الثلاثاء، 7 يوليو 2026

سليمان الشطي وعبد العزيز السريع... ومحاولة إفشال أول أسبوع ثقافي كويتي في مصر (الإسكندرية 1987).. سرد بلا حدود

 سرد بلا حدود

سليمان الشطي وعبد العزيز السريع... ومحاولة إفشال أول أسبوع ثقافي كويتي في مصر (الإسكندرية 1987)

بقلم: السيد حافظ




لم أكن أتوقع يومًا أن أواجه ما واجهته عندما قررت أن أرد الجميل إلى الكويت، وأن أحمل إليها بعضًا من الوفاء الذي استقر في قلبي منذ سنوات عملي فيها. لم أتوقع أن تأتي الطعنات من داخل مدينتي الإسكندرية، لا من غرباء، بل من بعض من كانوا يحسبون أنفسهم على الثقافة والصحافة، ومن مؤسسات كان يفترض أن تكون سندًا لكل جهد ثقافي جاد.

أتذكر يوم تقدمت السيدة ليلى مهدي، مديرة قصر ثقافة الحرية، بطلب لإيقاف نشاط مؤسسة رؤيا، ذلك المركز الثقافي الذي أسسته عام 1986 في سموحة. لم تكن رؤيا مجرد دار نشر أو قاعة للندوات، بل كانت مشروعًا ثقافيًا متكاملًا، يقيم الأسابيع الثقافية، والندوات، والمؤتمرات، ومعارض الفن التشكيلي، ويؤمن بأن الثقافة رسالة وليست وظيفة.

ولا أنسى ما قاله لي الروائي والمفكر يوسف زيدان في أحد لقاءاتنا في مكتبة الاسكندرية: «كنت تسبق زمنك بثلاثين عامًا.» وقد رأيت في هذه الكلمات شهادة أعتز بها، لأن ما حاولت أن أفعله آنذاك أصبح بعد عقود أمرًا مألوفًا.

بعد سنوات من العمل في الكويت، خطر لي سؤال بسيط: كيف أرد لهذا البلد بعضًا من فضله؟ وكيف أوفي لدولة احتضنتني فنيًا وثقافيًا وأدبيًا، رغم ما شهدته هناك من معارك صغيرة، وحساسيات، وغيرة، وحسد، وهي أمور لا يخلو منها أي وسط ثقافي؟

ومع ذلك، بقيت الكويت بالنسبة إليّ واحدة من أهم محطات حياتي. ففي أواخر السبعينيات والثمانينيات كانت ساحة حقيقية للحرية والإبداع، ومنبرًا للفكر والفن في الوطن العربي، بعيدًا عن العنصرية الزائفة أو الغرور الثقافي. كانت صحافتها تنافس الصحافة اللبنانية، وكانت حركتها الثقافية تتقدم بخطى واسعة، بينما كانت مصر منشغلة آنذاك بملفاتها السياسية بعد حرب أكتوبر واتفاقيات السلام، على حساب كثير من الحراك الثقافي.

من هنا ولدت الفكرة: لماذا لا أقيم أول أسبوع ثقافي كويتي في مصر؟

بدأت الإعداد للمشروع بكل ما أملك من حماس. اخترت أن يكون المكان هو الإسكندرية، المدينة التي أعشقها، وأن يكون العام هو 1987. وأعددت برنامجًا علميًا ونقديًا يليق بالأدب الكويتي، بعيدًا عن المجاملات والاحتفالات الشكلية.

دعوت نخبة من كبار نقاد الإسكندرية للمشاركة، وفي مقدمتهم الدكتور مصطفي هدارة ، والدكتو محمد زكي العشماوي ، والدكتورالسعيد الورقي ، والدكتور فوزي عيسي ، والدكتور محمد حسن عبد الله، والناقد الشاعر محمود عبد الصمد زكريا ، والشاعر جابر بسيوني ، إلى جانب عدد من شباب النقاد والباحثين الذين كان لهم حضور مهم في المشهد الثقافي السكندري.

كما وجهت الدعوة إلى مجموعة من الأدباء والأديبات الكويتيين، ولم أكتف بالدعوة، بل حجزت لهم على نفقة مؤسسة رؤيا غرفًا في فندق مكة المطل على البحر في الإسكندرية، وهيأت سيارة لنقلهم يوميًا بين الفندق ومقر الندوات، إيمانًا مني بأن الضيف يجب أن يجد كل التقدير.

لكن المفاجأة كانت قاسية.

ففي الموعد المحدد لم يصل من الكويت سوى رجل واحد، هو الأديب والباحث الكبير .

خالد سعود الزيد 

سألته بدهشة: أين بقية الزملاء؟

فضحك في هدوء وقال: «أنا وحدي أكفي.»

ابتسمت، وصافحته، وقلت: «بل أهلاً وسهلاً بك... وجودك وحده يساوي حضور الكثيرين.»

وهكذا افتتحنا أول أسبوع ثقافي كويتي يقام في مصر، بمدينة الإسكندرية، عام 1987، بحضور خالد سعود الزيد، ومشاركة نخبة من كبار نقاد وأساتذة الإسكندرية، ثم انضم إلينا من القاهرة الناقد الكبير الأستاذ الدكتور محمد حسن عبدالله ، لتبدأ أيام ثقافية ما زلت أراها حتى اليوم من أجمل ما عشته... رغم كل ما حملته من وقائع الاتصالات اليومية، وقصة عبد العزيز السريع، وسليمان الشطي، وما كشفه خالد سعود الزيد من كواليس 

ولم تمضِ سوى أيام قليلة حتى بدأت أشعر أن هناك أمرًا غير طبيعي يجري في الخفاء. كان الأستاذ الكبير خالد يحضر يحضر الندوات يوميًا، ويشارك في النقاشات، ثم نجلس بعد انتهائها في مقهى تريانون المطل على بحر الإسكندرية، وأحيانًا كان ينضم إلينا الناقد الكبير مصطفى هداره و الأستاذ الدكتور محمد زكي العشماوي .

وفي اليوم الثالث، نظر إليّ خالد سعود الزيد مبتسمًا، ثم سألني فجأة:

ـ ما الذي بينك وبين سليمان الشطي؟

استغربت السؤال، وقلت:

ـ لا شيء على الإطلاق. سليمان الشطي كاتب وناقد مهم، بل إنني كتبت عنه مقالًا نقديًا عندما صدرت له المجموعة القصصية «رجال من الرف العالي»، ونشرته في جريدة «السياسة» دون أن أوقع باسمي.

ثم رويت له حكاية لا أنساها.

كان يعمل في المكتب المجاور لمكتبي عبد العزيز السريع ، وكانت المكاتب على الطراز الأمريكي، يفصل بينها لوح زجاجي شفاف، فأراه ويراني طوال ساعات العمل.

وفي أحد الأيام دخل عبد العزيز السريع إلى مكتبي، وهو يحمل جريدة السياسة بين يديه، وقال لي:

ـ انظر إلى هذه المقالة... إنها مقالة عظيمة، وأريدك أن تتعلم كيف تُكتب المقالات النقدية. أتدري من الذي كتب هذا الكلام عن الدكتور ؟

ابتسمت وقلت له في هدوء:

ـ أنا.

ساد الصمت للحظة، ثم طوى الجريدة وعاد إلى مكتبه، بينما كنت أراه من خلف اللوح الزجاجي وقد بدا عليه الارتباك.

لذلك قلت لخالد سعود الزيد:

ـ ليس بيني وبين سليمان الشطي إلا كل خير.

ثم أضفت:

ـ نعم... كنت أختلف معه داخل لجنة تشجيع المؤلفات المحلية، لكنه كان اختلافًا في الرأي لا أكثر. كان يتحفظ على أعمال الجيل الجديد، وكنت أرى أن من واجبي الدفاع عن الموهبة أينما كانت.

كنت أدافع عن وليد الرجيب وطالب الرفاعي وفاطمة يوسف العلي وليلي العثمانرح ، وعن ، وعن ، وعن ، لا لأن بيني وبينهم مصالح أو صداقات خاصة، وإنما لأنني كنت أؤمن بأنهم أصحاب مواهب حقيقية تستحق أن تجد من ينصفها.

