الثلاثاء، 11 أغسطس 2026

من أجمل الهدايا. سرد بلا حدود

 سرد بلا حدود


أجمل الهدايا


من أجمل الهدايا التي يمكن أن ينالها كاتب أن يجد صدى تجربته في قصائد يكتبها شعراء أحبوه وآمنوا بمشروعه الإبداعي.

لقد حظيت بهذه النعمة منذ بداياتي، فكان أول من كتب عني الشاعر حسن عقل عام 1975، في قصيدته «شجرة التين البنغالي».

ثم أهداني الشاعر أحمد زرزور عام 1983 قصيدة بمناسبة صدور قصتي «صياد اللؤلؤ».

وفي عام 1984 كتب الشاعر أحمد فضل شبلول قصيدته الجميلة «قلبك فجر».

أما في عام 1995، فقد كتب الشاعر محمد الحسيني قصيدته «عم السيد».

أقف اليوم أمام هذه اللفتات الإنسانية والإبداعية بكل تقدير وامتنان، وأتوجه إلى هؤلاء الشعراء الأعزاء بخالص الشكر، لأنهم منحوني ما هو أبقى من الجوائز، وهو محبة الأصدقاء وتقدير المبدعين.

شكرًا لهم جميعًا على هذه المشاعر النبيلة التي سأظل أعتز بها ما حييت.

السيد حافظ

الهجرة بقرض حسن... وحسن مات منذ زمن. سرد بلا حدود

 سرد بلا حدود


الهجرة بقرض حسن... وحسن مات منذ زمن


بقلم: السيد حافظ






حينما فكرت لأول مرة في الهجرة إلى خارج مصر، كنت طالبًا في الصف الثاني الثانوي، وعضوًا في منظمة الشباب الاشتراكي. يومها طرحت سؤالًا بسيطًا في ظاهره، لكنه كان كبيرًا في نتائجه. سألت: كيف يفكر الكيان الصهيوني؟ ماذا يكتب؟ ما هي كتبه ورواياته؟ كيف يبدو شعره؟ وما هي السينما والأغاني التي يقدمها؟

لم يكن هدفي الإعجاب ولا التطبيع، وإنما المعرفة. كنت أؤمن أن معرفة الخصم جزء من فهم العالم. لكن السؤال فُهم على نحو آخر، فاعتبر البعض أنني قد «صبأت» أو أصبت بالجنون.

أقاموا لي جلسة تنظيمية، أو ما يشبه المحاكمة. جلس الموجهون السياسيون في خيمة، وجلست أمامهم وحدي، أتلقى الأسئلة والاستجوابات. وفي النهاية أوقفوا نشاطي السياسي في المنظمة لمدة ستة عشر شهرًا، وجُمِّدت عضويتي، بحجة أن أفكاري كانت خليطًا من الاشتراكية والرأسمالية، والأدب، والفلسفة الوجودية، والعبث، والمسرح.

منذ تلك اللحظة بدأت أفكر في الهجرة.

قدمت طلبات إلى عدد من السفارات بحثًا عن منحة لدراسة المسرح، لكنني لم أحصل إلا على استجابة أو اثنتين، ثم قيل لي إن أي منحة للطلاب المصريين لا بد أن تمر عبر وزارة التعليم العالي، فتوقفت المحاولة.

وبعد تخرجي في الكلية، عام 1976، قررت السفر إلى الكويت. لم أكن أملك ثمن التذكرة، وكانت قيمتها ذهابًا وإيابًا مائةً وعشرين جنيهًا. اقترضت مائة جنيه من السيدة الفاضلة «عطيات»، التي كنا جميعًا نناديها «خالتي عطيات»، رغم أنها ليست خالتي، وكانت تسكن في البيت المقابل لبيتنا، وهي زوجة عم المحبش. دبرت العشرين جنيهًا الباقية، وسافرت، وبعد خمسة أشهر فقط من عملي في الكويت سددت القرض كاملًا.

ثم جاءت محنة أخرى. عندما مرضت زوجتي، رحمها الله، في عامي 2005 و2006، وقيل لنا إن تكلفة زراعة الكبد قد تصل إلى نصف مليون جنيه، سافرت إلى الإمارات لأقابل الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي، سلطان المسرح والثقافة، أملًا في الحصول على منحة علاجية.

ولأنني لم أكن أملك ثمن السفر، اقترضت قيمة التذكرة من صديقي وجاري الأستاذ حاتم أكيد، الإنسان النبيل، الفارس خلقًا وثقافةً وأدبًا. وبعد أن عملت في دبي، سارعت إلى رد المبلغ إليه.

لكن في عام 2008 ضاقت بي الإمارات، وفُصلت من عملي فيما أراه مؤامرة حقيقية قادها اثنان من الزملاء، أحدهما مصري والآخر فلسطيني. عندها فكرت في الهجرة إلى قطر، واقترضت ثمن التذكرة من السيدة الفاضلة الأستاذة سعدية. وهذه هي المرة الوحيدة في حياتي التي لم أستطع فيها رد قيمة التذكرة، وما زلت أشعر تجاهها بالامتنان.

أما الصديق جمال سالم، فله عندي حكاية أخرى مع «القرض الحسن». فما من كتاب أردت طباعته إلا وكان أول من يمد يده إليّ، فأقترض منه تكاليف الطباعة، وكثيرًا ما أعجز عن السداد. ومع ذلك لم يحرجني يومًا، ولم يطالبني برد ما اقترضته، وكأنه كان يؤمن بأن الكتاب الذي يرى النور أهم من المال الذي يعود، وأن دعم الثقافة رسالة قبل أن يكون معاملة مالية.

ومن غرائب الحياة أنني، بعد عودتي من الكويت إلى الإسكندرية عام 1986، أصبحت أنا من يمنح «القرض الحسن». فقد اقترض مني أكثر من خمسة عشر أو ستة عشر فنانًا ومثقفًا من أبناء الإسكندرية. لم يرد واحد منهم ما اقترضه، ولم ألاحق أحدًا، ولم أطالب أحدًا بالسداد.

وذات يوم قلت لصديقي القاص الجميل محمد إبراهيم مبروك: «أنا سلفتك مرتين». فابتسم وقال: «أنت لم تسلفني... أنت دعمتني».

والعبارة نفسها قالتها لي إيمان الصيرفي: «أنت دعمتني».

عندها أدركت أن القرض الحسن ليس مجرد مال، بل هو موقف إنساني، وأن بعض الناس لا يتذكرون النقود، وإنما يتذكرون اليد التي امتدت إليهم وقت الضيق.

لهذا، كلما تذكرت خالتي عطيات، والأستاذ حاتم أكيد، والأستاذة سعدية، والصديق جمال سالم، أيقنت أن زمن «القرض الحسن» كان زمنًا آخر... زمنًا كان الناس فيه يقرضون المحبة قبل المال، والثقة قبل الضمانات.

أما اليوم... فأخشى أن أقول إن «حسن» قد مات منذ زمن.

تمت

القاهرة

السيد حافظ

رأى الذكاء الاصطناعي جروك 

رأيي في النص أنه قطعة سردية شخصية صادقة ومؤثرة، تجمع بين السيرة الذاتية والتأمل الاجتماعي بأسلوب بسيط وواضح، بعيد عن التكلف.

نقاط القوة:

الصدق والحميمية: النص يروي تجارب شخصية حقيقية (من أيام منظمة الشباب الاشتراكي، إلى السفر للكويت والإمارات وقطر، مرورًا بمرض الزوجة) دون تجميل مبالغ فيه. هذا يجعل القارئ يشعر أنه يستمع إلى حديث صديق قريب لا إلى مقال منمق.

الفكرة المركزية قوية: فكرة «القرض الحسن» تتحول من مجرد مال إلى رمز إنساني أوسع (المحبة، الثقة، الدعم الثقافي). الجملة الختامية «حسن مات منذ زمن» ذكية وموجزة، تلخص التحول الاجتماعي بمرارة هادئة.

التوازن بين الأخذ والعطاء: الكاتب لا يكتفي بسرد ما أخذه، بل يذكر أيضًا أنه أصبح هو المُقرض، وأن معظم من اقترضوا منه لم يردوا. هذا يمنع النص من أن يبدو شكوى أو تمجيدًا للذات.

اللغة: سلسة، قريبة من الكلام اليومي، مع لمسات أدبية خفيفة تناسب موضوع «سرد بلا حدود». لا توجد استعارات ثقيلة أو جمل معقدة تعيق التدفق.

ملاحظات نقدية بسيطة:

النص يعتمد كثيرًا على التعداد (أسماء الأشخاص والمواقف). هذا يعطيه طابع الشهادة المباشرة، لكنه قد يجعل الإيقاع متشابهًا في بعض الفقرات.

الفكرة السياسية الأولى (السؤال عن الكيان الصهيوني وما تلاه من محاكمة تنظيمية) مهمة في تفسير بدايات التفكير في الهجرة، لكنها تبقى سريعة نسبيًا مقارنة بباقي السرد. كان يمكن أن تُعمَّق قليلًا لتظهر أكثر كيف شكلت وعيه.

النهاية قوية، لكنها تأتي بشكل مباشر. كان يمكن أن تُترك للقارئ مساحة أكبر للتأمل قبل الجملة الأخيرة.

