الأحد، 30 أغسطس 2026

العراق ــ دار الكتب المصرية ــ محمد كشيك والصدمة.. كل من عليها خان 9

 كلُّ من عليها خان 9

مقالات

المقال رقم ٩

العراق ــ دار الكتب المصرية ــ محمد كشيك والصدمة

بقلم: السيد حافظ






من مذكراتي

هناك أشياء لا تنتهي حين تقع.

تبقى.

تجلس في زاوية بعيدة من الذاكرة، وتنتظر سنوات طويلة، ثم تعود فجأة، لا لتذكّرك بما حدث، وإنما لتقول لك إن ما حدث لم ينتهِ بعد.

ومن الأشياء التي لم تنتهِ في داخلي: سقوط بغداد.

في أوائل أبريل/نيسان عام 2003، سقطت بغداد.

دخل الجيش الأمريكي العاصمة العراقية، وانتهت المعركة التي عُرفت بمعركة سقوط بغداد، وسقط معها شيء أكبر من مدينة:

سقطت صورة وطن كان يبدو عصيًا على السقوط.

وقيل إن كولن باول، وزير الخارجية الأمريكي، قال ــ أو نُسب إليه قول بمعناه ــ إنهم لو كانوا يعلمون أن دخول بغداد يمكن أن يتم بثمن صاروخ واحد، لما أنفقوا كل تلك الأموال.

كان المقصود، بالطبع، أولئك الذين فتحوا الأبواب من الداخل.

ولم أكن أعرف يومها ماذا يعني أن يكون سقوط الوطن أرخص من تكلفة الحرب.

لكن ابني محمد كان في الثانوية العامة.

كنت أحكي له ما حدث، فاستمع إليّ قليلًا، ثم قال ببراءة ساخرة تشبه براءة المصريين حين يواجهون الكارثة بالنكتة:

ـ يا أبي... بعلبة سجائر مارلبورو أحمر، الأمريكان يدخلوا مصر من غير حرب... مش بثمن صاروخ في بغداد!

ضحكت.

ضحك هو.

لكنني بعد أن انتهت الضحكة، بقيت أفكر.

أحيانًا يقول الطفل في جملة ساخرة ما يحتاج المثقف إلى عمر كامل كي يقوله.

كانت ضحكة محمد صغيرة...

لكن وراءها كانت تقف مأساة كبيرة:

حين يصبح الوطن قابلًا للبيع، لا يعود السؤال: من يملك السلاح؟

بل: من يملك مفاتيح الأبواب؟

ومن بغداد، أخذتني الذاكرة إلى الكويت.

إلى زميلي عبدالله الفليح.

كان قد جاء إلى مصر لتصوير كتب تراثية من دار الكتب المصرية، وعاد لي بحكاية لا تزال حتى الآن تثير في داخلي شيئًا يشبه الغضب والخجل معًا.

قال لي:

إن بعض المصريين عرضوا عليه أن يدفع عشرة آلاف دينار، وأنهم سيحملون إليه كتب التراث  النسخ الاصلية التي يريدها كلها.

سألهم:

ـ وكيف؟

فجاءه الرد ببرود:

ـ تهريب... وما يهمك شيء!

تهريب التراث!

حتى الكلمة نفسها كانت ثقيلة على القلب.

لم يكن الحديث عن بضعة كتب.

كان الحديث عن ذاكرة أمة.

عن مخطوطات وكتب وعلوم وحكايات وأسماء عاش أصحابها وماتوا، وبقيت كتبهم تقول لنا: هنا كان الإنسان المصري.

وحين أخبر عبدالله الفليح سعادة  الوزير العظيم عاشق مصر  عبد العزيز حسين بما حدث، كان الرد الذي أراحني وقتها:

ـ لا يمكن أن نفعل هذا بمصر.

وظلت الجملة في ذاكرتي.

ربما لأنني كنت أحتاج إلى أن أسمعها.

ربما لأن الإنسان، حين يرى الأشياء من حوله تتهاوى، يبحث عن جملة واحدة فقط تقول له:

لا... ليس كل شيء للبيع.

لكن الصدمة الحقيقية جاءتني في مصر.

لم تأتِ من دبابة.

ولا من طائرة.

ولا من جندي أجنبي.

جاءتني من مكتب.

ومن جملة.

ومن رجل كان يمكن أن يطبع كتابًا.

في عام 1986 عدت من الكويت إلى مصر.

كنت أحمل معي كتابًا، ومخطوطة، وحلمًا صغيرًا جدًا.

ذهبت إلى الدكتور عبد العزيز الدسوقي، وكان يشرف على سلسلة كنت أتمنى أن ينشر الكتاب من خلالها.

دخلت مكتبه وأنا أظن أنني عائد إلى بلدي.

لم أكن أطلب مالًا.

ولا منصبًا.

ولا جائزة.

كنت أطلب أن تطبع مصر كتابًا لكاتب مصري.

لكنني فوجئت به يصرخ في وجهي:

ـ نطبع لك ليه؟

إنت معاك فلوس، وكل المجلات والصحف العربية بتكتب عنك... عايز إيه من مصر؟

لم أعرف ماذا أقول.

أحيانًا تكون الجملة قاسية إلى درجة أنها تسلب الإنسان القدرة على الدفاع عن نفسه.

خرجت من مكتبه.

كان الكتاب تحت ذراعي.

لكنني لم أكن أحمل كتابًا فقط. ذهبت الى محمد كشيك الشاعر الجميل المسؤل  عن المطبوعات فقال مايشبه نفس الكلام انت جاى من بره من الكويت  معاك فلوس  اطبع على حسابك احنا بنطبع للكتاب للفقراء.

كنت أحمل سؤالًا.

سؤالًا ظل يطاردني سنوات:

أنا جنسيتي إيه؟

ثم جاء السؤال الأكثر وجعًا:

أنا عايز إيه من مصر؟

ماذا كنت أريد؟

كنت أريد أن أعود إلى المكان الذي ولدت فيه.

كنت أريد أن أضع كتابي على رف في مكتبة مصرية.

كنت أريد أن تقول لي بلادي:

أهلًا بك.

فقط.

لم أكن أعرف أن العودة من الخارج يمكن أن تجعل الإنسان متهمًا.

لم أكن أعرف أن نجاحك في بلد عربي آخر قد يصبح سببًا في أن يسألك وطنك:

ماذا تريد منا؟

كأن الكتاب الذي كتبته في الغربة صار دليل اتهام.

وكأن الصحف التي كتبت عني في الوطن العربي أصبحت تهمة.

وكأن السنوات التي قضيتها أكتب وأعمل وأحلم باسم مصر لم تكن كافية كي أعود إليها بصفتي ابنًا لها.

ومنذ ذلك اليوم، وأنا أفكر في الخيانة بطريقة مختلفة.

الخيانة ليست دائمًا رجلًا يفتح باب مدينة لجيش أجنبي.

قد تكون موظفًا يبيع كتابًا.

أو إنسانًا يبيع مخطوطًا.

أو شخصًا يساوم على ذاكرة بلده.

وقد تكون، في لحظة أخرى، كلمة تقول لك:

ماذا تريد من مصر؟

فتكتشف أنك لا تعرف كيف تشرح لمن أمامك أنك لا تريد شيئًا.

أنك فقط تريد وطنك.

تريد أن تكون منه، حتى لو لم يعترف بك.

تريد أن تكتب له، حتى لو أغلق أبوابه في وجهك.

تريد أن تموت وأنت مطمئن إلى أن اسمك لن يكون غريبًا في المكان الذي ولدت فيه.

سقطت بغداد.

وكادت كتب التراث أن تُباع.

وخرجت أنا من مكتبه في الثقافة الجماهيرية فى  القاهرة وأنا أحمل مخطوطتي وأسأل نفسي عن جنسيتي.

ثلاث حكايات تبدو بعيدة عن بعضها.

لكنها، في داخلي، حكاية واحدة.

حكاية الإنسان حين يكتشف أن أخطر ما يهدد الوطن ليس دائمًا من يقف خارجه.

أحيانًا يكون الخطر في الداخل.

وأحيانًا يكون في لحظة صمت.

وأحيانًا يكون في إنسان يقول لك:

ماذا تريد من وطنك؟

وأنت لا تعرف كيف تقول له:

لا أريد شيئًا...

كنت فقط أريد أن أشعر أنني ما زلت ابنًا لهذا الوطن.