ظل خالد سعود الزيد يهز رأسه في صمت، ثم قال لي:

ـ إذن لا بد أن هناك شيئًا آخر.

ومع مرور الأيام بدأ يكشف لي ما كان يحدث.

قال إن الاتصالات الهاتفية لم تكن تنقطع من الكويت. مكالمات طويلة يوميا طوال الاسبوع ، تستغرق أحيانًا نصف ساعة أو أكثر، يسأل فيها المتصلون عن كل شيء: هل انعقدت الندوة؟ من حضر؟ ماذا قيل؟ كم كان عدد الحاضرين؟ ومن هم أدباء مصر والإسكندرية الذين شاركوا؟

ثم أضاف:

ـ كانوا يتابعون الأسبوع الثقافي يومًا بيوم، وكأنهم ينتظرون خبر فشله.

وعرفت منه أن بعض الأدباء الذين وُجهت إليهم الدعوة لم يحضروا بعدما قيل لهم إن ما أقوم به مجرد عملية نصب واحتيال، وإن هذا الأسبوع الثقافي لن يُقام أصلًا.

دهشت وأنا أستمع إليه، وقلت:

ـ نصب؟ وعلى ماذا؟!

أنا لم أطلب من أحد جنيهًا واحدًا، بل على العكس، أنا الذي دفعت تكلفة حجز الفندق، وأعددت وسائل الانتقال، وتحملت جميع نفقات الأسبوع من ميزانية مؤسسة رؤيا، ولم أمد يدي إلى أحد.

بل إن خالد سعود الزيد نفسه عرض عليّ، في بداية الأسبوع، مبلغًا من المال لمساندة النشاط، فاعتذرت له على الفور، وقلت:

ـ نحن لا نأخذ... نحن ندفع.

كنت، في ذلك الوقت، قادرًا على تحمل نفقات المشروع، ولم يكن هدفي إلا أن أقدم للأدب الكويتي أسبوعًا يليق به، وأن أرد جزءًا من الجميل لدولة احتضنتني ومنحتني الكثير.

لكنني كنت أكتشف، يومًا بعد يوم، أن نجاح الفكرة كان يزعج بعض النفوس أكثر مما كنت أتصور.

موضوع نشر البحوث

 سأروي نشر بحوث الأسبوع الثقافي في مجلة البيان، وقضية المكافآت، وما ترتب عليها من سوء فهم بينك وبين الباحثين المصريين، مع الحفاظ على جميع الوقائع كما رويت

ومضى الأسبوع الثقافي الكويتي إلى نهايته، ونجحت الندوات نجاحًا فاق كل توقعاتي. كانت القاعات تمتلئ بالحضور، والمناقشات تتسم بالجدية والعمق، وقدم الباحثون دراسات رصينة عن الأدب الكويتي، بعيدًا عن المجاملات أو الاحتفاء الشكلي.

وفي اليوم الأخير، قال لي الأستاذ الكبير خالد سعود الزيد 

ـ يبدو أنهم لن يصدقوا ما حدث إلا إذا رأوه منشورًا أمامهم. هل تسمح لي أن آخذ جميع البحوث التي قُدمت في الأسبوع الثقافي، وأن أنشرها في عدد خاص من مجلة البيان؟

قلت له دون تردد:

ـ بكل سرور... هذه البحوث ليست ملكًا لي، وإنما هي شهادة علمية على تجربة أعتز بها.

جمع خالد سعود الزيد جميع الدراسات التي قُدمت خلال الأسبوع، وفي مقدمتها بحوث الدكتو ر العشماوي والدكتور السعيد الورقي ، والدكتور مصطفي هداره، والدكتور فوزي عيسي ، والدكتور احمد الجويلي ، والناقد الشاعر محمود عبد الصمد زكريا، إلى جانب الدراسة التي كتبها الشاعر احمد مبارك عن ديوان الوقيان ، وكانت ــ على حد علمي ــ أول دراسة نقدية تُكتب عن ذلك الديوان.

وبالفعل، صدر عدد خاص من مجلة البيان يضم بحوث أول أسبوع ثقافي كويتي أُقيم في مصر، بمدينة الإسكندرية عام 1987.

وكان صدور العدد مصدر سعادة كبيرة لي، فقد شعرت أن التجربة أصبحت موثقة، وأنها خرجت من حدود القاعة إلى فضاء الثقافة العربية. اشتريت بنفسي عشرين نسخة من المجلة، واقتنى كثير من الأدباء والباحثين نسخهم، ووجد العدد صدى طيبًا بين المهتمين بالأدب الكويتي.

لكن فرحتي لم تكتمل.

كنت أتصور أن مجلة البيان ستقوم، كما جرت العادة، بصرف مكافآت مالية للباحثين الذين نشرت أعمالهم، وكانت تلك المكافآت تتراوح بين عشرة وعشرين دينارًا كويتيًا، وهو مبلغ محترم في ذلك الوقت.

إلا أن الأيام مرت، ولم تصل أي مكافأة إلى أصحاب البحوث، رغم إرسال أسمائهم الكاملة، وعناوينهم، وأرقام هواتفهم، أكثر من مرة.

وبدأ بعض الباحثين يتصلون بي، ويسألونني في عتاب:

ـ هل استلمت مكافآت المجلة؟

فكنت أجيبهم، بكل صدق:

ـ والله، لم أستلم فلسًا واحدًا.

لكن بعضهم لم يصدق، وظن أن المجلة أرسلت إليّ المبالغ، وأنني احتفظت بها لنفسي.

وكان ذلك من أكثر المواقف إيلامًا في حياتي، لأن الإنسان قد يحتمل الظلم، لكنه يتألم حين يُساء الظن بذمته.

ولكي أقطع الشك باليقين، عرضت على جميع الباحثين أن أدفع لهم المكافآت من مالي الخاص، ومن ميزانية مؤسسة رؤيا، رغم أن المؤسسة لم تكن مسؤولة عن مكافآت النشر في مجلة البيان.

رفض معظمهم هذا العرض الكريم، لأنهم كانوا يرون أن حقهم يجب أن يأتي من الجهة التي نشرت بحوثهم، ولم يقبل سوى اثنين، وما زلت حتى اليوم أتحفظ على ذكر اسميهما احترامًا لرغبتهما.

وكانت قيمة ما عرضته تتراوح بين مائة وخمسين ومائتي جنيه مصري لكل باحث، وهو مبلغ لم يكن قليلًا آنذاك، خاصة إذا تذكرنا أن وزارة الثقافة المصرية كانت تمنح خمسين جنيهًا فقط للمحاضرة، وعشرة جنيهات للمقال.

مرت السنوات...

وبقي السؤال معلقًا في ذاكرتي:

لماذا كل هذا العناء من أجل عمل ثقافي لم يكن هدفه سوى الاحتفاء بالكويت وأدبائها؟

ولماذا كل هذه المحاولات لإفشال تجربة دفعت تكلفتها من مالي الخاص، ولم أطلب من أحد مقابلًا أو دعمًا؟

أسئلة ما لها جواب ..

مرت الأعوام، وبقيت أتساءل: لماذا كل هذا الخوف من أسبوع ثقافي؟ ولماذا كل هذا الجهد لإفشال ندوات لم تكن تحمل إلا الكتب، ولم تكن ترفع إلا راية الثقافة؟


لم أكن أطلب منصبًا، ولا شهرة، ولا مالًا. كنت أنفق من مالي، وأحجز الفندق للضيوف، وأدعو كبار نقاد مصر لقراءة الأدب الكويتي، لأنني كنت أؤمن أن الثقافة العربية وطن واحد، وأن الكويت تستحق أن يُقرأ أدبها في الإسكندرية كما يُقرأ الأدب المصري في الكويت.


لقد نجح الأسبوع الثقافي، رغم كل ما قيل، ورغم كل ما دُبِّر في الخفاء. ونجحت البحوث، حتى إن مجلة البيان أفردت لها عددًا كاملًا، وبقي ذلك العدد شاهدًا لا يستطيع أحد محوه أو إنكاره.


أما الذين راهنوا على الفشل، فقد مضوا، وبقيت الوقائع. والتاريخ لا يكتب ما تمنيناه، بل يكتب ما حدث.


