جاءني محمد يوسف إلى مجلة صوت الخليج فى الكويت وتعرفت إلى زوجته، وهي سيدة فاضلة كانت من تلميذاته في المنصورة. ومنذ ذلك الوقت بدأت صداقتنا، وكان يزورني في المجلة، واقمت معه حورا وعر فته على ناجح خليل الفلسطينى النبيل و الذى عينه بدلا منى فى مجلة مراة الامة ..كنت انا ومحمد يوسف نتحدث في الأدب والشعر والمسرح والحياة.

وذات يوم سألني:

ـ أخبار المسرح؟

قلت له:

ـ أكتب الآن مسرحية عن أبي ذر الغفاري.

فقال لي:

ـ أنا أحب هذه الشخصية، وأحب أن أكتب معك.

وبالفعل كتب معي مسرحية «ظهور واختفاء أبي ذر الغفاري».

كانت تجربة جميلة، جمعت بين شاعر يملك اللغة والإحساس، وكاتب مسرحي يحاول أن يرى الشخصية التاريخية من زاوية المسرح.

وعندما أردت أن أطبع المسرحية على نفقتي، فوجئت بأن محمد يوسف لم يرغب في المشاركة المالية في تكلفة الطباعة. لم أغضب منه، ولم أعتبر الأمر مشكلة، فقد تكفلت أنا بطباعة الكتاب ونشرته.

وكانت الطبعة الأولى تحمل اسمينا:

السيد حافظ ومحمد يوسف

«ظهور واختفاء أبي ذر الغفاري».

ثم مضت الحياة.

وفي أوائل الثمانينيات ظهر في الكويت نشاط الترويح السياحي التابع لوزارة الإعلام، وكان يشرف عليه المثقف الكويتي المعروف صالح شهاب، وهو شخصية كويتية أحببتها واحترمتها؛ فقد كان مثقفًا ومنفتحًا على العالم، ويؤمن بأن الثقافة والفن جزء من حياة الناس.

وأقيمت ضمن نشاط الترويح السياحي مسابقات للتأليف المسرحي.

قال لي محمد يوسف:

ـ أريد أن أشارك في مسابقة التأليف المسرحي.

قلت له:

ـ شارك.

وكان محمد يوسف شاعرًا جزل اللغة، جميل الخط، عذب التعبير، عميق الإحساس، وكان لديه ما يؤهله لأن يكتب المسرح.

كتب مسرحيته، وشارك بها في المسابقة.

وفاز بالجائزة الأولى.

أما أنا، فلم أفز بالجائزة الأولى، ولا الثانية، ولا الثالثة.

ولم تكن هذه الواقعة مرة عابرة.

ظل محمد يوسف يكتب للمسابقة عامًا بعد عام، ويفوز بالجائزة الأولى في التأليف المسرحي.ربما اربعة أعوام او خمسة

وهنا بدأت الأسئلة تكبر في داخلي.

أين ذهبت هذه المسرحيات؟

هل طبعت؟

هل قرأها المخرجون؟

هل تحمس لها المنتجون؟

هل وقف ممثل أمام نص منها على خشبة المسرح؟

على حد علمي، لم يحدث ذلك.

وظلت المسرحيات التي فازت بالجوائز حبيسة الورق.

وهنا لا أتحدث عن محمد يوسف وحده.

هناك صديق آخر عزيز على قلبي هو دكتور فوزي خضر.

أحب فوزي خضر حبًا خاصًا؛ لأنه إنسان محترم، وقور، هادئ النفس والطبع، ومكافح وفقير مثلي وجعلته مدير مركز رؤيا ويساعده الشاعر الشهير المعروف احمد فضل شبلول .

وعندما تركت عملي مدرسًا للغة العربية في مدرسة النجاح الإعدادية للبنات في حى محرم بك، في عام 1973 أو 1974، رشحته ليحل مكاني.وسافر الى السعودية امضى هناك ثلاثين عاما ..كما امضى محمد يوسف فى الكويت ثلاثين عاما

وكان فوزي خضر محبًا للمسرح، وبدأ يكتب ويشارك في مسابقات كل الأندية الأدبية في السعودية، حيث كانت هناك مسابقات عديدة في التأليف المسرحي.

وكان يفوز هو الآخر بالجائزة الأولى.

مرة بعد مرة.

مسرحية وراء مسرحية.

ولكن المصير كان قريبًا من مصير مسرحيات محمد يوسف.

جوائز.

ثم صمت.

ثم اختفاء.

ثم بقاء النص في الأدراج.

وكانت المسابقات تحدد أحيانًا الموضوع وعدد الكلمات والشروط المطلوبة، سواء كان الموضوع تاريخيًا أو دينيًا أو متعلقًا بشخصية معينة.