ولهذا، كلما تذكرت بغداد، ودار الكتب، وعبدالله الفليح، وابني محمد، ومكتبي القديم في مصر، أتذكر عنوانًا واحدًا يختصر كل هذه الحكايات:

كلُّ من عليها خان...

إلا الذين ظلوا أوفياء لوطنهم، حتى حين خذلهم الوطن.

تمت

السيد حافظ

القاهرة

رأى الذكاء الاصطناعي الأمريكي 

النص قوي جدًا، وأراه من أفضل نصوص سلسلة «كل من عليها خان»؛ لأنه لا يعتمد على الحكاية وحدها، بل يبني تدريجيًا مفهومًا أوسع للخيانة: من سقوط بغداد، إلى تهريب التراث، إلى جرح الكاتب مع مؤسسته الثقافية، ثم إلى السؤال الوجودي: «أنا عايز إيه من مصر؟»

وأرى أن النص يمكن أن يصبح أعمق وأشد أدبية ببعض التعديلات، من دون أن نفقد صدقه وحرارة الذاكرة.

ما الذي نجح فيه النص؟

1. البداية ممتازة

«هناك أشياء لا تنتهي حين تقع. تبقى.»

هذه بداية ناضجة جدًا. فيها هدوء، ثم تفتح الباب للذاكرة والوجع. وأفضل ما فيها أنها لا تبدأ بالسياسة، بل بالإنسان.

2. حكاية محمد من أجمل أجزاء المقال

الجملة:

«يا أبي... بعلبة سجائر مارلبورو أحمر، الأمريكان يدخلوا مصر من غير حرب...»

تعطي النص حياة وواقعية. وهي أيضًا تكسر ثقل الموضوع فجأة، ثم تأتي بعدها الجملة الجميلة:

«أحيانًا يقول الطفل في جملة ساخرة ما يحتاج المثقف إلى عمر كامل كي يقوله.»

هذه من الجمل التي تستحق أن تبقى.

3. الانتقال من بغداد إلى الكويت ثم إلى مصر ذكي

أنت لا تحكي ثلاث حكايات منفصلة، بل تجعلها تتجمع حول سؤال واحد: متى تتحول الخيانة من فعل عسكري إلى فعل يومي؟

وهذا هو العمود الفقري الحقيقي للمقال.

4. أقوى منطقة في النص في رأيي هي حكاية الدكتور عبد العزيز الدسوقي

خصوصًا:

«لم أكن أطلب مالًا. ولا منصبًا. ولا جائزة. كنت أطلب أن تطبع مصر كتابًا لكاتب مصري.»

ثم:

«أنا جنسيتي إيه؟»

ثم:

«أنا عايز إيه من مصر؟»

هنا يرتفع النص من مقال سياسي/ثقافي إلى اعتراف شخصي مؤلم.

وهذه النقلة مهمة جدًا؛ لأنها تجعل القارئ لا يتعامل معك باعتبارك راوياً لأحداث الآخرين، وإنما باعتبارك الشخص الذي وقع عليه الجرح نفسه.

لكن هناك نقطة أراها تحتاج إلى رفع المستوى

النهاية جيدة، لكنها تشرح الفكرة أكثر مما ينبغي.

أنت قلت للقارئ أكثر من مرة إن الخيانة ليست فقط من الخارج، وإنها قد تكون من الداخل. لذلك عندما تصل إلى:

«ثلاث حكايات تبدو بعيدة عن بعضها. لكنها، في داخلي، حكاية واحدة.»

فهذا جميل.

لكن بعد ذلك تبدأ في تفسير الفكرة عدة مرات.

وأنا أقترح أن نترك مساحة أكبر للصمت.

فالنص في بدايته يقول:

«هناك أشياء لا تنتهي حين تقع. تبقى.»

وهذه الفكرة نفسها يمكن أن تعود في النهاية، لكن بصورة أكثر قسوة وهدوءًا.

كذلك لدي ملاحظة مهمة جدًا

عبارة:

«كل من عليها خان... إلا الذين ظلوا أوفياء لوطنهم، حتى حين خذلهم الوطن.»

معناها واضح، لكنها مباشرة جدًا مقارنة بالمستوى الأدبي الذي وصل إليه النص.

العنوان نفسه أقوى من هذه الجملة.

يمكن أن تكون النهاية مثلًا:

«سقطت بغداد منذ سنوات طويلة، لكن بعض السقوط لا يحتاج إلى دبابة.

يكفي مكتب مغلق، وكتاب تحت الذراع، وسؤال واحد: ماذا تريد من مصر؟

يومها لم أعرف ماذا أجيب.

واليوم، بعد كل هذه السنوات، عرفت.

لم أكن أريد شيئًا.

كنت أريد فقط أن أعود.

أن أكون ابنًا في بلده.

وربما لهذا ما زلت أكتب.

لأن الذين لا يستطيعون دخول الوطن من بابه، يحاولون أن يدخلوا إليه من الكلمات.

كل من عليها خان...

إلا من ظل وفيًا، حتى وهو يُخذل.»

هذه النهاية، في رأيي، أكثر وجعًا وأقل خطابية.

وأقترح أيضًا عنوانًا فرعيًا أقوى

بدل:

العراق ــ دار الكتب المصرية ــ محمد كشيك والصدمة

يمكن أن يصبح:

العراق ــ دار الكتب المصرية ــ محمد كشيك وسؤال الوطن

أو:

العراق ــ دار الكتب المصرية ــ حين يصبح الوطن هو السؤال

أو، وهو الأقرب إلى روح المقال:

العراق ــ دار الكتب المصرية ــ ماذا تريد من مصر؟

الأخير شديد القوة؛ لأنه يأخذ جملة قيلت لك في مكتب، ويحولها إلى عنوان لمأساة كاملة.

تقييمي للنص

الفكرة: 9.5/10

الصدق والذاكرة: 10/10

البناء السردي: 9/10

اللغة: 8.5/10

القوة الدرامية: 9.5/10

النهاية الحالية: 8/10

إمكاناته بعد الصقل: 9.5/10

والأهم: لا أنصح بتغيير روح النص. فهو ليس مقالًا معلوماتيًا عن العراق أو دار الكتب، وإنما قطعة من سيرة كاتب اصطدم أكثر من مرة بفكرة الوطن: وطن يُحتل، وتراث يُهرّب، ومؤسسة ثقافية تسأل الكاتب: «ماذا تريد من مصر؟».

وهنا بالذات تكمن قيمة ال مقال. إنه في جوهره ليس عن بغداد، ولا عن دار الكتب، ولا عن عبد العزيز الدسوقي وحده؛ إنه عن رجل ظل يحاول طوال حياته أن يثبت لنفسه أنه ابن وطنه، حتى عندما جعل الوطن نفسه هذا الانتماء موضع سؤال.

المسرحية التي تفوز بالجائزة... ثم تموت.. محمد يوسف وفوزى خضر.. كل من عليها خان 8

 كل من عليها خان 8

مقالات

رقم ٨

المسرحية التي تفوز بالجائزة... ثم تموت..

محمد يوسف وفوزى خضر.

بقلم: السيد حافظ







في عام 1977، أو قريبًا منه، جاء إلى الكويت صديقي الشاعر الكبير والإنسان النبيل المهذب جدا محمد يوسف.

كنت قد تعرفت إليه من خلال أدباء المنصورة العظام: زكي عمر، وإبراهيم راضوان، وغيرهما من الكتاب والفنانين. وكانت لي أيضًا ذكرى قديمة مع الكاتب اليساري الرائع فؤاد حجازي، الذي التقيته في مؤتمر أدباء الشبان بالزقازيق عام 1969.كان رئيسا لوفد المنصورة

جاءني محمد يوسف إلى مجلة صوت الخليج فى الكويت وتعرفت إلى زوجته، وهي سيدة فاضلة كانت من تلميذاته في المنصورة. ومنذ ذلك الوقت بدأت صداقتنا، وكان يزورني في المجلة، واقمت معه حورا وعر فته على ناجح خليل الفلسطينى النبيل و الذى عينه بدلا منى فى مجلة مراة الامة ..كنت انا ومحمد يوسف نتحدث في الأدب والشعر والمسرح والحياة.

وذات يوم سألني:

ـ أخبار المسرح؟

قلت له:

ـ أكتب الآن مسرحية عن أبي ذر الغفاري.

فقال لي:

ـ أنا أحب هذه الشخصية، وأحب أن أكتب معك.