ولا أحمل في قلبي ضغينة لأحد، لا إلى ، ولا إلى ، ولا إلى غيرهما. فالإنسان أكبر من أن يعيش أسير خصومة عمرها عشرات السنين. لكن من حق الأجيال الجديدة أن تعرف الحقيقة، وأن تدرك أن الثقافة العربية كثيرًا ما هُزمت من داخلها، لا من أعدائها.


وأقولها اليوم، بعد ما يقرب من أربعة عقود، بضمير مطمئن: لقد كان الأسبوع الثقافي الكويتي في الإسكندرية عام 1987 حقيقةً تاريخية، لا ادعاءً، وكان أول أسبوع ثقافي كويتي يُقام في مصر، شارك فيه كبار نقادها، ووثقته البحوث، وشهد عليه الحاضرون، ونشرته مجلة البيان.


أما أنا، فلم يبقَ لي إلا أن أترك هذه الشهادة للتاريخ، لا طلبًا لإنصاف متأخر، ولا رغبةً في محاكمة أحد، وإنما احترامًا للحقيقة. فالأسماء ترحل، والمناصب تزول، لكن الكلمة الصادقة تبقى، لأنها وحدها تملك القدرة على هزيمة النسيان.

تمت 

السيد حافظ 

القاهرة الهرم 

2026

الاثنين، 6 يوليو 2026

إيمان السعدوني... من مكتبة المدرسة إلى منفى الحنين.. سرد بلا حدود

 سرد بلا حدود

إيمان السعدوني... من مكتبة المدرسة إلى منفى الحنين


بقلم: السيد حافظ



( الصور من أرشيف الشاعر الكبير زين العابدين فؤاد )

هناك صداقات لا تبدأ بمصافحة، بل تبدأ بكتاب، أو بفكرة، أو بحلم صغير. وهكذا بدأت رحلتي مع إيمان السعدوني، رحلة امتدت من مكتبة مدرسة الإسكندرية الثانوية إلى شوارع القاهرة، ثم إلى باريس، قبل أن يختطفه الرحيل، تاركًا في الذاكرة صورة إنسان أحب الوطن حتى آخر العمر.

كان قدري أن أبدأ الكتابة مبكرًا. ففي المرحلة الإعدادية بمدرسة النهضة النوبية كنت أؤلف الاسكتشات المسرحية لفرقة المدرسة، لأنني لم أكن أعرف من أين تأتي النصوص المسرحية، ولا كيف يحصل طالب صغير على نص مكتوب. كانت الكتابة بالنسبة لي ضرورة، قبل أن تكون موهبة.

ثم جاءت المرحلة الثانوية، فأصبحت رئيسًا لاتحاد طلاب مدرسة الإسكندرية الثانوية، ورئيسًا لاتحاد طلاب محافظة الإسكندرية، وعضو المكتب التنفيذي لاتحاد طلاب الجمهورية. وكانت المدرسة نفسها قطعة من تاريخ الإسكندرية؛ قصرًا قديمًا للخواجة منشا، التاجر اليهودي الشهير، الذي ارتبط اسمه بتاريخ المدينة. وكانت قاعاته تحفًا معمارية، أما المكتبة فكان سقفها مزدانًا برسوم الملائكة والملوك والقصور، وكأنها معبد للمعرفة.

وفي تلك المكتبة التقيت بالرجل الذي غيّر حياة أجيال من الطلاب، الأستاذ السيد أبو زيد، أمين المكتبة. لم يكن موظفًا يحرس الكتب، بل كان حارسًا للعقول. كان يفتح أبواب المكتبة منذ الصباح، ويجذب إليها الطلاب، ويدعوهم إلى القراءة، ويقنعهم بأن الكتاب هو الطريق الوحيد إلى الحرية.

وذات يوم قال لي:

"لماذا لا نصدر مجلة للمدرسة؟"

كانت فكرة بسيطة، لكنها بالنسبة إلينا كانت مشروعًا ثقافيًا حقيقيًا. أعلنت عنها في الإذاعة المدرسية، ودعوت كل من يحب الكتابة أو الرسم أو الثقافة إلى الاجتماع في المكتبة.

كان من بين الحاضرين شاب نحيل، أبيض الوجه، يرتدي نظارة، تبدو على ملامحه براءة الأطفال.

قال بهدوء: "أنا سأكتب."

كان ذلك أول لقاء لي بإيمان السعدوني.

وحضر أيضًا سيد سرحان، الذي كان الطلاب يلقبونه بـ"سيد حشيشة"، خفيف الظل، صانع البهجة، وإن لم يكن صاحب موهبة أدبية كبيرة.

أما إيمان، فقد لفت نظري منذ اللحظة الأولى بثقافته وشغفه بالقراءة. كان يغوص في مجلدات «قصة الحضارة» لويل ديورانت، وكنا نتسابق في قراءتها ومناقشتها، بينما كان الأستاذ السيد أبو زيد يزرع فينا احترام الفكر، ويقيم الندوات، ويجعل المكتبة قلب المدرسة النابض.

وشارك الفنان علي بكير، الذي أصبح فيما بعد أستاذًا بكلية الفنون الجميلة، في رسم الكاريكاتير وإخراج المجلة على آلة الاستنسل، فتحولت المكتبة إلى ورشة ثقافية حقيقية.

كان إيمان ابن عم محمود السعدوني، صاحب مكتبة المصنع الصغير بشارع محرم بك، وهو رجل قضى سنوات من عمره في السجن بسبب انتمائه إلى جماعة الإخوان المسلمين، وخرج يحمل آثار تلك السنوات على ملامحه وكلامه، لكن أسرته ظلت مثالًا للبساطة والكرم.

وسرعان ما أصبح إيمان واحدًا من أفراد أسرتي. كان يزور بيتنا باستمرار، وأحبته أمي حبًا شديدًا، لما عرفت فيه من نقاء القلب ودماثة الخلق. كان، بحق، يشبه رغيف الخبز الساخن؛ بسيطًا، طيبًا، يمنح من حوله دفئًا لا يُنسى.

ولم يكن إيمان مجرد صديق للمكتبة أو للكتابة، بل كان رفيقًا في الحلم الوطني. خرج معي في مظاهرات المدارس الثانوية تأييدًا لثورة الجزائر ضد الاحتلال الفرنسي، وشارك في المظاهرات المنددة بالاحتلال البريطاني في عدن، وكان يهتف من قلبه، مؤمنًا بأن حرية الأوطان لا تتجزأ، وأن معركة العربي في الجزائر أو عدن هي معركة المصري في الإسكندرية والقاهرة.

وكنا نحلم، ونحن لم نتجاوز سنوات الشباب الأولى، بإعداد مشروع للثورة الثقافية، نؤمن بأن تحرير العقل يسبق تحرير الأرض، وأن المسرح والكتاب والقصيدة ليست ترفًا، بل أدوات لبناء الإنسان ومواجهة الهزيمة.

ثم جاءت نكسة يونيو 1967، وأعقبتها محاكمات المسؤولين عنها، فشعرنا، نحن أبناء ذلك الجيل، أن العدالة لم تصل إلى حجم الكارثة، وأن الوطن ما زال ينزف.

خرجنا في مظاهرات طلابية مع جامعة الإسكندرية، خاصة في كلية الهندسة. وعندما وصلنا إلى نقطة شرطة باب شرق، هاجمت الشرطة المتظاهرين. اندفع بعضهم إلى داخل الكلية، بينما اضطر آخرون، وكنت منهم، إلى التراجع.

أما إيمان السعدوني فقد دخل مع المعتصمين، وأُلقي القبض عليه.

وفي تلك الأيام كان كثير من الطلاب المقبوض عليهم يُحالون إلى الخدمة العسكرية لثلاث سنوات بوصفها عقوبة تأديبية، لكن القدر أنقذ إيمان من ذلك لأسباب صحية، فخرج بعد فترة من الاحتجاز.

ما آلمني أن كثيرًا ممن كانوا يملأون المكتبة صخبًا لم يسألوا عنه.

وسألتني أمي:

"ما أخبار صاحبك إيمان؟"

قلت: "في السجن."

فقالت: "اذهب إلى أمه... فالشدائد تكشف معادن الناس."