الخلاصة:

النص ناجح في نقل شعور الحنين إلى زمن كانت فيه الثقة بين الناس أقوى من الأوراق والضمانات. وهو في الوقت نفسه شهادة على تجربة جيل من المثقفين المصريين الذين عاشوا بين الهجرة والثقافة والديون الطيبة. أسلوب السيد حافظ هنا قريب من أسلوبه المعروف في السرد الحر والمباشر، ويحقق الغرض الذي يوحي به العنوان: سرد بلا حدود، أي بلا حواجز بين الخاص والعام، وبين المال والموقف الإنساني.

نص يستحق القراءة، ويترك أثرًا هادئًا بعد انتهائه.

...

رأى الذكاء الاصطناعي الصيني 

أرى أن النص يحمل عمقًا سرديًا يستحق التوقف، وأتفق مع معظم نقاط المراجعة التي قدمها الذكاء الاصطناعي، لكني أرغب في إضافة طبقة أخرى من القراءة ربما تغيب عن التحليل التقني.


ما يميز النص حقًا:


1. انزياح العتبة: يبدأ النص بـ"سؤال" عن العدو (الكيان الصهيوني)، وينتهي بـ"موت" رمزي (حسن). هذا الانتقال الذكي من السياسي/الأيديولوجي إلى الإنساني/الأخلاقي هو جوهر النص. العقوبة التي تعرض لها في منظمة الشباب لم تكن بسبب المال، بل بسبب الفضول المعرفي؛ لكن المفارقة أن أغلب محنه اللاحقة كانت بسبب المال. وكأن النص يخبرنا أن الأنظمة قد تسامحك إذا سألت عن العدو، لكن الزمن لا يسامحك إذا افتقرت إلى الثقة الاجتماعية.

2. المفارقة في "القرض الحسن": المصطلح مُستعار من الدين (القرض الحسن هو قرض بلا فائدة ولا إلحاح في السداد). حين يقول الكاتب إنه هو نفسه أقرض 15 أو 16 فنانًا ولم يُردّوا، فهو لا يشتكي، بل يمارس ذات الفعل الذي تلقاه. لكن اللافت أن الذين لم يسددوا له قالوا له: "أنت دعمتني"، بينما هو عندما اقترض قال: "سددت". هذا التباين يكشف عن تحول في مفهوم الدين ذاته: من التزام مالي صارم إلى دعم معنوي غير مشروط، ومن ثم إلى ثقافة الاستحقاق.

3. الاستثناء الوحيد: عبارته "وهذه هي المرة الوحيدة في حياتي التي لم أستطع فيها رد قيمة التذكرة" (في قصة السيدة سعدية) هي أكثر جملة مؤلمة في النص. لأنه في كل المرات السابقة كان يرد الدين بسرعة، وكأن عجزه عن الرد هنا ليس عجزًا ماديًا فحسب، بل كسر لـ"نموذجه" الأخلاقي الذي بنى عليه هويته.


فقط أختلف مع المراجعة السابقة في نقطة واحدة:

المراجعة قالت إن الجزء السياسي كان سريعًا، وكان يمكن تعميقه. لكني أرى أن إيجازه هو موطن قوته. فالمحاكمة التنظيمية تُذكر في أربعة أسطر فقط، وكأن الكاتب يقول: "تلك التفاصيل السياسية لم تكن جوهرية؛ لقد كانت مجرد شرارة". الجوهر الحقيقي الذي أراد الكتابة عنه هو التآكل البطيء للثقة الاجتماعية، الذي لا يحدث بقرار من حزب، بل يحدث بصمت حين يتحول "القرض الحسن" إلى مجرد عبارة قانونية، وحين تموت كلمة "حسن" في قاموسنا اليومي.


ختامًا: النص ليس مجرد سيرة ذاتية، بل هو أنثروبولوجيا صغيرة للطبقة الوسطى المثقفة في مصر. يرصد كيف كانت الهجرة الخارجية وما تلاها من اغتراب مادي هي القاتل الصامت للروابط الإنسانية التي كانت قائمة على "الوجه" قبل "التوقيع". النهاية المباشرة ("مات منذ زمن") لا تحتاج إلى تأويل؛ لأنها ببساطة رثاء لزمن لم يعد ممكنًا، وهذا الرثاء هو ما يجعل النص يؤلمك بعد الانتهاء منه، لا مجرد أن يترك أثرًا هادئًا.

الدنيا لما تخونك... يبقى الوزير مش فاضي لك

 الدنيا لما تخونك... يبقى الوزير مش فاضي لك

بقلم: السيد حافظ



يعلم عدد قليل من أصدقائي في الإسكندرية والقاهرة حجم الصداقة التي جمعتني بالفنان الكبير فاروق حسني. بدأت الحكاية في أواخر ستينيات القرن الماضي، عام 1968 أو 1969، بعد أن كتبت مسرحية «الأقصى في القدس يحترق» إثر حريق المسجد الأقصى.

كان فاروق حسني آنذاك مديرًا لقصر ثقافة الأنفوشي، وقد قرأ المسرحية، وشجعني، ورشحني للمشاركة في مؤتمر الأدباء الشبان الأول بالزقازيق عام 1969، وكنت أصغر مؤلف يشارك في ذلك المؤتمر. هناك تعرّفت إلى وجوه الحركة الثقافية المصرية القادمة من معظم المحافظات، وكانت بداية دخولي الحقيقي إلى الوسط الثقافي.

أتوقف عند مشهدين لا يغادران ذاكرتي.

الأول كان في كنيسة الجزويت بالإسكندرية، في سيدي جابر، حيث كان الأب بيتر، قد دعانا على الغداء ذلك القس المتحمس للمسرح التجريبي، يحتضن تجاربنا. أسسنا هناك فرقة «جماعة الاجتياز »، ولا أذكر اليوم على وجه اليقين من أطلق الاسم؛ أأنا، أم يوسف عبد الحميد، أم مساعد خميس. كنا ثلاثة نؤمن بأن المسرح عمل جماعي، وأن الكاتب لا يصنع مسرحًا وحده، بل يصنعه مع رفاقه.

في إلغداء طلبت من الإب ابيتر دعوة فاروق حسني و أن أرشح بعض الأصدقاء لحضور غداء في الكنيسة، فرشح قاروق محمود ادم ، الشهير بسامي. كانت أيامًا بسيطة، مليئة بالأحلام والضحك، والعيش والملح.

ثم سافر فاروق إلى فرنسا، وظلت بيننا المراسلات. وأذكر من رسائله قوله إن المستشرق الفرنسي جاك بيرك لو قرأ أعمالي لترجمها، وإن باريس مدينة تمنح المبدعين فرصًا لا تنتهي.

المشهد الثانى 

مرت السنوات...

وأصبح فاروق حسني وزيرًا للثقافة.

أما أنا، فقد مررت عام 2005 بأقسى أيام حياتي.

مرضت زوجتي ودخلت العناية المركزة في مستشفى القصر العيني الفرنساوي، ومرض ابني محمد ودخل العناية المركزة في مستشفى شريف مختار بالقصر العيني القديم .بفضل الكاتب الصديق محمد سلماوي حجز لابني مكانًا في المستشفى، وبفضل الدكتور أشرف زكي دخلت زوجتي العناية المركزة.فى القصر العيني الفرنساوي لكن العلاج كان يحتاج إلى أموال يومية، والمطالب لا تنتهي.

ساعدني الدكتور حسام عطا بورقة قرار علاج على نفقة الدولة لابني، وكان الدكتور أشرف زكي يجدد لزوجتي كل أسبوع قرار العلاج. ومع ذلك كانت النفقات تتضاعف،بشكل مرعب حتى نفدت كل مدخراتي.

لم أطلب صدقة.

كل ما طلبته من وزير الثقافة، صديق البدايات، أن تشتري الوزارة بعض مسرحياتي، فاشترها فاروق بعد ان كتب الناقد المعروف مؤمن خليفة فى جريدة الاخبار انقذوا السيد حافظ اعلن فاروق شراء ثلاث مسرحيات بعشرة آلاف جنيه مثلًا، بعد الخصم كانت سبعة الاف لأستطيع إنقاذ أسرتي.

لم يحدث شيء.

اتصلت بصلاح شقوير، وكان صديقًا قديمًا من أيام قصر ثقافة الأنفوشي. رجلًا مهذبًا، ذكيًا، صاحب روح مصرية أصيلة. كان مهندسا ويلعب رياضة وحديد عرفته منذ كان يحمي عروضنا المسرحية من بلطجية المنطقة المحيطة بالقصر، ثم سافر إلى باريس، وعاد مع فاروق ليتولى مناصب مهمة في وزارة الثقافة.وتزوج من اخته وعينه مسؤله عن قطاعات فى وزارة الثقافة..

اتصلت بالوزير مرة...

ثم ثانية...

ثم ثالثة...

ثم رابعة...

قلت له:

لقد اتصلت بصلاح شقوير أكثر من مرة، ورد قلت له خلى الوزير يتدخل ابنى ومراتى فى العناية. كلمه... فقط اجعله يكلمني.

قال:

«حاضر».

ثم اتصلت بعد قليل أسأله:

ـ كلمت الوزير ياصلاح ؟

فقال الجملة التي ما زالت ترن في أذني حتى اليوم:

«الوزير مش فاضي لك.»