وكان فوزي يكتب وفق الشروط، ويفوز.

لكن السؤال ظل قائمًا:

أين المسرح؟

ومن المفارقات أن فوزي خضر امتلك تجربة إذاعية كان يمكن أن تتحول إلى باب آخر للدراما.

كان يقدم برنامج «كتاب علم العرب»، وهو برنامج مميز، شارك فيه نجوم كبار، وكانت له ميزانية خاصة، وينتج في إطار اتحاد الإذاعة والتلفزيون.

وقد ساعدته في بعض حلقاته بأن قدمت له كتبًا من التراث والشخصيات العربية من إصدارات المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، حيث كنت أعمل.

وكان البرنامج يمتد إلى عشرات الحلقات.

وهنا كان يمكن تحويل هذه المادة إلى دراما إذاعية حقيقية، كما فعل بعض الكتاب الذين عرفوا كيف ينقلون الفكرة من الورق إلى الصوت، ومن المعرفة إلى الدراما.

لكن فوزي ظل أيضًا أسير مسابقات التأليف المسرحي.

وظلت المسرحيات الفائزة بالجائزة الأولى، سواء لمحمد يوسف أو لفوزي خضر، تواجه المصير نفسه:

لا خشبة.

لا مخرج.

لا ممثلون.

لا جمهور.

وهنا أصل إلى السؤال الذي يوجعني حتى الآن.

كيف تفوز مسرحية بالجائزة الأولى، ثم لا تجد مخرجًا واحدًا يتحمس لإخراجها؟

كيف تصبح المسرحية ـ بحسب لجنة التحكيم ـ أفضل نص في المسابقة، ثم لا تجد منتجًا يؤمن بها؟

كيف تكون الأولى بين عشرات النصوص، ثم لا تجد طريقها إلى الخشبة؟

هل المشكلة في المخرجين؟

أم في المنتجين؟

أم في لجان التحكيم؟

أم في النصوص نفسها؟

أم أن المسابقة كانت تقيس شيئًا آخر غير القدرة على صناعة مسرح حي؟

فالمسرحية ليست شهادة معلقة على الحائط.

وليست سطرًا في سيرة الكاتب يقول:

«حصل على الجائزة الأولى في مسابقة التأليف المسرحي عام كذا».

المسرحية في النهاية كائن حي.

تحتاج إلى مخرج يراها، وممثل يؤمن بها، ومنتج يغامر بها، وجمهور يتفاعل معها.

وإذا لم يحدث ذلك، فما الذي ربحته المسرحية؟

ربحت لجنة التحكيم، وخسرت المسرح.

ربحت الجائزة، وخسرت الجمهور.

ربحت لحظة الإعلان، وخسرت الزمن.

وربما كان هذا هو السؤال الأخطر:

هل كانت بعض هذه المسابقات تصنع الإبداع، أم كانت تصنع فقط «مسرحيات فائزة»؟

هناك فرق هائل بين الاثنين.

أن تصنع كاتبًا يفوز في مسابقة، شيء.

وأن تصنع نصًا يعيش أربعين عامًا على الخشبة، شيء آخر تمامًا.

أن تمنح المسرحية شهادة ميلاد، شيء.

وأن تمنحها حياة، شيء آخر.

لقد مرت أربعون سنة، وربما خمسون، على بعض هذه النصوص.

كبر أصحابها.

مات بعضهم.

وتغيرت الأذواق، وتغيرت السياسة، وتغير المجتمع، وتغير المسرح نفسه.

وبقيت المسرحيات في الكتب والأدراج، تحمل فوقها لافتة براقة:

«المسرحية الفائزة بالجائزة الأولى في مسابقة...»

لكن الجائزة لم تستطع أن تمنحها الحياة.

وهنا أقولها بمرارة المحب للمسرح:

ليست كل مسرحية تفوز بالجائزة الأولى مسرحية عظيمة، كما أن كل مسرحية لم تفز بجائزة ليست بالضرورة مسرحية ضعيفة.

فالزمن هو لجنة التحكيم الأكبر.

والخشبة هي الامتحان الحقيقي.

والجمهور هو الحكم الذي لا يجامل.

ولهذا ما زلت أتساءل:

هل كانت هناك فعلًا مسابقات لصناعة المسرح؟

أم كانت هناك مسابقات لصناعة «الفائزين»؟

وهل كنا نبحث عن المسرحية التي تستطيع أن تعيش على الخشبة؟

أم عن النص الذي يرضي لجنة التحكيم في ليلة إعلان النتائج؟

إنه سؤال عجيب وغريب.