كانت نصيحة من أم عظيمة.

ذهبت إلى عم محمود السعدوني، فرحب بي، وطلب من ابنه مؤمن أن يصحبني إلى البيت.

وما إن رأتني والدته حتى انفجرت بالبكاء.

قلت لها: "لا تبكي... سيخرج ابنك مرفوع الرأس. إنه يحب مصر، ويحب وطنه."

خرجت وأنا أشعر أنني قمت بواجب إنساني قبل أن يكون واجب صداقة، أما إيمان فقد ظل يحمل هذه الزيارة في قلبه سنوات طويلة.

وفي عام 1970 انتقلت إلى كلية دار العلوم بجامعة القاهرة، بينما التحق إيمان بكلية الإعلام قسم الصحافة.

كنت أقيم في المنيرة، وكان يقيم في المدينة الجامعية، فكنا نلتقي كل عدة أيام في مقهى إيزافيتش أو مقهى وادي النيل بميدان التحرير، نتحدث عن المسرح والأدب والسياسة، ونحلم بوطن أكثر عدلًا وأكثر جمالًا.

وفي تلك الفترة طبعت على آلة الاستنسل أولى مسرحياتي «ستة رجال في معتقل»، بدعم من اتحاد طلاب كلية دار العلوم، بموافقة الدكتور أحمد هيكل، وتشجيع أستاذنا الكبير الدكتور عبد القادر القط، الذي كان يرى أن للمسرح رسالة، وكان يشجعني على أن أواصل الطريق.

كنت أحمل نسخ المسرحية بيدي، وأطرق أبواب المسارح والمخرجين، من المسرح القومي إلى هيئة المسرح، وأوزعها على كل من أستطيع الوصول إليه.

وحين دعوت إيمان أن يرافقني، رفض وقال:

"هذا تسول للشهرة."

قلت له:

"ليس تسولًا... بل محاولة لأن يصل النص إلى من يقرأه. لن يأتي أحد إلينا إذا بقينا ننتظر."

اختلفنا يومها، لكن صداقتنا بقيت أقوى من أي خلاف.

ومرت السنوات.

وفي عام 1986 فوجئت بإيمان يدخل عليّ في مقر مجلة رؤيا بسموحة، قادمًا من باريس.

احتضنته بفرح، وأهداني بطاقة بريدية عليها وردة، وقلم حبر، وقلمًا جافًا، وقال مبتسمًا:

"لم أستطع أن أحضر لك هدية من باريس."

ثم طلب مني أن أساعده في الحصول على صفة صحفية.

كتبت له خطابًا رسميًا، وأثبتُّ في أوراق التأمينات أنه سكرتير تحرير مجلة رؤيا، وسددت من مالي الخاص اشتراكاته التأمينية.

وحين علم بذلك غضب، وأصر أن يرد إليّ المبلغ، لأنه كان عزيز النفس، لا يقبل أن يتحمل أحد عنه شيئًا.

عاد إلى باريس، وانقطعت أخباره سنوات.

وعلمت بعد ذلك أنه تزوج، وكان يعاني من تأخر الإنجاب، فقلت له يومًا:

"لا تيأس... الطب يتقدم، والله كريم."

وبعد سنوات أخبرني الشاعر الكبير زين العابدين فؤاد، الذي التقاه في باريس، أن الله رزقه بابنتين، وأراني صورتهما، ففرحت له كما يفرح الأخ لأخيه.

هكذا كان إيمان السعدوني...

لم يكن زعيمًا سياسيًا، ولم يسع إلى منصب، ولم يطلب شهرة، لكنه كان واحدًا من أولئك الجنود المجهولين الذين آمنوا بأن الوطن فكرة قبل أن يكون حدودًا، وأن الثقافة فعل مقاومة، وأن الكتاب يمكن أن يكون بندقية أخرى في مواجهة الجهل والهزيمة.

عاش وجع الوطن كما عشناه جميعًا بعد نكسة يونيو، وحمل أسئلة جيل كامل ظل يبحث عن العدالة والحرية والكرامة. وعندما حملته الأيام إلى باريس، لم يحمل معه حقائب السفر وحدها، بل حمل الإسكندرية، ومكتبة المدرسة، وأصوات المظاهرات، ورائحة البحر، وأحلام جيل كان يظن أن الثقافة قادرة على تغيير العالم.

كانت الغربة بالنسبة إليه مكانًا، لكنها لم تصبح يومًا وطنًا. ظل قلبه معلقًا بمصر، وظلت مصر تسكن كتاباته وأحاديثه وحنينه. وربما كان هذا هو المعنى الحقيقي للانتماء؛ أن تبتعد بالجسد، بينما تبقى الروح مقيمة على ضفاف الوطن.

سلام عليك يا إيمان...

سلام على ذلك الفتى الذي خرج من مكتبة صغيرة ليحمل وطنًا كبيرًا، والذي ظل وفيًا لحلمه حتى آخر العمر.

أما نحن، أبناء ذلك الجيل، فلم نخسر المعارك وحدها، بل خسرنا أيضًا أجمل الوجوه التي آمنت بأن الثقافة يمكن أن تكون خلاصًا، وأن الوطن يستحق أن نحلم به حتى النفس الأخير. وشكرا للشاعر الكبير زين العابدين الذى أهداني صوره.


تمت

السيد حافظ

القاهرة ٢٠٣٦

الصورة

ايمان يجلس فى باريس كنت أحدثه عنها ليلا 

......

راى الذكاء الاصطناعي جروك

النص ليس مجرد تذكرة شخصية، بل سرد تأسيسي يحاول إعادة بناء هوية جيل كامل (جيل النكسة واليسار الثقافي المصري) من خلال شخصية إيمان كرمز. دريدا يقول إن كل نص يحتوي على ميتافيزيقا الحضور (metaphysics of presence) – افتراض أن هناك "مركز" أصلي ثابت (الوطن، الصداقة، الثقافة النقية). هذا النص يسقط في هذه الميتافيزيقا ثم ينهار من داخله.

1. تفكيك المركز الأصلي (Logocentrism):

المركز المُعلن: المكتبة = معبد المعرفة، مصدر الحرية والثورة الثقافية.

التفكيك العميق: المكتبة كانت في قصر "خواجة منشا" (تاجر يهودي). هذا يفضح أن "الأصل" المصري/الوطني مبني على طبقة استعمارية/رأسمالية/دينية أجنبية. المعرفة (قصة الحضارة لويل ديورانت) ليست أصيلة عربية، بل مستوردة غربية. الثقافة التي يمجدها النص هي بالأساس هجينة، ليست نقية كما يدّعي.

الصداقة كمركز: تبدأ بكتاب، تتحول إلى أخوة روحية.

التفكيك: الصداقة تظهر كعلاقة طبقية/رمزية. السارد (رئيس اتحاد طلاب، كاتب، صاحب اتصالات) يساعد إيمان (ابن عائلة إخوانية بسيطة) – زيارة الأم، دفع التأمينات، كتابة الخطاب. هذا "كرم" يخفي علاقة قوة: السارد هو "الكاتب/الفاعل"، وإيمان "المتلقي/الرمز". حتى بعد الموت، السارد يمتلك سرد إيمان.

2. لعبة الـ Différance (التأجيل والاختلاف):

المعنى الرئيسي (الوفاء للوطن عبر الثقافة) مؤجل دائمًا:

الحرية الحقيقية مؤجلة (من المكتبة → المظاهرات → السجن → المنفى → الموت).

الثورة الثقافية مؤجلة (مسرحية "ستة رجال في معتقل" تُطبع على استنسل وتُوزع يدويًا، ثم يرفضها إيمان كـ"تسول").

الوطن الحقيقي مؤجل (مصر في الذاكرة، باريس في الجسد).

هذا التأجيل لا ينتهي أبدًا – حتى في 2036 (تاريخ النص) يظل الحلم معلقًا. النص يعترف ضمنيًا بأن الخسارة هي الواقع الوحيد، لكنه يُجمّلها بحنين.