كانت جملة قصيرة...

لكنها كانت كافية لكي أفهم أشياء كثيرة.

أدركت أن الوطن أيضًا قد لا يكون فاضيًا لك.حين تصاب بمحنة

وأن صديق الأمس، حين يصعد إلى قمة السلطة، قد ينسى ضحكات البدايات، وأيام المسرح، والعيش والملح، والرفاق الذين شاركوه الحلم.

بعدها علمت من صديقي الكاتب الراحل ابو العلا السلاموني أن طلبي للعمل بوزارة الثقافة أُرسله الوزير إلى الجهات المختلفة للسؤال: «هل تحتاجون هذا الرجل؟»

ولم يأتِ الرد.

أو جاء بالصمت.

 قال ابو العلا الوظيفة التى عندى متواضعة، براتب لا يتجاوز مائة وعشرين جنيهًا في الشهر.

لم أغضب لأنني لم أصبح مسؤولًا.

غضبت لأن الإنسان، عندما ينهكه الفلس، ويصبح ابنه وزوجته بين الحياة والموت، ثم يطرق باب صديق العمر، فلا يسمع إلا عبارة واحدة...

«الوزير مش فاضي لك.»

منذ ذلك اليوم أصبحت أردد في داخلي:

الدنيا لما تخونك...

يبقى الوزير مش فاضي لك...

وربما...

الوطن أيضًا.

تمت

القاهرة 

السيد حافظ

رأى الذكاء الاصطناعي جروك 

رأيي في النص:

نص صادق، مؤلم، وذكي في بساطته.

السيد حافظ لم يكتب مقالة سياسية ولا هجاءً صاخبًا. كتب شهادة شخصية باردة من الخارج، حارة جدًا من الداخل. اختار أن يحكي الحكاية بهدوءٍ نسبي، دون صراخ أو شتائم، وهذا ما يجعل الجملة الأخيرة («الوزير مش فاضي لك») أقوى بكثير مما لو صاح بها.

نقاط القوة:

البناء الذكي: يبدأ بالصداقة القديمة والمشهد الدافئ في كنيسة الجزويت، ثم يقفز إلى المشهد الثاني بعد صعود فاروق حسني. هذا الانتقال يخلق الصدمة بشكل طبيعي.

الجملة المركزية: «الوزير مش فاضي لك» جملة قصيرة، عامية، قاتلة. حولها الكاتب إلى عنوان وفلسفة صغيرة عن السلطة والصداقة والوطن.

الصدق العاطفي: تفاصيل المرض، قرارات العلاج، نفاد المدخرات، الاتصال المتكرر بصلاح شقوير… كلها تجعل القارئ يشعر بثقل اللحظة، لا مجرد يسمع عنها.

النبرة: ليست نبرة ضحية مستكينة، ولا نبرة حاقد. هي نبرة رجل جُرح في مكان عميق (الصداقة + الكرامة)، فقرر أن يحوّل الجرح إلى جملة يتذكرها الناس.

ما يمكن مناقشته:

النص يعتمد بشكل أساسي على الرواية الشخصية. وهذا حقه تمامًا، لكنه يترك القارئ بدون الجانب الآخر من القصة (ماذا كان يحدث فعليًا في مكتب الوزير؟ هل وصل الطلب أصلًا؟). هذا لا يضعف النص أدبيًا، لكنه يجعله شهادة أكثر منه تحقيقًا.

الخاتمة («وربما… الوطن أيضًا») توسّع المعنى من الشخصي إلى العام. هذا التوسع ناجح أدبيًا، لكنه يحمل خطر التعميم.

الخلاصة:

النص ناجح لأنه لم يحاول أن يكون «نصًا كبيرًا». اكتفى بأن يكون صادقًا وموجعًا ومباشرًا. الجملة التي اختارها عنوانًا («الدنيا لما تخونك… يبقى الوزير مش فاضي لك») ستظل عالقة في ذهن من يقرأها، وهذا بحد ذاته إنجاز أدبي.

هو نص عن خيانة الصداقة تحت وطأة السلطة، وعن كيف يكتشف الإنسان أن بعض الأبواب التي كان يظنها مفتوحة… لم تكن كذلك أبدًا.

الأصدقاء يبيعونك في سوق الثقافة والموظفين. سرد بلا حدود

 سرد بلا حدود 

الأصدقاء يبيعونك في سوق الثقافة والموظفين


بقلم: السيد حافظ




لم أتخيل يا سيد حافظ، لم أتخيل يومًا من الأيام أن يبيعني أصدقائي، بل أكثر الأصدقاء، وخاصة الأصدقاء المحظوظين، مثل معالي الوزير فاروق حسني، وزير الثقافة المصرية، ومعالي الوزير حمد الكواري، وزير الثقافة القطري.

فاروق حسني أعرفه منذ الستينيات، منذ عام 1968، وحمد الكواري عرفته عام 1970 مع موسى زينل، القطري أيضًا، الفنان والمخرج والممثل. كان موسى زينل زميلي في كلية دار العلوم في فريق التمثيل، وكان معنا محمد متولي، النجم الراحل، والدكتور سامي عبد الحليم، شفاه الله وعافاه يا رب العالمين.وكان حمد الكوارى معنا فى الكلية

فأنا أعرف الاثنين، فاروق حسني، مع حفظ الألقاب، وحمد الكواري، مع حفظ الألقاب.

قدمت طلبًا إلى فاروق حسني لكي أعمل في وزارة الثقافة المصرية، طلبًا رسميًا، حينما أفلست في مؤسسة «رؤيا»، وكنت أحتاج إلى دخل شهري، وقلت إنني من الممكن أن أساهم في هذا البلد بشيء ما.

لكنني قدمت طلبًا أيضًا إلى حمد الكواري كى اعملوفى وزارة الثقافة القطرية بعد أن فُصلت من العمل في دبي من مؤسسة «الصدى» بعد مؤامرة حقيقية، وذهبت إلى قطر.

قال لي موسى زينل: اكتب طلبًا رسميًا نقدمه لمعالي الوزير.

وطلبت من موسى زينل أن يقدمني إلى حمد شخصيا ويذكره بي، فقال له: هذا السيد حافظ، زميلنا في كلية دار العلوم. ولأن حمد الكواري كان أيضًا في كلية دار العلوم، صافحني بحفاوة، وكان يشاهدني خلال تواجدي في مكتب موسى زينل تقريبا كل يوم فى الوزارة.

وذات مساء، وأنا أسير مع زوجتي في قطر، في إحدى الأمسيات في معرض الكتاب هناك، قابلت شابًا قطريًا يعرفني، صافحني بحفاوة، وكان هذا الشاب معه شاب آخر قدم لي نفسه وقال لي: أنا فلان الفلاني، ولا أذكر اسمه الآن.

قال لي: طلبك وصل.

قلت له: أي طلب؟

قال: طلبك للوظيفة فى الوزارة. لقد عمّم الوزير طلبك على كل أجهزة وزارة الثقافة في قطر، وسأل: هل تحتاجون هذه الكفاءة؟

نفس الشيء فعله فاروق حسني في مصر قبل ذلك بعشرين سنة تقريبًا.

وزع طلبي إلى أقسام وزارة الثقافة المصرية، وأخبرني بذلك الكاتب أبو العلا السلاموني، وقال لي: أنا ليس عندي في الثقافة الجماهيرية إلا وظيفة دراماتورج بمئة وعشرين جنيهًا، وأعتقد أنها لا تليق بك. هذا هو المتوفر.

فلم أكتب، واحتفظت بالرسالة في الدرج.

والسؤال الذي يحيرني إلى الآن:

كيف باعني الأصدقاء في سوق الثقافة؟

هل هي خيانة ثقافية؟

هل هو تجاهل؟

هل هو عدم إيمان بموهبتي وثقافتي؟

وأنا كنت أطلب عملًا، أي عمل، لأنني كنت أحتاج إلى أن أشتري وردتين وكتابين، وأن أتناول ثلاث وجبات أو وجبتين في اليوم، وأن أشتري قميصًا جديدًا، وبدلة وحذاء، وأن أضع العطر، وأن أقابل امرأة جميلة من النساء.

لم أكن أطلب أن أصير نائب وزير أو وزيرًا، لأنني أعلم جيدًا أن طلبات المناصب الكبرى لا تُطلب، ولكنها تُمنح.

ولكن يبقى السؤال:

كيف فكر فاروق حسني بهذه الطريقة؟

وكيف فكر أيضًا الأستاذ حمد الكواري، ، بنفس الطريقة؟

وللأسف لم تأتِ الإجابة من أي جهة في الوزارتين.

فالكل مكتفٍ، والكل حريص على أن تبقى الثقافة، والوضع الثقافي، على ما هو عليه.

ويبقى السؤال:

أين الخلل؟

فيَّ؟

أم فيهما؟

أم في الوضع الثقافي العربي؟

السيد حافظ

القاهرة

راى الذكاء الاصطناعي جروك 

رأيي في النص:

النص مكتوب بأسلوب شخصي عاطفي مباشر، يعتمد على السرد والاعتراف والسؤال البلاغي. أسلوب السيد حافظ هنا قريب من «المونولوج الدرامي» الذي يجيده كثيرًا في كتاباته المسرحية والنثرية: يروي الواقعة، ثم يكرر السؤال، ثم يوسّع الدائرة من الشخص إلى المؤسسة إلى «الوضع الثقافي العربي». هذا الأسلوب فعّال في إثارة التعاطف، لكنه في الوقت نفسه يضع القارئ في زاوية ضيقة: إما أن توافق على فكرة «الخيانة» أو تبدو قاسيًا.

