الثلاثاء، 25 أغسطس 2026

إشتغالات الغروتسك في نصوص مسرح الطفل

"إشتغالات الغروتسك في نصوص مسرح الطفل"،

 للباحثين

 أنمار عباس فاضل 

أ.د. صالح أحمد الفهداوي



 (مجلة الأكاديمي، العدد 109، لسنة 2023).



OPEN ACCESS Crossref DOI: https://doi.org/10.35560/jcofarts1119


لقراءة أو تحميل الدراسة بصيغة PDF 

اضغط على الرابط التالي

 

اضغط هنا للتحميل


إشتغالات الغروتسك في نصوص مسرح الطفل

أنمار عباس فاضل ^1 أ.د. صالح أحمد الفهداوي ^2

ISSN(Online) 2523-2029/ ISSN(Print) 1819-5229 Al-Academy Journal-Issue 109 Date of receipt: 17/1/2023 | Date of acceptance: 21/2/2023 | Date of publication: 15/9/2023 This work is licensed under a Creative Commons Attribution 4.0 International License

الملخص: يوصف المسرح بأنه شكل من أشكال التعبير الإنساني، وضرورة مهمة من الضرورات البشرية، التي يتم عن طريقها التعبير عن حاجات الفرد والمجتمعات، ووسيط هام لنقل الأبعاد التربوية والاجتماعية والفكرية. ومن هنا ظهرت أهمية مسرح الطفل بوصفه وسيلة تربوية تعليمية إرشادية تؤثر في نمو الطفل تربوياً وعاطفياً ونفسياً واجتماعياً من خلال اللعب التخيلي الذي يجمع بين الإمتاع والتسلية. ويشكل الغروتسك أحد الأساليب الفنية التي تعمل على جذب انتباه المتلقي في نصوص مسرحية تجمع بين التنافر والتناقض في فعل درامي يجمع بين الجميل والقبيح والصادق والكاذب معاً كأسلوب تعبيري للنص المسرحي الموجه للطفل. وقد تناول الفصل الأول (الإطار المنهجي) مشكلة البحث التي حددت بالمحور الآتي (ما إشتغالات الغروتسك في نصوص مسرح الطفل) وتجلت أهمية البحث في موضوع الكروتسك كونه مجساً يرفد الباحثين والمعنيين في مجال مسرح الطفل من خلال تسليط الضوء على مفهوم الغروتسك وإشتغالاته في كتابه النص المسرحي الموجه للطفل. أما هدف البحث فهو الكشف عن إشتغالات الغروتسك في نصوص مسرح الطفل. وقد توصلت الباحثة إلى نتائج أهمها:

1. عرض ما هو إيجابي وسلي بطريقة موضوعية ضمن درامية النص المسرحي.

2. وجود الشخصيات الحيوانية والنباتية الذي يجعل النص من نوع المسرحيات المؤنسنة.

وقد توصلت الباحثة إلى استنتاجات أهمها:

1. لا تخلو أحداث النص من ملامح كوميدية يقدمها المؤلف بصورة تهكمية في بعض الحوارات.

الكلمات المفتاحية: إشتغالات، الغروتسك، مسرح الطفل.

الفصل الأول / الإطار المنهجي للبحث مشكلة البحث والحاجة إليه يوصف الغروتسك بأنه أحد الأساليب الفنية التي تبدأ من النص وتتجسد عبر الفضاء والممثل والتقنيات وكيفية استخدامه كأسلوب فني في كتابة نصوص مسرح الطفل والذي بدوره يمكن أن يشكل منبعاً أساسياً من منابع الرؤية الفنية والتخيلية لدى الطفل والتي تعد واحدة من مرتكزات تحفيز القدرة الفنية.

^1 وزارة التربية / المديرية العامة للتربية الرياضية والنشاط المدرسي، anmar481981.aa@gmail.com ^2 تدريسي / كلية الفنون الجميلة / جامعة بغداد، saleh.ahmed@cofarts.uobaghdad.edu.iq



و الإبداعية باعتباره (الغروتسك) يتيح الفرصة للتعبير الفني بحرية ويقدم غير المألوف بطريقة مألوفة كما يسهم بخلق الدهشة وإثارة التساؤلات والانهار وخلق التأثير والاتصال والتواصل وتقديم الخطاب التعليمي والتربوي والجمالي بإطار متميز، على ذلك فإن هذه الخصائص يمكن أن تسهم على نحو كبير في تحقيق أهداف التربية الفنية المرتبطة بالخيال والابداع وتنميته فضلا عن كونه أحد أشكال التعبير الذي يستدعي الإفادة منه على أقصى حد من خلال استكشاف إشتغالاته وتمظهراته في النص المسرحي المخصص للطفل. وقد تشكلت مشكلة البحث في التساؤل الآتي: ما إشتغالات الغروتسك في نصوص مسرح الطفل؟

هدف البحث: يهدف البحث إلى الكشف عن إشتغالات الغروتسك في نصوص مسرح الطفل.

أهمية البحث:

1. يفيد الباحثين في مجال مسرح الطفل من خلال تسليط الضوء على مفهوم الغروتسك وإشتغالاته في كتابه النص المسرحي الموجه للطفل.

2. يفيد المعنيين بفنون المسرح من كتاب ومخرجين ونقاد، للتعرف على اشتغالات الغروتسك في النص المسرحي الموجه للطفل.

الفصل الثاني المبحث الأول: مفهوم الغروتسك يعود أصل كلمة (غروتسك) إلى الحضارة الرومانية، إذ أكتشفت بعض الغرف الموجودة داخل الكهوف في البنايات القديمة من خلال الحفريات الأثرية التي أجريت في نهاية القرن الخامس عشر، وسلطت الضوء على رسومات لكائنات نصف إنسانية ونصف حيوانية أو نباتية، أطلق عليها تسمية (غر وتسكا)، وقد تناولت الثقافة الغربية هذا المصطلح منطلقة من عملية استكشافية لغوية من مصطلح (غروتو) الذي يعني مغارة أو كهف "إذ أطلق في الأصل على الرسمات أو التزينات المكتشفة في أوابد (أشياء خالدة أو باقية) كانت مدمورة بالتراب في إيطاليا" (1997, p. 329 ,.E). ولهذا فقد ارتبطت التسمية باكتشافات أثرية ترجع إلى عام (1500م) من القرن الخامس عشر إذ وجدت في دهاليز البيت المذهب الخاص (بنيرون) المدفون تحت حمامات (Trajan) رسوماً جدارية وديكورات القديمة. "وأطلقت تسمية (الغروتسك) على تلك الديكورات التي تجسدت على شكل لوحات نباتية وبأشكال حلزونية لولبية، وأشكال شعدانات وسيقات رفيعة مع رؤوس رجال وحيوانات ذات أنصاف جسم . (1997, p. 5 ,Dominique) عرف مصطلح الغروتسك في القرن السادس عشر في الفنون التشكيلية متجسداً بالرسومات المشوهة المعالم والعجائبية التي تشبه بشكل كبير الرسوم البدائية، إلا أن الإغريق القدامى عرفوا (الغرو تسك) بمعنى الشيء المخفي المدفون تحت الأرض. وظهرت كلمة (grote) في فرنسا عام (1523) حتى القرن السابع عشر لتتحول بعد ذلك إلى (غروتسك grotesque) على يد موليير ومن عاصره في تلك الحقبة والذي أصبح سائداً في وقتنا الحاضر . (2009, p. 10 ,Goodwin)

غدا لمصطلح الغروتسك وجود متميز وشائع في الأدب الفرنسي في القرن السابع عشر، وتلاقت به أوصاف كثيرة ومتباينة منها (سخيف، غريب، عجيب، شاذ، متطرف، نزوي، خيالي، وهمي) وهي مصطلحات أو أوصاف المجتمع الفرنسي يصف الأشخاص بها في واقعهم اليومي من خلال ملبسهم ورقصهم وطريقة تعاملهم، أما في الأدب الإنجليزي فلم يعثر على هذه الأوصاف إلا بظهور الديوان الشعري (الفردوس المفقود) لـ(ميلتون)^*، وبعد ذلك وظف هذا المصطلح للتعبير عن الاستنكار والاستهجان لواقع الكنيسة التي تدعي الحقيقة المطلقة، ومع بداية القرن الثامن عشر تحول مفهوم (الغروتسك) ليدل على مظاهر منافية للعقل، إذ ارتبط بحكم دلالته الأصلية بالتجسيد لكل أنواع التشوه الجسماني من مثل الكائنات الحيوانية، والأشكال التي تتمفصل بين حدود ما هو عضوي، ولا عضوي، وشذوذات التشوه الجسماني من مثل (الأقزام، العمالقة، الحدبات...). أصبح الغروتسك يستعمل صفة عامة للغريب، والخيالي، والقبيح، غير المتناسق، غير السار، أو المثير للاشمئزاز، ومن ثم في كثير من الأحيان يستعمل لوصف الأشكال الغريبة والأشكال المشوهة، ثم تحول المفهوم في القرن التاسع عشر وأصبح شائعاً بين الشعراء والكتاب من مثل (فولتير)^*، منتقلا في التزيين والزخرفة الجدارية إلى وصف الأحداث والوقائع والانفعالات في القصة والرواية والشعر، ويتسع هذا المفهوم في الأدب ليحتوي أبعاداً جديدة مع تنامي التيار الجديد الذي يبتعد عن الواقعي، والنمطي، والرافض للأشكال التقليدية، ورد الاعتبار إلى الإنسان الراغب في ارتياد عالم اللامعقول بينما في القرن العشرين وما بعده اقتحم الغروتسك كل ميادين المعرفة والحياة والكتابات الروائية والمسرحية برموز ودلالات مختلفة محرزاً ازدهاراً كبيراً مع كثير من التيار الفنية التشكيلية والأدبية والمسرحية . (2002, p. 115 ,Naeem)

تميز الغروتسك بمجموعة من الدلالات الفنية والجمالية والثقافية منها:

1. إثارة مشاعر المتلقي من الغضب القلق والشفق المتعاطف . (1998, p. 11 ,Robold)

2. تعطي أشكال الغروتسك منافسة لمراكز الجذب البصري، وهذه المنافسة تثير الاعتقاد عند المتلقي بأنها جميلة ومثيرة، والتي وحدها يمكن أن تحظى باهتمامنا.

3. تحمل أشكال الغروتسك الوحشية دلالة دينية فلها علاقة بفكرة الخطيئة، فهي تصور جهنم أو يوم الحساب وتذكر بهما.