وبالفعل كتب معي مسرحية «ظهور واختفاء أبي ذر الغفاري».

كانت تجربة جميلة، جمعت بين شاعر يملك اللغة والإحساس، وكاتب مسرحي يحاول أن يرى الشخصية التاريخية من زاوية المسرح.

وعندما أردت أن أطبع المسرحية على نفقتي، فوجئت بأن محمد يوسف لم يرغب في المشاركة المالية في تكلفة الطباعة. لم أغضب منه، ولم أعتبر الأمر مشكلة، فقد تكفلت أنا بطباعة الكتاب ونشرته.

وكانت الطبعة الأولى تحمل اسمينا:

السيد حافظ ومحمد يوسف

«ظهور واختفاء أبي ذر الغفاري».

ثم مضت الحياة.

وفي أوائل الثمانينيات ظهر في الكويت نشاط الترويح السياحي التابع لوزارة الإعلام، وكان يشرف عليه المثقف الكويتي المعروف صالح شهاب، وهو شخصية كويتية أحببتها واحترمتها؛ فقد كان مثقفًا ومنفتحًا على العالم، ويؤمن بأن الثقافة والفن جزء من حياة الناس.

وأقيمت ضمن نشاط الترويح السياحي مسابقات للتأليف المسرحي.

قال لي محمد يوسف:

ـ أريد أن أشارك في مسابقة التأليف المسرحي.

قلت له:

ـ شارك.

وكان محمد يوسف شاعرًا جزل اللغة، جميل الخط، عذب التعبير، عميق الإحساس، وكان لديه ما يؤهله لأن يكتب المسرح.

كتب مسرحيته، وشارك بها في المسابقة.

وفاز بالجائزة الأولى.

أما أنا، فلم أفز بالجائزة الأولى، ولا الثانية، ولا الثالثة.

ولم تكن هذه الواقعة مرة عابرة.

ظل محمد يوسف يكتب للمسابقة عامًا بعد عام، ويفوز بالجائزة الأولى في التأليف المسرحي.ربما اربعة أعوام او خمسة

وهنا بدأت الأسئلة تكبر في داخلي.

أين ذهبت هذه المسرحيات؟

هل طبعت؟

هل قرأها المخرجون؟

هل تحمس لها المنتجون؟

هل وقف ممثل أمام نص منها على خشبة المسرح؟

على حد علمي، لم يحدث ذلك.

وظلت المسرحيات التي فازت بالجوائز حبيسة الورق.

وهنا لا أتحدث عن محمد يوسف وحده.

هناك صديق آخر عزيز على قلبي هو دكتور فوزي خضر.

أحب فوزي خضر حبًا خاصًا؛ لأنه إنسان محترم، وقور، هادئ النفس والطبع، ومكافح وفقير مثلي وجعلته مدير مركز رؤيا ويساعده الشاعر الشهير المعروف احمد فضل شبلول .

وعندما تركت عملي مدرسًا للغة العربية في مدرسة النجاح الإعدادية للبنات في حى محرم بك، في عام 1973 أو 1974، رشحته ليحل مكاني.وسافر الى السعودية امضى هناك ثلاثين عاما ..كما امضى محمد يوسف فى الكويت ثلاثين عاما

وكان فوزي خضر محبًا للمسرح، وبدأ يكتب ويشارك في مسابقات كل الأندية الأدبية في السعودية، حيث كانت هناك مسابقات عديدة في التأليف المسرحي.

وكان يفوز هو الآخر بالجائزة الأولى.

مرة بعد مرة.

مسرحية وراء مسرحية.

ولكن المصير كان قريبًا من مصير مسرحيات محمد يوسف.

جوائز.

ثم صمت.

ثم اختفاء.

ثم بقاء النص في الأدراج.

وكانت المسابقات تحدد أحيانًا الموضوع وعدد الكلمات والشروط المطلوبة، سواء كان الموضوع تاريخيًا أو دينيًا أو متعلقًا بشخصية معينة.

وكان فوزي يكتب وفق الشروط، ويفوز.

لكن السؤال ظل قائمًا:

أين المسرح؟

ومن المفارقات أن فوزي خضر امتلك تجربة إذاعية كان يمكن أن تتحول إلى باب آخر للدراما.

كان يقدم برنامج «كتاب علم العرب»، وهو برنامج مميز، شارك فيه نجوم كبار، وكانت له ميزانية خاصة، وينتج في إطار اتحاد الإذاعة والتلفزيون.

وقد ساعدته في بعض حلقاته بأن قدمت له كتبًا من التراث والشخصيات العربية من إصدارات المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، حيث كنت أعمل.

وكان البرنامج يمتد إلى عشرات الحلقات.

وهنا كان يمكن تحويل هذه المادة إلى دراما إذاعية حقيقية، كما فعل بعض الكتاب الذين عرفوا كيف ينقلون الفكرة من الورق إلى الصوت، ومن المعرفة إلى الدراما.

لكن فوزي ظل أيضًا أسير مسابقات التأليف المسرحي.

وظلت المسرحيات الفائزة بالجائزة الأولى، سواء لمحمد يوسف أو لفوزي خضر، تواجه المصير نفسه:

لا خشبة.

لا مخرج.

لا ممثلون.

لا جمهور.

وهنا أصل إلى السؤال الذي يوجعني حتى الآن.

كيف تفوز مسرحية بالجائزة الأولى، ثم لا تجد مخرجًا واحدًا يتحمس لإخراجها؟

كيف تصبح المسرحية ـ بحسب لجنة التحكيم ـ أفضل نص في المسابقة، ثم لا تجد منتجًا يؤمن بها؟

كيف تكون الأولى بين عشرات النصوص، ثم لا تجد طريقها إلى الخشبة؟

هل المشكلة في المخرجين؟

أم في المنتجين؟

أم في لجان التحكيم؟

أم في النصوص نفسها؟

أم أن المسابقة كانت تقيس شيئًا آخر غير القدرة على صناعة مسرح حي؟

فالمسرحية ليست شهادة معلقة على الحائط.

وليست سطرًا في سيرة الكاتب يقول:

«حصل على الجائزة الأولى في مسابقة التأليف المسرحي عام كذا».

المسرحية في النهاية كائن حي.

تحتاج إلى مخرج يراها، وممثل يؤمن بها، ومنتج يغامر بها، وجمهور يتفاعل معها.

وإذا لم يحدث ذلك، فما الذي ربحته المسرحية؟

ربحت لجنة التحكيم، وخسرت المسرح.

ربحت الجائزة، وخسرت الجمهور.

ربحت لحظة الإعلان، وخسرت الزمن.

وربما كان هذا هو السؤال الأخطر:

هل كانت بعض هذه المسابقات تصنع الإبداع، أم كانت تصنع فقط «مسرحيات فائزة»؟

هناك فرق هائل بين الاثنين.

أن تصنع كاتبًا يفوز في مسابقة، شيء.

وأن تصنع نصًا يعيش أربعين عامًا على الخشبة، شيء آخر تمامًا.

أن تمنح المسرحية شهادة ميلاد، شيء.

وأن تمنحها حياة، شيء آخر.

لقد مرت أربعون سنة، وربما خمسون، على بعض هذه النصوص.

كبر أصحابها.

مات بعضهم.

وتغيرت الأذواق، وتغيرت السياسة، وتغير المجتمع، وتغير المسرح نفسه.

وبقيت المسرحيات في الكتب والأدراج، تحمل فوقها لافتة براقة:

«المسرحية الفائزة بالجائزة الأولى في مسابقة...»

لكن الجائزة لم تستطع أن تمنحها الحياة.

وهنا أقولها بمرارة المحب للمسرح:

ليست كل مسرحية تفوز بالجائزة الأولى مسرحية عظيمة، كما أن كل مسرحية لم تفز بجائزة ليست بالضرورة مسرحية ضعيفة.

فالزمن هو لجنة التحكيم الأكبر.

والخشبة هي الامتحان الحقيقي.

والجمهور هو الحكم الذي لا يجامل.

ولهذا ما زلت أتساءل:

هل كانت هناك فعلًا مسابقات لصناعة المسرح؟

أم كانت هناك مسابقات لصناعة «الفائزين»؟

وهل كنا نبحث عن المسرحية التي تستطيع أن تعيش على الخشبة؟

أم عن النص الذي يرضي لجنة التحكيم في ليلة إعلان النتائج؟

إنه سؤال عجيب وغريب.