نقاط القوة

الصدق الظاهر في الاعتراف بالحاجة المادية البسيطة (وردتين، كتابين، وجبتين، قميص، عطر…). هذا الاعتراف ينزع عن الكاتب هالة «المبدع المتعالي» ويجعله إنسانًا يحتاج إلى عمل.

الربط بين تجربتين متباعدتين زمنيًا ومكانيًا (مصر وقطر) يوحي بأن المشكلة بنيوية وليست فردية.

السؤال الأخير («أين الخلل؟ فيَّ؟ أم فيهما؟ أم في الوضع الثقافي العربي؟») سؤال مشروع ويترك الباب مفتوحًا للتأمل.

نقاط الضعف والالتباس

مفهوم «البيع» و«الخيانة»

الرجلان، حسب روايته نفسها، قاما بخطوة إدارية: عمّما الطلب. هذا ليس تجاهلًا مطلقًا. لكن تعميم الطلب على الإدارات ليس بالضرورة «دعمًا حقيقيًا». في الوزارات الثقافية العربية، خاصة في تلك الفترة، كان التعيين غالبًا يخضع لاعتبارات أخرى: الولاء السياسي، الشللية، الحاجة الفعلية للوظيفة، وأحيانًا الكفاءة الشكلية. أن يعمّم الوزير الطلب ثم لا يحدث شيء قد يعني ببساطة أنه لم يرَ مصلحة شخصية أو مؤسسية كافية في الدفع به.

صداقة قديمة ≠ التزام وظيفي

معرفة شخص منذ الستينيات أو السبعينيات في الكلية لا تُحوّله تلقائيًا إلى «صديق مدين لك بوظيفة». كثير من الناس يعرفون بعضهم من الجامعة ثم تفترق الطرق، ويصبح أحدهم وزيرًا والآخر محتاجًا. توقع أن يصبح الوزير «منقذًا» شخصيًا يحمل في طياته نوعًا من الالتباس بين العلاقة الإنسانية والمصلحة.

الصورة الذاتية

النص يقدّم الكاتب كضحية نقية، بينما الطرف الآخر (الوزيران والمؤسسات) هما الخائنان أو المتجاهلان. هذه الثنائية تبسيطية. من الممكن أن يكون هناك تقدير حقيقي لموهبة السيد حافظ كمسرحي وكاتب، لكن الوظيفة الإدارية أو الثقافية التي طلبها لم تكن متاحة أو لم تناسب احتياجات الوزارة في ذلك الوقت. أو أن الوزيرين رأيا أن «الكفاءة» التي يتحدث عنها لا تتوافق مع احتياجاتهما الفعلية.

السؤال عن «الوضع الثقافي العربي»

هنا يكمن الجزء الأقوى في النص. المؤسسات الثقافية العربية الرسمية، تاريخيًا، كثيرًا ما كانت أقرب إلى أجهزة بيروقراطية أو أدوات ناعمة للدولة منها إلى فضاءات حقيقية لاحتضان الموهبة المستقلة. الشللية، الخوف من الأصوات الحادة، وتفضيل الموالين على المختلفين… كلها عوامل حقيقية. لكن تحويل التجربة الشخصية إلى حكم عام على «الثقافة العربية» كلها يحتاج إلى حذر.

خلاصة الرأي

النص مؤلم وصادق في تعبيره عن الجرح الشخصي، لكنه يميل إلى تفسير التجربة من خلال عدسة الخيانة أكثر من عدسة البيروقراطية والسلطة والمصالح. السؤال الحقيقي ليس فقط «لماذا لم يوظفاني؟»، بل:

هل كانت الصداقة التي يشعر بها الكاتب متبادلة بنفس الدرجة؟

هل كان طلبه لوظيفة في وزارة ثقافة يطلب من الوزير أن يتجاوز قواعد المؤسسة من أجله؟

وإلى أي مدى كان يحق له أن يتوقع من «صديق قديم» أن يفتح له باب الرزق في جهاز حكومي؟

التجربة التي يرويها شائعة جدًا بين المثقفين العرب الذين وجدوا أنفسهم خارج الشبكات الرسمية. لكن تحويلها إلى «بيع في سوق الثقافة» يحمل قدرًا من الدراما التي قد تحجب تعقيدات الواقع أكثر مما تكشفه.

النص جيد كشهادة شخصية .

الخميس، 6 أغسطس 2026

حين فتح السيد حقيبة الأسرار. سرد بلا حدود. الجزء الأول

 السيد حافظ

رواية

حين فتح السيد حقيبة الأسرار


سرد بلا حدود


الجزء الأول

2026



كلمة لابد منها

نعم، كثير من الكتّاب الكبار اقتربوا من هذا الشكل الهجين بين الرواية والسيرة الذاتية والاعتراف الشخصي، لكن كل واحد صنع طريقته الخاصة. 

أنا هنا لا أتحدث عن "مذكرات" تقليدية فقط، بل عن تحويل الحياة نفسها إلى مادة سردية مفتوحة، وهذا أقرب إلى ما يسمى أحيانًا: الرواية السيرية "السيرة الروائية" الاعتراف الأدبي أو ما بعد السيرة الذاتية.

ومن أشهر من فعلوا ذلك:  

نجيب محفوظ في بعض أعماله المتأخرة، حيث اختلطت حياته بأسئلة الشيخوخة والذاكرة والسلطة والزمن. 

عبد الرحمن منيف جعل التجربة السياسية والشخصية مادة روائية واسعة.

هنري ميلر حوّل حياته اليومية وعلاقاته وفقره إلى أدب مباشر وصادم.

مارسيل بروست بنى مشروعًا كاملًا على استعادة الزمن والذاكرة الشخصية.

محمد شكري في روايته "الخبز الحافي" جعل حياته نفسها رواية قاسية ومكشوفة.

إدوار الخراط مزج السيرة بالتأمل والأسطورة واللغة الشعرية.

لكن المختلف في فكرتى أننى لا أريد مجرد "سيرة ذاتية مرتبة"، بل أريد حياة كاملة تتكلم عبر أشخاص، مدن، مسارح، هجرات، خيبات، وأحلام عربية مكسورة.



لقراءة أو تحميل الكتاب كاملا بصيغة PDF من الرابط التالي 

رابط التحميل الأول 

اضغط هنا 

..... 

رابط التحميل الثاني 

اضغط هنا 


..... 






السبت، 1 أغسطس 2026

عز الدين المدني... ومسرح الغد. سرد بلا حدود

 سرد بلا حدود

عز الدين المدني... ومسرح الغد

بقلم: السيد حافظ





في تسعينيات القرن الماضي أُسس «مسرح الغد»، وكان افتتاحه الرسمي بمسرحية للكاتب المسرحي التونسي الكبير عز الدين المدني. وقد عرفت عز الدين منذ ثمانينيات القرن الماضي، حين كان مهاجرًا غاضبًا في باريس، يكتب في مجلة «المستقبل» نصوصًا وقصصًا تجريبية لافتة. وكان من أبرز المجددين في القصة القصيرة والمسرح، وصاحب رؤية مختلفة لا تشبه أحدًا.

وللتوثيق، فإن «مسرح الغد» لم يبدأ بهذا الاسم منذ اللحظة الأولى، بل أُنشئ عام 1992 باسم «الفرقة القومية للعروض التجريبية» ضمن فرق البيت الفني للفنون الشعبية، وأسسه الفنان عبد الغفار عودة، بينما صمم قاعة العروض الفنان زوسر مرزوق بعد فوزه بمسابقة التصميم التي أطلقتها وزارة الثقافة المصرية في مطلع التسعينيات. واستضاف المسرح أول عروضه عام 1992، وهو «أوقات عصيبة» عن رواية لتشارلز ديكنز، من إخراج سمير العصفوري، ثم افتتح رسميًا عام 1995 باسم «مسرح الغد»، وكان عرض الافتتاح «رحلة الحلاج» للكاتب المسرحي التونسي عز الدين المدني، من إخراج محمد أبو الخير، قبل أن تنتقل تبعيته إلى البيت الفني للمسرح عام 1996.

وفي ليلة عرض «رحلة الحلاج»، وبعد انتهاء العرض، وقفنا معًا أمام باب المسرح، فسألني عز الدين المدني:

ـ لماذا يسمونه «مسرح الغد»؟

قلت له:

ـ لأنه يقدم المسرح التجريبي.

فقال:

ـ ولماذا لا يسمونه «مسرح السيد حافظ»؟

ضحكت، ظنًا مني أنه يمزح، لكنه قال بجدية:

ـ أنا لا أمزح. أنت من المؤسسين الحقيقيين للمسرح التجريبي، وهذا أقل ما يمكن أن تقدمه لك مصر.

قلت له مبتسمًا بمرارة:

ـ مصر لا تقدم ذلك بسهولة. إنها تعطي باليمين وتأخذ بالشمال منذ فجر التاريخ جينات.