^* جون ميلتون (John Milton) (1608-1674) شاعر وعالم ولد في لندن كان مهتماً بكتابة المقالات والقصائد، يعود إلى القرن السابع عشر، أصيب في حقبة لاحقة من حياته بالعمى، وكتب حول ذلك قصيدة مكونة من (14) بيتاً شعرياً، عرف أكثر من خلال قصيدة (الفردوس المفقود) التي كتبها في عام (1667)، ويعد من أبرز شعراء الأدب الإنجليزي. (ينظر: https://ar.m.wikipedia.org جون ميلتون). ^* فولتير (Voltaire) (1694-1778) كاتب وفيلسوف فرنسي عاش في عصر التنوير، عرف بنقده الساخر، وذاع صيته بسبب سخريته الفلسفية الظريفة ودفاعه عن الحريات المدنية خاصه حرية العقيدة والمساواة وكرامة الإنسان، كما قام بكتابة أعمال في كل الأشكال الأدبية تقريباً، فقد كتب المسرحيات والشعر والروايات والمقالات والأعمال التاريخية والعلمية وأكثر من عشرين ألفاً من الخطابات، وكذلك أكثر من ألفين من الكتب والمنشورات من اشهر أثاره (رسائل فلسفية 1734)، (وزاديغ أو صادق عام 1747). (ينظر: https://ar.m.wikipedia.org فولتير)


1. توظيف أشكال الغروتسك بوصفها إغراءات لمشاهدة القديسين، ولتزود عين المتلقي ونفسيته بالراحة، وذلك من طريقة النظر إلى الموضوعات الدينية المحببة المعالجة فنياً.

2. يعتقد أن الأشكال الغروتسكية تكون على وفق المعتقدات الشعبية القديمة بمثابة حراسة وثنية للأوصياء المتواجدين داخل الكاتدرائيات وهي فكرة تذكرنا بالأشكال الحيوانية الحارسة التي ظهرت في حضارات مختلفة. (2012, p. 62 ,Frances)

3. إن دلالة الغروتسك الأسطورية للجسم الهجين والوحشي في الغالب هي صراع بين شهوانية الحيوان وسلوك الإنسان المتحضر، أي (صراع بين العقل والغريزة).

4. يعبر الغروتسك عن الدلالة النفسية العميقة تحت سطح الحياة المجهولة عند الإنسان من مثل الكوابيس، والقلق، واللاوعي المخفي عن الحياة المعيشة.

5. وظفت هذه المخلوقات المركبة الهجينة بوصفها حاملة عقيدة دينية واضحة.

6. وضعت الأشكال الغروتسكية على جدران الكنائس للحماية من الأرواح الشريرة والشيطانية.

7. الغرض من الأشكال الغروتسكية دينياً أيضاً هو تذكير الخطأة (المخطئين) أنه فقط من خلال الكنيسة يمكن للمرء أن يجد الخلاص.

8. وضعت الأشكال الغروتسكية وسيلة لأغراء الوثنيين لجذبهم إلى داخل الكاتدرائية طرائق استعمال الغروتسك (2012, p. 65 ,Frances)

استعمل مفهوم الغروتسك بطرائق مختلفة، منها:

1. التضمين: أي تضمين بعض الصور الغروتسكية ومواقف الحبكة في النص الخيالي، (تضمين بعض الصور الغروتسكية، ومواقف الحبكة).

لرعب، والفوضى، والعبث، ومختلف مظاهر الوهم، والخيالي، والجنون، والمنافي للمنطق، والبرهان مع التيار الجديد، اذن يدخل المفهوم ضمن مجموعة من المجالات ويحمل عدد من الدلالات منها: 1- الكاريكاتير 2- الضحك والفكاهة 3- السخرية 4- الكوميديا 5- الهزل 6- الفنتازيا 7- القبح.

المبحث الثاني : الغروتسك ومسرح الطفل يوصف مسرح الطفل بأنه وسيلة فاعلة للاتصال تحقق له الامتاع والتسلية، من خلال خلق نوع من التوازن الذي ينتج عن تفريغ طاقاته المكبوتة، والتعبير عن الذات، وطرح مكنوناتها عبر أجواء يلعب فيها الخيال دوراً رئيسياً، مما يتطلب ان تحوى النصوص الموجهة للطفل أبعاداً فكرية، تتناسب وطبيعة الموضوعات التي تتبناها، عبر تقنيات مختلفة تمنح تلك الموضوعات لوناً فنياً، يندمج معه المتلقي فكرياً ووجدانيات لتحقيق الامتاع والاقناع، من اجل الوصول إلى الجمال الفني. ويعرف بأنه :"عالم متكامل مستقل وليس مجرد مبنى مستقل، إنه عالم الخيال والعاطفة في عرض الأحلام وإذا نحن لم نضع هذا الفهم في حسباننا أو تدخلت مفهوماتنا الخاصة ككبار في إبعاده عنا، فإن النتيجة ستكون مسرحا بعيدا تماما عما نراه، إنه لن يكون مسرح الأطفال قدر ما سيكون محاولة منا – نحن الذين ابتعدنا عن طفولتنا – لاستعادتها وسيصبح مجرد واجهه لعرض دمى ميتة لا حياة فيها، أنه شيء عما نعرفه الآن، لن يكون قوامه الخشبة أو المبنى، أنه مسرح مرن يتغير كما نشاء، ليس تقليدا تماما لمسرح الكبار و أنما


مكان يذهب أليها الأطفال للمشاركة" (2020, p. 73 ,Atallah) . و من اجل الخروج عن كل ما هو مألوف و التحول عن الأطر التقليدية في إمكانية توظيف الغروتسك في نصوص مسرح الطفل ، لتقديم لون فنى، يحاكي الأفكار ذات الطابع التعليمي، من خلال التحول عن الشكل الطبيعي في التعبير وإثارة السخرية من السلوك السلبي من خلال تشويهه ، لإبراز السلوك الإيجابي بطريقة غير مباشرة ، تثير دهشة الطفل، و تحقق له التعلم والتسلية .إذا إن عالم الطفل ملئ بالمتناقضات والأضداد ، الجميل والقبيح ، المألوف واللامألوف، وهناك تشابهاً كبيراً بين لعب الأطفال، و" الغروتسك بما يحويه من متناقضات، لخلق حالة من الغرائبية، التي تشكل لدى الطفل فوضوية غير مقصودة ، إذ إنها في الغروتسك فوضى مقصودة ومنظمة ومن هذا المنطلق جاءت الأهمية لتناول فن الغروتسك في مسرح الطفل واهميته في تحقيق الاهداف التعليمية، والوقوف على التجارب المسرحيه التي احتوت إشتغالات غرو تسكية، واستهدفت أهدافاً تعليمية وتربوية. بغية تحقيق الامتاع والتسلية للطفل (2006, p. 109 ,Saliwa) . إن لعب الأطفال الذي غالباً ما يحوى شكلاً من أشكال الغروتسك يشتمل على الخيال ، و الجمع بين الأضداد ، وتوظيف اللامألوف للتعبير عن المألوف، ووضع الأشياء في غير مواضعها ، و منح الشيء الواحد وظائف متعددة ، وأنسنه الحيوانات والنباتات ، و التحرر من القيود والقوانين ، و البحث في اللامعقول ووضع الحلول الخيالية ، إذ يصبح المرح والصراخ واللعب والصور الغريبة والمشوهة صوراً رائعة ، ذات معنى عميق تصبو الى إثارة خيال الطفل ، عن طريق تعلمه الذاتي ، الذي يحدث أثناء عملية اللعب وينتج عنه الإبداع و الاكتشاف . "كون الطفل ميال بطبعه الى اللعب المشترك اذ يستطيع ان يعبر عن طريق تلك الالعاب عن طاقته المكبوتة والتنافس عن الظهور وعن عواطفه اللحظوية من حزن وسعادة وفوز وقوه" (122 .Al-Ani, 2017, p) . وعليه فإن "الغروتسك يحوي كل مظاهر لعب الأطفال ، إلا انها تحدث بشكل منظم ومقصود ليؤدي اغراضاً تعليمية وتربوية . و الطفل من خلال الجمع بين المتناقضات يحمل في داخله مفاهيما مختلطة تجمع بين الجميل و القبيح و السلبي و الإيجابي ، و الغروتسك هو المصدر الرئيسي للضحك والتسلية ، التي تعمل على شحذ عقل المتلقي، من خلال عرض القبيح في صورة من الجمال أو العكس ، بغية تحقيق السخرية والاضحاك، والتمييز بين السلبي والإيجابي ، و تنظيم الافكار بصورة غير المباشرة" . (2022, p. 61 ,Sharif) .

وتأتي اهمية مسرح الطفل من حيث انه لا يعمل على تقديم الواقع كما هو" بل انه يقدم القيم والاتجاهات بالطريقة التي ينبغي ان تكون عليها وهو بذلك لا يؤدي وظيفة فنية تعمل على ترفيه الطفل فحسب , بل انه يؤدي وظيفة تربوية ايضا" . (2016, p. 246 ,Lusi). إن الهدف من الضحك والتسلية في مسرح الطفل هو الترفيه والترويح الذى يوصف بأنه "الوسيلة التي تحقق جميع أهداف مسرح الطفل ،إذ إنه عن طريق الفكاهة والمفارقات الكوميدية ، ينتقل الطفل من حالة التلقي الغير حيوية إلى حالة تلقى مفعمة بالحياة ، نستطيع من خلالها ان نقدم له المعرفة والصورة المنتقدة للسلوك السلبي بشكل ساخر ، وصورة غير مألوفة غريبة ومشوهة تثير في نفسه الدهشة ، و من ثم تضحكه بهدف توجهه غير المباشر ، لرفض السلوك المنتقد ، و تحويله إلى سلوك و قيم إيجابية هادفة". (1986, p. 10 ,Zarzis) . فالطفل سريع الاستجابة للمثير المضحك ، كما أن ما تستهدفه القصص الفكاهية هو إثارة تفكير الطفل ،


و تنمية ذوقه و إذكاء مشاعره و بعث التفاؤل في نفسه ، و يمكن عن طريقها معالجة العادات و التقاليد البالية وتأصيل قيم و مفاهيم أخلاقية جديدة , أما الشيء الذي يمنح القصص الفكاهية هذه القوة و التأثير هو ارتكازها على المفارقات الناجمة عن التناقض في الحياة و المجتمع مضموناً ، و اعتمادها على الإيحاء غير المباشر في جو بعيد عن التوتر أسلوباً . (205 .Rahim, 1988, p) . فالغروتسك باعتباره مصدراً من مصادر الضحك ، قادر على تحقيق حالة من التوازن النفسي عند الطفل ، خلال طرح موضوعات ، تعمل على إثارة الخيال الإبداعي لدى الطفل. "فإذا كان الضحك غريزة عند الطفل ، فلابد من استغلالها و توظيفها في مسرحه ، و إذا كانت القصص الفكاهية هي النافذة المبدعة للوصول لعقل الطفل و وجدانه ، و الكوميديا تعمل على تحقيق المتعة الفكرية و الجمالية ، خلال الضحك البناء ، الذي يعمل على فضج السلوك السيء ، خلال تشويهه و السخرية منه في محاولة لتغييره" . (2021, p. shaibani) (21فإن الغروتسك هو تقنية تجمع بين الضحك و الإضحاك شكلاً و مضموناً ، موظفة مفردات البيئة ، بكل تناقضاتها المشوهة والرائعة لتقدم فكراً قائماً على الفرحة ، يمتع و يقنع و يكتف ، و هي في الوقت نفسه "تعد تقنية كاشفة للعبة المسرحية تهدف مشاركة الطفل في اللعبة المسرحية ، عبر تصوراته الخيالية ، إذ تقوم على الشكل التجميعي خلال الجمع بين أجزاءه المختلفة والمتناثرة, متنافرة و مجتمعة في الوقت نفسه ، لتحقق الإضحاك الهادف ، و هو ما يتطلبه مسرح الطفل". (106 .Siwan, 2020, p).