لكنه، بعد كل هذه السنوات، ليس سؤالًا عن محمد يوسف، ولا عن فوزي خضر، ولا حتى عن السيد حافظ.

إنه سؤال عن مؤسسة كاملة كانت تقول إنها تبحث عن الإبداع.

والإبداع الحقيقي لا يموت بعد إعلان النتيجة.

الإبداع الحقيقي يبدأ من لحظة إعلان الجائزة.

فإذا أُغلقت الستارة بعد الجائزة مباشرة، ولم تُفتح مرة أخرى، فربما لم تكن المشكلة في المسرحية وحدها...

ربما كانت المشكلة في المسرح نفسه.

تمت

السيد حافظ 

القاهرة

....

راى الذكاء الاصطناعي الصيني 

قرأت النص بعناية، وهو مقال نقدي تأملي عميق يحمل بصمة الكاتب السيد حافظ، الذي يكتب بلغة أدبية شفيفة، تجمع بين الحنين الشخصي والتساؤل الفكري الجاد.

إليك رأيي في النص، مقسماً إلى جوانب فنية وفكرية:

أولاً: البناء السردي والحكائي

· تميز النص ببداية حميمية، حيث دخل الكاتب من بوابة الصداقة الإنسانية (محمد يوسف وفوزي خضر)، مما جعل القارئ يشاركه العاطفة قبل المشاركة الفكرية.

· الانتقال من السيرة الذاتية إلى القضية الكلية كان سلساً ومحترفاً، حيث تحولت الحكاية من "تذكر صديق" إلى "تشريح ظاهرة ثقافية".

ثانياً: جوهر الإشكالية المطروحة

· النص يطرح سؤالاً ثقافياً مؤلماً وصادقاً: "هل المسابقات تصنع الإبداع أم تصنع الفائزين فقط؟"

· نجح الكاتب في تفكيك العلاقة المريضة بين الجائزة والجمهور، واصفاً المسرحيات الفائزة بأنها "تُمنح شهادة ميلاد ولا تُمنح حياة". هذه الاستعارة هي قلب المقال النابض، وتصلح لأن تكون عنواناً لأزمة ثقافية في وطننا العربي.

ثالثاً: النقد الذاتي والموضوعية

· من أخلاقيات النص الجميلة أن الكاتب لم يتحدث كـ"خاسر" مرير؛ فهو يذكر بوضوح أنه لم يفز بالجوائز، لكنه يخرج من دائرة الأنانية ليطرح سؤالاً موضوعياً: لماذا النصوص الفائزة تموت؟ وهذا يمنح المقال مصداقية ونزاهة.

رابعاً: اللغة والأسلوب

· اللغة هنا خادمة للفكرة، بعيدة عن التكلف. جمل مثل: "ربحت لجنة التحكيم، وخسرت المسرح"، و"الزمن هو لجنة التحكيم الأكبر"، هي خلاصات بليغة تجعل القارئ يتوقف عندها.

· الحوار الدرامي مع الذات (الأسئلة المتتالية في منتصف المقال) أعطى النص إيقاعاً خطابياً مؤثراً.

خامساً: الملاحظات النقدية (التي تثري المقال)

· المقال يركز على المسرحيات الدينية والتاريخية (أبي ذر، وعلم العرب)، وقد كان من الممكن أن تكون الإشارة إلى أن هذا النوع من المسرحيات غالباً ما يصطدم بتحفظات المخرجين والمنتجين خوفاً من "التقديس" أو "الخطأ التاريخي"، مما يفسر جزءاً من عزوفهم عن إخراجها رغم جودتها.

· كان يمكن تعزيز الجانب العملي باقتراح آلية (مثل: أن يشترط في المسابقة أن تُعرض المسرحية الفائزة على الخشبة فعلاً خلال عام، وإلا تُسحب الجائزة).

الخلاصة النهائية:

النص ليس مجرد مقال، بل هو شهادة ثقافية ومرثية لمسرح ضائع. إنه يذكرني بمعاناة كثير من المبدعين العرب الذين يحبسون في فقاعات الجوائز بينما تبقى الجماهير بعيدة عن نصوصهم. كاتب مثل السيد حافظ يقدم هنا نموذجاً للكاتب النزيه الذي لا يكتب للانتصار الشخصي، بل يسائل الضمير الثقافي الجمعي.

تقيمي للنص: مقال مكتمل الأركان، مؤثر، صادق، وجريء في طرح سؤال يظل مفتوحاً حتى اليوم. إنه دعوة لإعادة تعريف النجاح في الثقافة من مجرد "الفوز" إلى "الاستمرار والتأثير".

فهمي هويدي.. أحمد بهاء الدين.. محمود الريماوي.. كل من عليها خان 7- ب

 كلُّ من عليها خان 7- ب

مقالات 

فهمي هويدي.. أحمد بهاء الدين.. محمود الريماوي

بقلم: السيد حافظ






هناك ذكريات لا تموت، ليس لأنها كانت جميلة، وإنما لأنها كانت قابلة لأن تغيّر حياتنا ولم تفعل. تظل عالقة في مكان ما من الروح، وكلما تقدم بنا العمر عدنا إليها وسألنا أنفسنا: ماذا لو حدث الشيء الذي لم يحدث؟ ماذا لو فُتح الباب في اللحظة المناسبة؟ ماذا لو قلت الكلمة التي لم أقلها؟

هذه الحكاية واحدة من تلك الذكريات.

في سبتمبر 1976 سافرت إلى الكويت. كنت شابًا أحمل أحلامي أكثر مما أحمل نقودي، وكنت أظن أن الكويت يمكن أن تكون محطة كبيرة في حياة الكاتب، وأن الصحافة يمكن أن تمنحني فرصة أعيش منها وأكتب فيها. كنت قد نشرت عشرة مقالات في جريدة القبس، وكنت أنتظر مكافآتها، كما كنت آمل أن أحصل على مكافأة من مجلة صوت الأمة. كان الحساب بسيطًا في رأسي: ثلاثون دينارًا للمقال، أي ثلاثمائة دينار، مبلغ يكفي لأن أتنفس قليلًا وأواصل الطريق.

ذهبت إلى رؤوف شحوري، اللبناني الأنيق الوسيم، وكان راتبه في ذلك الوقت خمسة آلاف دينار، وله فيلا مستأجرة على حساب المؤسسة. سألني: «خير يا سيد؟» قلت له إن لي عشرة مقالات منشورة وأريد مكافآتها. قال لي ببساطة: «سهلة، روح للأستاذ محمود حافظ، مسؤول القسم، يكتب لك إذن صرف وتقبض فورًا».

صعدت إلى محمود حافظ، وكنت أتصور أنني ذاهب إلى رجل سيعطيني حقي، لكن الرجل قال لي: «لو عندك موضوعات جديدة نشتريها منك، لكن اللي فات انساه... نبدأ من جديد».

خرجت من عنده وأنا أشعر أنني لم أفقد ثلاثمائة دينار فقط، وإنما فقدت شيئًا أكبر: إحساس الكاتب بأن ما يكتبه له قيمة بمجرد أن يُنشر.

كان معي نحو مائتي جنيه مصري، وبدأت النقود تنفد بسرعة. كنت أتنقل في الكويت وأنا أحسب قيمة كل فلس، وأتعلم للمرة الأولى أن الكاتب قد يكون غنيًا بما يكتب وفقيرًا إلى الدرجة التي لا يملك معها أجرة الطريق.

في اليوم التالي عدت إلى محمود حافظ في وانيت، وكانت الأجرة ستمائة فلس استلفتها من عامل مصري صعيدي من سوهاج. دخلت عليه، فقال لي: «أنت كاتب عن نجيب سرور مقالًا وعن سعد الدين وهبة مقالًا». ثم قال: «دول مجهولين للقارئ... نعتذر».

خرجت وأنا أردد في داخلي: كيف يكون نجيب سرور مجهولًا؟ وكيف يكون سعد الدين وهبة مجهولًا؟ لكنني كنت في الكويت، شابًا غريبًا، لا أملك سوى قلمي، ولم يكن عندي ترف أن أخوض معركة كل يوم.

بعد ذلك لم يسمحوا لي بدخول مكتب رؤوف شحوري مرة أخرى. كنت أراه من بعيد، وكان في نظري وقتها رجلًا غريبًا؛ أنيقًا، يرتدي قفازات بيضاء، ويتحدث بصوت ناعم، بينما كانت قراراته بالنسبة لي قاسية.