ثم رويت له ما أعرفه من وقائع. فقد أُطلق اسم يوسف وهبي على مسرح الأنفوشي بالإسكندرية، ووُضعت اللافتة عامًا واحدًا ثم أزيلت. وأُطلق اسم توفيق الحكيم على أحد مسارح شارع عماد الدين في وسط البلد، ثم تغير إلى مسرح محمد فريد، وبعدها أزيل الاسم ليصبح «المسرح الكوميدي».

ولم تحمل المسارح المصرية أسماء كتاب كبار مثل علي سالم، أو نعمان عاشور، أو سعد الدين وهبة، أو نجيب سرور، رغم ما قدموه للمسرح المصري والعربي. وهناك قاعات تحمل أسماء مبدعين كبار مثل صلاح عبد الصبور وصلاح جاهين، مع كامل التقدير لهما، لكن كان من الأولى أيضًا أن تحمل بعض المسارح أو القاعات أسماء كتاب مسرحيين كرّسوا حياتهم للمسرح، أو رواد مسرح الطفل، أو أصحاب المشاريع المسرحية الكبرى. وحتى القاعة التي حملت اسم عبد الرحيم الزرقاني في المسرح القومي، كان من الأفضل أن تحمل اسم كاتب مسرحي ترك أثرًا عميقًا في تاريخ المسرح القومي، مثل عبد الرحمن الشرقاوي.

وأتذكر كذلك ما كتبه الناقد المخرج المبدع حسن سعد في جريدة «الجمهورية»، حين طالب بأن تقدم الدولة اعتذارًا عمليًا لي، بأن تعرض مسرحياتي في وقت واحد على فرق قصور الثقافة في أنحاء مصر، وفي مسارح الدولة المختلفة. كان يرى أن هذا أقل اعتذار يمكن أن تقدمه وزارة الثقافة وهيئة المسرح.

قرأت المقال وضحكت طويلًا. ليس سخرية من حسن سعد، فقد كان صادقًا ومخلصًا، وإنما لأنني أعرف الواقع جيدًا. فالدولة، خلال أكثر من خمسين عامًا، لم تطبع من نحو مائتي مسرحية كتبتها سوى ثماني عشرة مسرحية فقط، أما بقية أعمالي فقد صدرت على نفقتي الخاصة، أو بجهود ومحبة الأصدقاء.

وقلت لحسن سعد:

لقد كتبت في جريدة «الجمهورية»، لكن يبدو أنهم قرأوا المقال وكأنه لم يُكتب.

ومع ذلك، لا أحمل في قلبي غضبًا على مصر. فهي الوطن الذي يجري في دمي، والذي تعلمت فيه، وعملت من أجله، وأسست فيه فرقة مسرحية، وقدمت له عمري كله. لم أحصل منها إلا على بطاقة الهوية، وجواز السفر، ومعاش متواضع عشره دولار فى الشهر من اتحاد الكتاب، ومعاش آخر متواضع عشرة دولار فى الشهر من نقابة المهن التمثيلية.

لكنني، رغم كل شيء، لا أطلب منها شيئًا.

يكفيني أنني أحببتها، وأنني كتبت لها، وما زلت أؤمن أن قيمة الكاتب الحقيقية تبقى في أعماله، لا في اسم يُعلَّق على واجهة مسرح.

تمت

القاهرة الهرم

السيد حافظ

رأى الذكاء الاصطناعي جروك 

رأيك في النص يمكن تلخيصه في أنه نص صادق، مرير، وذكي في آن واحد.

نقاط القوة:

الصدق الشخصي والمرارة النظيفة

السيد حافظ لا يكتب من موقع الضحية المستعطفة، ولا من موقع المتفاخر. يروي الواقعة مع عز الدين المدني بهدوء، ثم ينتقل إلى أمثلة تاريخية ملموسة (يوسف وهبي، توفيق الحكيم، عبد الرحيم الزرقاني...) ليُظهر نمطًا متكررًا في الثقافة المصرية: التكريم المؤقت أو الانتقائي، ثم النسيان أو التحويل. المرارة موجودة، لكنها ليست هستيرية؛ هي مرارة رجل يعرف قواعد اللعبة جيدًا.

الربط الذكي بين الخاص والعام

القصة الصغيرة (السؤال الذي طرحه المدني أمام باب المسرح) تتحول إلى تأمل أوسع في سياسة التسمية، وفي مكانة الكاتب المسرحي في المنظومة الرسمية. هذا الانتقال سلس وغير متكلف.

الخاتمة القوية

الجملة الأخيرة:

«قيمة الكاتب الحقيقية تبقى في أعماله، لا في اسم يُعلَّق على واجهة مسرح»

هي الخلاصة الأخلاقية والفنية للنص. بعد كل الشكوى الموثقة، يصل الكاتب إلى موقف ناضج: لا يطلب شيئًا، ويكفيه أنه أحب وكتب. هذا يحمي النص من أن يتحول إلى مجرد شكوى.

ملاحظات نقدية خفيفة:

النص يعتمد كثيرًا على السرد التوثيقي والتعداد (أسماء المسارح، الأرقام عن المطبوعات، المعاشات بالدولار...). هذا يعطيه قوة الشهادة، لكنه أحيانًا يُبطئ الإيقاع ويجعله أقرب إلى المقالة النقدية/التاريخية منه إلى النص الأدبي الصرف.

بعض التفاصيل المالية (عشرة دولارات من اتحاد الكتاب وعشرة من النقابة) قوية في كشف الواقع، لكنها تكرار لنبرة الشكوى التي سبق أن أُقيمت في الفقرات السابقة. كان يمكن الاكتفاء بإشارة واحدة أقوى.

جملة «مصر تعطي باليمين وتأخذ بالشمال منذ فجر التاريخ جينات» فيها تعميم تاريخي كبير. الفكرة مفهومة عاطفيًا، لكنها قابلة للنقاش.

الخلاصة:

النص ناجح كـشهادة شخصية وكـمرافعة هادئة عن مكانة الكاتب المسرحي المصري. هو ليس نصًا احتفاليًا ولا نصًا ثوريًا، بل نص رجل وصل إلى مرحلة «اللاطلب» بعد عقود من العمل. قوته الحقيقية في أنه لا يستجدي الاعتراف، بل يُذكّر بأن الاعتراف الرسمي ليس مقياس القيمة.

لو كان لي أن أختصر رأيي في جملة:

نص جميل في صدقه، مؤلم في واقعيته، وناضج في خاتمته.

الجمعة، 31 يوليو 2026

قضية للحوار: من سرق كلمة «الكبير»؟سرد بلا حدود

 سرد بلا حدود

قضية للحوار: من سرق كلمة «الكبير»؟

بقلم: السيد حافظ



منذ القرن التاسع عشر، ونحن نعيش داخل قاموس أدبي لم يجرؤ أحد على مراجعته. نردد الكلمات نفسها، ونوزع الألقاب نفسها، حتى تحولت المجاملات إلى حقائق، والحقائق إلى مسلمات، والمسلمات إلى أصنام لا يقترب منها أحد.

أخطر هذه الأصنام كلمة واحدة: «الكبير».

الكاتب الكبير...

الشاعر الكبير...

الروائي الكبير...

المسرحي الكبير...

من الذي منح هؤلاء هذه الصفة؟ ومن الذي وضع معاييرها؟ وهل خضعت يومًا لمناقشة نقدية حقيقية، أم أنها انتقلت من جيل إلى جيل بالتكرار وحده؟

لقد أصبحنا نستخدم كلمة «الكبير» بلا حساب، حتى فقدت قيمتها. يكفي أن يشتهر الكاتب، أو يتقدم به العمر، أو يحصل على جائزة، أو يتولى منصبًا ثقافيًا، حتى يصبح في اليوم التالي «كاتبًا كبيرًا».

وهنا يبدأ الخلط بين الشهرة والقيمة، وبين الانتشار والإبداع، وبين المنصب والمكانة الأدبية.

في رأيي، ليس كل كاتب معروف كاتبًا كبيرًا، وليس كل شاعر مشهور شاعرًا كبيرًا.

الأدق أن نقول: الكاتب المعروف، الكاتب المشهور، الشاعر المعروف، الشاعر المتميز. أما كلمة «الكبير» فلا ينبغي أن تُمنح إلا لمن امتلك مشروعًا إبداعيًا غيّر شكل الكتابة، وأضاف إلى الفن، وترك أثرًا لا يمكن تجاوزه.

أما من يكتب أعمالًا جيدة، أو حتى ممتازة، فهذا يستحق التقدير، لكنه لا يصبح تلقائيًا «كبيرًا».

لدينا في الوطن العربي آلاف الدواوين والروايات والمجموعات القصصية الجيدة. كثير منها متقن البناء، جميل اللغة، صادق المشاعر، محبوب لدى القراء. لكن، إذا قرأناها بوعي، سنجد أن عددًا كبيرًا منها يشبه ما كتبه الآخرون، أو يشبه ما كتبه أصحابها أنفسهم في أعمال سابقة.

