Add a dynamically-resized background image to the page.txt Sayed Hafez (sayedhafez948@gmail.com) جارٍ عرض Add a dynamically-resized background image to the page.txt.

أدخل كلمة للبحث

السبت، 13 أغسطس 2022

دراسة لرواية (لو لم أعشقها) للأديب المصري الراقي / السيد حافظ بقلم: سالمة المغربي

 

دراسة لرواية (لو لم أعشقها)

 للأديب المصري الراقي / السيد حافظ

بقلم: سالمة المغربي




كان العنوان نصف جملة، أداة الشرط وفعله، أين بقية الجملة(جواب الشرط)؟

إنه بأحداث الرواية. وسنعود إليه بعد فك طلاسمها.

 رغم أنه عنوان غير مكتمل، لكنه  مشوق. بدأها الكاتب من أول صفحاتها بإهداء عام وجريء. إنه للزناة، لقد جمع أنواع الزنا في سطور.

هل يعقل أن يُهدي عملا كبيرا مثل هذا لهؤلاء الزناة؟!

الجواب كان ب(نعم) لدى السيد حافظ. لم؟!

لأنه لم يقصد الزنا الفعلي أو الشخصي الذي بين الأفراد فحسب، إنما خص أيضا الذين يزنون جميعهم والمتلاعبين على الله وأيضا بالوطن. خصهم ب(زناة العين والكلام والفكر واللمس والهمس والكتابة والرؤيا بأحلام اليقظة. وليس هذا فحسب؛ بل أيضا السفهاء الذين يلعبون على الرب بالصلاة والمسبحة ودور العبادة( جوامع وكنائس ومعابد)، وإلى الكذابين الوجهاء الظرفاء_ كما قال_ ووصفهم بزناة الوطن  صبح مساء دون حياء ويأكلون أموال الفقراء.

حتى قال فيهم:( كُتب بالسحاب بالسماء" الله ترك هذا الوطن؛ لأنه زان") في العلامة رقم(٢) بعنوان/وأكثرهم لا يعقلون.

سؤال: هل حقا هم يستحقون اللقب؟ هل يستحقون توقيع الجزاء عليهم؟ ومن الذي سيحاسبهم، التقاة أم الله؟ ومتى وكيف يكون ذلك؟

الجواب: كل الأجوبة ضمنتها الرواية في أحداثها. كان الفشل، الفقر، السمعة السيئة، الخطيئة، الهجر، الهجرة، وآخرها الاختفاء. دلالة استحقاقهم له، أما من ناحية الحساب؛ كان للعبد دوره، ولله رب العالمين كلمته الأخيرة. أما الوقت والكيفية فكانت على مراحل وأحداث سردها الكاتب في متن وحبكة وصراع الرواية.

وكان الإهداء الخاص.. إلى أخيه الأكبر / محمد حافظ رجب _ رحمه الله تعالى _ كما ذكر جملة الرحمة عليه، وكان وقت كتابة الرواية على قيد الحياة، وقد اتهم فيه الأدباء بقتل موهبته، ولهذا طلب له الرحمة.

إن قول المتنبي:

طبعت على كدر وأنت تريدها..... صفوًا من الآلام والأحزان.

رأي حقيقي يمثل ماهية الحياة.

وقول شبل بدران:

الخير والشر ليسا إلا نوعين من الخير. هذا قول حكيم، فإن أصل الحياة فيها الخير، والشر يُولد من الخير كمثيله _ أو توأمه الخير. فالناتج أنهما من الخير.

يقول كاتبنا في صفحة (٧) على مسؤوليته ولسانه: وعشقت مصر بصدق، ولم أكن أعلم أن عشقها خطيئة.

خطيئة؟! متي يكون العشق خطيئة؟

ربما لو كان اكتشف أن الوطن نفسه يخونه في صورة أفراده الذين وصفهم بالزناة!.

ويقول أيضا:

اكتشفت أن ليس لي وطن غير الكتابة. ربما لأن قمة الحرية تكون على الورق، خاصة إذ لم ينشر ما كتبه فيه بعد.

سؤال من الكاتب ساخرا:

كيف يقودني الوطن إلى الثقة فيه وهو مخلوع الرأس؟!

قيادة الوطن واجبة كما طاعتنا له، جملة مخلوع الرأس تنافي العقل الذي يفكر ويحقق ثم يقتنع.

هل قصد الرأس بالترأس؟ والرأس يكون أكبر ما في الإنسان ويتحكم فيه. ربما أيضا الزعامة.

بالرواية _ ٣٠_  ثلاثون علامة، ولكل علامة عنوان، في أكثره تناص قرآني فيه صفة لشخصيات كل جزء_ علامة_ يلصقها لها الكاتب، ومقطع روائي(مقتبس) وتعريف للروح وختمة بآية قرآنية. سنتكلم عن المغزى لاحقا تحت عناوين خاصة بكل صنف منها.

وبالرواية أشخاص _شخصيات _ عاملة وأساسية، وأخر ثانوية وأخر نامية، وأخيرا شبه ثانوية وجدت لغرض عندما ينتهي؛ ينتهي دورها بلا أدنى تأثير في السرد.



الشخصيات العاملة:

فتحي رضوان خليل وهو شاب مصري عمره(٣٣) سنة، يعمل صحافيا في جريدة دبي. وعليه تقوم الرواية، مقصد الكاتب الأول، وبقية الشخصيات تخدمه أو تنشط الأحداث له.