لكنه، بعد كل هذه السنوات، ليس سؤالًا عن محمد يوسف، ولا عن فوزي خضر، ولا حتى عن السيد حافظ.

إنه سؤال عن مؤسسة كاملة كانت تقول إنها تبحث عن الإبداع.

والإبداع الحقيقي لا يموت بعد إعلان النتيجة.

الإبداع الحقيقي يبدأ من لحظة إعلان الجائزة.

فإذا أُغلقت الستارة بعد الجائزة مباشرة، ولم تُفتح مرة أخرى، فربما لم تكن المشكلة في المسرحية وحدها...

ربما كانت المشكلة في المسرح نفسه.

تمت

السيد حافظ 

القاهرة

....

راى الذكاء الاصطناعي الصيني 

قرأت النص بعناية، وهو مقال نقدي تأملي عميق يحمل بصمة الكاتب السيد حافظ، الذي يكتب بلغة أدبية شفيفة، تجمع بين الحنين الشخصي والتساؤل الفكري الجاد.

إليك رأيي في النص، مقسماً إلى جوانب فنية وفكرية:

أولاً: البناء السردي والحكائي

· تميز النص ببداية حميمية، حيث دخل الكاتب من بوابة الصداقة الإنسانية (محمد يوسف وفوزي خضر)، مما جعل القارئ يشاركه العاطفة قبل المشاركة الفكرية.

· الانتقال من السيرة الذاتية إلى القضية الكلية كان سلساً ومحترفاً، حيث تحولت الحكاية من "تذكر صديق" إلى "تشريح ظاهرة ثقافية".

ثانياً: جوهر الإشكالية المطروحة

· النص يطرح سؤالاً ثقافياً مؤلماً وصادقاً: "هل المسابقات تصنع الإبداع أم تصنع الفائزين فقط؟"

· نجح الكاتب في تفكيك العلاقة المريضة بين الجائزة والجمهور، واصفاً المسرحيات الفائزة بأنها "تُمنح شهادة ميلاد ولا تُمنح حياة". هذه الاستعارة هي قلب المقال النابض، وتصلح لأن تكون عنواناً لأزمة ثقافية في وطننا العربي.

ثالثاً: النقد الذاتي والموضوعية

· من أخلاقيات النص الجميلة أن الكاتب لم يتحدث كـ"خاسر" مرير؛ فهو يذكر بوضوح أنه لم يفز بالجوائز، لكنه يخرج من دائرة الأنانية ليطرح سؤالاً موضوعياً: لماذا النصوص الفائزة تموت؟ وهذا يمنح المقال مصداقية ونزاهة.

رابعاً: اللغة والأسلوب

· اللغة هنا خادمة للفكرة، بعيدة عن التكلف. جمل مثل: "ربحت لجنة التحكيم، وخسرت المسرح"، و"الزمن هو لجنة التحكيم الأكبر"، هي خلاصات بليغة تجعل القارئ يتوقف عندها.

· الحوار الدرامي مع الذات (الأسئلة المتتالية في منتصف المقال) أعطى النص إيقاعاً خطابياً مؤثراً.

خامساً: الملاحظات النقدية (التي تثري المقال)

· المقال يركز على المسرحيات الدينية والتاريخية (أبي ذر، وعلم العرب)، وقد كان من الممكن أن تكون الإشارة إلى أن هذا النوع من المسرحيات غالباً ما يصطدم بتحفظات المخرجين والمنتجين خوفاً من "التقديس" أو "الخطأ التاريخي"، مما يفسر جزءاً من عزوفهم عن إخراجها رغم جودتها.

· كان يمكن تعزيز الجانب العملي باقتراح آلية (مثل: أن يشترط في المسابقة أن تُعرض المسرحية الفائزة على الخشبة فعلاً خلال عام، وإلا تُسحب الجائزة).

الخلاصة النهائية:

النص ليس مجرد مقال، بل هو شهادة ثقافية ومرثية لمسرح ضائع. إنه يذكرني بمعاناة كثير من المبدعين العرب الذين يحبسون في فقاعات الجوائز بينما تبقى الجماهير بعيدة عن نصوصهم. كاتب مثل السيد حافظ يقدم هنا نموذجاً للكاتب النزيه الذي لا يكتب للانتصار الشخصي، بل يسائل الضمير الثقافي الجمعي.

تقيمي للنص: مقال مكتمل الأركان، مؤثر، صادق، وجريء في طرح سؤال يظل مفتوحاً حتى اليوم. إنه دعوة لإعادة تعريف النجاح في الثقافة من مجرد "الفوز" إلى "الاستمرار والتأثير".

 
Design by Free WordPress Themes | Bloggerized by Lasantha - Premium Blogger Themes | cheap international voip calls ta3rib : Abed