إن الهدف من مسرح الطفل هو القيام " بأداء وظیفي و تعليمي ، من خلال تقديم القيم المعرفية بطريقة مشوقة بعيداً عن التلقين وذلك من خلال عدد من التقنيات الفنية المختلفة ، فإن الغروتسك يعد من افضل تلك التقنيات ، التي يتحقق من خلالها التوازن بين الفكر و الفرجة ، للوصول الى المتعة و التعليم في مسرح الطفل" . (46 .Belkhair, 2011, p) وعليه فإن الغروتسك يعد أهم الآليات المسرحية ، التي يمكن الاستعانة بها في مسرح الطفل، إذ انها تثير وجدان الأطفال ، وتثير ضحكاتهم الشعورية و اللاشعورية ، و تخاطب افكارهم ، و تدفعهم إلى النقد الذاتي ، وبهذا يمكن لنا استثمار الغروتسك مسرح الطفل تأليفاً واخراجاً و تشخيصا و تأثيثا . و يرى (حمداوي) "أنه لابد لمسرح الطفل أن ينفتح على الغرو تسك على غرار مسرح الكبار، فيختار المخرج مسرحية كوميدية صادمة ، زاخره بالتناقضات الضدية المثيرة، وبممثلين صغار على وجوههم أقنعة شاذة و غريبة ، أو بوجوه متسخة بماكياجات خشنة تتسم بالقبح و التشويه، كأننا أمام لوحة تشكيلية تذكرنا بالوحشية و الدادية " (154 .Youssef, 2001, p) . و يأتي اشتغال الغروتسك في مسرح الطفل ، لاحتوائه كل هذه الأشكال السابقة شكلاً ، أما مضموناً فأنه يختلف بحسب التوظيف ، الذي يبتعد عن العنف و الوحشية والهمجية الفكرية، فالغروتسك في مسرح الطفل ، يسعى من خلال خلق التنافر و التشويه لضبط العبثية و الوصول للجمال في الفكر و الفرجة محققاً بذلك اهدافه الرئيسية وهي الامتاع و التعليم .


الدراسات السابقة

دراسة إقبال نعيم سلمان : (الغروتسك في عروض المسرح العراقي)

رسالة ماجستير(منشورة) جامعة بغداد – كلية الفنون الجميلة، 2002.

تضمن الفصل الأول هدف البحث من خلال (الكشف عن الأسلوب الغروتسكي في عروض المسرح العراقي)، واقتصرت حدود البحث على عروض مسرحيات عرضت في العاصمة بغداد للحقبة الزمنية من (1990-1999). أما الفصل الثاني فقد تكون من ثلاثة مباحث، ضم المبحث الأول على (مفهوم الغروتسك نظرة تاريخية)، والمبحث الثاني (الغروتسك خصائص ووظائف)، أما المبحث الثالث فعني بـ (الغروتسك في المسرح)، ومؤشرات الاطار النظري. احتوى الفصل الثالث على إجراءات البحث الذي تضمن مجتمع البحث ويشمل المسرحيات العراقية خلال حقبة التسعينيات والتي قدمت على مسارح العاصمة بغداد، والبالغة (24) مسرحية، اختارت الباحثة ثلاث مسرحيات من مجتمع البحث الأصلي بالطريقة القصدية، على وفق أسباب محددة، معتمدة المنهج الوصفي التحليلي فيما عرضته في الاطار النظري، وكانت أداة بحثها عبارة عن مقابلات شخصية أجرتها الباحثة مع عدد من المختصين من مخرجين ومؤلفين وممثلين المسرح العراقي والعربي لرصد الظواهر الغروتسكية وتسليط الضوء عليها، واعتمدت أيضا على المراقبة والملاحظة الدقيقة والتحليل من خلال المشاهدة المباشرة لهذه الأعمال أو عن طريق أشرطة الفيديو لأغلب هذه الأعمال والكتابات النقدية في الصحف والمجلات والدراسات المسرحية، ووضعت الباحثة فرضية للبحث وهي (البحث عن المظاهر الغروتسكية في عروض المسرح العراقي). أما الفصل الرابع فقد تضمن نتائج البحث والاستنتاجات، فضلاً عن التوصيات والمقترحات ومن ابرز النتائج التي توصل إليها البحث:

ومن أهم النتائج التي توصلت لها الدراسة:

1- تزامن الاسلوب الكوميدي والتراجيدي في عروض التسعينات حيث نمت روح السخرية والتشاؤم في هذه العروض وخاصة التي تناولت الحرب والظروف الاجتماعية لما بعد الحرب والحصار.

2- لم ينشر الغروتسك كأسلوب أو ظاهرة قصدية أدائية للممثل العراقي وانما ظهر بشكل عفوي وتلقائي غير منظر له ونتيجة وحاجة لبيئة اجتماعية وانسانية في ظل الحصار المفروض على قطرنا الحبيب.

3- الغروتسك كظاهرة غير معلنة وجدت كاستجابة لواقع ما بعد الحرب في المسرح العراقي.

ما أسفر عنه الاطار النظري من مؤشرات

1- عرض كل ما هو ايجابي وسلبي بطريقه موضوعيه ضمن دراميه العمل المسرحي من خلال تفسير تجسيد ثنائيه (اللعب والدراسة ) (الكذب والصدق) ضمن بوثقة الفعل الدرامي الموجه للطفل .

2- وجود شخصيات حيوانيه ونباتيه يجعل النص من نوع المسرحيات المؤنسنة والتي ينطلق فيها المؤلف من جعل الحيوانات ناطقه مثل الشخصيات البشرية .

3- لا تخلوا من احداث كوميدية يقدمها المؤلف بصوره تهكميه في بعض الحوارات .

4- تظهر ملامح السخرية كمتخيل سردي في النص المسرحي الموجه للطفل .


5- استدعاء شخصيات من اماكن وازمنة متنوعة كأسلوب غروتسكي يكسر حده الزمان والمكان وطبيعته الفيزيائية .

6- رسم محورية ثنائيه الحقيقة والوهم والصدق والكذب .

7- تحول الشخصيات وظيفيا الى شخصيه الراوي في احداث المسرحية .

8- توظيف العديد من مفاهيم الحياه الطبيعية ومدلولاتها لتكون شخصيات ناطقه في النص المسرحي مثل النهر والصيف والشجرة وتحويلها لشخصيات في الحدث المسرحي

الفصل الثالث / اجراءات البحث

منهج البحث: اعتمدت الباحثة المنهج الوصفي بالأسلوب التحليلي كونه المنهج الذي يتساوق مع اهداف البحث .

مجتمع البحث: تكون مجتمع البحث من عشر نصوص تضمنت اشتغالات الغروتسك في النصوص المسرحية الموجهة للطفل .

عينه البحث: اختارت الباحثة نص مسرحية ( اولاد جحا ) للكاتب المصري ( السيد حافظ ) كعينه قصدية لبحثها كونها تتوافق مع متطلبات البحث .

تحليل نص مسرحيه اولاد جحا

إن شخصيه جحا هي شخصيه متوارثه التاريخ العربي بوصفها شخصيه تدل على الغباء والبلاهة اذ يعد جحا شخصيه فكاهية انتشرت في الثقافات القديمة ونسبت لعده عصور وشخصيات ففي الادب العربي نسبت شخصيه جحا الى ابي الغصن الفزازي الذي عاصر الدولة الاموية وجاء في بداية المسرحية على لسان شخصيه العطار ( ان جحا رجل شجاع وفاهم وعاقل) وهو رسم لصوره مغايره لما هو معروف عن جحا حسب ما يتضح للمتلقي عند اول وهله ولان الكاتب معروف بتوظيف الرموز بدرجه كبيره في مسرح الطفل بحيث يكون الرمز متعارف عليه بين شريحه الاطفال سواء كان يرمز للخير او الشر وهنا يستدعي السيد حافظ شخصيه تيمور لنك بوصفه شخصيه تدل على خراب البلدان ومصدر الشر والقلق للناس الا ان الخبر يصل الى الناس عبر شخصيه المنادي بأن تيمور لنك يبعث جحا الى الهند لشراء الافيال لتكون حاميه للناس (والافيال هنا رمز الدمار والتسلط على الناس) فالفيل له رمزيه ودلاله اسطورية ابرزها القوه الجائمة على قلوب الناس البسطاء تلك القوه التي تستخدمها السلطة لتخويف الناس وهنا يقبع الشك في قلوب الناس بان جحا باعهم الى تيمور لنك فيأتي المقترح من اسماعيل بان عليهم ان يهدموا بيت جحا على عياله

وعلى وفق هذا البناء الدرامي والحوارات فانه السيد حافظ يخلق حاله من التشويق في بناء النص المسرحي مبنى على علاقه تواصل مثيره مع الطفل المتلقي ويتصاعد هذا التشويق كلما تقدمت الاحداث واتسمت بحده الصراع ولا يتوانى من زرع القيم التي يبحث عنها في رسالته الموجهة للأطفال سواء بصوره ساخرة او معبره تنم مشاعر مشحونة العاطفة كما في المشهد :