سهر امرأة شامية متزوجة من منقذ. وهي عشيقة ل(فتحي). استمر دورها للنهاية، ساهمت في إبراز دور فتحي الإنساني والداخلي، وتطورت حتى أصبحت عاملة بعد أن كانت ثانوية ببداية الرواية. وقد أسندت إليها لقطة النهاية باعتبارها امتدادا للخيانة التي لا تنتهي، قاصدا لها الكاتب ذلك، فهي تمثل وطن خانه بعض أهله _ سياسيا _ وظروفه الحالية من هجرة وضياع.

الشخصيات الثانوية( المساعدة) لتطور الأحداث وصمود دور فتحي:

حياة، امرأة يعشقها ( فتحي) وتعشقه. لكن لها أسلوب خاص بالعشق. وكانت علاقتها سببا في نهاية فتحي بدبي، الذي تأثر بهذه النهاية حتى اختفائه.

شخصيات نامية تتصاعد في الأهمية:

شداد.. الذي غرر بالسيدة سهر، وتطور دوره وظهر في الحوار، وفي تحريك الماء الراكد في العلاقات بين كاظم وليزا، وبين حياة وفتحي وغير ذلك.

كاظم.. بعد أن كانت حركته بالماضي من عشق وقتل، تطور حتى أصبح يخدم دور السيدة سهر ومحركا وسببا في انفعالاتها.

شهر زاد.. التي مثلث دور الراوية والحكاءة الشهيرة بكتاب ألف ليلة وليلة؛ برعت فيه، تطورت حتى أصبحت صاحبة القرار في حياتها. وكان لها دور في عمل الخير بالراوية، وهذا الخير كان معدوما بالرواية؛ لأن لكل فعل سبب وغرض مادي( جنسي، مالي) فيها.

حامد الصقر.. حقا كانت الرواية ينقصها شخصية رمزية مثله ومثل ( شهرزاد) والجميل أنهما زوجان.

ليزا.. رمز التدخل الأجنبي الذي اشتهر عنه مقولة( فرق؛ تسد) بغوايتها فعلت ذلك وتطور دورها حين أقنعت كاظم بالهروب معها إلى فرنسا. كانت كالعسل الأبيض الممزوج بالسم.

شخصيات غير عاملة وجدت لغرض:

تهاني.. المصرية، زوجة فتحي. لتدل على _ أو ترمز إلى _ السلبية، هي نصف المجتمع المصري، للأسف سالبة.

وردة.. زوجة كاظم. لم تتطور غير بموقف الوظيفة التي وفرها لها أخوها عوضا عن ضياع الزوج.

راغب أخ وردة.. دوره محدود، لو استغنى عنه الكاتب؛ لن يضر بالنص.

عبد اللطيف الأشرم رئيس التحرير، محفوظ عبدالرحمن صديق فتحي، الميثاء صديقة شهر زاد بالشام، أبو الشوارب، مارينا الفيلبينية، ناجح خليل الذي يعمل بالجريدة، سامي أخ سهر، ووالدها، سيد عثمان، فايز كركويلي، محمد سلماوي رئيس تحرير الأهرام، وزهرة زوجة قاسم صديق كاظم الذي قتله.

من الشخصيات التي مثلت دولا:

فتحي وتهاني (مصر).

سهر، شهرزاد وحامد الصقر (الشام).

حياة وشداد ومنقذ (العراق).

كاظم والبقية تمثل بقية الوجود العربي رغم أن بها وطن غير ما مثلته.

معاني الأسماء أو ما تنبئ به الأسماء مثل:

•شهر زاد.. المرأة الشامية التي تمثل حقا دور شهر زاد، تحكي عن الجبل والحياة عليه، يتجمع النسوة والفتيات حولها للحكي، في كل لقاء لها مع الشخصيات بالرواية تسهب في الكلام.

• تهاني.. المرأة المصرية التي تعيش على الهامش، لا يعطيها زوجها حقها إلا قليلا، كعبارات التهنئة لا تقال إلا بالمناسبات السعيدة فقط وتكون نادرة.

• سهر سالم زوجة منقذ.. المرأة الشامية، من صفات السهر _ أو الساهر _ أنه متقلب دوما لا يستكين، وهذا ما حدث للسيدة سهر عندما فعلت الفاحشة، ثم تابت إلى الله وارتدت الحجاب، ثم خلعته واستمرت بعلاقة _ خطيئة _ مع شداد  حتى نهاية الرواية.

• حامد الصقر.. زوج شهر زاد، كما وصفه الراوي: "سُمي على اسم الصقر شاهين البحري، فهو دائم السفر وعال المقام، ودائما في القرية كان يحمل على كتفه صقرا".

• وردة و زهرة، شخصيتان لا ظهور لهما، كعمر الورد والزهر قصير.

•شداد.. كما وصفه الكاتب:

" الثعلب الأحمر الذي تعود على أن يأكل أي نوع من الغذاء المتوافر من بقايا الحيوانات والقمامة". بالجزء(العلامة الخامسة) بعنوان وأكثرهم كاذبون. 

•حياة.. المرأة التي تريد أن تعيش الحياة بطولها وعرضها، متهورة في الجنس مع من ترغبه فقط وهو (فتحي). وقد قالت عن نفسها:

 " أنا من بنات الفكر والمطر، ومن بنات الدهر  وبنات الماء وبنات الأرض".

 وحين سألها فتحي عن مقصدها قالت: " أرجع للقاموس".

 بالعلامة السابعة بعنوان/  وأكثرهم لا يؤمنون. 