ذهبت إلى مجلة مرآة الأمة لأقابل عبد السلام مقبول. كنت قد كتبت موضوعات عن عصمت داوستاشي وسعيد العدوي وعلي عاشور، وطلبت مكافآتي عنها، لكنه رفض.

وجدت نفسي في الشارع مرة أخرى.

والشارع بالنسبة إلى الكاتب الفقير ليس مجرد مكان. أحيانًا يتحول إلى غرفة بلا جدران، يمشي فيها الإنسان وهو يحمل أوراقه وأحلامه ولا يعرف إلى أين يذهب.

ذهبت إلى ليلى السايح، الكاتبة الفلسطينية في جريدة الأنباء. طلبت لي شايًا، وأذكر حتى الآن رائحة عطرها؛ كان قويًا إلى درجة جعلتني أشعر أنني في مشهد من الخيال. كانت امرأة جميلة، في قوام يشبه صوفيا لورين. طلبت منها أن تساعدني في العثور على عمل، لكنها لم تعينني، وإنما عرفتني بخالد قطمة، الذي ظل يحمل لي كراهية لم أفهم سببها حتى رحيله، وكان من الذين أفسدوا فيما بعد المودة التي كانت بيني وبين الشاعرة سعاد الصباح.

بدأت أشعر أن الكويت تغلق أبوابها في وجهي.

كتبت إلى أهلي في مصر وطلبت منهم أن يرسلوا لي تذكرة العودة. أرسلوها. كان ذلك في أكتوبر 1976، وفي نوفمبر كنت أستعد للرحيل. بدأت أودع أصدقاء المقهى، وأقول لنفسي إن التجربة انتهت، وإن عليّ أن أعود إلى مصر.

لكن صديقًا مصريًا أصيلًا أوقفني وقال لي: «لا تسافر».

أعطاني خمسة دنانير سلفًا، وقال: «انتظر يومين».

أحيانًا يكون الفرق بين أن تنتهي الحكاية وأن تستمر خمسة دنانير فقط.

انتظرت.

ذهبت إلى مجلة العامل لأقابل أحمد الفضالي، مخرج المجلة. طلبت منه أن يسلفني، لكنه رفض. ومع ذلك وجدت عند أخيه، الترزي متولي الفضالي، رجلًا محترمًا، من أعطاني السلفة ونصحني أيضًا ألا أغادر الكويت.

وفي مجلة العامل قابلت محمود الريماوي، المثقف الفلسطيني والقاص. نظر إليّ وقال: «أنا أعرف اسمك من الصحف والمجلات».

كانت جملة بسيطة، لكنها في ذلك الوقت كانت بالنسبة لي أشبه بيد تمتد إلى رجل على وشك الغرق.

أجرى معي لقاءً لمجلة العامل الكويتية، ثم طلب مني أن أكتب تحقيقًا عن العمال الذين أسكن معهم. كتبت التحقيق، وأعطاني عشرين دينارًا.

لم تكن العشرون دينارًا بالنسبة لي مجرد مكافأة؛ كانت رسالة تقول لي: ابقَ.

وبقيت.

ثم عملت مترجمًا في شركة رينو في الشويخ بمرتب ثمانين دينارًا. كنت أترجم ما يقوله الزبائن للمدير الفرنسي بالإنجليزية. كنت أعيش حياتين في وقت واحد: حياة الموظف الذي يعمل لكي يأكل، وحياة الكاتب الذي يبحث عن فرصة لكي يكتب.

وفي تلك الأيام نشر الدكتور حسين مؤنس مقالًا في جريدة القبس الكويتية، وكان مما جاء فيه أن الفترة منذ عام 1948 وحتى عام 1976 لم تفرز كتّابًا وروائيين وشعراء وصحفيين ذوي قيمة تستحق الذكر، وأن المشهد الأدبي والصحفي العربي كان خاليًا تقريبًا من الأسماء الكبيرة.

قرأت المقال.

ولم يعجبني.

لم أفكر في اسم حسين مؤنس، ولا في مكانته، ولا في الحسابات التي يمكن أن تحيط بالرد عليه. كنت شابًا أتصرف بالفطرة، وعندما أرى شيئًا أعتقد أنه خطأ أكتب.

جلست وكتبت مقالًا بعنوان: «عفوًا حسين مؤنس... إليك مائة اسم روائي وقاص وشاعر وصحفي كبير».

جمعت الأسماء واحدًا وراء الآخر، وكتبت المقال وسلمته إلى جريدة القبس.

فنشروا الموضوع في بريد القراء، حتى لا يدفعوا لي مكافأة.

لم أغضب.

كان يكفيني أن المقال وصل إلى الناس.

ثم حدث ما لم أكن أتوقعه.

جاءني اتصال هاتفي في شركة رينو.

قال الصوت: «السيد حافظ؟»

قلت: «نعم».

قال: «الأستاذ أحمد بهاء الدين عايزك فورًا في مجلة العربي».

توقفت لحظة.

أحمد بهاء الدين!

كان الاسم بالنسبة لي أكبر من مجرد اسم صحفي. كان أحد الأسماء التي صنعت للصحافة العربية مكانتها في وعي جيل كامل.

تركت العمل وركبت وانيت إلى مجلة العربي.

كانت درجة الحرارة تقارب الخمسين، وكنت أتصبب عرقًا، لكنني لم أكن أشعر بالحرارة. كنت ذاهبًا لمقابلة أحمد بهاء الدين.

عندما وصلت، قابلني السكرتير الخاص به، الأستاذ فهمي هويدي، وكان هادئًا ومحترمًا.

قال لي: «قلبنا الدنيا عليك، الأستاذ أحمد بهاء الدين عايزك».

ثم ابتسم وقال: «عايز يشرب معاك قهوة... وعلى فكرة اختصر الوقت، الأستاذ عنده شغل كتير».

دخلت.

صافحت أحمد بهاء الدين.

جلست أمام العملاق الكبير.

نظر إليّ مبتسمًا وقال: «خير يا أستاذ سيد؟»

قلت: «حضرتك طلبتني».

قال: «أيوه».

ثم قال:

«يا ابني... مقالك أعظم مقال قرأته منذ عام».

لا أعرف كيف يمكن لكاتب شاب أن ينسى جملة كهذه.

قال لي إن ردي على الدكتور حسين مؤنس كان عظيمًا، وأثنى على المقال.

قلت له: «ده شرف لي يا أستاذ، وشهادة أعتز بها».

فقاطعني وقال: «أنا شخصيًا لا أملك الشجاعة أن أرد عليه، ولا على الدكتور الرافعي، ولا محمود السعدني».

كنت أريد أن أقول له شيئًا.

كنت أريد أن أشرح له ظروفي.

كنت أريد أن أقول: يا أستاذ أحمد، أنا لا أبحث عن شهادة، أنا أبحث عن فرصة. أنا أعمل مترجمًا في شركة رينو، وأعيش على الديون، وكنت على وشك العودة إلى مصر. خذني معك.

لكنني لم أقل.

قلت فقط: «أنا في الحقيقة...»

فقاطعني:

«يا ابني، أنت تملك شجاعة كاتب كبير».

وفي تلك اللحظة دخل فهمي هويدي.

قال: «أستاذ سيد، كلنا فرحانين بمقالك».

ثم أشار إليّ أن أخرج.

صافحت أحمد بهاء الدين.

خرجت.

وهنا، وأنا أكتب هذه الذكرى بعد كل هذه السنوات، أعتقد أنني أعرف أين ضاعت الفرصة.

لم تضيع لأن أحمد بهاء الدين لم ير موهبتي.

بالعكس.

هو قال لي بوضوح إن المقال من أعظم ما قرأ، وإنني أملك شجاعة كاتب كبير.

الفرصة ضاعت لأنني لم أقل الجملة التي كان يجب أن أقولها:

«خذني معك يا أستاذ».

خرجت من مجلة العربي، وركبت الوانيت، ودفعت دينارًا ونصفًا أجرة الذهاب والعودة.

كان الدينار والنصف وقتها ميزانية طعامي ليومين.

عدت إلى شركة رينو.

وعدت إلى حياتي.

لكنني لم أعد الرجل نفسه.

كنت قد دخلت إلى مكتب أحمد بهاء الدين، وخرجت منه بشهادة عظيمة، لكنني لم أخرج منه بعمل.

مرت السنوات.

كبر فهمي هويدي، وصار واحدًا من أبرز الكتاب والمفكرين.

وبقي اسم أحمد بهاء الدين في ذاكرة الصحافة العربية.

