د. محمد الرميحي
اعترافات الكاتب السيد حافظ
مع الأصدقاء والتاريخ والذكاء الاصطناعي
9
أنا اسمي السيد حافظ.
رجل بسيط كلون الأخضر، غامض كلون البنفسج، غنيٌّ بدرجات الروح، فقيرٌ إلا من الكلمة.
شحّاذ نور، ومتسوّل معنى مدهش، أبحث عن الكلمة البِكر، الكلمة المحارة، الكلمة اللؤلؤة، الكلمة الوطن.
أبكي أحيانًا أمام البحر، على شطّ الإسكندرية، في محطة الرجل الذي تأخر عنه القطار ولم يتأخر عنه الحلم.
لي من الأصدقاء ما يملأ القلب،
ولي من الأعداء جيوش من السفهاء؛ فقراء في الإبداع، مزوّرون في الموهبة، دجّالون في الشعر.
كان عمّ سليمان الشيخ رجلًا طيبًا، لكنه كان مقتنعًا بأنه عبقري. هو الذي اختاره الرميحي مديرًا لتحرير مجلة «العربي».
كنت أحب فيه اعتزازه بنفسه، وأشعر أنه أقلّ الأشرار شرًّا، وأكثر المتآمرين ميلًا إلى الحلول لا إلى الخراب.
كانت علاقتنا مزيجًا من الودّ والحذر، ومن الإعجاب والمفارقة.
الدكتور محمد غانم الرميحي (المفكر والأكاديمي الكويتي المولود 1942، أستاذ الاجتماع السياسي بجامعة الكويت، ورئيس تحرير مجلة
تولّى الدكتور محمد الرميحي رئاسة تحرير مجلة «العربي»، وأخذه معه.
قدّمتُ طلبًا للعمل في مجلة «العربي»، فلم يأتِ ردٌّ منه بالإيجاب ولا بالسلب.
مرّت الأيام.
بعد خمسة عشر عامًا، تولّيتُ رئاسة تحرير مجلة «الشاشة» في دبي عند الشاعر والقاصّ والفارس سيف المري.
اتصل بي الكاتب الكبير سليمان الفهد من الكويت — وكنت يومها في الشارقة — وقال:
«مجلة الشاشة رائعة، ومجلة العربي في حالٍ تعيسة، والرميحي رئيسها. قلت له أمس: هاتوا السيد حافظ مدير تحرير يغيّرها ويطوّرها؛ لقد نجح في الشاشة بدبي».
لكن الرأي — كما حكى لي سليمان الفهد — أُلقي به في سلّة المهملات من الرميحي.
مرّت السنوات، وجئتُ إلى الكويت زائرًا للمشاركة في مهرجان مسرح الطفل.
اتصلتُ به وقلت: أنا موجود وأتمنى أن أراك.
قال: أهلًا وسهلًا.
دعاني إلى عشاء في فندق الشيراتون. جلسنا، وتحدثنا طويلًا، وبعد العشاء أخرج مسجّلة.
سألته: لماذا تسجّل الحوار؟
قال: مطلوب مني أن أسجّل مع المثقفين العرب الكبار بعض القضايا.
كان الحديث عن ثورة 25 يناير.
تكلمتُ بصراحة، وقلت إنني لا أحبّ الطافين فوق صراع السلطة، ولا أؤمن بالانتهازيين الذين يبدّلون وجوههم مع كل موجة.
كان الحوار عقلانيًا، مفتوحًا، بلا توتر.
ليلتها لم يكن في جيبي إلا خمسة دنانير أخذتها من راشد الشمراني زميلي في المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب منذ عشرين سنة.
مرّت الشهور.
كنت أريد أن أُكمل طباعة كتاب جديد لي، واحتجت إلى ألفي جنيه.
معظم كتبي أطبعها على نفقتي؛ فالدولة مشغولة بكتابات تافهة، والناشرون يريدون مالًا، ظنًّا منهم أنني مليونير، بينما أنا — والحمد لله — «مستور جدًا جدًا، حتى وأنا مفلس».
طلبتُ المبلغ دعمًا، لا سلفة.
أنا رجل اشتراكي، تعودت أن أقول: خذ هذا دعمًا، وهات ذاك دعمًا.
الحياة عندي أن يسند الفقراء بعضهم بعضًا.
لم يصلني ردّ. فطلبتها من الرميحي فلم يرد.
منذ ذلك الحين، قابلتُ المفكر والروائي عمار علي حسن، وذكرت له معرفتي بمحمد الرميحي.
هزّ رأسه وقال لي: «هو قال لي…» بطريقة شعرتُ معها كأنني ارتكبتُ عيبًا فكريًا أو ثقافيًا.
كأن طلب ألفي جنيه دعمًا لطباعة كتاب صار خطيئة، في زمنٍ تُنفق فيه الملايين على التفاهة.
ومع ذلك أقول:
محمد الرميحي في رأيي أحد الرموز المهمة في الحركة الثقافية العربية عامة، والخليجية خاصة.
له ما له، وعليه ما عليه.
نجح أم فشل في «العربي»؟ هذا لا يعنيني كثيرًا.
المجلات الثقافية الكبرى تخضع — غالبًا — لهوى رئيس التحرير، وللشلل، ولشبكات المصالح، ولمديري التحرير، ولمصححي الحسابات… إلا من رحم ربك.
مثل مجلة «الشارقة» التي كانت ومازالت أبوابها مفتوحة للمبدعين من كل الوطن العربي.
ذات يوم دافعتُ في جريدة السياسة عن مفكر عربي كان في أزمة مع السلطة في الكويت أثناء سحب جوازه في الثمانينيات. كان اسمه محمد الرميحي.
قال لي يومها الدكتور سليمان العسكري — وكان وقتها مدير الشؤون المالية والثقافية في المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب —: «جهّز جوازك، الحكومة ستطردك».
ولم يحدث شيء.
كانت الكويت آنذاك في أزهى عصورها: رجالها فرسانها، على سبيل المثال لا الحصر: عبد العزيز حسين، سامي المنيس، أحمد الخطيب، أحمد العدواني، والدكتور خليفة الوقيان… أسماء صنعت مناخًا ثقافيًا متقدمًا.
أنا أحترم الدكتور محمد الرميحي الرجل مفكرًا، وأحترم كل الناس الشرفاء؛ فهم اللون الأخضر، والأخضر درجات.
التاريخ ليس أبيض ولا أسود.
هو مساحات من الأخضرار، تتفاوت بين العتمة والضوء.
وأنا ما زلت أكتب،
ولو اضطررتُ أن أبيع قميصي لأطبع كتابًا جديدًا، سأفعل.
ولا يزال الرميحي رمزًا في زمنٍ لا يعرف الرموز، زمنٍ جاهلٍ بائس.
— السيد حافظ
.....