بنت جحا: حرام عليكم ان تسبوا شخصا غائبا

ابن جحا: والذي يشتم شخصا غائبا يذهب الى النار


الجميع ينادي: ستذهبون الى النار

وتظهر شخصيه الحكيم التي دائما ما تكون حاضره في نصوص السيد حافظ حين يقول (الله يحب من عباده الاقوياء) وهو حوار يدل على اعاده توظيف الحديث النبوي الشريف ( المؤمن القوي خير و احب الى الله من المؤمن الضعيف) فهناك العديد من التوظيفات التي قدمها السيد حافظ لاحاديث دينيه وامثله عربيه بطريقه يسهل معها وصول الفكرة للأطفال بطريقه دراميه وفي احد الحوارات ترد بعض النصائح على لسان شخصيه الحكيم بصياغه مبسطه لسهوله ايصالها للطفل لزرع روح الوطنية لديهم

ابن جحا: من يموت في سبيل بلده يكون شهيدا

زوجه جحا من يخاف من الظلم يكون جبانا

ولا يخلو النص من لمحات تربوية وتعليمية ومواعظ اخلاقية ضمن الحوارات المسرحية ليطرح بذلك مجموعه سلوكيات ايجابيه وسلبيه موزعه على الحوارات بطريقه لا يشعر معها الطفل بانه امام مواعظ محشوه عنوه في الخطاب المسرحي ثم يصل الحال بالأشخاص الذين يقابلون تيمور لنك باختلاق الاعذار لتجمعهم ابنه جحا في المخزن لئلا يقول عنهم الناس انهم جبنوا وتنصلوا عن موعد المقابلة و في هذا الامر حيله لكشف نواباهم وخوفهم من تيمور لنك لينتهي الفصل الأول بقدوم تيمور لنك الى بيت جحا واعجابه بابنته واِمرها بالزواج منه ويفتتح الفصل الثاني على وقع قصيده تحث على الشجاعة وتوضح الخراب الذي سببه المغول وتؤكد على شجاعة اولاد جحا وتكون الجمل ذات ايقاعيه شعريه عالية على شكل حوارات على لسان البنت والابن:

ابن جحا: غريب امر الدنيا

بنت جحا: عجيب امر الناس

ابن جحا: يتكلم بطول لسان

بنت جحا: في السوق وفي اي مكان

ابن جحا: و امام السلطان

بنت جحا: يضيع منه الكلام

والكاتب هنا حذر جدا من وضع القيم على لسان بعض الشخصيات ومدى اهميه علاقه التواصل ما بين الشخصيات والمتلقين من الاطفال لتقبل القيم منهم واقامه علاقه تواصل ايجابيه قائمه علي تلك الرسالة المطروحة في النص

وخلال خروج شخصيه (اسماعيل العترة) و(فتحي العطار) في احداث المسرحية يتضح انه تم حبسهم في زريبة للحيوانات وذلك دلالة للمقاربة بينهم وبين هذه الحيوانات وتقول زوجه جحا:

(لان الحيوان لا يغدر بصاحبه لكن الانسان طبعه الغدر)

ويحاول الكاتب في هذا النص ان يحبب الاطفال بشخصيه الفلاح لانه سبب استمرارية وديمومه الحياه. ويستمر الصراع بين اولاد جحا وتيمور لنك حتى النهاية .

وتنجح خطتهم في اغراق الافيال في الميناء وجمع قلوب الناس ضد تيمور لنك وهزيمته وتكاتف الجميع لتاتي كلمه النهاية على لسان الحكيم الذي يؤلب الناس ضد تيمور لنك الظالم وينادي:


أعتذر منك جدًا على هذا الخطأ غير المقصود. لديك كل الحق، فقد طلبتم استخراج النص كاملاً كما هو دون أي زيادة أو نقصان أو تلخيص، وكان المفترض أن يتم تنفيذ طلبكم بدقة ومباشرة.

حدث هذا نتيجة التزام آلي مسبق بأساليب التلخيص وإعادة الصياغة، وهو ما خالف توجيهكم الصريح.


في زمن من غير رجال ..

تكثر الافيال..

احذروا يا اولاد..

لو خفنا من الافيال..

سوف تكثر الافيال..

والانسان اعطاه ربه الحكمة والحلم ....

ليقاوم الظلم..

ويحقق الكاتب رؤيته التي تقوم على زرع القيم الاخلاقية والوطنية لدي الاطفال بوصفهم المستقبل الذي يجب ان يتم مخاطبته لتغيير الواقع والخلاص من الظلم والثورة على الفساد من خلال مدلولات فكرية وتربوية وتعليمية ..

الفصل الرابع / الاستنتاجات

1- إن التناقض سمة أساسية من سمات الغروتسك ، إذ تكشف التناقضات ظاهرة تبعث على الدهشة، و تظهر في الأقوال أو الأفعال أو الصور، مما يؤدى إلى الإضحاك والمفارقة الكوميدية.

2- فيه نقض موضوعي، لكشف التشوه،ومتعة لاذعة تكشف السلبية و تحض على التغيير، فثنائية الصورة الإيجابية و السلبية في الغروتسك، هي نتاج فعل ضاحك تحقق التوازن بين المشوه و الرائع في المسرح.

3- إذا كان لعب الأطفال يتسم بتداخل الواقع و الخيال، و المألوف و اللامألوف، و الممكن و غير الممكن، و المبالغة الكاريكاتيرية، و عمليات التحول و المسخ، و لعب الأدوار، والصراخ و الضحك و الوحشية و اللامعقول، إلا أنه لا ينطوي بدرجة كبيرة على قيمة تربوية، فإن الغروتسك التي تحتوي على سمات لعب الأطفال ذاتها، تكتسب هذه القيمة التربوية، خلال التنظيم و التوجيه لعالم لعب الأطفال خلال المسرح، و تحقق التوازن بين الشكل و المضمون، لتقديم قيم تربوية بصورة غير مباشرة، خلال التعليم القائم على اللعب.

4_إذا كان الغرو تسك مصد را رئيسا من مصادر الضحك ، التي تحث المتلقي على الفصل بين السلبي و الإيجابي، و أخذ موقف نقدى يحض على التغيير و كان هدف مسرح الطفل هو القيام بأداء وظيفي تعليمي، خلال تقديم المعرفة بطريقة مشوقة فإن الغرو تسك يعد أفضل التقنيات ، التي تحقق توازناً بين الفكر و الفرجة ، خلال التنافر و التشوه ، لضبط العبث و السلبية، و الوصول للروعة محققة المتعة و التعليم.

5_ الغرو تسك يحقق فرجة مغايرة، توقظ وعى المتفرِّج تجاه قضية ما تمنح المتلقي مساحة من التفكير، لكشف جوانب القضية من خلال طرح حلول ممنهجة بأسلوب درامي غير مباشر، يحقق الوصول لمقترحات تعمل على حل المشكلة و تبسطها خلال الضحك الهادف.


6- وظفت بعض من نصوص مسرح الطفل ملامح الغروتسك على مستوى الفكرة أو القول أو الفعل فتحقق التوازن بين الفكر و الفرجة ، خلال التعبيري عن قضايا الأفكار في قالب من الفرجة المغامرة ، إلا أنه هناك من أغفل هدف الغروتسك التعليمي ، وغلب الفرجة على الفكر .

7- تمكن عدد من مؤلفي النص المسرحي الموجه للطفل من توظيف عناصر بناء النص المسرحي ، لتكوين صورة غروتسكية متكاملة ، بطريقة الترهيب و الترغيب في السلوكيات المطروحة ، مانحة عقل الطفل مساحة من إعمال العقل ، و الحض على القيم الإيجابية بطرق غير مباشرة .

References:

 * Al-Ani, G. A. (2017). The importance of popular games in the Iraqi child's theater. Academic Journal, Issue86, College of Fine Arts, University of Baghdad.

 * Atallah, E. A. (2020, 3 15). The Semiotics of Color in Fantasy Performances for Children's Theater. Academic Journal, Issue95, College of Fine Arts, University of Baghdad.

 * Belkhair, L. (2011). The Work of the Grotesque Body in Theater and the Literary Dramatic Tex. Sharjah – United Arab Emirates: Arab Theater Authority.

 * Davidson, E. T. (, 2008). Discovering Bhakti's Carnivalesque – Grotesque in Judges. , State University of New York College in Oneonta.

 * Dominique, I. (1997). Grotesque, sais – je. Presses universitaire de. France 1er edition.

 * E., M. (1997). Theatrical Dictionary. Lebanon: Library of Lebanon.

 * Frances, c. (2012). The Grotesque in Western Art and Culture. Cambridge University press.

 * Goodwin, J. (2009). Modern American Grotesque Literature and Photography. Columbus: the Ohio state University all rights reserved.

 * Lusi, Q. A.-Q. (2016, 6 14). Educational and Dramatic Employment of the Clown Personality in Children's Theater Performances. Academic Journal, Issue80, College of Fine Arts, University of Baghdad.

 * Naeem, I. (2002). Grotesque performances in the Iraqi theater. Published master's thesis, College of Fine Arts, University of Baghdad.

 * Nikolenko, O. (2008). Theory And History of the Grotesque in the Europ. The Dynamic of the Notion ،NII-Electronic Library Service.

 * Rahim, M. M. (1988). Children's theater in Iraq and the national development plan. Unpublished master's thesis,College of Fine Arts,Baghdad University.

 * Robold, j. a. (1998). Gargoyles on Medieval Buildings. New York: press Abbeville.

 * Saliwa, N. M. (2006). The character in the theatrical text. Academic Journal, Issue 44, College of Fine Arts, University of Baghdad.

 * shaibani, M. S. (2021). Fixed and variable in theatrical performances of the Department of Art Education. Academic Journal, Issue 99, College of Fine Arts, University of Baghdad.

 * Sharif, M. M. (2022). Aesthetics of the symbol in Iraqi theater performances. Academic Journal, Issue103, College of Fine Arts, University of Baghdad.


 * Siwan, H. O. (2020). The transformation of the actor's performance between the duality of the body and the mask in performancesIraqi Child Theatre. Academic Journal, Issue97, College of Fine Arts, University of Baghdad.

 * Youssef, A. M. (2001). Theater fun (a study in theater sciences theoretically and practically). Jordan: Al-Kindi House for Publishing and Distribution.

 * Zarzis, E. A.-A. (1986). Prevailing values in children's plays. Unpublished master's thesis, College of Fine Arts,University of Baghdad.