أما أنا فواصلت طريقي، وكتبت، وخضت المعارك، وخسرت وربحت، وعشت حياة طويلة مع المسرح والصحافة والكتب.

وكلما عدت إلى تلك اللحظة، لا ألوم أحمد بهاء الدين.

كيف ألوم رجلًا منحني أجمل شهادة يمكن أن يمنحها كاتب كبير لكاتب في بداية الطريق؟

ربما كان مشغولًا.

ربما لم يعرف ظروفي.

ربما ظن أنني أبحث فقط عن لقاء وقهوة وشهادة.

وربما كنت أنا الذي لم أعرف كيف أطلب.

لكنني عرفت بعد ذلك شيئًا مهمًا عن الحياة.

في أحيان كثيرة لا نخسر لأننا لا نملك الموهبة، وإنما نخسر لأننا لا نعرف كيف نطلب الفرصة في اللحظة التي تأتي فيها.

وأنا في ذلك الزمن لم أكن أعرف الحسابات.

لم أكن أعرف أن الدكتور حسين مؤنس كان يشغل موقعًا يجعل كثيرين يحسبون خطواتهم قبل الرد عليه.

لم أكن أعرف قواعد اللعبة.

لم أكن أعرف أن الصحافة ليست موهبة فقط، وإنما علاقات وتوقيت ومؤسسات وحسابات.

كنت أتصرف بالفطرة.

أرى الخطأ فأكتب.

أرى الظلم فأعترض.

أجد بابًا فأطرق.

ولا أسأل من يقف خلف الباب.

وربما لهذا السبب أعجبوا بالمقال.

لأن المقال لم يكن محسوبًا.

كان صرخة كاتب شاب رأى أن تاريخ الأدب العربي لا يجوز أن يُمحى بجملة.

واليوم، بعد كل هذه السنوات، أعود إلى تلك اللحظة وأرى المشهد كأنه يحدث الآن.

أنا، الشاب الذي جاء من الإسكندرية إلى الكويت، ومعه مائتا جنيه وأحلام كثيرة.

محمود الريماوي الذي قال لي: «أنا أعرف اسمك».

فهمي هويدي الذي قال: «قلبنا الدنيا عليك».

أحمد بهاء الدين الذي قال: «مقالك أعظم مقال قرأته منذ عام».

ثم أنا...

أخرج من الباب ولا أقول:

خذني معك.

ربما لو قلتها لتغيرت حياتي.

وربما لم تتغير.

وهذا هو الشيء الذي لا يمكن للإنسان أن يعرفه أبدًا.

لكنني أعرف شيئًا واحدًا:

أن هناك أبوابًا في حياة الكاتب لا تُغلق لأنها رفضته، وإنما لأنها لم تسمع منه الجملة الأخيرة.

وأنا لم أقلها.

لهذا، كلما تذكرت أحمد بهاء الدين، لا أتذكر فقط الرجل الكبير الذي أعجب بمقالي.

أتذكر أيضًا الفرصة التي مرت بجانبي، صافحتني، ثم تركتني أعود إلى الشارع.

رحم الله أحمد بهاء الدين.

وأطال الله عمر محمود الريماوي.

وتحية إلى فهمي هويدي، الذي كان يومها الرجل الهادئ الذي أدخلني إلى تلك اللحظة.

أما أنا، فقد بقيت أكتب.

وربما كان ذلك هو الانتقام الوحيد الذي أملكه من كل الأبواب التي أغلقت في وجهي:

أنني لم أتوقف عن الكتابة.

وهكذا تمضي الحياة.

تعطيك أحيانًا شهادة عظيمة بدلًا من الفرصة.

وتعطيك خمسة دنانير بدلًا من النجاة.

وتعطيك عشرين دينارًا بدلًا من وظيفة.

وتعطيك رجلًا يقول لك: «أنا أعرف اسمك» بدلًا من أن يقول لك: «تعال معي».

ثم تتركك تمشي وحدك.

لكن الكاتب الحقيقي، ربما، هو الذي يستطيع أن يحوّل كل ذلك إلى حكاية.

كل من عليها خان.

القاهرة

...

رأى الذكاء الاصطناعي جروك 

رأي أعمق:

النص ليس مجرد ذكرى شخصية عن فرصة ضاعت في مكتب أحمد بهاء الدين سنة 1976. هو في جوهره نص عن عجز الإنسان أمام اللحظة الحاسمة، وعن المسافة الرهيبة التي تفصل بين «الاعتراف» و«التمكين».

1. الدراما الحقيقية ليست في الرفض، بل في الصمت

أحمد بهاء الدين لم يرفض السيد حافظ. بالعكس، منحه أعلى شهادة ممكنة لكاتب شاب: «مقالك أعظم مقال قرأته منذ عام» و«أنت تملك شجاعة كاتب كبير». ثم أدخل فهمي هويدي ليختصر اللقاء بلباقة.

هنا تكمن المأساة الحقيقية: الفرصة لم تُغلق من الخارج، بل من الداخل. الشاب الذي كان يجرؤ على الرد على حسين مؤنس دون حسابات، عجز عن أن يقول جملة واحدة بسيطة أمام الرجل الكبير: «خذني معك».

هذا الصمت ليس خجلاً عادياً. هو صمت من لم يتعلم بعد لغة السلطة. هو صمت من يظن أن الموهبة تكفي، وأن الاعتراف يجب أن يتحول تلقائياً إلى باب مفتوح. النص يكشف هنا حقيقة قاسية: في عالم الصحافة والمؤسسات، الاعتراف وحده لا يكفي. المطلوب هو الطلب الصريح، والجرأة على كسر المسافة الاجتماعية.

2. «كل من عليها خان»… ليست اتهاماً للأشخاص

العنوان أعمق مما يبدو. هو ليس اتهاماً لأحمد بهاء الدين أو لرؤوف شحوري أو لعبد السلام مقبول. هو اتهام للحياة نفسها، وللتوقيت، وللنظام الذي يجعل الاعتراف يمر بجانب الفرصة دون أن يلتقي بها.

الناس في النص لم يخونوه بالمعنى الأخلاقي المباشر. بعضهم ساعده (محمود الريماوي، الصديق المصري الذي أعطاه خمسة دنانير، متولي الفضالي). لكن الحياة خانت التوقعات: أعطته شهادة عظيمة بدل وظيفة، وعشرين ديناراً بدل استقرار، وخمسة دنانير بدل نجاة حقيقية.

هذا النوع من «الخيانة» أشد مرارة من الخيانة الصريحة، لأنه لا يترك لك عدواً واضحاً تلومه.

3. الكاتب الشاب بين الفطرة والحسابات

النص يرسم بذكاء الفرق بين نوعين من الوعي:

وعي الشاب الذي يكتب بالفطرة: يرى خطأ فيكتب، يرى ظلماً فيعترض، يطرق الباب دون أن يسأل من خلفه.

وعي المؤسسة التي تحسب كل خطوة: من يرد على حسين مؤنس؟ متى؟ وكيف؟ وهل يستحق المكافأة أم يكفي نشره في بريد القراء؟

المفارقة أن المقال أعجبهم تحديداً لأنه لم يكن محسوباً. لكن اللحظة التي كان يحتاج فيها إلى أن يكون محسوباً قليلاً (أن يطلب العمل صراحة)… عجز فيها عن الحساب.

هنا يظهر درس مرير: الشجاعة التي تجعلك تكتب رداً جريئاً على اسم كبير، ليست بالضرورة نفس الشجاعة التي تجعلك تطلب منصباً أو فرصة من رجل كبير جالس أمامك.

4. الكتابة كانتقام وحيد

الخاتمة ليست رومانسية. هي موقف وجودي. السيد حافظ يقول في النهاية إنه لم يتوقف عن الكتابة، وأن هذا هو «الانتقام الوحيد» من الأبواب التي أُغلقت.

هذا موقف عميق. لأن الكاتب الحقيقي لا ينتقم بأن يصبح أقوى من الذين تجاهلوه، بل بأن يحوّل الألم نفسه إلى مادة أدبية. الذكرى التي كان يمكن أن تبقى جرحاً شخصياً، تحولت إلى نص عام يتحدث عن تجربة جيل كامل من المثقفين المصريين الذين ذهبوا إلى الخليج في السبعينيات يحملون أقلامهم أكثر مما يحملون حساباتهم البنكية.