3. التناقضات السياسية/الأيديولوجية (أعمق طبقة):

النص يمزج بين يسار قومي ثقافي (مظاهرات الجزائر، النكسة، العدالة) وإسلام سياسي (عائلة إيمان والإخوان). هذا خليط تاريخي حقيقي في مصر، لكنه يفضح فشل كلا المشروعين: اليسار خسر بعد 67، والإخوان أدى إلى سجون وانقسام.

"الثقافة فعل مقاومة" مقابل الواقع: الجيل أصبح "جنودًا مجهولين" في المنفى أو النسيان. النص يكتب تاريخ المهزومين كملحمة، وهو ما يسميه دريدا supplement – إضافة تعوض النقص الأصلي (فشل الوطن).

4. الموت كـ Pharmakon (دواء/سم):

الموت هو الذي يسمح بتكريس إيمان كرمز نقي. لو عاش، لكان التناقض (الخلافات، الغربة، الإحباط) أكثر وضوحًا. الموت يُغلق النص، لكنه يفتحه على لا نهائية التأويل: هل إيمان رمز للمقاومة أم للهزيمة؟

خلاصة رأيي الأعمق:

هذا النص نصب تذكاري يحاول إنقاذ "روح الجيل" من الانهيار التاريخي بعد 1967 وحتى اليوم. لكنه، من منظور تفكيكي، يثبت عكس ما يقول: لا يوجد "مركز" ثابت (لا وطن نقي، لا صداقة مثالية، لا ثقافة منقذة). كل شيء هجين، مؤجل، ومبني على غياب.

القوة الحقيقية للنص ليست في وفائه، بل في صدقه غير المتعمد – يروي قصة جيل حلم بالتحرير عبر الكلمة، فوجد نفسه في السجن أو المنفى أو النسيان. التفكيك لا يقلل من قيمته العاطفية، بل يجعله أكثر صدقًا: نص يبكي على أطلال مشروع حضاري لم يتحقق.

الأحد، 5 يوليو 2026

بين شريهان و محمد بن راشد سؤال لم يبرأ..سرد بلا حدود

 سرد بلا حدود


 بين شريهان و محمد بن راشد سؤال لم يبرأ


بقلم: السيد حافظ



هناك أسئلة في حياتنا لا تبحث عن إجابات، لأنها ولدت لتظل أسئلة. وكلما مر الزمن ازدادت غموضًا، حتى تصبح جزءًا من السيرة الشخصية، لا من التاريخ.

ومن بين هذه الأسئلة سؤالان لازما ذاكرتي سنوات طويلة، وما زلت حتى اليوم لا أملك لهما تفسيرًا.

كنت أكتب مسرحية «أنا ماليش حل» مع المخرج العبقري سيد راضي، فإذا به يطلب مني أن أحول النص من بطولة رجالية إلى بطولة نسائية. عدت إلى بيتي، وانغمست في إعادة كتابة المسرحية، ولم يستغرق الأمر سوى يومين أو ثلاثة حتى كان النص الجديد جاهزًا.

قال لي سيد راضي، وهو يبتسم بثقة:

"المسرحية ستكون لشريهان... اتصلت بها، وموعدنا غدًا الساعة التاسعة مساءً في فيلتها بالمنصورية."

خرجت من عنده وأنا أشعر أن بابًا جديدًا يوشك أن يُفتح أمامي. اشتريت بدلة جديدة من أحد محال شارع طلعت حرب، وقميصًا وربطة عنق وحذاءً جديدًا، وكأنني أتهيأ لليلة قد تغير مسار حياتي.

لكن، بينما كنت أستعد للقاء، كانت الأسئلة تدور في رأسي: هل سأستطيع التعايش مع المسرح التجاري؟ هل سأكتب الضحك من أجل الضحك؟ لقد كتبت المسرح التاريخي، والاجتماعي، والسياسي، والكوميديا الهادفة، وكوميديا الموقف، لكنني لم أكتب يومًا كوميديا الفارس التجارية.

جلست في كافتيريا فندق شهرزاد بالعجوزة منذ الثامنة مساءً في انتظار سيد راضي. دقت التاسعة، ثم العاشرة، ثم الحادية عشرة، واتصلت به مرارًا، فلم يجب.

انتظرت حتى الواحدة بعد منتصف الليل.

ركبت سيارتي التويوتا موديل 1983، وتوجهت إلى مكتبه في شارع أحمد عرابي. وجدته جالسًا وسط عدد من الفتيات الصغيرات الحالمات بالسينما والمسرح والنجومية.

دخلت غاضبًا.

فابتسم وهو يقول: "جاء عبقري المسرح."

قلت: "كان بيننا موعد."

قال ببساطة: "نسيت يا بابا... لكن شريهان أخذت الورق وستقرأه."

توقفت مذهولًا وقلت: "أي ورق؟ النسخة الوحيدة معي."

ابتسم وقال: "ما أنا حافظ المسرحية يا بابا."

خرجت وأنا لا أعرف حتى هذه اللحظة: هل قرأت شريهان المسرحية فعلًا؟ أم أن الحكاية كلها كانت وعدًا تبخر في الهواء؟

بعد سنوات، تكرر المشهد بصورة تكاد تكون مطابقة، ولكن هذه المرة في دبي.

كان بطل الحكاية سيف المري، عبقري الصحافة الإماراتية، الرجل الذي منحني فرصة لم تمنحها لي مصر ولا العراق ولا الكويت ولا غيرها، حين اختارني مديرًا لتحرير مجلتي الشاشة والمغامر في وقت واحد.

كان يؤمن بالأحلام الكبيرة، وحول مؤسسة الصدى إلى مؤسسة تصدر عشر مجلات في وقت واحد، في تجربة صحفية عربية نادرة. واستطعت خلال تلك الفترة أن أستقطب نخبة من كبار المبدعين العرب للكتابة في هذه الإصدارات، قبل أن تتعثر التجربة بفعل الخلافات والمؤامرات.

في تلك الأيام، كنت أعمل مع سيف المري على مشروع ثقافي كبير، وأحمل في رأسي عشرات الأفكار، من بينها مشروع قناة تلفزيونية ثقافية عربية، كنت قد بدأت أفاتح الفنان الكبير نور الشريف في بعض تفاصيلها، وكنت أفكر أيضًا في أن يقدم نجوم كبار، مثل يسرا، برامج ثقافية تجعل المعرفة قريبة من الناس.

وفي أوج نجاح المؤسسة، تقرر أن يزور الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم المؤسسة، ويلتقي بمديري التحرير.

لكنني لم أعرف شيئًا عن الموعد.

في صباح اليوم التالي، فوجئت بالأستاذ محمد بن سعود، مدير العلاقات العامة، يسألني:

"لماذا لم تحضر لقاء الأمس؟"

قلت بدهشة: "أي لقاء؟"

قال: "الشيخ محمد بن راشد كان هنا... واجتمع بجميع مديري التحرير، وأنت الوحيد الذي لم يحضر."

دخلت إلى مكتب سيف المري وسألته:

"لماذا لم تدعني؟"

فقال في هدوء: "نسيت."

ثم أضاف: "وعلى فكرة... عرضت على الشيخ مشروع القناة الثقافية الذي كنت تريده، لكنه لم يوافق."

خرجت من مكتبه، وأنا أحمل صمتًا أثقل من الكلام.

بعد قليل، دعاني محمد بن سعود إلى فنجان قهوة في مقهى قريب من المؤسسة.

قال لي: "أنا أعرف ما يدور في رأسك."

قلت: "كنت أريد أن أطرح مشروعات ثقافية للمؤسسة ولدبي."

فقال: "أعرف... لكن تأتي الرياح بما لا تشتهي السفن."

سألته: "وماذا قال مديرو التحرير؟"

فأجاب: "لم يتكلم أحد. تحدث الشيخ محمد بن راشد أكثر من نصف ساعة، ثم سألهم: هل لدى أحدكم شيء يقوله؟ فلم يتحدث أحد."

واليوم، وبعد كل هذه السنوات، أعود إلى السؤال نفسه.