• ليزا.. شبهها الكاتب بالفاكهة الإستوائية.

• كاظم.. زوج وردة، ابن أبيه المختار بسام ومعنى البسام( الضبع البني الذي يعيش بالصحاري) كما ذكره الكاتب.

• راغب .. أخ لوردة، كما قال عنه شداد في حوار بينهما:

" خلاص خليك هيك تتنقل بين الزهور ولا تركن إلى واحدة". قاصدا بالزهور قصته مع عشيقته السابقة(زهرة) التي قتل زوجها ذات يوم.

في العلامة (٦) السادسة( أكثرهم لا يعلمون).

•آدم فتحي رضوان خليل.. ثلاثة أرباع الاسم طيب( آدم) نبي، (رضوان) حارس الجنة، و(خليل) اسم وصفة نبي الله إبراهيم، وأيضا بمعنى الصداقة المخلصة، عليهم جميعا السلام. أما اسم (فتحي) هو الاسم الشاذ فيهم، فيه انفتاح وصاحبه يعشق نساء الغير، لا يتقي الحرمات.

• ونقيس بقية الأسماء على صفاتها من خلال السرد.

يختار الكاتب من الشخصيات التي يوظفها للتعبير عن أفكاره وآرائه شخصية محورية تتجه نحوها أنظار بقية الشخصيات، كما أنها تقود مجرى السرد والحبكة بأحداثها،  كانت شخصية ( فتحي رضوان خليل) هي الرئيسة. وقد سماها النقاد وأطلقوا على هذه الشخصية مصطلحا يميزها ويعطيها قدرها وأهميتها ب"البطل" لأن دورها رئيسي في العمل القصصي.

 إن شخصية البطل هي الشخصية الفنية التي - تقتنص - تستحوذ على اهتمام القاص ومن ثم القارئ، قد تكون شخصية سلبية، وقد تكون شخصية إيجابية، و ربما مترددة وغير متزنة، أو مريضة نفسيا، وقد تكون محبوبة أو مكروهة، يتأثر القارئ بأفعالها؛ فيكرهها.  ويعد هذا نجاحا للكاتب إذا جعل القارئ - المتلقي- يكرهها إن كانت شخصية سيئة وأفعالها مشينة أو خائنة، وكذلك العكس صحيح.

نادى بعض النقاد بعدم تسمية الشخصية الأولى بالنص باسم " البطل" لأنها مقترنة بظهور الأدب الخيالي والأسطوري الذي نشأ في العصور الوسطى وهو في نظرهم بطولة زائفة، واجتمعوا على تسميتها ب(الشخصية الرئيسة)، لأنها أنسب حيث أنها تتلاءم مع الدور الفني الذي أسند إليها من قبل الكاتب. كشخصية فتحي رضوان خليل في هذه الرواية.

أما الشخصية المساعدة والتي تشارك في نمو الحدث القصصي وبلورة معناه والإسهام في تصوير الحدث؛ وظيفتها أقل أهمية من وظيفة الشخصية الرئيسة، رغم أن منها  ما يقوم بأدوار قوية ومصيرية في حياة الشخصية الرئيسة. مثل شخصية سهر وحياة وحامد الصقر بالرواية.

 الشخصية المعارضة وهي شخصية تمثل القوى الأخرى التي تعرقل نجاح البطل - الشخصية الرئيسة - فهي الشخصية المساعدة، بإفساد خططه مثلا، وتعطيل سبل نجاحه، والوشاية بينه وبين أصدقائه أو أصحاب العمل، كانت الشخصية المعارضة هنا لفتحي وظن أنها من أوقعت به وسبب طرده من الجريدة، كانت شخصية ( سيد عثمان).

وكان شداد يوقع بين كاظم وسهر. ويشهد لشداد أنها شخصية قوية.

كلما اشتد الصراع فيه بين الشخصية الرئيسة، المعارضة؛ تظهر قدرة الكاتب الفنية في الوصف وتصوير المشاهد التي تمثل هذا الصراع ، ويزيدها جمالا وجود الشخصية التي تستخدم الألغاز المحيرة للقارئ.

وقد أوضحنا من قبل أن الشخصيات الثابتة - البسيطة -  التي تبقى على حالها منذ البداية حتى النهاية ولا تتطور،  لا تزيد ولا تنقص من مكوناتها الشخصية، مثل شخصية تهاني زوجة فتحي، و وردة.

 الشخصية النامية التي تتطور من موقف إلى أخر بحسب تطور الأحداث، فتظهر قيمتها أو أهميتها في الرواية أو السرد، أو الوصف تدريجياً مع جريان وتطور الأحداث. وكانت ( سهر و حياة ).

▪المقتطفات بالرواية ومغزاها:

مقاطع بكل جزء تحت مسمى (روح). بكل جزء يعرفها الكاتب تعريفا مختلفا عن الآخر،  على لسان حكماء وشعراء وغيرهم. يهدف من خلالها الترويح، أو الاستراحة من بعد سرد المتاعب والمشاكل.

أعتقد أن السر في اختيار ووضع (روح) بكل جزء؛ ليكون ترسيخا لمفهوم الحب الذي يجب أن يكون، لا خيانة فيه ولا استهتار ولا قتل أو اغتصاب وعدوان.

وأن المقاطع المأخوذة والمقتبسة من روايات عالمية وعربية؛ تدل على مدى ثقافة الكاتب الشاملة الواسعة.