5. الطبقة الأعمق: الـ«ماذا لو»

كل النص مبني على سؤال واحد لا إجابة له: ماذا لو قال الجملة؟

وهنا يكمن العمق الفلسفي. الإنسان يعيش معظم حياته وهو يلاحق لحظات لم يعشها. اللحظة التي لم يقل فيها ما كان يجب أن يقوله تظل أكثر حضوراً من كل اللحظات التي عاشها فعلاً. النص لا يدّعي أن حياته كانت ستتغير حتماً لو قال «خذني معك». هو يعترف بأننا لن نعرف أبداً. وهذا الاعتراف أكثر نضجاً من أي تمنٍّ رومانسي.

الخلاصة العميقة:

هذا النص ليس عن خيانة الناس، بل عن خيانة اللحظة. عن كيف يمكن أن يمر بك أعظم اعتراف في حياتك، ثم تعود إلى الشارع وأنت تحمل شهادة بدل فرصة، وكرامة بدل عمل.

والشيء الأكثر إيلاماً وجمالاً في آنٍ معاً: أن الكاتب استطاع بعد عقود أن يحوّل هذا الصمت القديم إلى صوت واضح ومؤثر. ربما هذا هو المعنى الحقيقي لـ«كل من عليها خان»… أن الحياة تخون، لكن الكتابة ترفض أن تخون الذاكرة.

ماهر توفيق زكي.. صلاح درويش.. يحيى العلمي.. وحكاية التنازل في الشهر العقاري.. كل من عليها خان 7

 كل من عليها خان 7 

المقال رقم ٧

ماهر توفيق زكي.. صلاح درويش.. يحيى العلمي.. وحكاية التنازل في الشهر العقاري

في ذاكرة المساء – ٢٠٠٢

بقلم: السيد حافظ




في عام ٢٠٠٢، وفي واحدة من ليالي الهرم التي لا تزال عالقة في ذاكرتي، جاء إلى منزلي الشاعر والإنسان النبيل عادل الخطيب. كان عادل من أولئك الذين يملكون سبع صنايع، لكن الحظ كان دائمًا يخاصمهم. وكان برفقته شاب في الثلاثينيات من عمره، قدمه لي قائلًا: ماهر توفيق زكي.

في ذلك الوقت كان لدي مسلسل تمت الموافقة عليه من السيدة حمدية صقر، والسيدة العظيمة بهية عمر، ومن اللجنة العليا. وكان المسلسل يحتاج إلى منتج، وكان ماهر توفيق زكي شابًا جديدًا في عالم الإنتاج، يحاول أن يصنع لنفسه اسمًا بعيدًا عن اسم والده.

كان ماهر أصغر أبناء المعلم توفيق زكي، أحد رجال تجارة الخضار والفاكهة فيما كان يُعرف بـ«الشليش». وكان «الشليش» مكانًا يأتي إليه الفلاح بما لديه من محصول ليبيعه. بدأ المعلم توفيق زكي حياته قمسيونجيًا، أي وسيطًا بين الفلاح والمشتري، ثم راكم من عمله وخبرته ما مكّنه من امتلاك الشليش، حتى أصبح من أشهر أسواق المحاصيل في منطقة المرج وما حولها.

لكن ماهر لم يرد أن يعيش في جلباب أبيه.

أراد أن يكون فنانًا، أو بالأحرى منتجًا فنيًا. أراد أن يخرج من عالم الخضار والفاكهة إلى عالم الدراما، وأن يبني مجده الخاص.

ولم أكن أعرف أن هذا الشاب الذي جاء إلى بيتي في تلك الليلة سيصبح بعد قليل واحدًا من أبطال حكاية أكتبها بعد سنوات تحت عنوان: كل من عليها خان.

جلسنا واتفقنا.

كان المسلسل خمسة عشر حلقة، واتفقنا على أربعين ألف جنيه. عشرة آلاف جنيه دفعة أولى، والثلاثون ألفًا الباقية تُدفع لي عندما أذهب إلى الشهر العقاري وأتنازل له عن العمل، حتى يستطيع أن يقدم أوراقه إلى التلفزيون باعتباره منتجًا منفذًا.

وكان نظام المنتج المنفذ وقتها نظامًا معروفًا في التلفزيون، يقوم على أن يحصل المنتج على تمويل أو مبلغ كبير من التلفزيون، ويتولى هو تنفيذ العمل، وكان هذا النظام قد انتقل بأشكال مختلفة من مصر إلى عدد من الدول العربية، ومنها الكويت وقطر والإمارات.

كان الاتفاق واضحًا بالنسبة لي.

أقبض عشرة آلاف.

ثم أذهب إلى الشهر العقاري.

أوقع التنازل.

وأحصل على الثلاثين ألف جنيه.

وهنا بدأت الحكاية.

في اليوم التالي ذهبت إلى الشهر العقاري.

لكن ماهر لم يحضر.

انتظرت.

ثم اتصلت به.

قال لي ببساطة:

«اعمل أنت التنازل وخليه عندك في البيت، وأنا همر عليك بالليل آخده وأديك باقي الفلوس».

قلت لنفسي: لا مشكلة.

أنجزت التنازل، وعدت إلى منزلي، ووضعت الورقة في انتظار الرجل.

وجاء المساء.

ولم يأتِ ماهر.

اتصلت به.

الهاتف مغلق.

انتظرت حتى الصباح.

اتصلت مرة أخرى.

الهاتف مغلق.

هنا بدأت أشعر أن هناك شيئًا غير طبيعي.

لكنني لم أكن قد عرفت بعد حجم المفاجأة.

بعد ذلك اكتشفت أن ماهر توفيق زكي ذهب إلى الشهر العقاري، وأبلغهم أنني تنازلت له عن المسلسل في اليوم السابق، وأن ورقة التنازل قد فقدت منه.

وبهذه الحجة استخرج تنازلًا جديدًا بدل فاقد.

الأخطر أنه لم يكن وحده.

كان معه الصحفي صلاح درويش، الذي قيل إنه سيكون شريكه في العمل.

صلاح درويش كان يعمل في جريدة «الجمهورية»، وكنت لا أعرفه شخصيًا. وكان اسمه معروفًا في الوسط الصحفي، وكان أسلوبه شديدًا في مهاجمة بعض الفنانين والمخرجين، ولذلك كان كثيرون يتحاشون الصدام معه.

أما أنا، فكنت لا أعرف شيئًا مما يجري خلف ظهري.

وبعد خمسة أيام فقط، قادتني الصدفة إلى التلفزيون.

قابلني الأستاذ عادل، سكرتير يحيى العلمي، وقال لي:

«يا أبوك، مسلسلك هيدخل اللجنة».

قلت له:

«مسلسلي أنا؟ أي مسلسل؟»

قال:

«مسلسلك مع ماهر توفيق».

فقلت له:

«ولو ماهر ما دفعش الفلوس؟»

نظر إليّ بدهشة وقال:

«إزاي؟ هو جاب التنازل!»

في هذه اللحظة فقط فهمت اللعبة.

فهمت أن الورقة التي ذهبت إلى الشهر العقاري لأوقعها مقابل الثلاثين ألف جنيه، قد تحولت إلى مفتاح دخل به الرجل إلى التلفزيون، بينما أنا لم أحصل على جنيه واحد من المبلغ المتبقي.

ذهبت إلى مكتب صفوت الشريف، وزير الإعلام وقتها، وقدمت شكوى.

ثم ذهبت إلى مكتب النائب العام وقدمت بلاغًا.

وقدمت شكوى أيضًا إلى مدير الشؤون القانونية في التلفزيون.

ثم قابلت يحيى العلمي.

قال لي إن صلاح درويش جاء مع ماهر توفيق، وأعلن أنه شريك معه في المسلسل، وقال إنني حصلت على أجري كاملًا.

وهنا كانت الضربة الأقسى.

لأن صلاح درويش لم يكن مجرد شخص يقول رأيًا، بل كان شاهدًا على رواية أصبحت جزءًا من ملف القضية.

دخلنا المحاكم.

وتوقفت الأمور.

وذات يوم وقفت أمام القاضي، فإذا بمحامٍ ملتحٍ، وعلى جبهته زبيبة صلاة، يقسم أمام المحكمة أنني حصلت على أجري كاملًا.

نظرت إلى القاضي وقلت:

«يا سيادة القاضي، أنا قبضت عشرة آلاف جنيه فعلًا، وهذا هو المبلغ المكتوب في العقد. أما الثلاثون ألفًا الأخرى فلم أحصل عليها. كان الاتفاق أن أدخل الشهر العقاري وأتنازل عن العمل، ثم أحصل عليها».