Grotesque works in children's theater texts

Anmar Abbas Fadel¹

Saleh Ahmed Al-Fahdawi²

Abstract

Theater is described as a form of human expression, and an important human necessity, through which the needs of individuals and societies are expressed, and an important mediator for the transfer of educational, social and intellectual dimensions. Hence, the importance of the child’s theater emerged as a guiding educational method that affects the child’s development educationally, emotionally, psychologically and socially through imaginative play that combines enjoyment and entertainment. The grotesque is one of the artistic methods that work to attract the attention of the recipient in theatrical texts that combine dissonance and contradiction in a dramatic act that combines the beautiful and the ugly, the honest and the false together as an expressive method for the theatrical text directed to the child. The first chapter (the methodological framework) dealt with the research problem that was identified in the following axis: What are the works of grotesques in children’s theater texts? The importance of research on the subject of grotesques is evident as it is a sensor that provides researchers and stakeholders in the field of children’s theater by shedding light on the concept of grotesques and its activities in his book the theatrical text directed to the child. Child . The researcher reached the most important results:

1-Presenting what is positive and negative in an objective manner within the drama of the theatrical text

2-The presence of animal and plant characters, which makes the text a kind of humanized plays

Keywords: occupations, grotesque, children's theatre.


¹ Ministry of Education / General Directorate of Physical Education and School Activity, anmar481981.aa@gmail.com

² College of Fine Arts / University of Baghdad, saleh.ahmed@cofarts.uobaghdad.edu.iq






الأحد، 16 أغسطس 2026

حين فتح السيد حقيبة الأسرار سرد بلا حدود

 السيد حافظ

رواية

حين فتح السيد حقيبة الأسرار

سرد بلا حدود



الجزء الأول – الرؤية الثانية

2026


كلمة لابد منها

نعم، كثير من الكتّاب الكبار اقتربوا من هذا الشكل الهجين بين الرواية والسيرة الذاتية والاعتراف الشخصي، لكن كل واحد صنع طريقته الخاصة. 

أنا هنا لا أتحدث عن "مذكرات" تقليدية فقط، بل عن تحويل الحياة نفسها إلى مادة سردية مفتوحة، وهذا أقرب إلى ما يسمى أحيانًا: الرواية السيرية "السيرة الروائية" الاعتراف الأدبي أو ما بعد السيرة الذاتية.

ومن أشهر من فعلوا ذلك:  

نجيب محفوظ في بعض أعماله المتأخرة، حيث اختلطت حياته بأسئلة الشيخوخة والذاكرة والسلطة والزمن. 

عبد الرحمن منيف جعل التجربة السياسية والشخصية مادة روائية واسعة.

هنري ميلر حوّل حياته اليومية وعلاقاته وفقره إلى أدب مباشر وصادم.

مارسيل بروست بنى مشروعًا كاملًا على استعادة الزمن والذاكرة الشخصية.

محمد شكري في روايته "الخبز الحافي" جعل حياته نفسها رواية قاسية ومكشوفة.

إدوار الخراط مزج السيرة بالتأمل والأسطورة واللغة الشعرية.

لكن المختلف في فكرتى أننى لا أريد مجرد "سيرة ذاتية مرتبة"، بل أريد حياة كاملة تتكلم عبر أشخاص، مدن، مسارح، هجرات، خيبات، وأحلام عربية مكسورة.


لقراءة أو تحميل الكتاب كاملا بصيغة PDF من الرابط التالي 

رابط التحميل الأول 

اضغط هنا 

... 

رابط التحميل الثاني 

اضغط هنا 


... 





الخميس، 13 أغسطس 2026

كل من عليها خان مقالات ٣

 كل من عليها خان

مقالات

٣

بقلم: السيد حافظ



لم أتخيل يومًا من الأيام أنني سأفاجأ بهذه الصورة البشعة.

لقد كرمني الله أثناء وجودي في الكويت في الثمانينيات بنجاح باهر في مسرحية «سندريلا». فتح هذا النجاح أمامي أبوابًا كثيرة، وعُرض عليّ بعدها أن أقدم مسرحية جديدة، فطلبت من عبد الرحمن عقل أن يقدّم مسرحية ذات تكلفة عالية، وكانت «الشاطر حسن».

وعرضت عليه أن يقوم بإخراجها أحمد عبد الحليم.

كان أحمد عبد الحليم نجمًا معروفًا في القاهرة؛ فهو بطل فيلم «يوميات نائب في الأرياف» الذي أخرجه توفيق صالح، وشاركته فيه زوجته الفنانة عايدة عبد العزيز، كما كان من رجال المسرح المصري البارزين.

كان أحمد عبد الحليم شخصية لطيفة جدًا، محترمة جدًا، مهذبة جدًا، راقية جدًا.

فقلت له: أريدك أن تخرج المسرحية.

فقال لي:

ـ أنت هتاخد كام وأنا هاخد كام؟

وكان هذا هو الشرط الأساسي، وليس جودة النص.

وأنا أعلم أن تسعين في المائة من الفنانين — خلينا نقول تسعين في المائة — لا يهمهم في البداية جودة النص بقدر ما يهمهم كم ستدفع.

وهذا هو الحال يا عبد العال في كل زمان ومكان في بلادنا.

الفن يُقاس بالأجر.

اتفقت معه على أن يأخذ ألفين وخمسمائة دينار عن العمل، وأنا أحصل على ألفين.

وتحدثت مع الفنان الكويتي الشهير، الكوميديان الرائع محمد جابر، المعروف بشخصية العيدروس، وكان من أبطال مسلسل «مبارك» مع زينب الضاحي، وكان شريكًا لعبد الرحمن عقل.

واتفقنا.

وقدّم أول عمل لي معه، وهو «الشاطر حسن»، فكان نجاحه في الساحة الفنية الكويتية أكبر من نجاح «سندريلا».

وبدأت الأعمال.

وقدّمت بعد ذلك مع مخرجين كويتيين، منهم دخيل الدخيل، والدكتور حسين مسلم، وغيرهما.

ثم عُرض عليّ أن أقدّم مسرحية «سندس» للمنتجة والمثقفة والشاعرة والأديبة أمل عبد الله، تلك المرأة الأسطورة.

وطلبت مني أن يكون أحمد عبد الحليم معي.

فذهبت إليه.

فقال لي:

ـ أنا لا أستطيع أن أخرج مسرحيتين في وقت واحد، لكن أنت كمؤلف من الممكن أن يكون لك مسرحيتان في وقت واحد.

بدأت أفكر.

وفكرت في محمود الألفي.

كان محمود رجلًا ظريفًا، لطيفًا، بشوشًا جدًا، راقيًا، مهذبًا، ومن عائلة الألفي المعروفة، وهي عائلة فنية محترمة، منها فؤاد الألفي ونبيل الألفي المخرج والمنتج، وغيرهم.

وكان محمود متزوجًا من سيدة عظيمة، وله ابنتان جميلتان، وكان يسكن في فندق الرحاب بشارع تونس.

قلت له:

ـ ستأخذ مبلغًا قليلًا لأن اسمك غير معروف.

وقلت للسيدة أمل عبد الله:

ـ سآتيك بمحمود الألفي.

قالت:

ـ لا أعرفه.

قلت:

ـ ستعرفينه.

وأخذت أحاول أن أقنعها مرة واثنتين وثلاثًا.

ثم فكرت في حيلة.

قلت لمحمود الألفي:

ـ عليك أن تدعوها إلى الغداء في بيتك، وأنا سأكون معها، ويكون معنا بعض الفنانين.

فقال:

ـ هل سيكفيها هذا؟

فاتفقنا.

اتصل بها، وعرّفها بنفسه بالتليفون كما وصفتها له، ودعاها.

وأنا ذهبت إلى مطعم زارة المدائن في شارع تونس، بجوار العمارة أو البرج الذي كان يسكن فيه محمود الألفي.

دفعت ثمن خروف محشي، وكان ثمنه ثلاثين دينارًا.

ثلاثون دينارًا كاملة.

خروف محشي بالأرز والمكسرات.

وأخذته إلى شقة محمود الألفي، على أساس أن محمود الألفي هو الذي أقام الوليمة.

وكانت في استقبالنا زوجته السيدة نعمة الشامي، شقيقة الفنان الشامي المعروف، وكانت سيدة أكثر من رائعة؛ لطيفة، حبّابة، محترمة، وأقامت علاقة طيبة مع زوجتي.

وهكذا تعرّفت السيدة أمل عبد الله إلى محمود الألفي.

وبدأ المشوار.

قدّم محمود الألفي معي مسرحيتين: «سندس» و«أولاد جحا».

وكان أجره في البداية أقل مني بخمسمائة دينار، وكان يحصل على ألف دينار.

وظل يتودّد ويلحّ ويطلب الزيادة.

وأخذت أنا ألحّ على السيدة أمل عبد الله حتى وافقت وزادت أجره، رغم أنها لم تحقق أرباحًا جيدة من المسرحيتين، وربما خسرت في إحداهما.

وكانت المسرحية التي تتناول القضية الفلسطينية هي «سندس».

وأعتقد أن سبب الخسارة أن الفلسطينيين أنفسهم لم يذهبوا لمشاهدة المسرحية، مع أنها كانت تتحدث عن مأساة فلسطين وقضية فلسطين.

وهذه المسرحية تحديدًا من أكثر مسرحياتي التي تُقدَّم في مصر حتى الآن؛ فقد قدّمتها آلاف المدارس، وتناوب على تقديمها مخرجون كثيرون.

أما أحمد عبد الحليم فقد قدّم لي، على ما أذكر، ست مسرحيات، منها «الساحر حمدان» و«الشاطر حسن» و«علي بابا» وغيرها، وبعضها موجود على الإنترنت.

ثم جاء المخرج المصري محمد سالم، مدير الصالون الثقافي في دار الأوبرا، وقدّم لي مسرحية «أبو زيد الهلالي» أو «فرسان بني هلال».

وهكذا كان الثلاثة المصريون: محمد سالم، ومحمود الألفي، وأحمد عبد الحليم.

ثلاثة مخرجين قدّموا أعمالي في الكويت.

ثلاثة رجال فتحت لهم أبوابًا، وأعطيتهم نصوصًا، ووفّرت لهم فرصًا لم يكونوا يحلمون بها.

ثم عدت إلى مصر عام 1986 واستقررت فيها.

وعاد الثلاثة بعد ذلك بسنوات قليلة.

عاد أحمد عبد الحليم إلى مصر، وأصبح مديرًا للمسرح القومي.

ذهبت إليه.

وقلت له:

ـ أريد أن تقدّم لي مسرحية على خشبة المسرح القومي.

فقال:

ـ حوّلت النص إلى لجنة، واللجنة وافقت عليه.

قلت له:

ـ خلاص، نعمل مسرحية صغيرة، فصلًا واحدًا، بطولة شخصيتين، في مسرح الحجرة أو مسرح الغرفة، في قاعة عبد الرحيم الزرقاني.