* للكاتب أسلوب يمزج فيه بين كتابة المسرح والرواية، يظهر ذلك ببداية كل جزء أو علامة_ كما أطلق عليها_ فيصف الزمان والمكان وبعض تلميحات على المكان كأنه يصف خشبة المسرح من حيث التواجد والأثاث والإضاءة وغيره.

هذه الطريقة تعد من طرق ما بعد الحداثة، وبها أيضا خاصية الميتا سرد، وهو ما وراء السرد، وفي جعل الكلام الشخصي ورأيه على ألسنة الشخصيات.  وبها تداخل المذكرات والحس الروائي(سرد ذاتي) مع روائي بحت(سرد تاريخي).

لقد استحضر الشخصيات التاريخية (صلاح الدين ونور الدين، عمرو بن العاص وعبادة الصامت والمقوقس، محمد فريد وسعد زغلول)، وفرعونية(نفرتيتي وابنتها)، والصوفية والدينية (الحلاج وذو النون والحسن البصري) وكذلك غيرهم كانوا من الأنبياء.

المقصود بالاستحضار هنا؛ جولة في عوالم التاريخ، التي أظهرت مدى ما يكنزه الكاتب من معلومات.

* بالرواية إسقاط بذكر الزنا الفعلي وزنا السقوط. كلها ترمز إلى اللعب بالوطن، وأن العرق دساس.

في العلامة (٢) الثانية بعنوان/ وأكثرهم لا يعقلون، يقول فتحي:

" وجدت في الصفحة الأخيرة في العمود الأخير، كٌتب خبر بخط صغير ( وجد الوطن ميتا في ضاحية المدينة، حافي القدمين وقد سرقت كليته وقلبه وقطع لسانه ونشرت أصابع يديه).

وفي العلامة (٣) الثالثة بعنوان/ وأكثرهم الكافرون. يقول فتحي:

"إلى أين تفر يا ابن رضوان؟ إلى قطر.. المدينة التي مساحتها مثل مساحة شارع شبرا ومكانتها مثل قارة أوروبا؟ هل تسافر إلى الكويت.. التي تعرف أن المسيح مر ذات ليلة عليها ومسح على شعرها ومضى؟

هل تذهب إلى مكة بالسعودية.. لتكون بجوار الكعبة لترى الله ذات ليلة وتكلمه مثل الأنبياء موسى أو إبراهيم؟

أم تذهب إلى باريس .. المدينة التي خلقها الله من نور؟.

ولأن تقسيم البلاد عنده نقد انفعالي وليس عقلاني. بمعنى أنه يشكو ولا يقدم حلا مثاليا، أو يترك للقارئ حرية إيجاد الحل الذي يلائم طبيعة وظروف بلده. يقول في العلامة (٩) التاسعة بعنوان/ أكثرهم لا يشكرون:

" هل قسمتم الوطن وأنا غائب يا أولاد الكلب؟!

ذهبت إلى ليبيا وجدتها قُسمت إلى ثلاث دول، فذهبت إلى الجزائر وجدتها أيضا قسمت إلى ثلاث (دولة فرافكونية، ودولة أمازيغية، ودولة إسلامية عربية)، ذهبت إلى المغرب وجدتها قسمت إلى ثلاث مثل الجزائر، ونفس الشيء في تونس، ذهبت إلى السعودية؛ وجدتها قسمت إلى خمس دول، وسوريا إلى ثلاث دول، والسودان إلى ثلاث، نظرت إلى نفسي؛ وجدتني خمس شخصيات ".

يتكلم فتحي بصفته الشخصية الأساسية بالرواية عن أحلامه وشكواه من آلام الوطن قائلا:

" أنا ذو الوطنين، مصر التي تهينني كل لحظة، مصر التي ذاكرتها مثقوبة وخيراتها منهوبة، ولكن ثان كان في حلمي ليس له عنوان. حلمت بباريس جنسية، وحلمت بألمانيا لكن ظللت في مصر، وأصبحت وطنا سجنا قهرا تجاهلا ".

وذكر آيات قرآنية بختمة كل علامة، فيها صراع داخلي، بين تراثه الديني وبين الواقع المرير المخالف له.

وكذلك يذكرها أحيانا باللاوعي لنقد الواقع نفسه. كأنه منقسم إلى شقين متنافرين. 

 شخصية فتحي رضوان خليل، حين كتب ذكرياته؛ كتب جزءًا من شخصية الكاتب وذكرياته، أو بمعنى أخر كتب الكاتب عن نفسه على لسان فتحي..

بالرواية سرد مباشر وسرد فني غير مباشر.

رغم أن المباشرة عادة تعيب النص؛ إلا أن المباشرة كانت في المقالات والسير الذاتية للأشخاص (تاريخية، صوفية، فرعونية.. إلخ) وهذا يهون الحكم عليها، لأن المقال يختلف عن القص ببعض أساليبه.

الأصوات بالرواية:

من المعلوم أن للقصة بجميع أنواعها أصوات، وكلما كبر الحجم؛ زاد عدد الأصوات، وهي تكون منولوجات أو حوارات، أو شرح ووصف. وكذلك صوت السارد، منه صوت العليم، فيه يقول ويسرد كل شيء بصفته العالم بخبايا الشخصيات والسرد لواقع الأحداث، وله أن يستبق، أو يؤخر، يقول ويكتم لحين.