لماذا لم يدعني سيد راضي إلى لقاء شريهان، رغم أن الحديث كان عن مسرحيتي؟

ولماذا لم يدعني سيف المري إلى لقاء الشيخ محمد بن راشد، رغم أن لدي مشروعًا ثقافيًا كنت أؤمن به؟

هل كان الأمر مجرد نسيان، كما قال الاثنان؟

أم أن هناك أسبابًا أخرى لم أعرفها؟

لا أتهم أحدًا، ولا أبحث عن إدانة أحد، لكنني أتأمل مفارقة عجيبة: في لحظتين كان يمكن أن تكونا من أهم لحظات حياتي المهنية، كنت أنا الغائب الوحيد.

ربما كانت الصدفة.

وربما كان القدر.

وربما كانت الحياة تريد أن تعلمني أن ليس كل باب يُفتح أمامك يعني أنك ستعبره.

هكذا بقيت الحكايتان في ذاكرتي، لا كحكايتين عن فرصة ضائعة، وإنما كسؤالين كبيرين، ما زلت أكتبهما حتى اليوم...

لماذا؟

السيد حافظ

القاهر.

.....


رأي الذكاء الاصطناعي الأمريكي 


إذا قرأت النص قراءة تفكيكية عميقة، فسأقول إنك لم تكتب عن حادثتين في حياتك، بل كتبت عن بنية الغياب التي تحكم السيرة كلها.

النص لا يروي ذكريات، وإنما يهدم مفهوم "السيرة الذاتية" نفسه. فالسيرة التقليدية تقوم على الوقائع والنتائج: حدث كذا، فكانت النتيجة كذا. أما هنا، فإن الحدث ينهار قبل أن يكتمل. اللقاء لا يقع، والفرصة لا تتحقق، والحقيقة لا تُعرف. وهنا تبدأ التفكيكية.

في القراءة التفكيكية، لا يكون مركز النص شريهان أو سيد راضي أو سيف المري أو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، بل كلمة واحدة تتكرر مرتين: «نسيت». وهذه الكلمة ليست تفسيرًا، بل علامة على انهيار التفسير. إنها تؤجل الحقيقة ولا تكشفها، فتتحول من جواب إلى سؤال.

ومن هنا تنقلب العلاقات داخل النص. فالشخصيات ليست شخصيات مستقلة، بل تؤدي الوظيفة نفسها. سيد راضي وسيف المري لا يمثلان شخصين مختلفين، بل يتكرران كبنية واحدة؛ حتى إن الحدثين يتطابقان: وعد، انتظار، غياب، تبرير، ثم سؤال بلا جواب. وكأن النص يقول إن التاريخ يعيد إنتاج نفسه بأقنعة مختلفة.

وهناك مستوى أعمق. فأنت في النص لست الضحية ولا البطل. أنت الشاهد. والشاهد لا يمتلك الحقيقة، بل يشهد على استحالة الوصول إليها. ولذلك فإن النص يقاوم الإدانة، ولا يمنح البراءة. إنه يترك الجميع داخل منطقة رمادية، وهي المنطقة التي تحبها التفكيكية لأنها تهدم الثنائيات الجاهزة: صادق/كاذب، نسيان/تعمد، نجاح/فشل.

كما أن النهاية لا تغلق السرد، بل تنسفه. عندما تقول: «ربما كانت الصدفة... وربما كان القدر...» فإنك لا تقدم احتمالين، بل تهدم الاثنين معًا، لأن كل احتمال ينقض الآخر. وهكذا يصبح النص معلقًا بين معنيين لا ينتصر أحدهما، ويظل المعنى مؤجلًا.

ومن أجمل ما في النص أن الشخصيات الكبرى تتراجع تدريجيًا حتى تختفي، بينما يتضخم السؤال الأخير: «لماذا؟». في البداية يبدو أن شريهان والشيخ محمد بن راشد هما محور الحكاية، لكن مع التقدم في القراءة يكتشف القارئ أن وجودهما ليس إلا أثرًا عابرًا، وأن البطل الحقيقي هو السؤال نفسه. وهذا قلبٌ لمركز النص؛ فالأشخاص يصبحون هامشًا، بينما يتحول السؤال إلى المركز.

ومن منظور Deconstruction، فإن النص لا يبحث عن الحقيقة، بل يكشف أن الحقيقة نفسها مؤجلة، وأن الذاكرة لا تستعيد الماضي كما وقع، بل تعيد إنتاجه بوصفه شبكة من الاحتمالات والفراغات. لذلك فإن قيمة النص ليست في معرفة ما إذا كان ما حدث نسيانًا أم إقصاءً، وإنما في أن هذا الغموض ظل حيًا في الذاكرة حتى صار هو الحدث الحقيقي.

لهذا أرى أن النص يتجاوز كونه مذكرات شخصية؛ إنه نص عن الغياب بوصفه قوة تصنع المصير، وعن السؤال بوصفه بطل السيرة، وعن المعنى الذي كلما اقتربنا منه، ابتعد خطوة أخرى. وهذه، في تقديري، هي أكثر طبقاته عمقًا.

.محمد عفيفي مطر... ومجلة سنابل ونفيسة قنديل والطليعة الأدبية. سرد بلا حدود

 سرد بلا حدود

محمد عفيفي مطر... ومجلة سنابل ونفيسة قنديل والطليعة الأدبية

بقلم: السيد حافظ



في عام 1970 التحقت بكلية دار العلوم بجامعة القاهرة، بعد أن حصلت على الثانوية العامة للمرة الثانية. كنت قادمًا إلى القاهرة، العاصمة الأم، وأنا أحمل أحلام شاب يرى فيها مدينة الأدباء والشعراء والفنانين الكبار، ومدينة الجامعات والأساتذة العظام. كنت أتصور أن الطريق إلى الأدب يبدأ من القاهرة، لكن المفاجأة جاءت من كفر الشيخ، حيث صدرت مجلة صغيرة في حجمها، كبيرة في أثرها، هي مجلة "سنابل".


كان يرأس تحريرها الشاعر الكبير محمد عفيفي مطر، ومعه الشاعر محمد الشهاوي، وبدعم من الكاتب والصحفي محمد صدقي. كانت مجلة إقليمية في مكان صدورها، لكنها كانت تحمل مشروعًا ثقافيًا يتجاوز حدود الإقليم، وتبحث عن الأصوات الجديدة في كل مكان.


كتبت مسرحية قصيرة من فصل واحد، وأرسلتها إلى المجلة. لم تُنشر. وعرفت بعد ذلك أن المجلة اختارت نشر مسرحية للكاتب كامل الكفراوي. وروى لي صديقنا الكاتب فؤاد حجازي أن محمد عفيفي مطر سأله يومًا: «هل تعتقد أن السيد حافظ سيستمر في الكتابة المسرحية؟» فأجاب: «نعم». ثم سأله عن كامل الكفراوي، فأجاب: «لا أظن». وكانت الأيام وحدها هي التي قدمت إجاباتها.


لم أتوقف. كنت طالبًا، وكانت أربعة جنيهات تعني لي الكثير. فابتكرت بابًا بعنوان «رسالة الإسكندرية الثقافية»، ورصدت فيه الحركة الفنية والثقافية في الإسكندرية، من معارض الأتيليه إلى الندوات والفعاليات الأدبية، وكتبت خمس صفحات بخط اليد، ثم أرسلتها إلى مجلة "سنابل".


وفي العدد التالي نُشرت الرسالة.


بعد أيام ذهبت إلى دار الأدباء بشارع القصر العيني، في ذلك الزمن الذي كانت فيه الندوات تجمع كبار المبدعين العرب. وهناك التقيت بمحمد عفيفي مطر، فصافحني مبتسمًا، وأخرج من جيبه أربعة جنيهات، وقال: «هذه مكافأتك.»


كانت تلك أول مكافأة أدبية أتقاضاها في القاهرة، وما زلت أذكر فرحتي بها حتى اليوم.


لكن عندما التقيته بعد عدة أشهر في مقهى ريش، وسألته عن سبب توقف «رسالة الإسكندرية الثقافية»، قال لي مبتسمًا: «لقد فتحت عليّ أبوابًا لم أتوقعها. وصلتني من الإسكندرية رسائل كثيرة، بعضها يهاجمك، وبعضها يطلب أن يكتب أصحابه هذا الباب، فقررت أن أوقفه تمامًا.»