فجاءني بوجه كبير في السن ومريض وقتها، وقال لي:

ـ الأستاذ فلان رفض المسرحية.

ولا أذكر اسم الرجل والله.

فضحكت.

ضحكت لأنني تذكرت الكويت.

تذكرت الرجل الذي أخرج لي أولى مسرحياتي هناك.

تذكرت الرجل الذي حصل مني في الكويت على أعلى أجر ربما لم يكن قد حصل عليه في حياته.

وهذا كان رد الجميل من أحمد عبد الحليم.

أما محمود الألفي، فكانت لي معه حكاية أخرى.

عندما قدّم لي مسرحية في مسرح الشباب، بطولة عثمان محمد علي وسمير حسني، وكانت المسرحية «إشاعة»، كتب لي قبل افتتاح المسرحية بيوم عقد تأليف بمبلغ خمسمائة جنيه.

خمسمائة جنيه!

وكان هذا مبلغًا كبيرًا في ذلك الوقت، ولا يحصل عليه أي عامل في المسرح تقريبًا.

فقلت له:

ـ أنت كاتب 500؟

ثم قلت:

ـ أنت ناقص صفر يا محمود... تقصد خمسة آلاف!

فغضب واحمرّ وجهه، وضرب بيده على المكتب وقال:

ـ أنت مش في الكويت. أنت مش الأول هنا زي هناك. هنا لوائح وقوانين. أنا الذي أقول.

صُدمت.

لم أرد عليه.

ذهبت إلى مجدي، مدير الحسابات أو مدير الشؤون المالية في المسرح، وقلت له:

ـ أنا مضيت يا مجدي، ودي ورقة مني بالتنازل عن المبلغ لعمال المسرح. شكرًا.

ولم أحاسبه.

ولم أعاتبه.

ولم أرد عليه بكلمة.

لكنني تذكرت أيضًا حسين مسلم، المخرج الذي أخرج لي مسرحية «بيبي والعنكبوت»، وكانت أول مرة يخرج فيها لمسرح الطفل.

وتوسّلت إلى إبراهيم الصلال وأحمد الصالح وأحمد العساني حتى يوافقوا على أن يخرج حسين مسلم المسرحية («بيبي والعجوز»).

ثم تولّى د. حسين مسلم إدارة المهرجانات، وأصبح مديرًا للمهرجانات، وأصبح عميدًا للمعهد، وأصبح اسمًا معروفًا.

ولم يفكّر في دعوتي أو تكريمي.

لكن عندما أصبح في موقع السلطة، لم يدعني مرة.

ولم يذكرني حتى في خدمته له لدخوله عالم الإخراج.

لم يردّ الجميل.

أشياء غريبة تحدث لي في هذا العالم الجميل.

إنها الدنيا.

الذين قدّمت لهم فرصًا لم يكونوا يحلمون بها، وفتحت لهم أبوابًا، وكتبت عنهم مقالات لم تُكتب في حياتهم، أصبح كل رصيدهم الحقيقي هو تلك المقالات التي كتبت عنهم. دخلوا المسرح الكويتي من خلال مسرحياتي التي قدّموها على مسارح الكويت.

أنا الذي كتبت.

أنا الذي قدّمت.

أنا الذي دفعت.

أنا الذي فتحت الأبواب.

كله أصبح في ذاكرة النسيان.

ثم عندما عدنا نهائيًا إلى القاهرة، تغيّرت الوجوه، وتغيّرت الذاكرة، وتغيّرت الحسابات.

الصديق في الكويت قد يصبح عدوًا في القاهرة.

ليس لأنني تغيّرت.

بل لأن المكان تغيّر.

ولأن السلطة تغيّرت.

ولأن الإنسان، عندما يصل إلى موقع القوة، قد ينسى اليد التي أخذت بيده يوم كان يحتاج إليها.

وأنا ظللت كما أنا: كاتب حر بلا منصب حكومي.

ومع ذلك، لا أندم.

لأنني كنت أؤمن دائمًا أن الفن أكبر من الأشخاص.

وأن المسرح لا يعيش بالجميل والرد عليه.

وأن الكاتب الحقيقي يعطي لأنه يريد أن يرى نصه حيًا على الخشبة.

لكنني في النهاية إنسان.

ومن حق الإنسان أن يتساءل:

كيف يمكن لمن صنعت له طريقًا أن يتصرّف معك بعد ذلك كأنك لم تكن؟

كيف يمكن لمن حملت اسمه إلى الناس أن يتعامل مع اسمك كأنه لا يعرفه؟

كيف يمكن لمن فتحت له بابًا أن يغلق الباب في وجهك عندما يصبح هو صاحب المفتاح؟

إنها أسئلة لا أملك لها إجابة.

وربما لهذا كتبت.

لأن الكتابة هي الشيء الوحيد الذي لم أستطع أن أتنازل عنه.

أما الباقي...

فقد تنازلت عنه كثيرًا.

تنازلت عن المال.

وتنازلت عن الغضب.

وتنازلت عن العتاب.

بل تنازلت أحيانًا عن حقي.

لكنني لم أتنازل عن ذاكرتي.

ولهذا أكتب الآن.

لا لأنتقم.

ولا لأشتم أحدًا.

ولكن لكي أقول ما حدث كما حدث، قبل أن تموت الذاكرة، وقبل أن يُعاد كتابة التاريخ على مقاس الأقوياء.

هذه حكايتي مع أحمد عبد الحليم، ومحمود الألفي، ومحمد سالم، ومع آخرين كثيرين.

محمد سالم الذي أقام عشرات الندوات في الأوبرا ولم يدعني لمناقشة تجربتي. وعندما عاتبته كاد يُصاب بأزمة قلبية فتركته ومشيت.

أناس أعطيتهم من قلبي، ومن وقتي، ومن اسمي، ومن كتابتي.

وحين عدنا إلى القاهرة اكتشفت أن الصداقة أحيانًا تكون مرتبطة بالمكان، وأن الجميل عند بعض الناس يعيش فقط ما دام صاحبه قادرًا على العطاء.

ثم ينتهي الجميل عندما ينتهي العطاء.

إنها الدنيا.

كل من عليها خان.

السيد حافظ

رأى الذكاء الاصطناعي جروك في النص 

رأيي في النص

النص قويّ وصادق، وفيه نبرة إنسانية واضحة لا تتظاهر بالبطولة ولا بالانكسار المبالغ فيه. هذا أهم ما فيه.

نقاط القوة

الصدق والجرأة

الكاتب لا يجمّل ولا يختلق. يذكر الأسماء، المبالغ، التفاصيل الصغيرة (الخروف المحشي بثلاثين دينارًا، العقد بـ500 جنيه، جملة «أنت مش في الكويت»). هذه التفاصيل تمنح الحكاية ثقلًا واقعيًا يصعب نسيانه.

البنية الزمنية الذكية

الانتقال من الكويت (زمن العطاء والفرص) إلى القاهرة (زمن السلطة والنسيان) مرسوم بوضوح. القارئ يشعر بالتحول تدريجيًا، ثم يصطدم به في المشاهد الأخيرة.

الخاتمة

الفقرة الأخيرة («كل من عليها خان») ليست مجرد شعار. هي نتيجة طبيعية لكل ما سبق. السؤال الثلاثي («كيف يمكن لمن صنعت له طريقًا…») ناجح جدًا، لأنه يحول الغضب الشخصي إلى سؤال إنساني عام.

الصوت الشخصي

رغم أن النص أصبح أكثر أدبية بعد التنقيح، إلا أنه لم يفقد نبرة السيد حافظ: المباشرة، السخرية الخفيفة أحيانًا، والمرارة الهادئة. هذا التوازن نادر.

ما يمكن تطويره أكثر (دون المساس بالأحداث)

بعض المقاطع التأملية في النصف الثاني تتكرر في المعنى أكثر من اللازم. يمكن ضغطها قليلًا حتى تبقى الضربة أقوى.

مشهد محمد سالم (الأزمة القلبية) جاء متأخرًا ومقتضبًا. لو أُعطي مساحة أكبر قليلًا لصار أحد أقوى المشاهد في النص.

عبارة «أشياء غريبة تحدث لي في هذا العالم الجميل» جميلة، لكن يمكن أن تُستبدل بجملة أكثر خصوصية تناسب نبرة الكاتب.

التقييم العام

النص ليس مجرد «شكوى» من أصدقاء خانوا. هو شهادة على كيفية عمل السلطة في الوسط الثقافي المصري، وكيف يتحول الجميل إلى دين منسي عندما يتغير ميزان القوى.

وهذا يجعله أعمق من مجرد حكاية شخصية.

لو نُشر كما هو الآن، سيجد صداه عند كثير من الكتّاب والفنانين الذين مروا بتجارب مشابهة. لأنه مكتوب من داخل الجرح، لا من خارجه.

باختصار: نص ناضج، صادق، ومؤثر. يستحق أن يُقرأ ويُحفظ.

الثلاثاء، 11 أغسطس 2026

من أجمل الهدايا. سرد بلا حدود

 سرد بلا حدود


أجمل الهدايا


من أجمل الهدايا التي يمكن أن ينالها كاتب أن يجد صدى تجربته في قصائد يكتبها شعراء أحبوه وآمنوا بمشروعه الإبداعي.

لقد حظيت بهذه النعمة منذ بداياتي، فكان أول من كتب عني الشاعر حسن عقل عام 1975، في قصيدته «شجرة التين البنغالي».

ثم أهداني الشاعر أحمد زرزور عام 1983 قصيدة بمناسبة صدور قصتي «صياد اللؤلؤ».

وفي عام 1984 كتب الشاعر أحمد فضل شبلول قصيدته الجميلة «قلبك فجر».

أما في عام 1995، فقد كتب الشاعر محمد الحسيني قصيدته «عم السيد».

أقف اليوم أمام هذه اللفتات الإنسانية والإبداعية بكل تقدير وامتنان، وأتوجه إلى هؤلاء الشعراء الأعزاء بخالص الشكر، لأنهم منحوني ما هو أبقى من الجوائز، وهو محبة الأصدقاء وتقدير المبدعين.

شكرًا لهم جميعًا على هذه المشاعر النبيلة التي سأظل أعتز بها ما حييت.