والسارد المشارك كما علمنا يكون سرده على لسان شخصية أو شخصيات. أو يكون هو أحد الشخصيات بالرواية، بصرف النظر عن كونه عامل أو ثانوي أو هامشي. ويكون هنا سارد (محايد) يصف دون أن يلزم القارئ بأي وجهة نظر خاصة به.

وهنا بالرواية؛ نجد صوتا آخر للسارد، يمكننا أن نسميه ب (الدخيل). متى نحكم عليه بهذا اللفظ أو الكنية؟

إذا وجدناه يفرض صوته ورأيه الشخصي على القارئ؛ بغية التأثير عليه ليقتنع بما يراه هو أو بحكمه على الأفعال والأحداث ومن ثم على الأشخاص، أو لشرحه وتفسيره للمفسر بوجهة نظره هو.   

** من الجمل والمقاطع التي ظهر فيها السارد الدخيل:

- وتعدنا الأيام بالمجهول، والزمن بالمفاجآت *(العلامة ٢) وأكثرهم لا يعقلون.

- النساء الجميلات حين تتلاقى؛ لا يتحدثن عن قدرتهن لركوع الرجال أمامهن أو بكاء بين كفوفهن أو مواهبهن في معاقبة الرجال وجعلهم يرفعون أياديهم.. إلخ.

- والخمر خطيئة بالدنيا، وفي الآخرة خمر أخرى لا تسكر، ولكن تنعش القلب والروح. *(العلامة ٣) وأكثرهم كافرون.

- حامد الصقر(سمي على اسم الصقر شاهين البحري.. إلخ) وكذلك شرح معنى المختار البسام:( هو الضبع البني.. إلخ) ووصف الشيخ العقل:( طبقة من رجال الدين عند الدروز.. إلخ). *(العلامة ٣) وأكثرهم كاذبون.

- من السخف أن تظن أنك على صواب دائما. *(العلامة ٦) بعنوان/ أكثرهم لا يعلمون.

- من الحمار الذي قال إن كل النساء متشابهات في الفراش؟!، أو أنهن مجرد جسد واحد مختلف الأسماء؟! العلامة (٧).

- يبدو لي طبيعيا أن أنسى عمري، والوقت يبدو لي طبيعيا أكثر أن أعشق الليل والبيانو.. إلخ. العلامة (٨).

- لماذا نتهيأ للخطيئة  والحرام أكثر من تهيئنا للحلال والفضيلة؟!

لماذا نتوعك الروح قليلا ونكسل في مزاولة الواجب الزوجي المقدس على الأرض.. إلخ ).

- ما أروع لحظة الاستسلام للأنثى بدلال. *(العلامة ٩) بعنوان/ أكثرهم لا يؤمنون.

- ها هي مهرته الغالية صارت ناضجة.. إلخ.

- ها هو الصياد تأتيه الفريسة.. إلخ. *(العلامة ١٠) بعنوان/ وما كان أكثرهم مؤمنين.

- حين تكون فاقد الأمل.. إلخ. *(العلامة ١١). بعنوان/ وأكثرهم مشركون.

- فدائما الغشيم تمتاز ضرباته بالقوة الغاشمة. *(العلامة ١٣) بعنوان/ هم في غمرة ساهون.

- حين ترى الشارقة في الليل وهي هادئة؛ تشعر أنها حضن الأرض الطيب.. إلخ. *( العلامة ١٤) بعنوان/ هؤلاء الضالون.

- سكتت المرأتان، سكوت النساء خطر، وثرثرة النساء أمان، لا شيء في أمان.

- هل الخطيئة قدر مكتوب علينا؟ هل نحن نصنع الخطيئة بقصد أم نحن نسعى إليها وندعي أن لا حيلة لنا فيها؟! *(العلامة ٢٠) بعنوان/ لنكونن من المرجومين.

- هل اسم الذهب يسلب النساء عقولهن؟!

- هكذا تدخل الطيور الأقفاص ظنا منها حبات القمح كالذهب؟.

- البدايات تبدأ بالتنازل، بالمرح، والضحك، وخفة الظل، هكذا تعود شداد مع النساء. *(العلامة ٢٢) بعنوان/ ولتكونن من الخاسرين.

- الحرية ليست فوضى المشاعر، والشيوعية ليست شيوع الحرام، والإيمان ليس الصلاة فقط، والحب ليس الجنس فقط، والرزق.. إلخ. *(العلامة٢٦)بعنوان/ أكثرهم لا يعقلون.

- وهكذا تخدع النساء الخائنات أزواجهن بوضع اسم العشيق باسم امرأة (فيفي أو سلوى) أو (ف) أو (ب) أو كاف، وهكذا يفعل الرجال؛ يسمون عشيقاتهم.. إلخ. *(العلامة ٢٧) بعنوان/ وأكثرهم لا يعلمون.

ولهذا ننادي بعدم الفصل أو التفرقة بين الشخصية وبين الحدث، لأن الحدث هو للشخصية وهي تفعله، والشخصية فاعلة للحدث.

** ومن الأصوات (المنولوج) مثال:

- حديث النفس من قبل فتحي (فكرت أن أخبر تهاني بما جرى وما رأيت، فهي لم تصدقني، فكرت أني ربما لم أر شيئًا، وربما أكون مجهدًا نفسيًا ويتراءى لي أشياء وأني متعب وعلي أن أكتب استقالتي.. إلخ) العلامة (١).

- وأنا طائر البطريق الذي يسبح في محيط العشق لمسافات طويلة؛ ليجد قوت يومه، ولا يجده إلا بالصدفة أنا البطريق عاشق الحرية والحرية سحب بعيدة بعيدة بعيدة، ترى هل ستعرف تهاني.. إلخ. العلامة (٤).