لم أسأله يومها عن أسماء الذين كتبوا، ولم أسأل بعد ذلك، ولا أريد أن أعرف. فالسنوات علمتني أن الكاتب إذا نجح، ولو في خطوة صغيرة، فإنه يوقظ المنافسة قبل أن يوقظ الإعجاب.


ثم جاءت مرحلة أخرى من حياتي.


بعد انتقال محمد عفيفي مطر إلى العراق، حيث عمل هناك كما عمل كثير من المثقفين العرب في تلك المرحلة، أرسلت إلى مجلة «الطليعة الأدبية» قصة بعنوان «أحزان مواطن بلا عنوان»، وهي قصة كتبتها بروح تجريبية، مستلهمةً واقع البطل عبد العاطي، لتطرح سؤالًا عن مصير البطل العربي بعد انتهاء المعركة.


نشرت المجلة القصة، ثم فوجئت في العدد التالي بدراسة نقدية مطولة كتبتها الأديبة والناقدة نفيسة قنديل، زوجة محمد عفيفي مطر. كانت دراسة قاسية، خصت قصتي وحدها بالنقد من بين القصص المنشورة في العدد. اختلفت مع قراءتها آنذاك، لكنني أدركت فيما بعد أن النصوص التي تثير الجدل هي النصوص التي تفرض وجودها.


ولم تنته الحكاية عند هذا الحد.


فقد شعرت بعد ذلك بأن كاتبًا مصريًا كان يقيم في العراق قد استلهم قصتي في عمل سينمائي، فاعترضت، وأرسلت إلى الملحقية الثقافية بالسفارة العراقية في الكويت، مرفقًا بالقصة المنشورة في مجلة «الطليعة الأدبية» باعتبارها دليلًا على أسبقيتي. كان الرد أن الفيلم قد أُنجز، وانتهى الأمر، وعُرض عليّ تعويض مالي، فرفضت يومها وأغلقت الملف.


لكن الذاكرة لا تغلق ملفاتها بسهولة.


مرت السنوات، وعاد الرجل إلى القاهرة، ومضت الحياة كما تمضي دائمًا. أما أنا فبقيت أتأمل تلك الوقائع، وأسأل نفسي: لماذا توقفت «رسالة الإسكندرية الثقافية» بعد نجاحها؟ ولماذا اختارت نفيسة قنديل قصتي وحدها للنقد؟ وهل كانت تلك مجرد مصادفات ثقافية، أم أن لكل زمن حساباته الخفية؟


لا أملك اليوم إلا أن أروي ما عشته كما رأيته.


وبرغم كل ما جرى، بقي محمد عفيفي مطر في وجداني شاعرًا كبيرًا، وصاحب مشروع ثقافي استثنائي، وإنسانًا ودودًا في لقاءاتي معه. فالحياة لا تُختزل في موقف واحد، ولا في خلاف واحد، كما أن البشر أكبر من أن يُحاكموا بلحظة واحدة.


وهكذا تمضي الأيام. يرحل أصحابها، وتبقى الذكريات وحدها شاهدة على زمن كانت الثقافة فيه حلمًا كبيرًا، وكانت المجلات الأدبية تصنع أسماء، وتفتح أبوابًا، وتغلق أخرى. ويبقى السؤال مفتوحًا: من كان صديقًا؟ ومن كان خصمًا؟ ربما لا يهم الآن... فما يبقى في النهاية ليس إلا ما كتبه الإنسان، وما تركه من أثر في ذاكرة الأدب.

تمت

السيد حافظ

القاهرة

.....

......

رأي الذكاء الاصطناعي الأمريكي


إذا قرأناه بمنهج تفكيكي عميق، فإن المقال لا يتحدث في حقيقته عن محمد عفيفي مطر أو مجلة سنابل أو نفيسة قنديل، بل عن سلطة الثقافة العربية وآليات إنتاج الاعتراف والإقصاء. الشخصيات هنا علامات داخل بنية أكبر، وليست الغاية النهائية للنص.

القراءة التفكيكية العميقة

منذ الجملة الأولى يضع النص القارئ أمام ثنائية كبرى: القاهرة/الإقليم. فالقاهرة تبدو المركز الثقافي، لكن الاعتراف الأول لا يأتي منها، بل يأتي من مجلة إقليمية في كفر الشيخ. هنا ينسف النص فكرة المركز؛ فالهامش هو الذي يمنح الشرعية للمبدع، بينما المركز يكتفي باستقبالها لاحقًا.

ثم تظهر ثنائية أخرى أكثر تعقيدًا، وهي النشر/الاستبعاد. فعدم نشر المسرحية يبدو خسارة، لكنه يقود إلى كتابة "رسالة الإسكندرية الثقافية"، التي تصبح سببًا لأول مكافأة أدبية. أي أن الفشل ينتج النجاح، والرفض يصبح طريقًا للاعتراف. وهكذا ينهار التقابل التقليدي بين النجاح والإخفاق.

وعندما يتوقف الباب الثقافي بعد نجاحه، يكشف النص مفارقة أشد قسوة؛ فالنجاح لا يضمن الاستمرار، بل قد يكون سببًا في الإقصاء. هنا تصبح المؤسسة الثقافية بنية تنتج الاعتراف بقدر ما تنتج المنع، وكأنها لا تستطيع تحمل نجاح خارج آلياتها التقليدية.

أثر دريدا في النص

وفق تصور جاك دريدا، لا يوجد معنى ثابت، بل سلسلة لا تنتهي من الاختلافات والتأجيلات. وهذا ما يفعله المقال.

فالسؤال:

لماذا توقف الباب؟

لا يجيب عنه النص.

ثم ينتقل إلى سؤال آخر:

لماذا اختارت نفيسة قنديل قصتي وحدها؟

ثم إلى سؤال ثالث:

هل كانت مصادفات أم حسابات خفية؟

كل جواب يؤجل الجواب التالي. فلا يصل القارئ إلى يقين، وإنما إلى شبكة من الاحتمالات، وهو ما يسميه دريدا تأجيل المعنى.

نفيسة قنديل بوصفها علامة

في القراءة التقليدية تبدو نفيسة قنديل ناقدة هاجمت قصة الكاتب.

أما تفكيكيًا، فهي تمثل سلطة القراءة نفسها.

النقد هنا ليس إلغاءً للنص، بل اعتراف ضمني بقوته؛ إذ إن النصوص الضعيفة تُنسى، أما النصوص التي تُكتب عنها دراسات مطولة فهي تدخل دائرة التأويل. وهكذا يتحول الهجوم إلى شكل آخر من أشكال تثبيت حضور النص.

الذاكرة بوصفها أرشيفًا مضادًا

المقال لا يقدم وثائق ولا محاضر ولا أحكامًا، وإنما يقدم الذاكرة.

والتفكيك يمنح الذاكرة مكانة خاصة؛ لأنها ليست سجلًا موضوعيًا، بل إعادة كتابة دائمة للماضي.

لذلك لا يدّعي الكاتب امتلاك الحقيقة، بل يكتب:

"لا أملك اليوم إلا أن أروي ما عشته كما رأيته."

هذه الجملة وحدها تنسف فكرة الحقيقة المطلقة، وتؤكد أن كل كتابة هي وجهة نظر، لا نسخة نهائية من الواقع.

الاقتصاد الرمزي

الأربعة جنيهات ليست مجرد مكافأة.

إنها تتحول إلى رمز للاعتراف.

بعدها يصبح المال نفسه بلا قيمة أمام القيمة الرمزية للاعتراف الأول.

ثم يظهر التعويض المالي في قضية الاستلهام السينمائي، لكنه يفشل في شراء الذاكرة.

إذن المال في أول النص يمنح الفرح، وفي آخره يعجز عن محو الشعور بالظلم.

وهنا يفكك المقال العلاقة بين القيمة المادية والقيمة الرمزية.

الحضور والغياب

الشخصيات تغيب لكنها لا تختفي.

مجلة سنابل توقفت، لكنها حاضرة في الذاكرة.

الطليعة الأدبية انتهت، لكنها ما زالت تنتج معنى.

محمد عفيفي مطر رحل، لكنه يظل فاعلًا داخل النص.

الغياب هنا هو شكل آخر من الحضور، وهي إحدى الأفكار المركزية في التفكيك.