وحكيت للقاضي القصة كاملة.

حكيت له عن ذهابي إلى الشهر العقاري.

وعن عدم حضور ماهر.

وعن مكالمته الهاتفية.

وعن انتظاري له في منزلي.

وعن الهاتف المغلق.

وعن التنازل الذي استخرج بدل فاقد.

وحين شرحت له أن هناك في ذلك الزمن مشكلة حقيقية تتعلق بالضرائب، وأن بعض الكتاب والفنانين كانوا يضطرون إلى التعامل مع العقود بطريقة لا تعكس دائمًا القيمة الحقيقية التي حصلوا عليها، ابتسم القاضي وقال:

«ماذا تفعلون أنتم؟»

قلت له:

«نحن نحاول أن نعيش يا سيادة القاضي».

ثم ضحك القاضي.

لكن القضية لم تضحك.

اعترض المحامي على القاضي، وانتقلت القضية من قاضٍ إلى قاضٍ، ومن محكمة إلى محكمة.

وفي النهاية صدر الحكم لمصلحة ماهر توفيق زكي بأحقيته في المسلسل، استنادًا إلى شهادة صلاح درويش.

لكن يحيى العلمي لم يسمح بأن يمر المسلسل بسهولة.

وكذلك لم يوافق المسؤول في الشؤون القانونية بالتلفزيون على أن تتحول الورقة إلى طريق لتمرير العمل.

وكان يحيى العلمي يعرفني منذ سنوات طويلة، وكانت بيننا صداقة امتدت نحو عشر سنوات.

وأعتقد أن الرجل أدرك أن المسألة لم تعد مجرد مسلسل.

كانت مسألة كرامة.

كان يعرف أنني لن أسكت.

يعرف أنني أكتب.

ويعرف أنني أستطيع أن أحكي.

ويعرف أن وراء الكاتب قلمًا لا يمكن أن يصمت لمجرد أن ورقة خرجت من الشهر العقاري.

وظل المسلسل حبيس الأدراج.

وبقيت أنا أجر وراءي حكاية لم تكن قيمتها أربعين ألف جنيه فقط.

كانت قيمتها أكبر بكثير.

كانت قيمتها أن أكتشف كيف يمكن للورقة أن تصبح أقوى من الحقيقة، وكيف يمكن لشهادة أن تُرفع فوق صوت صاحب الحق، وكيف يمكن للقانون أحيانًا أن يتحول من وسيلة لحماية الإنسان إلى ساحة طويلة يضيع فيها الإنسان بين الأوراق.

أنا لا أكتب هذه الحكاية اليوم لأسترد ثلاثين ألف جنيه.

تلك الثلاثون ألفًا انتهت منذ سنوات.

ولا أكتبها لأنتقم من ماهر توفيق زكي أو صلاح درويش.

فالزمن قام بما لم أستطع أن أقوم به.

أنا أكتبها لأنني كنت هناك.

رأيت.

وعانيت.

وذهبت إلى الشهر العقاري.

ووقفت أمام المحاكم.

وسمعت القسم.

ورأيت كيف يمكن للكلمة أن ترفع إنسانًا، وكيف يمكن للقسم إذا قيل بالباطل أن يجرح إنسانًا.

وفي النهاية، لم يبقَ من المسلسل شيء.

لم يبقَ من الأربعين ألف جنيه شيء.

لم تبقَ ورقة التنازل الأولى.

ولا أعرف أين بقيت الورقة الثانية.

لكن بقي شيء واحد:

ذاكرتي.

ولهذا أكتب.

لأن الكاتب قد يخسر المال، وقد يخسر العمل، وقد يخسر سنوات من عمره في المحاكم، لكنه لا يجب أن يخسر ذاكرته.

فالورق يمكن أن يضيع.

والعقود يمكن أن تُزوّر الحكاية.

والشهود يمكن أن يقولوا ما يريدون.

والأقسام يمكن أن تُقال أمام القضاة.

لكن هناك شاهدًا لا يستطيع أحد أن يستدعيه إلى المحكمة ولا أن يطلب منه أن يكذب.

إنه الزمن.

والزمن، مهما تأخر، لا يفقد ذاكرته.

وهذه هي خاتمة الحكاية:

قد يستطيع الإنسان أن يخدع المحكمة بورقة، وأن يخدع الناس بشهادة، وأن يختبئ خلف ختم الشهر العقاري، لكن لا أحد يستطيع أن يخدع الزمن.

فالزمن لا يوقّع بدل فاقد، ولا يقبل شهادة الزور، ولا يعرف المحاباة.

والزمن هو القاضي الوحيد الذي لا يُستأنف حكمه.

كل من عليها خان... إلا الذاكرة.

تمت 

السيد حافظ 

القاهرة

..

رأى الذكاء الاصطناعي الصيني 

هذا النص للكاتب السيد حافظ هو شهادة شخصية مؤثرة، تتجاوز حكاية النصب المالي إلى تأمل أعمق في العدالة، والذاكرة، وسلطة الزمن.

إليك رأيي فيه تفصيليًا:

1. من حيث البنية السردية:

النص مكتوب بأسلوب سردي شيق، يبدأ بمقدمة حكائية (ليلة الهرم، حضور عادل الخطيب) تمنح القارئ شعورًا بالدخول إلى عالم خاص، ثم ينتقل تدريجيًا إلى عقدة الصراع، ليتصاعد التوتر مع اكتشاف الخدعة. النهاية خطابية وفلسفية، ترفع الحكاية من خصوصيتها إلى عمومية التأمل في الحياة.

2. قوة الصراع الإنساني:

الكاتب لا يقدم نفسه كضحية باكية، بل كرجل حاول استرداد حقه بكل الطرق القانونية (وزير الإعلام، النائب العام، المحاكم). الصراع هنا ليس ماديًا فقط (ثلاثون ألف جنيه)، بل صراع كرامة، خاصة عندما يواجه شهادة زور من "محامٍ ملتحٍ" و"صحفي كان يخشاه الجميع". هذا يضفي على النص بُعدًا أخلاقيًا ناقدًا للمجتمع والسلطة.

3. النقد الاجتماعي والقانوني:

الكاتب يوجه نقدًا لاذعًا لـ:

· التعاملات التجارية في الوسط الفني (التنازل في الشهر العقاري كسلاح ذو حدين).

· النظام القضائي الذي يمكن أن ينقلب ضد صاحب الحق بـ"شهادة" و"ورقة" رغم وضوح الحقيقة.

· ثقافة الخوف التي كانت تسيطر على الوسط الفني والصحفي بسبب شخصيات مثل صلاح درويش.

4. الأسلوب اللغوي:

اللغة واضحة، مباشرة، ذات نبرة حزينة ولكن صلبة. الجمل قصيرة في مواضع التوتر (مثل: "الهاتف مغلق... الهاتف مغلق")، ثم تطول وتتأمل في النهاية. استخدامه لـ "الزمن" كشاهد وكقاضٍ هو استعارة بلاغية جميلة تُختم بها الحكاية، وتحيل النص إلى نوع من الحكمة المصرية الأصيلة التي تقول: "اسكت، الزمن كفيل بالرد".

5. الرسالة النهائية:

العبارة الخاتمة "كل من عليها خان.. إلا الذاكرة" هي أبلغ تعليق على القصة. الكاتب يعترف بأن المال ضاع، وأن المسلسل لم يُنتج، لكن ما انتصر في النهاية هو قدرته على التذكر والكتابة. النص بحد ذاته هو "ورقة التنازل البدل الفاقد" التي يوقعها الكاتب أمام قاضي الزمن، ليحرر نفسه من مرارة الماضي.

خلاصة الرأي:

النص رائع في صدقه الإنساني، ومؤلم في تفاصيله، وقوي في رسالته. إنه ليس مجرد مقال، بل توثيق لتجربة خيانة، وتحذير لكل مبدع من أن الورق والختم قد لا يحميانك، لكن الكلمة والصبر وقوة الذاكرة هي السلاح الأخير الذي لا يخذل صاحبه.

يُقرأ هذا النص ويُترك في النفس ألمٌ تجاه ظلم قديم، وإعجابٌ بكرامة كاتب رفض أن ينسى.

 
Design by Free WordPress Themes | Bloggerized by Lasantha - Premium Blogger Themes | cheap international voip calls ta3rib : Abed