- انا أحبك يا تهاني، ولكن قلبي يفيض حبًا يكفي نساء كثيرا، ولكن حتى الآن لم لأفهم سر الخيانة في العشق. العلامة (٤).

- لا تعرفين يا تهاني معنى وجع الروح لرجل بسيط مثلي، تقولين بكل بساطة نرجع مصر، وهل مصر وطن أم كفن أم سكن أم الثلاثة معًا؟ هل للوطنية بطاقة شخصية؟ّ وهل للشرفاء أي سكن على هذه الأرض.. إلخ. العلامة (٤).

- النساء سحب منهن من تمطر الحنان، ومنهن من تمطر الدموع، ومنهن من يبخلن بالعطاء ويسرن في سماء الأرض بلا هدف. قال الحاج رضوان: " مصائب الأرض من النساء "، وقلت النساء فرح الأرض والسماء وضحكات الأطفال وقصائد الشعراء. العلامة (٤).

- يا قوم.. أنتم تسيرون على جثة الوطن..  إلخ. العلامة (٩).

- هل قسمتم الوطن وأنا غائب يا أولاد... إلخ, العلامة (٩). وغير ذلك بالرواية.

- على لسان سهر: " آه يا أبي، أيها المقاتل القديم ضد الفرنسيين....، آه يا أبي الطيب وأمي الطيبة...".( العلامة ٢٥) بعنوان وربك أعلم بالمخلصين.

* ماذا تقول الكوابيس والرؤيا التي يراها فتحي بنومه وصحوه؟

حين يتطرق الكاتب إلى كتابة مثل هذه الأمور (أحلام ورؤيا) فإنه يشكو ويبوح بطريقة غير مباشرة عما يعانيه البطل- الشخصية الرئيسية بالرواية- بدليل لم يحلم غيره في الرواية. يقول ما لم يقوله علنا، كالمسكوت عنه، الإرهاق النفسي.

فتحي.. يمثل مصر وليس شبابها فقط، وفي لحظة أخرى نجده يمثل العالم ويرفض ما يقسمه أو يشتته، رغم أنه صرح بأنه مقسم لخمس شخصيات. فهو يرفض التقسيم، العنصرية، قتل الوطن وامتهانه، يأتي الضمير الخالص على هيئة نور؛ لأن هذا النور – الرباني-  ليس مادة مصنعة، ولا يملكها أو تأتي الكثير من البشر المنغمس في الملذات والشهوات. ورغم أن فتحي منهم، إلا أن ما زال بداخله ضمير يعاتبه ويؤنبه على تصرفاته وأفعاله المشينة. وقد ربط الكاتب هذا المعنى بأخر الرواية حين جعله يشتاق إلى المسجد –  المرسي أبو العباس – وليس هذا فحسب؛ بل يجعله يذوب بين مريديه طلبا للنقاء، أو ربما أن شجرة النقاء ما زالت تنمو بداخله وأورقت.

وكذلك سهر حين أطفأت نور حجرتها؛ وجدت أمامها امرأة عجوز يشع من وجهها النور وكانت ( رابعة العدوية)، لماذا كانت رابعة العدوية بالذات؟

لأن رابعة - قيل عنها أنها- أشتهرت  بالبغاء - في صباها، ثم تابت توبة نصوحة، وكذلك سهر لقد زنت بإرادتها مع فتحي، وأفاقت حين اعتدى عليها من قبل شداد؛ فكانت الرؤية تسلية نفس، أحسنت استغلالها وقتا وتحجبت؛ ثم عادت إلى ما كانت عليه سابقا.

* الآن نتكلم عن الرواية وخصائصها وما استخدمه الكاتب منها والعكس:

- الرواية هي تعبير عن رؤية الكاتب عن الحياة أو سرد مواقف منها اجتماعية أو فردية أو وجهات نظر الأخرين، عن طريق طرح عاطفته ووجهة نظره.

نجد بالرواية أن الكاتب قام بطرح وجهة نظره عن طريق المنولوج، والحوار كذلك. وبالرواية مواقفها التي تبين هذه الوجهات وغيرها.

وقد أتم مثلثات تقنيات بناء السرد ، مثلث (١)( الفكرة، الوصف، الخاتمة) ومثلث (٢) ( الحوار، السرد، الشخصيات) ومثلث (٣) عن الفضول المعرفي.. التعجب ( كيف، لماذا، ماذا بعد)؛ فأثبت أن الرواية لم يكن أساسها أو الغرض منها هو التسلية فقط، حين خدمها بالتقنيات والمثلثات التي سبق وشرحتها.

السرد ليس بالعملية السهلة لمن أراد التفوق أو التميز من الكتاب، على السارد أن يتحرى الحقيقة وصدق المعلومة التي سيضعها بالمتن؛ لأن القارئ ذكي ومثقف ويمكنه كشف الزيف، وعليه سيخسر القارئ، ولا سيما القارئ المميز.

لاحظنا أن السرد تتابعي، والمعلومات الغيرية ( التقديم الغيري) كان صادقا وافيا على ألسنة الشخصيات وكذلك الراوي.

أما بالنسبة للحوار، حين أمسك بتلابيبه، الذي من شأنه أن يخفف من رتابة القص، جعله يساعد في وصف الشخصية داخليا وخارجيا. قدم المعلومات من خلاله. رغم أن الحوار طويل وأخذ حيزا كبيرا – اعتدى على مساحة الوصف – فللكاتب عذره، فهو بالأساس كاتب مسرحي، غلبه طبع المسرح. وفي نفس الوقت لم يهمل الديالوج والمنولوج الذي يغطي هذا التقصير.