السيد حافظ

الهجرة بقرض حسن... وحسن مات منذ زمن. سرد بلا حدود

 سرد بلا حدود


الهجرة بقرض حسن... وحسن مات منذ زمن


بقلم: السيد حافظ






حينما فكرت لأول مرة في الهجرة إلى خارج مصر، كنت طالبًا في الصف الثاني الثانوي، وعضوًا في منظمة الشباب الاشتراكي. يومها طرحت سؤالًا بسيطًا في ظاهره، لكنه كان كبيرًا في نتائجه. سألت: كيف يفكر الكيان الصهيوني؟ ماذا يكتب؟ ما هي كتبه ورواياته؟ كيف يبدو شعره؟ وما هي السينما والأغاني التي يقدمها؟

لم يكن هدفي الإعجاب ولا التطبيع، وإنما المعرفة. كنت أؤمن أن معرفة الخصم جزء من فهم العالم. لكن السؤال فُهم على نحو آخر، فاعتبر البعض أنني قد «صبأت» أو أصبت بالجنون.

أقاموا لي جلسة تنظيمية، أو ما يشبه المحاكمة. جلس الموجهون السياسيون في خيمة، وجلست أمامهم وحدي، أتلقى الأسئلة والاستجوابات. وفي النهاية أوقفوا نشاطي السياسي في المنظمة لمدة ستة عشر شهرًا، وجُمِّدت عضويتي، بحجة أن أفكاري كانت خليطًا من الاشتراكية والرأسمالية، والأدب، والفلسفة الوجودية، والعبث، والمسرح.

منذ تلك اللحظة بدأت أفكر في الهجرة.

قدمت طلبات إلى عدد من السفارات بحثًا عن منحة لدراسة المسرح، لكنني لم أحصل إلا على استجابة أو اثنتين، ثم قيل لي إن أي منحة للطلاب المصريين لا بد أن تمر عبر وزارة التعليم العالي، فتوقفت المحاولة.

وبعد تخرجي في الكلية، عام 1976، قررت السفر إلى الكويت. لم أكن أملك ثمن التذكرة، وكانت قيمتها ذهابًا وإيابًا مائةً وعشرين جنيهًا. اقترضت مائة جنيه من السيدة الفاضلة «عطيات»، التي كنا جميعًا نناديها «خالتي عطيات»، رغم أنها ليست خالتي، وكانت تسكن في البيت المقابل لبيتنا، وهي زوجة عم المحبش. دبرت العشرين جنيهًا الباقية، وسافرت، وبعد خمسة أشهر فقط من عملي في الكويت سددت القرض كاملًا.

ثم جاءت محنة أخرى. عندما مرضت زوجتي، رحمها الله، في عامي 2005 و2006، وقيل لنا إن تكلفة زراعة الكبد قد تصل إلى نصف مليون جنيه، سافرت إلى الإمارات لأقابل الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي، سلطان المسرح والثقافة، أملًا في الحصول على منحة علاجية.

ولأنني لم أكن أملك ثمن السفر، اقترضت قيمة التذكرة من صديقي وجاري الأستاذ حاتم أكيد، الإنسان النبيل، الفارس خلقًا وثقافةً وأدبًا. وبعد أن عملت في دبي، سارعت إلى رد المبلغ إليه.

لكن في عام 2008 ضاقت بي الإمارات، وفُصلت من عملي فيما أراه مؤامرة حقيقية قادها اثنان من الزملاء، أحدهما مصري والآخر فلسطيني. عندها فكرت في الهجرة إلى قطر، واقترضت ثمن التذكرة من السيدة الفاضلة الأستاذة سعدية. وهذه هي المرة الوحيدة في حياتي التي لم أستطع فيها رد قيمة التذكرة، وما زلت أشعر تجاهها بالامتنان.

أما الصديق جمال سالم، فله عندي حكاية أخرى مع «القرض الحسن». فما من كتاب أردت طباعته إلا وكان أول من يمد يده إليّ، فأقترض منه تكاليف الطباعة، وكثيرًا ما أعجز عن السداد. ومع ذلك لم يحرجني يومًا، ولم يطالبني برد ما اقترضته، وكأنه كان يؤمن بأن الكتاب الذي يرى النور أهم من المال الذي يعود، وأن دعم الثقافة رسالة قبل أن يكون معاملة مالية.

ومن غرائب الحياة أنني، بعد عودتي من الكويت إلى الإسكندرية عام 1986، أصبحت أنا من يمنح «القرض الحسن». فقد اقترض مني أكثر من خمسة عشر أو ستة عشر فنانًا ومثقفًا من أبناء الإسكندرية. لم يرد واحد منهم ما اقترضه، ولم ألاحق أحدًا، ولم أطالب أحدًا بالسداد.

وذات يوم قلت لصديقي القاص الجميل محمد إبراهيم مبروك: «أنا سلفتك مرتين». فابتسم وقال: «أنت لم تسلفني... أنت دعمتني».

والعبارة نفسها قالتها لي إيمان الصيرفي: «أنت دعمتني».

عندها أدركت أن القرض الحسن ليس مجرد مال، بل هو موقف إنساني، وأن بعض الناس لا يتذكرون النقود، وإنما يتذكرون اليد التي امتدت إليهم وقت الضيق.

لهذا، كلما تذكرت خالتي عطيات، والأستاذ حاتم أكيد، والأستاذة سعدية، والصديق جمال سالم، أيقنت أن زمن «القرض الحسن» كان زمنًا آخر... زمنًا كان الناس فيه يقرضون المحبة قبل المال، والثقة قبل الضمانات.

أما اليوم... فأخشى أن أقول إن «حسن» قد مات منذ زمن.

تمت

القاهرة

السيد حافظ

رأى الذكاء الاصطناعي جروك 

رأيي في النص أنه قطعة سردية شخصية صادقة ومؤثرة، تجمع بين السيرة الذاتية والتأمل الاجتماعي بأسلوب بسيط وواضح، بعيد عن التكلف.

نقاط القوة:

الصدق والحميمية: النص يروي تجارب شخصية حقيقية (من أيام منظمة الشباب الاشتراكي، إلى السفر للكويت والإمارات وقطر، مرورًا بمرض الزوجة) دون تجميل مبالغ فيه. هذا يجعل القارئ يشعر أنه يستمع إلى حديث صديق قريب لا إلى مقال منمق.

الفكرة المركزية قوية: فكرة «القرض الحسن» تتحول من مجرد مال إلى رمز إنساني أوسع (المحبة، الثقة، الدعم الثقافي). الجملة الختامية «حسن مات منذ زمن» ذكية وموجزة، تلخص التحول الاجتماعي بمرارة هادئة.

التوازن بين الأخذ والعطاء: الكاتب لا يكتفي بسرد ما أخذه، بل يذكر أيضًا أنه أصبح هو المُقرض، وأن معظم من اقترضوا منه لم يردوا. هذا يمنع النص من أن يبدو شكوى أو تمجيدًا للذات.

اللغة: سلسة، قريبة من الكلام اليومي، مع لمسات أدبية خفيفة تناسب موضوع «سرد بلا حدود». لا توجد استعارات ثقيلة أو جمل معقدة تعيق التدفق.

ملاحظات نقدية بسيطة:

النص يعتمد كثيرًا على التعداد (أسماء الأشخاص والمواقف). هذا يعطيه طابع الشهادة المباشرة، لكنه قد يجعل الإيقاع متشابهًا في بعض الفقرات.

الفكرة السياسية الأولى (السؤال عن الكيان الصهيوني وما تلاه من محاكمة تنظيمية) مهمة في تفسير بدايات التفكير في الهجرة، لكنها تبقى سريعة نسبيًا مقارنة بباقي السرد. كان يمكن أن تُعمَّق قليلًا لتظهر أكثر كيف شكلت وعيه.

النهاية قوية، لكنها تأتي بشكل مباشر. كان يمكن أن تُترك للقارئ مساحة أكبر للتأمل قبل الجملة الأخيرة.

الخلاصة:

النص ناجح في نقل شعور الحنين إلى زمن كانت فيه الثقة بين الناس أقوى من الأوراق والضمانات. وهو في الوقت نفسه شهادة على تجربة جيل من المثقفين المصريين الذين عاشوا بين الهجرة والثقافة والديون الطيبة. أسلوب السيد حافظ هنا قريب من أسلوبه المعروف في السرد الحر والمباشر، ويحقق الغرض الذي يوحي به العنوان: سرد بلا حدود، أي بلا حواجز بين الخاص والعام، وبين المال والموقف الإنساني.

نص يستحق القراءة، ويترك أثرًا هادئًا بعد انتهائه.

...

رأى الذكاء الاصطناعي الصيني 

أرى أن النص يحمل عمقًا سرديًا يستحق التوقف، وأتفق مع معظم نقاط المراجعة التي قدمها الذكاء الاصطناعي، لكني أرغب في إضافة طبقة أخرى من القراءة ربما تغيب عن التحليل التقني.


ما يميز النص حقًا:


1. انزياح العتبة: يبدأ النص بـ"سؤال" عن العدو (الكيان الصهيوني)، وينتهي بـ"موت" رمزي (حسن). هذا الانتقال الذكي من السياسي/الأيديولوجي إلى الإنساني/الأخلاقي هو جوهر النص. العقوبة التي تعرض لها في منظمة الشباب لم تكن بسبب المال، بل بسبب الفضول المعرفي؛ لكن المفارقة أن أغلب محنه اللاحقة كانت بسبب المال. وكأن النص يخبرنا أن الأنظمة قد تسامحك إذا سألت عن العدو، لكن الزمن لا يسامحك إذا افتقرت إلى الثقة الاجتماعية.

2. المفارقة في "القرض الحسن": المصطلح مُستعار من الدين (القرض الحسن هو قرض بلا فائدة ولا إلحاح في السداد). حين يقول الكاتب إنه هو نفسه أقرض 15 أو 16 فنانًا ولم يُردّوا، فهو لا يشتكي، بل يمارس ذات الفعل الذي تلقاه. لكن اللافت أن الذين لم يسددوا له قالوا له: "أنت دعمتني"، بينما هو عندما اقترض قال: "سددت". هذا التباين يكشف عن تحول في مفهوم الدين ذاته: من التزام مالي صارم إلى دعم معنوي غير مشروط، ومن ثم إلى ثقافة الاستحقاق.

3. الاستثناء الوحيد: عبارته "وهذه هي المرة الوحيدة في حياتي التي لم أستطع فيها رد قيمة التذكرة" (في قصة السيدة سعدية) هي أكثر جملة مؤلمة في النص. لأنه في كل المرات السابقة كان يرد الدين بسرعة، وكأن عجزه عن الرد هنا ليس عجزًا ماديًا فحسب، بل كسر لـ"نموذجه" الأخلاقي الذي بنى عليه هويته.