وهنا يبرز السؤال الذي يهرب منه النقد العربي:

هل الجودة وحدها تصنع الكبار؟

أم أن الكبير هو من يفتح طريقًا جديدًا، لا من يسير بإتقان في طريق شقه غيره؟

لقد تحول النقد في كثير من الأحيان إلى توزيع للألقاب، لا إلى مساءلة للمفاهيم. وأصبح بعض النقاد يكررون ما كتبه من سبقهم، دون مراجعة أو اختبار، حتى ورثنا قاموسًا كاملاً من الأوصاف الجاهزة.

أنا لا أدعو إلى هدم القامات الأدبية، ولا إلى إنكار فضل أحد، وإنما أدعو إلى احترام اللغة.

فإذا كانت كلمة «الكبير» تُطلق على الجميع، فمن يبقى كبيرًا حقًا؟

إن الألقاب حين تُمنح بلا معيار، تفقد معناها، وتظلم أصحاب المشاريع الحقيقية، كما تظلم القارئ الذي يبحث عن مقياس موضوعي للقيمة.

لذلك أقترح أن نعيد تعريف مصطلحاتنا الأدبية.

أن نفرق بين الكاتب المعروف، والكاتب الناجح، والكاتب المؤثر، والكاتب صاحب المشروع، والكاتب الكبير.

فليست كل شهرة دليلاً على العظمة، وليست كل جائزة شهادة بالخلود، وليست كثرة الكتب دليلًا على عمق التجربة.

الأدب ليس سباقًا في عدد الإصدارات، ولا في كثرة الصور المنشورة، ولا في التصفيق داخل الندوات.

الأدب أثر يبقى، ومشروع يتجاوز صاحبه، ولغة تضيف إلى اللغة، ورؤية تغيّر طريقة قراءتنا للعالم.

لذلك أطرح هذا السؤال على النقاد والكتاب والقراء:

هل آن الأوان لأن نراجع قاموسنا الأدبي، وأن نسترد للكلمات معناها، أم سنظل نوزع لقب «الكبير» حتى يصبح بلا قيمة؟

هذه ليست إجابة، بل بداية نقاش.

قضية للحوار.

السيد حافظ

مأمون الشناوي ضحية الضمير الثقافي المصري.. وعائلات المبدعين ضحايا الحسد والإنكار- سرد بلا حدود

 سرد بلا حدود

مأمون الشناوي ضحية الضمير الثقافي المصري.. وعائلات المبدعين ضحايا الحسد والإنكار

بقلم: السيد حافظ




أعتذر إلى أصدقائي وقرائي لأنني لم أكتب منذ عدة أيام، فقد تعرضت لوعكة صحية طارئة وأزمة مرت بسلام، والحمد لله، وأنا الآن في فترة نقاهة. استطعت أن أعود إلى غرفتي، وأن أمسك بالقلم والورقة، وأن أشرب سيجارتين مع فنجان قهوة، وأن أعود إلى الشيء الذي لا أستطيع أن أعيش بدونه: الكتابة. فالكتابة بالنسبة إليّ ليست ترفًا ولا عادة ولا مهنة فقط، وإنما هي ضرورة حياة، وربما كانت المرض الوحيد الذي لا أريد أن أشفى منه.

وأنا في فترة النقاهة، وجدتني أعود إلى سؤال قديم يؤلمني كلما فكرت فيه: كيف تستطيع مصر أن تنجب كل هؤلاء العظماء في العلم والأدب والفن والفكر، ثم تستطيع في الوقت نفسه أن تقتل كثيرًا منهم ثقافيًا، بالتجاهل أو الحسد أو الغيبة أو المحسوبية أو الشللية أو إفساد الذاكرة؟

نحن مصر العظيمة التي أنجبت العلماء والمفكرين والشعراء والروائيين والمسرحيين والنقاد والفنانين في كل المجالات، ومصر التي صنعت جزءًا كبيرًا من الوجدان العربي، لكننا أيضًا مصر العبيطة التي تستطيع أن تظلم أبناءها، وأن تجعل الواسطة والمحسوبية والشللية والغيبة والحسد أقوى من الموهبة، وأن تترك المبدع يعيش ويموت دون أن يحصل على حقه في التقدير والقراءة والإنصاف.

وأنا لا أقصد بالقتل هنا القتل الجسدي، وإنما القتل الثقافي والرمزي؛ أن تقتل الإنسان وهو حي بأن تحاصره، أو تتجاهله، أو تمنعه من الوصول، أو تحجبه عن المشهد، أو تضع اسمه في الهامش، ثم تأتي بعد موته لتقول: كان مبدعًا كبيرًا. وكأن الاعتراف المتأخر يعفي المجتمع من جريمة الإهمال.

هذه المقدمة ضرورية حتى أصل إلى مأمون الشناوي. وما أدراك ما مأمون الشناوي؟

كان مأمون الشناوي شاعرًا نبيلًا وصاحب موهبة كبيرة في كتابة الأغنية، ومن الذين نسجوا مع أصوات كبار المطربين ضمير مصر الغنائي والفني، ثم انتشر هذا النسيج في الوطن العربي كله. وحين أتحدث عن مأمون الشناوي لا أتحدث عن اسم عابر في تاريخ الأغنية، وإنما عن واحد من الذين دخلت كلماتهم إلى وجدان ملايين العرب.

ولننظر إلى علاقته بعبد الحليم حافظ، فهي وحدها تكشف جانبًا هائلًا من قيمة الرجل. فقد تعاون مأمون الشناوي مع عبد الحليم حافظ في عدد من أشهر أغانيه، منها «أنا لك على طول» من ألحان محمد عبد الوهاب، و«بعد إيه»، و«حلفني»، و«بيني وبينك إيه»، و«صدفة»، و«نعم يا حبيبي نعم»، و«في يوم من الأيام»، و«كفاية نورك»، من ألحان كمال الطويل. وكتب له «أقول ما أقولشي» و«لو كنت يوم أنساك» من ألحان محمد الموجي، و«خايف مرة أحب» و«خسارة... خسارة» من ألحان بليغ حمدي، و«حلو وكداب» من ألحان محمود الشريف، و«عشانك يا قمر» من ألحان محمد عبد الوهاب. كما كتب له أغنيتين وطنيتين هما «إني ملكت في يدي زمامي» من ألحان كمال الطويل، و«ثورتنا المصرية» من ألحان رؤوف ذهني.

حين يجتمع اسم مأمون الشناوي مع عبد الحليم حافظ ومحمد عبد الوهاب وكمال الطويل ومحمد الموجي وبليغ حمدي ومحمود الشريف، فإننا لا نتحدث عن شاعر أغنية عابر، بل عن رجل شارك في صناعة مرحلة كاملة من تاريخ الغناء العربي. لقد دخلت كلماته في صوت عبد الحليم، ومن صوت عبد الحليم دخلت إلى ملايين القلوب، ولذلك أرى أن تعاون مأمون الشناوي مع عبد الحليم حافظ كان واحدًا من أنجح الشراكات في تاريخ الأغنية العربية.

ومع ذلك، أرى أن مأمون الشناوي ظلم في الذاكرة الثقافية المصرية، وأنه كان في جانب من جوانب هذا التاريخ ضحية كامل الشناوي.

وأنا لا أنتقص من كامل الشناوي، فقد كان شاعرًا كبيرًا وصاحب موهبة حقيقية، وأنا أوافق على ما قيل في زمانه عن موهبته ومكانته. لكنني أرى أن مأمون الشناوي كان أكثر انتشارًا في مجال الأغنية، وأكثر اتصالًا بوجدان الجمهور العربي، وأن موهبته وعطاءه لم يحصلا على الاعتراف الذي يستحقانه.

لقد أعطت مصر كامل الشناوي لقب الشاعر الكبير، وكأنها لم تستطع بعد ذلك أن تمنح الأخ الثاني المساحة نفسها. وكأن الضمير الثقافي المصري لا يستطيع أن يستوعب أن تكون في أسرة واحدة موهبتان كبيرتان. كأن الأسرة لا يجوز أن تحمل لقبين، وكأن نجاح أحد أفرادها يمثل انتقاصًا من الآخر. والحقيقة أن عبقرية كامل لا تلغي عبقرية مأمون، وعبقرية مأمون لا تنتقص من كامل، لكن المشكلة في عقل ثقافي اعتاد أن يبحث عن اسم واحد، وبطل واحد، وصوت واحد.

والأمر لا يتوقف عند كامل ومأمون. فهناك طارق الشناوي، الناقد المجتهد الواعي المعروف، الذي أراه من آخر نقاد السينما المحترمين في حياتنا الأدبية والفنية الآن، وهناك ناجي الشناوي، ابن مأمون الشناوي، الكاتب والقصاص والمهندس الذي يكتب القصة القصيرة في عالم خاص به، عالم لا هو القصة القصيرة التقليدية المألوفة، ولا هو مجرد القصة الحديثة التي تقفز إلى التجريب، وإنما هو عالم ناجي الشناوي وطريقته الخاصة.

وهنا أقول إن مصر لا تتحمل بسهولة أن تقول إن هناك أسرة مبدعة. نحن نحتفي بالمبدع الفرد، لكننا نرتبك أمام الأسرة التي تتكرر فيها الموهبة. وكأننا نحتاج إلى أن نختار واحدًا ونترك الباقين في الظل.

وهذا يقودني إلى عائلة حافظ.