من أسباب نجاح القص، الإجابة عن علامات الاستفهام التي تدور في خاطر القارئ( أين، متى، كيف، ماذا، من، ولم ولماذا). أجاب عنها الكاتب بل وزاد عليها( ماذا لو، وماذا بعد) في أكثر من منولوج لفتحي. وهذا يحسب لصالحه.

للعلامات الثلاثين (٣٠) استهلالات، زمكانية، ثم وصفية للشخصية داخليا وخارجيا أو الاثنين معا. وكان الوصف أكثر من خلال السرد كما رأينا. ولم يتعرض كثيرا للوصف الجسماني، كان بالإيحاء حين يلمح لعمر الشخصيات.

لم يذكر عمر ( فتحي ٣٣ سنة ) إلا عندما ضاع من أمه.

وكانت البدايات ترتكز على الأحداث أكثر من الوصف, وهذا ما جعل القارئ متشوقا لمعرفة ما تسفر عنه النتائج.

القص الماورائي أو ما وراء القص، هو نوع من الكتابة السردية، ذاتي الانعكاس، أي أن النص يمتلك وعيا ذاتيا و يكسر الحاجز بين الواقع والخيال. يتمظهر القص الماورائي في أشكال مختلفة: عندما يقطع الكاتب حبكة النص ليشرح شيئا معينا وقد وصفته هنا بالراوي العليم وفي مواطن أخر بالراوي الدخيل.

لقد راعى الكاتب المسافة الروائية، التي نشأت أثناء الحوار الصريح أو الضمني القائم في النص الروائي بين (المؤلف نفسه، والراوي مثل فتحي أحيانا مع الراوي العليم، والشخصيات جميعهم وكذلك القارئ) فيمكن لأي فرد سردي أن يتماهى مع آخر، أو قد يجد نفسه معارضا معهم بسبب مبدأ ما، أو حكم من الأحكام. وله أن يجعل هذه المسافة( أخلاقية، أو فكرية  أو مادية أو غير ذلك). وبهذا قد خدم النص وأظهر بذكاء أبعاد الشخوص خاصةً النفسية.

استخدام السيد حافظ للديمومة في الرواية، راعى فيها زمن الحكاية وطول النص بصلة زمنية لتبطئ وتسرع السرد، منها أنه ذكر بكل علامة زمن دقيق ومتلاحق، وفي بعضها حدد بقوله ( سنة وراء سنة) ثم قفز بأخر بقوله ( وبعد عشرين سنة) في أخر الرواية.

 المشهد.. عامل من عوامل التهدئة، بالتكوين الزمني المرحلي، فالمشهد يتكون من لقطة تعبر عن فعل في الرواية في مرحلة من مراحلها ويكون مؤثرا فيها.

لقد راعى الأديب البعد الإجتماعي، بذكر مستوى العلاقات الإجتماعية والمنزلة والقدر بين الشخصيات، كان ذلك واضح في وصف شخصية( حامد صقر) وكذلك شهرزاد.

وردت بعض الكلمات الأجنبية ( الإنجليزية) على لسان الشخصيات مثل ليزا وحياة وسهر، أوجدت تفاعلا اجتماعيًا مقصودا لوجود جنسيات أجنبية بالرواية مثل ( ليزا) وتأثير لغات الغرب على العرب أيضا.

لي ملاحظة: لماذا تتحدث ليزا الفرنسية بلغة إنجليزية في(adore it I ) وليزا فرنسية. و ( أوو ماي جد) كتبها بالعربي ولم يكتبها بالفرنسية ( Oh mon Dleu)، ورغم أنهما خطأن؛ إلا أن كتابة الجملتين بالعربية أهون.

- النهاية: وهي آخر شيء في القصة سواء قصيرة أو نوفيلا أو رواية، وقد تتضمن النهاية عنصر الحل الذي أراده الكاتب، فعليه أن يحسن صياغة النهاية المثيرة المدهشة والغريبة نوعا ما، أو الغير متوقعة ليجعل القارئ معجباً ومتأثراً بها، وقد تكون الكلمات الأخيرة أو الجملة الأخيرة ذات صدى في سمع القارئ لا يكاد ينساه. وكذلك نشير إلى أهمية الجملة – أو الجمل – الأولى بالنص، كلما كانت مدهشة جاذبة؛ كانت ذات أثر، فجمل البداية والخاتمة لا يُنسيان بسهولة إذا صيغ كل منهما ببراعة من قبل الكاتب. وقد أشتهر الكاتب الأمريكي( أرنست همنغواي ) بتميزه في عنصر النهايات.

 الحلول في النهاية التي اختارها السيد حافظ؛ كانت الاختفاء، اختفاء الشخصية الرئيسة ( فتحي) كعنصر للحل.

أحيانا يجعل حلولا لإخراج البطل من أزمته بالرؤيا، ثم أيضا يخرجه من كابوسه بحل أخر وهو أن يجعله يستيقظ من النوم ويكون كل ما رآه من مشكله حلما وليس واقعا يخافه.

نشير أن نجاح الشخصية في العمل الروائي يرتكز على نجاح الروائي في أن يلعب جميع الأدوار بالرواية،  بمعنى أنه يمثل نفسه ثم الشخصيات وكذلك المتلقي. ( كاتب، شخصيات، قارئ).