فقط أختلف مع المراجعة السابقة في نقطة واحدة:

المراجعة قالت إن الجزء السياسي كان سريعًا، وكان يمكن تعميقه. لكني أرى أن إيجازه هو موطن قوته. فالمحاكمة التنظيمية تُذكر في أربعة أسطر فقط، وكأن الكاتب يقول: "تلك التفاصيل السياسية لم تكن جوهرية؛ لقد كانت مجرد شرارة". الجوهر الحقيقي الذي أراد الكتابة عنه هو التآكل البطيء للثقة الاجتماعية، الذي لا يحدث بقرار من حزب، بل يحدث بصمت حين يتحول "القرض الحسن" إلى مجرد عبارة قانونية، وحين تموت كلمة "حسن" في قاموسنا اليومي.


ختامًا: النص ليس مجرد سيرة ذاتية، بل هو أنثروبولوجيا صغيرة للطبقة الوسطى المثقفة في مصر. يرصد كيف كانت الهجرة الخارجية وما تلاها من اغتراب مادي هي القاتل الصامت للروابط الإنسانية التي كانت قائمة على "الوجه" قبل "التوقيع". النهاية المباشرة ("مات منذ زمن") لا تحتاج إلى تأويل؛ لأنها ببساطة رثاء لزمن لم يعد ممكنًا، وهذا الرثاء هو ما يجعل النص يؤلمك بعد الانتهاء منه، لا مجرد أن يترك أثرًا هادئًا.

الدنيا لما تخونك... يبقى الوزير مش فاضي لك

 الدنيا لما تخونك... يبقى الوزير مش فاضي لك

بقلم: السيد حافظ



يعلم عدد قليل من أصدقائي في الإسكندرية والقاهرة حجم الصداقة التي جمعتني بالفنان الكبير فاروق حسني. بدأت الحكاية في أواخر ستينيات القرن الماضي، عام 1968 أو 1969، بعد أن كتبت مسرحية «الأقصى في القدس يحترق» إثر حريق المسجد الأقصى.

كان فاروق حسني آنذاك مديرًا لقصر ثقافة الأنفوشي، وقد قرأ المسرحية، وشجعني، ورشحني للمشاركة في مؤتمر الأدباء الشبان الأول بالزقازيق عام 1969، وكنت أصغر مؤلف يشارك في ذلك المؤتمر. هناك تعرّفت إلى وجوه الحركة الثقافية المصرية القادمة من معظم المحافظات، وكانت بداية دخولي الحقيقي إلى الوسط الثقافي.

أتوقف عند مشهدين لا يغادران ذاكرتي.

الأول كان في كنيسة الجزويت بالإسكندرية، في سيدي جابر، حيث كان الأب بيتر، قد دعانا على الغداء ذلك القس المتحمس للمسرح التجريبي، يحتضن تجاربنا. أسسنا هناك فرقة «جماعة الاجتياز »، ولا أذكر اليوم على وجه اليقين من أطلق الاسم؛ أأنا، أم يوسف عبد الحميد، أم مساعد خميس. كنا ثلاثة نؤمن بأن المسرح عمل جماعي، وأن الكاتب لا يصنع مسرحًا وحده، بل يصنعه مع رفاقه.

في إلغداء طلبت من الإب ابيتر دعوة فاروق حسني و أن أرشح بعض الأصدقاء لحضور غداء في الكنيسة، فرشح قاروق محمود ادم ، الشهير بسامي. كانت أيامًا بسيطة، مليئة بالأحلام والضحك، والعيش والملح.

ثم سافر فاروق إلى فرنسا، وظلت بيننا المراسلات. وأذكر من رسائله قوله إن المستشرق الفرنسي جاك بيرك لو قرأ أعمالي لترجمها، وإن باريس مدينة تمنح المبدعين فرصًا لا تنتهي.

المشهد الثانى 

مرت السنوات...

وأصبح فاروق حسني وزيرًا للثقافة.

أما أنا، فقد مررت عام 2005 بأقسى أيام حياتي.

مرضت زوجتي ودخلت العناية المركزة في مستشفى القصر العيني الفرنساوي، ومرض ابني محمد ودخل العناية المركزة في مستشفى شريف مختار بالقصر العيني القديم .بفضل الكاتب الصديق محمد سلماوي حجز لابني مكانًا في المستشفى، وبفضل الدكتور أشرف زكي دخلت زوجتي العناية المركزة.فى القصر العيني الفرنساوي لكن العلاج كان يحتاج إلى أموال يومية، والمطالب لا تنتهي.

ساعدني الدكتور حسام عطا بورقة قرار علاج على نفقة الدولة لابني، وكان الدكتور أشرف زكي يجدد لزوجتي كل أسبوع قرار العلاج. ومع ذلك كانت النفقات تتضاعف،بشكل مرعب حتى نفدت كل مدخراتي.

لم أطلب صدقة.

كل ما طلبته من وزير الثقافة، صديق البدايات، أن تشتري الوزارة بعض مسرحياتي، فاشترها فاروق بعد ان كتب الناقد المعروف مؤمن خليفة فى جريدة الاخبار انقذوا السيد حافظ اعلن فاروق شراء ثلاث مسرحيات بعشرة آلاف جنيه مثلًا، بعد الخصم كانت سبعة الاف لأستطيع إنقاذ أسرتي.

لم يحدث شيء.

اتصلت بصلاح شقوير، وكان صديقًا قديمًا من أيام قصر ثقافة الأنفوشي. رجلًا مهذبًا، ذكيًا، صاحب روح مصرية أصيلة. كان مهندسا ويلعب رياضة وحديد عرفته منذ كان يحمي عروضنا المسرحية من بلطجية المنطقة المحيطة بالقصر، ثم سافر إلى باريس، وعاد مع فاروق ليتولى مناصب مهمة في وزارة الثقافة.وتزوج من اخته وعينه مسؤله عن قطاعات فى وزارة الثقافة..

اتصلت بالوزير مرة...

ثم ثانية...

ثم ثالثة...

ثم رابعة...

قلت له:

لقد اتصلت بصلاح شقوير أكثر من مرة، ورد قلت له خلى الوزير يتدخل ابنى ومراتى فى العناية. كلمه... فقط اجعله يكلمني.

قال:

«حاضر».

ثم اتصلت بعد قليل أسأله:

ـ كلمت الوزير ياصلاح ؟

فقال الجملة التي ما زالت ترن في أذني حتى اليوم:

«الوزير مش فاضي لك.»

كانت جملة قصيرة...

لكنها كانت كافية لكي أفهم أشياء كثيرة.

أدركت أن الوطن أيضًا قد لا يكون فاضيًا لك.حين تصاب بمحنة

وأن صديق الأمس، حين يصعد إلى قمة السلطة، قد ينسى ضحكات البدايات، وأيام المسرح، والعيش والملح، والرفاق الذين شاركوه الحلم.

بعدها علمت من صديقي الكاتب الراحل ابو العلا السلاموني أن طلبي للعمل بوزارة الثقافة أُرسله الوزير إلى الجهات المختلفة للسؤال: «هل تحتاجون هذا الرجل؟»

ولم يأتِ الرد.

أو جاء بالصمت.

 قال ابو العلا الوظيفة التى عندى متواضعة، براتب لا يتجاوز مائة وعشرين جنيهًا في الشهر.

لم أغضب لأنني لم أصبح مسؤولًا.

غضبت لأن الإنسان، عندما ينهكه الفلس، ويصبح ابنه وزوجته بين الحياة والموت، ثم يطرق باب صديق العمر، فلا يسمع إلا عبارة واحدة...

«الوزير مش فاضي لك.»

منذ ذلك اليوم أصبحت أردد في داخلي:

الدنيا لما تخونك...

يبقى الوزير مش فاضي لك...

وربما...

الوطن أيضًا.

تمت

القاهرة 

السيد حافظ

رأى الذكاء الاصطناعي جروك 

رأيي في النص:

نص صادق، مؤلم، وذكي في بساطته.

السيد حافظ لم يكتب مقالة سياسية ولا هجاءً صاخبًا. كتب شهادة شخصية باردة من الخارج، حارة جدًا من الداخل. اختار أن يحكي الحكاية بهدوءٍ نسبي، دون صراخ أو شتائم، وهذا ما يجعل الجملة الأخيرة («الوزير مش فاضي لك») أقوى بكثير مما لو صاح بها.

نقاط القوة:

البناء الذكي: يبدأ بالصداقة القديمة والمشهد الدافئ في كنيسة الجزويت، ثم يقفز إلى المشهد الثاني بعد صعود فاروق حسني. هذا الانتقال يخلق الصدمة بشكل طبيعي.

الجملة المركزية: «الوزير مش فاضي لك» جملة قصيرة، عامية، قاتلة. حولها الكاتب إلى عنوان وفلسفة صغيرة عن السلطة والصداقة والوطن.

الصدق العاطفي: تفاصيل المرض، قرارات العلاج، نفاد المدخرات، الاتصال المتكرر بصلاح شقوير… كلها تجعل القارئ يشعر بثقل اللحظة، لا مجرد يسمع عنها.

النبرة: ليست نبرة ضحية مستكينة، ولا نبرة حاقد. هي نبرة رجل جُرح في مكان عميق (الصداقة + الكرامة)، فقرر أن يحوّل الجرح إلى جملة يتذكرها الناس.

ما يمكن مناقشته:

النص يعتمد بشكل أساسي على الرواية الشخصية. وهذا حقه تمامًا، لكنه يترك القارئ بدون الجانب الآخر من القصة (ماذا كان يحدث فعليًا في مكتب الوزير؟ هل وصل الطلب أصلًا؟). هذا لا يضعف النص أدبيًا، لكنه يجعله شهادة أكثر منه تحقيقًا.

الخاتمة («وربما… الوطن أيضًا») توسّع المعنى من الشخصي إلى العام. هذا التوسع ناجح أدبيًا، لكنه يحمل خطر التعميم.

الخلاصة:

النص ناجح لأنه لم يحاول أن يكون «نصًا كبيرًا». اكتفى بأن يكون صادقًا وموجعًا ومباشرًا. الجملة التي اختارها عنوانًا («الدنيا لما تخونك… يبقى الوزير مش فاضي لك») ستظل عالقة في ذهن من يقرأها، وهذا بحد ذاته إنجاز أدبي.

هو نص عن خيانة الصداقة تحت وطأة السلطة، وعن كيف يكتشف الإنسان أن بعض الأبواب التي كان يظنها مفتوحة… لم تكن كذلك أبدًا.

 
Design by Free WordPress Themes | Bloggerized by Lasantha - Premium Blogger Themes | cheap international voip calls ta3rib : Abed