لقد ظلموا أخي الدكتور رمضان حافظ، الذي كتب عشرين كتابًا مهمًا في علم النفس والاجتماع، وظلموا أخي عادل حافظ، الذي كتب أكثر من ثلاثين كتابًا في الإعلام السياسي، وكأن عائلة حافظ لا يجوز أن يكون فيها أكثر من اسم له حضور ثقافي. ثم جرى التعامل معي بالطريقة نفسها، عندما عرفوا أنني أكتب، فرفضوا أن يعترفوا بانتمائي، ورفضوا أن يقرأوا أعمالي، وهاجموني، ولم يعطوني حقي.

وأنا لا أريد منهم جزاءً ولا شكورًا، ولا أريد منهم جائزة، ولا أريد أن يقول أحد إن السيد حافظ أكثر موهبة من فلان أو أعظم من علان. أنا أريد شيئًا واحدًا فقط: أن يقرأوا. اقرأوا أعمالي ثم اختلفوا معي، قولوا إنني أخطأت، قولوا إنني بالغت، قولوا إن تجربتي لم تعجبكم، لكن لا تحكموا على الكاتب قبل أن تقرأوه.

ومن هنا أتذكر أسرة أخرى أراها من ضحايا الذاكرة الثقافية، وهي أسرة عبد القوي الغلبان. نحن نعرف محمد جلال عبد القوي الغلبان، وهو اسم له مكانته وعطاؤه، لكن الأسرة لم تكن محمد جلال وحده. هناك أيضًا علي عبد القوي الغلبان وأحمد عبد القوي الغلبان، وهما من الفنانين والكتاب الذين لهم عطاؤهم وتجربتهم. ومع ذلك، اختُزلت الأسرة في اسم واحد، بينما ذهب الآخران إلى دفتر النسيان.

وأنا لا أقول إن محمد جلال لا يستحق أن يُذكر، بل أقول إن المشكلة أن يُذكر وحده، وأن تتحول شهرته إلى ستار يحجب بقية أفراد الأسرة. لماذا لا نستطيع أن نقول إن أسرة عبد القوي الغلبان أسرة فنية وأدبية فيها أكثر من موهبة؟ لماذا لا يُقرأ كل واحد منهم على حدة، ويُحكم عليه من خلال أعماله؟

وهذا ما حدث أيضًا مع عائلة شلش. علي شلش اسم ثقافي كبير، وكان ناقدًا وباحثًا ومترجمًا وصاحب إنتاج واسع في مجالات متعددة، لكن إلى جواره كان هناك أخوه عبد الرحمن شلش. وهنا أيضًا نجد أنفسنا أمام المشكلة نفسها: اسم يظهر في الذاكرة بقوة، واسم آخر يتراجع إلى الخلف، وكأن الثقافة المصرية لا تستطيع أن تتعامل مع أكثر من موهبة في البيت الواحد.

وهكذا تصبح المسألة أكبر من مأمون الشناوي، وأكبر من عائلة حافظ، وأكبر من عبد القوي الغلبان، وأكبر من عائلة شلش. إنها طريقة كاملة في كتابة الذاكرة الثقافية.

وهنا أتذكر ما قاله المقريزي في وصف الشخصية المصرية، حين تحدث عن التباغض والتحاسد، ونظر كل منهم إلى ما في يد الآخر، ووصف النفوس بما يدل على ما رآه من أمراض اجتماعية. وأنا أرى أن كلام المقريزي، مهما اختلفنا مع بعض تعميماته، يظل صالحًا لفتح باب النقاش حول الغيرة والحسد والنظر إلى نجاح الآخر باعتباره تهديدًا للذات.

فمن الذي أخرج جمال حمدان من الجامعة حتى قدم استقالته وانزوى في شقته؟ وكيف عاش هذا العالم والمفكر الكبير بعيدًا عن المؤسسة الجامعية؟ ثم مات في حريق داخل شقته وهو يعمل ويكتب. وهناك واقعة الكتاب الذي كنت أعرفه بعنوان «أصل العائلات اليهودية في مصر»، والذي قيل إنه كان مخطوطًا مهمًا، ثم اختفى المخطوط. وأنا أذكر هذه الواقعة لأنها جزء من صورة أكبر عن عالم المعرفة حين يصبح صاحبه وحيدًا ومحاصرًا، وليس من أجل صناعة حكاية مثيرة.

ثم يأتي نجيب سرور، ذلك الكاتب والمخرج والممثل والمفكر والمسرحي والشاعر الذي لم تعرف مصر كيف تحتمل موهبته واختلافه. كان يكتب المسرحيات الشعرية باللغة العامية، ويقدم تجربة مختلفة، وكان يمتلك موهبة كبيرة، لكن بدلًا من أن نسأل ماذا أضاف نجيب سرور إلى المسرح المصري، دخلنا في صراع مع طريقته وشخصيته واختلافه. وتحولت الغيرة إلى حسد، والحسد إلى حصار، حتى أصبح هذا المبدع الكبير يعاني الجوع والتشرد. وهنا أسأل: أي وطن هذا الذي يستطيع أن ينجب نجيب سرور ثم لا يستطيع أن يحميه من الجوع؟

ثم يأتي محمود دياب، هذا العظيم الذي أرى أنه أسس لمسرح كلاسيكي عالي الجودة والعطاء، والذي كانت تجربته المسرحية في رأيي تستحق مكانًا أكبر بكثير مما حصلت عليه. وقد كتب لويس عوض في مقال بجريدة الأهرام كلامًا بالغ القيمة عن محمود دياب، ووضع تجربته في مكانة تقارن بمسرح شكسبير، ومع ذلك لا يكاد أحد يتذكر هذا المقال أو يستعيد قيمة الرجل كما ينبغي.

وكان لي شرف أن أخرج له مسرحيتين في الجامعة، «الزوبعة» و«الحصاد». وكلما ذهبت إلى سيدي جابر في الإسكندرية، أنظر إلى العمارة التي كان يعيش فيها، وإلى البلكونة الأولى، وأتذكر محمود دياب وأتساءل: كيف يمكن أن يعيش هذا الرجل بيننا، ثم لا تصبح تجربته جزءًا أساسيًا من الذاكرة المسرحية المصرية؟

ثم يأتي يحيى الطاهر عبد الله، القصاص العظيم. كان يحفظ قصصه شفهيًا، ويقولها من ذاكرته، ولا يحتاج إلى ورقة. وكان بعض الناس يضحكون ويسخرون من هذه الطريقة، بينما كنت أجلس في ندوة نجيب محفوظ وأرى هذا العبقري وأعجب بقدرته على حمل عالم قصصي كامل في رأسه. لكننا كثيرًا ما نرى الغريب في المبدع قبل أن نرى العبقرية الكامنة فيه. نرى اختلافه عن الجماعة، فنقرر أن نعاقبه.

وأنا لا أستطيع أن أتحدث عن هذه الدائرة دون أن أذكر صلاح عبد الصبور، وعلي شلش، وغيرهما من المثقفين الذين أرى أنهم تعرضوا بأشكال مختلفة للتهميش والظلم الثقافي، وأسماء أخرى كثيرة لا يتسع المقال لذكرها كلها. فهذه ليست قائمة نهائية للضحايا، وإنما نماذج على مرض أكبر.

لقد قتلنا كثيرًا من المثقفين ونحن أحياء، لا بالسلاح، وإنما بالإهمال والغيرة والحسد والشللية والتجاهل. قتلناهم حين منعنا عنهم المنبر، وحين لم نقرأهم، وحين حاصرناهم، وحين جعلنا الوصول إلى المؤسسات الثقافية قائمًا على العلاقات أكثر مما هو قائم على الموهبة والعمل.

وكان محمد حافظ حاجب، أخي الأكبر، ممن أثروا في القصة القصيرة، ثم انتبهوا إلى أنني أكتب. وهنا بدأت المعركة معي. رفضوا أن يعترفوا بأنني أنتمي، ورفضوا أن يقرأوا أعمالي، وهاجموني، ولم يعطوني حقي. لكنني لا أريد منهم شيئًا. لا أريد جائزة، ولا أريد لقبًا، ولا أريد أن يقال إن السيد حافظ أكثر موهبة من فلان أو أعظم من علان. أريد فقط أن أُقرأ.

لأن النقد الحقيقي يبدأ من القراءة.

اقرأني ثم اختلف معي.

اقرأني ثم هاجمني.

اقرأني وقل إنني أخطأت.

أما أن ترفض أن تقرأني ثم تحكم عليّ، فهذه ليست ثقافة ولا نقدًا.

وهنا تصبح المشكلة أكبر من الأشخاص، لأن الضمير الثقافي عندما يفسد لا يظلم فردًا واحدًا، وإنما يزوّر التاريخ كله. يرفع اسمًا على حساب اسم، ويدفن كتابًا، ويهمش شاعرًا، وينسى ناقدًا، ويقصي مسرحيًا، ويختزل عائلة كاملة في شخص واحد، ثم يأتي جيل جديد فيقرأ التاريخ كما كُتب له، لا كما كان.

وهكذا جرى مع مأمون الشناوي في ظلال كامل الشناوي، وهكذا جرى مع عائلة حافظ، وهكذا جرى مع عائلة عبد القوي الغلبان، وهكذا يمكن أن نجد الأمر نفسه في عائلة شلش وغيرها من العائلات التي خرج منها أكثر من مبدع، لكن الذاكرة الثقافية اختارت اسمًا ووضعت الباقين في دفتر النسيان.