البعد الرابع هي نظرية التحرر من القيود،  تستوعب النص وتخرج به لحيز جديد ثري بالدلالات، فالإبداع  لا يعترف بالقيود، وهذه النظرية تنطبق على رواية السيد حافظ( لو لم أعشقها) فقد خرج من قيد الاستهلال بالجمل إلى رحابة الاستهلال بذكر الزمان والمكان ثم الحوار المباشر.

وحقق نظرية الأديب الأرجواني ( إدوارد غالينو) حين قال:

أنا لا أطلب منك أن تصف سقوط المطر، أنا أطلب أن تجعلني أتبلل، فكر بالأمر، أيُّها الكاتب!

كان ذلك حين أجرى المنولوج على لسان فتحي مرات عديدة، وعلى لسان سهر مرة، وعلى لسان شهرزاد. وأيضا حين سرد الأحلام والكوابيس والرؤى بالرواية.

وكذلك حين تكلم عن أهمية الوطن من خلال ضجر فتحي بأحوال البلاد المتدنية، ومن خلال وضع الممارسات الجنسية على قمة أولويات أكثر أبطال – أشخاص – الرواية.

وبما أن النهاية هي أخر ما يربط القاص بالمتلقي؛ فإن كبار الأدباء يسعون إلى صياغة نهاية القص بكلمات أو حكم مؤثرة أو مشهد قوي، أو انتصار وتحقيق ما يرغبه القارئ عاطفيا؛ حتى لا ينساه أبدًا.

المفارقة التي أرادها الكاتب بالنهاية المفتوحة للرواية، هي تفعيل دورا جديدا – للجيل الجديد – المتمثل في آدم فتحي رضوان، كإشارة لاستمرارية الأحداث، وأن الأيام دول، وتشبه بعضها بعضا.

أدركت ذلك الشخصية النامية المستمرة ( سهر) حين قرأت اسم الشاب على الملف، وسألت عن ماضي عشرين سنة؛ لتفاجأ بالنهاية أن لا وجود له في تلك السنين الفائتة.

ماذا أراد الكاتب من سرد الرواية؟

لقد أوضحت بعضه أثناء التحليل. وعلى القارئ أن يقرأ ويحلل ثم يقرر، ومنه يكون القرار الأخير الذي به يشهد للكاتب بالنجاح من عدمه.

يقول الكاتب الإنجليزي (سومرست موم ):

إذا كان باستطاعتك أن تخبر بالقص، وتخلق الشخصيات  وتبتكر الأحداث بشفافية وصدق؛ فليس المهم حينها كيف تكتب.

وهذا يتوافق - رغم قدم هذا الرأي - مع ما بعد الحداثة .

والشاهد في كتابة المقالات التاريخية والدينية بالرواية؛ ليثبت بها عمله كصحافي.

وكانت شهادة لثروته الثقافية.

نعود لما بدأنا به، وهو العنوان، وأتساءل:

من القائل( لو لم أعشقها )؟

من المعشوقة المقصودة بالرواية؟

والجواب؟

بالنصف الأول بالرواية أخذنا الكاتب إلى اليقين بأن القائل هو فتحي، وأن المعشوقة هي الحياة الدنيا، رغم أنه طرح عدة معشوقات ( سهر، حياة ) وكذلك سار بنا إلى عشق أخر قوي وهو عشق البلد أو الوطن ( مصر) ولهذا يشكو غربتها.

لكن حين طرد من دبي؛ بكى بحرقة، هل هذا البكاء يجعلنا نصدق أنها هي معشوقته؟

وكذلك لم نجده يندم كثيرا على فراق سهر وحياة.

ولهذا كان التخمين أقرب للحياة الدنيا، وأجد الدليل في لحظة اختفائه بأنه هرب لأنه لا يستطيع العيش بدون ملذاتها، والمتمثلة في ( المال والنساء).

كلما كثر التأويل، كان لصالح النص.

___________________ كلمة أخيرة ____________

الأديب السيد حافظ لم يبخل بمشاعره على المتلقي، ولا بمعلوماته التاريخية والوطنية والثقافية.

وأن جعل من المقتطفات ( روح) استراحة للقارئ ليفصله بها عن واقع كل شخصية أن تؤثر على ما بعدها.

وإذا جمعنا تلك المقتطفات في صفحات متتالية لا يفصل بينها نص مقتبس ولا روائي؛ لكانت فصلا بذاته ممتعا.

وكذلك بالنسبة للمقاطع الروائية لكبار الأدباء الغربيين والعرب، وأبيات الشعر العربي، أدت مغزاها بحرفية.

أما الاختتام لكل – علامة – بالآيات القرآنية؛ فهي نعم الذكر والتذكر.

وقد أعجبني حقيقة أن الآيات اختيرت بعناية لتفيد النص، وأنها كانت مرقمة حسب ورودها بالقرآن الكريم وأجزائه، لتتوافق مع أرقام العلامات ذاتها.

وكذلك التناص الذي استخدمه الأديب في العناوين، من الآيات الكريمات.

الشكر كل الشكر للأديب الروائي والمسرحي الذي أمتعنا بهذه الرواية الراقية.

تمنياتي له بدوام التوفيق والرقي والترقي.

سالمة المغربي.. سالمة المغربي .. تحريرا في  ١/١/ ٢٠٢١.

0 التعليقات:

إرسال تعليق

Twitter Delicious Facebook Digg Stumbleupon Favorites More