وأنا لا أريد أن أكتب مرثية.

أنا أكتب احتجاجًا.

أكتب لكي أقول إن الحقيقة لا تموت، حتى لو تأخرت. قد تُحاصر، وقد تُدفن تحت طبقات من النسيان، لكن يأتي يوم يفتح فيه جيل جديد الكتب القديمة، ويعيد قراءة الأسماء التي أخفاها السابقون، ويكتشف أن التاريخ لم يكن كاملًا، وأن هناك أسماء كثيرة لم تأخذ حقها.

سيأتي يوم يُقرأ مأمون الشناوي بعيدًا عن ظل كامل الشناوي، ويُقرأ ناجي الشناوي بعيدًا عن اسم أبيه، ويُقرأ رمضان حافظ وعادل حافظ بعيدًا عن اسم أخيهما، وتُقرأ تجربة علي وأحمد ومحمد جلال عبد القوي الغلبان باعتبارها تجارب متعددة لا تجربة واحدة، ويُعاد النظر في عطاء علي شلش وعبد الرحمن شلش، ويُقرأ كل مبدع بما كتب وأنتج، لا بما قيل عنه.

وأنا في الثامنة والسبعين، وبعد وعكة صحية مرت بسلام، أجلس في غرفتي، والقلم في يدي، والورقة أمامي، وفنجان القهوة إلى جواري، وسيجارتان أستطيع أن أشربهما وأنا في فترة النقاهة، وأقول لنفسي: لقد حاولوا أن يجعلوا من الصمت قبرًا، لكن القلم لا يموت.

والذاكرة لا تموت.

والحقيقة، مهما تأخرت، تبحث دائمًا عن طريقها.

إن هذا المقال ليس دفاعًا عن مأمون الشناوي وحده، ولا عن عائلة حافظ وحدها، ولا عن عائلة عبد القوي الغلبان، ولا عن عائلة شلش، ولا عن السيد حافظ وحده. إنه دفاع عن حق المبدع في أن يُقرأ، وعن حق الثقافة في أن تكون عادلة، وعن حق التاريخ في ألا يتحول إلى دفتر أسماء يختار منه أصحاب النفوذ من يشاؤون ويتركون من يشاؤون في الظلام.

مصر ليست فقيرة في العظماء.

مصر فقيرة أحيانًا في العدل مع عظمائها.

وإذا كان الوطن ينجب العظماء، فعليه أن يتعلم كيف يحميهم من الجهل والحسد والشللية والتخلف، وكيف يترك لهم مكانًا عادلًا في ذاكرته.

أما أنا، فلا أطلب جزاءً ولا شكورًا.

أطلب فقط أن تُقرأ الكتب، وأن تُراجع الذاكرة، وأن يُترك التاريخ يقول الحقيقة.

تمت

القاهرة – الهرم

رأى الذكاء الاصطناعي الأمريكي 

تحليل أعمق للنص

1. البنية العميقة: من الشخصي إلى الكوني ثم العودة

النص مبني على حركة دائرية ذكية:

يبدأ من الجسد المريض (الوعكة، النقاهة، السيجارة، القهوة، القلم).

ينتقل إلى الجرح الثقافي الجماعي.

يعود في النهاية إلى الجسد نفسه، لكن هذه المرة والجسد يحمل القلم كسلاح أخير ضد النسيان.

هذه الحركة ليست مجرد تقنية أدبية، بل تعبير عن فلسفة النص نفسها: الذاكرة لا تموت لأن الجسد الذي يحمل القلم يرفض أن يموت. الخاتمة ليست خاتمة، بل استئناف للدائرة. ولهذا ينجح العنوان «سرد بلا حدود»؛ لأن السرد هنا يرفض أن يُغلق.

لكن هذه الدائرة تحمل خطرًا: كلما عاد النص إلى الذات (عائلة حافظ، السيد حافظ) ضعفت قوة التعميم. القارئ يشعر أحيانًا أن الظاهرة الثقافية الكبرى تُستخدم كمرآة لتعكس جرحًا شخصيًا أكثر مما تُستخدم كموضوع قائم بذاته.

2. الثيمة المركزية: «الاستحالة الثقافية لتعدد المواهب داخل الأسرة»

الفكرة الأقوى في النص ليست مجرد «الظلم الثقافي»، بل شيء أعمق:

الضمير الثقافي المصري عاجز عن استيعاب أكثر من موهبة واحدة داخل البيت الواحد، لأنه يفكر بمنطق «البطل الواحد» لا بمنطق «الحقل الثقافي».

هذا تشخيص سوسيو-ثقافي مهم. النص يلمسه لكنه لا يغوص فيه بما يكفي. كان يمكن أن يسأل:

هل هذه الظاهرة مرتبطة ببنية السلطة الأبوية في الثقافة العربية؟

هل هي امتداد لـ«نموذج الزعيم الأوحد» الذي انتقل من السياسة إلى الأدب؟

هل هي خوف من أن يصبح النجاح العائلي «احتكارًا» يهدد مبدأ الاستحقاق الفردي؟

النص يكتفي بالتشخيص العاطفي، ولا يذهب إلى التحليل البنيوي. وهذا ما يجعله احتجاجًا قويًا، لكنه يظل أقل من أن يكون دراسة ثقافية عميقة.

3. الاقتصاد في اللغة مقابل الإسراف

الجمعة، 24 يوليو 2026

ملامــح التجريــب في كتابـات السيـد حـافظ من خلال روايته يوميات رجل مهزوم إعداد : سلسبيل كريبع

ملامــح التجريــب في كتابـات السيـد حـافظ

من خلال روايته يوميات رجل مهزوم

إعداد : سلسبيل كريبع




 وزارة التعليم العالي والبحث العلمي

جامعة محمد بوضياف بالمسيلة

كلية الآداب واللغات

قسم اللغة والأدب العربي

الرقم التسلسلي: ......../........... 

رقم التسجيل: 212135079294

مذكرة مقدمة ضمن متطلبات نيل شهادة الماستر في الأدب العربي

شعبة: دراسات أدبية تخصص: أدب حديث ومعاصر

بعنوان

ملامــح التجريــب في كتابـات السيـد حـافظ

من خلال روايته يوميات رجل مهزوم

إعداد الطالبة: سلسبيل كريبع

 أمام لجنة المناقشة المكونة من السادة الأساتذة: 

الاسم واللقب الرتبة الجامعة الصفة

أ.د. أبو ديسة بولنوار أستاذ جامعة المسيلة رئيسا

أ. د. بوزيد رحمون أستاذ جامعة المسيلة مشرفا ومقررا



أ.د أحمد أمين بوضياف أستاذ جامعة المسيلة ممتحنا


السنة الجامعية: 2025/2026م





شهدت الرواية المعاصرة تحولات عميقة مست بنيتها ووظائفها، فلم تعد مجرد وسيلة لنقل الأحداث أو تمثيل الواقع، بل أضحت فضاءً مفتوحًا لتجريب أشكال جديدة من الكتابة، تقوم على زعزعة النماذج السردية التقليدية وإعادة تشكيلها. وفي ظل هذه التحولات، لم يعد الروائي معنيًا فقط بسرد حكاية متماسكة، بل أصبح منشغلًا بكيفية بنائها، وبالآليات التي تتحكم في إنتاجها، وهو ما جعل النص الروائي مجالًا للتفكير في ذاته بقدر ما هو تعبير عن العالم. 

ومن هذا المنظور، برز التجريب بوصفه أحد أبرز ملامح الكتابة الروائية الحديثة، حيث لم يعد يُفهم باعتباره مجرد خروج شكلي عن القواعد، بل بوصفه ممارسة إبداعية واعية تسعى إلى خلخلة البنى الجاهزة وابتكار صيغ تعبيرية جديدة. فالتجريب، بهذا المعنى، هو محاولة لإعادة النظر في مكونات العمل الروائي، سواء على مستوى البنية السردية، أو اللغة، أو التقنيات الفنية، بما يسمح للنص بأن ينفتح على إمكانات دلالية متعددة، ويُنتج معاني تتجاوز المباشر والمألوف. 

وقد أدى هذا التوجه إلى بروز نصوص روائية تتسم بالتشظي والتداخل، حيث تتفكك الحبكة الخطية، وتتداخل الأزمنة، وتفقد الشخصيات ثباتها التقليدي، في مقابل حضور لغة مكثفة وإيحائية تنزاح عن الوظيفة الإخبارية نحو وظيفة جمالية. وبذلك، لم تعد الرواية بنية مغلقة، بل صارت فضاءً ديناميكيًا تتقاطع فيه الأصوات والرؤى، ويُعاد فيه تشكيل العلاقة بين الكاتب والنص والقارئ. 


لقراءة أو تحميل الكتاب كاملا بصيغة PDF من الرابط التالي 


رابط التحميل الأول 

اضغط هنا 

... ِ

رابط التحميل الثاني 

اضغط هنا 

..... 



 
Design by Free WordPress Themes | Bloggerized by Lasantha - Premium Blogger Themes | cheap international voip calls ta3rib : Abed