خاتمة تفكيكية

النهاية ليست خاتمة، بل فتح جديد للأسئلة.

فحين يقول الكاتب:

"من كان صديقًا؟ ومن كان خصمًا؟"

فهو لا يبحث عن إجابة، بل يهدم الثنائية نفسها.

لأن الشخص الواحد قد يكون في لحظة داعمًا، وفي لحظة أخرى سببًا في الإقصاء، وقد يكون النقد اعترافًا، والرفض بداية نجاح، والهامش مركزًا، والذاكرة وثيقة، والصمت خطابًا.

لهذا أرى أن هذا المقال لا يروي سيرة شخصية فحسب، بل يكشف البنية العميقة للمؤسسة الثقافية العربية، ويجعل القارئ يعيد التفكير في مفاهيم الاعتراف، والسلطة، والنجاح، والإقصاء. وهذه هي القيمة التفكيكية الحقيقية للنص، إذ لا يقدّم أجوبة، بل يزعزع اليقين، ويترك المعنى مفتوحًا على قراءات لا تنتهي.

جزيرة بافوس... والحلم المفقود والبحر الهادئ المجنون..سرد بلا حدود

سرد بلا حدود

جزيرة بافوس... والحلم المفقود والبحر الهادئ المجنون

بقلم: السيد حافظ



في عام 1983 زرت قبرص بدعوة من الكاتب الليبي الكبير محمد علي الشويهدي، رئيس تحرير مجلة «الموقف العربي»، في زمن كانت فيه المنافي العربية تصنع الثقافة أكثر مما تصنعها العواصم. كان كثير من الكتّاب والصحفيين الذين يحملون فكرة أو مشروعًا يرحلون إلى باريس أو لندن أو قبرص، حيث كانت المجلات الأدبية والثقافية والسياسية تولد خارج حدود الرقابة.

كنت يومها أعمل في دولة الكويت، في المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، وأكتب في جريدة «السياسة»، ولم أكن أعرف محمد علي الشويهدي معرفة شخصية، رغم أن بيننا حكاية تستحق أن تُروى.

كان الصديق حسونة الشاويش، الملحق الثقافي الليبي، قد أهداني مجموعة من الكتب الليبية. وبين تلك الكتب استوقفتني المجموعات القصصية لمحمد علي الشويهدي، كما استوقفني إبداع علي  على مصطفى المصراتي. كتبت عن أعمال الشويهدي بإعجاب، وأنا لا أعرف الرجل، ولا أعرف منصبه، ولا أين يعيش.

بعد ذلك علم الشويهدي بما كتبته عنه، وسأل عني في الكويت، ثم دعاني إلى قبرص. لم يكن يومها وزيرًا ولا صاحب سلطة، وإنما كان يبحث عن كاتب كتب عنه بإخلاص، بعيدًا عن المجاملة والمصلحة. وذلك موقف لا أنساه، لأنه كان دليلًا على احترامه للكلمة قبل أي شيء آخر.

غير أن الرحلة التي استمرت شهرًا كاملًا  هناك لم يبق منها في ذاكرتي سوى مدينة واحدة... بافوس.

كانت بافوس بالنسبة إليَّ حلمًا يمشي على الأرض. مدينة تشبه الإسكندرية كما عرفناها في أربعينيات القرن الماضي؛ بحر أزرق، ورمال بيضاء، ومظلات هادئة، ومقاهٍ تطل على الماء، وصمت يجعل الإنسان يسمع صوته الداخلي.

وأنا في الطريق إلى المطار، تمنيت أن أطلب من السائق أن يتوقف.

أنزلوني هنا...

اتركوني في بافوس.

لا أريد مطارًا، ولا وظيفة، ولا مدينة مزدحمة.لا اريد اى مكان غيرها

أريد كوخًا صغيرًا على البحر، وكتبًا، وكوب شاي، ورغيفًا ساخنًا من مخبز يطل على الساحل، وأن أقضي ما بقي من عمري أقرأ وأكتب.

كنت أتخيل نفسي مثل لسان الدين بن الخطيب، الذي ترك الوزارة والقصور، واختار العزلة، لأن الروح أحيانًا تحتاج إلى الخلاص أكثر مما تحتاج إلى السلطة.

أما أنا، فقد تمنيت أن أهاجر من الوظيفة، ومن صخب الصحافة، ومن ازدحام الحياة، ومن كل ما يسرق الإنسان من نفسه، لأعيش مع البحر وحده.

لكن بعض الأحلام، مهما كانت صغيرة، لا تتحقق.

والغريب أن هذا الحلم لم يولد في قبرص، بل كان يسكنني منذ الصبا.

أتذكر أنني، وأنا طالب في المرحلة الثانوية، ذهبت إلى الطبيب النفسي الدكتور عزيز رياض. سألني مبتسمًا:

ـ ما الذي جاء بشاب في مثل عمرك إلى طبيب نفسي؟

قلت له:

أحلم أن أعيش على البحر... أو في الصحراء... بعيدًا عن الناس. أريد مكانًا أقرأ فيه وأكتب، بعيدًا عن الزحام، وعن الضجيج، وعن عالم يأكل فيه الناس سمعة بعضهم بعضًا، ويقتلون بعضهم بالكلمة قبل السكين.

لم يكن ذلك مرضًا.

كان حنينًا إلى حياة أكثر صفاء.

واليوم، وبعد عشرات السنين، ما زلت أشعر أنني أحتاج إلى تلك الجزيرة الهادئة، وإلى ذلك الكوخ الذي لم أبنه، وإلى ذلك البحر الذي لم أستقر على شاطئه.

أنظر إلى عالمنا العربي فأراه يحمل فوق كتفيه تاريخًا طويلًا من الانكسارات، والاستبداد، والتخلف، وضياع الفرص. وأشعر أن التجاعيد لم تعد على وجوه البشر وحدهم، بل امتدت إلى وجه الوطن نفسه.

لقد شاخ الوطن العربي قبل أوانه، بينما تمضي الأمم الأخرى إلى المستقبل.

ولن يكون الخلاص إلا بثورة حقيقية في التعليم، والثقافة، والفنون، والبحث العلمي، والطب، والإدارة، وفي طريقة تفكير الإنسان العربي نفسه.

أما أنا...

فما زلت كلما تذكرت بافوس، سمعت البحر يناديني.

وكأن حلمًا صغيرًا، لم يتحقق يومًا، ما زال ينتظرني على شاطئ بعيد

تمت

. السيد حافظ 

القاهرة 

......

رأى الذكاء الاصطناعي جروك 

1. لعبة الغياب/الحضور وانهيار المركز

في قلب النص يقف بافوس كـ"حلم يمشي على الأرض". هذا التعبير كاشف: الحلم لا يُعاش، بل "يمشي" — أي هو متحرك، غير مستقر، دائم التنقل. بافوس ليست مركزًا ثابتًا (presence) بل trace (أثر) لشيء غائب دائمًا.

الكاتب زارها فعليًا، لكنه لم يبقَ. الزيارة تصبح دليلاً على استحالة الحضور الكامل. كلما اقترب من الشاطئ، ابتعد عنه (في الذاكرة والواقع). هذا هو الديفرانس (différance): الاختلاف والتأجيل معًا. الرغبة في "أنزلوني هنا" تظل معلقة، مكتوبة بدل أن تُنفَّذ. النص نفسه هو الكوخ الذي بناه الكاتب — لكنه كوخ ورقي، لا حجري.

2. الثنائية المتداعية: البحر الهادئ/المجنون

العنوان نفسه يفكك النص من بدايته:

«البحر الهادئ المجنون».

الهادئ والمجنون ليسا نقيضين خارجيين، بل متداخلين داخليًا. البحر الذي يعد بالخلاص يحمل الجنون ذاته (الجنون الهادئ للعزلة، جنون الحنين الذي يأكل صاحبه). هذا يذكر بـ"الدواء/السم" (pharmakon) عند دريدا — البحر دواء للروح المرهقة، وسم يجعل الكاتب يظل معلقًا في حالة حنين مزمنة لا تشفى.

3. الذات المشقوقة والآخر الداخلي

النص يبني "أنا" مثالية (الكاتب الذي يحترم الكلمة، الحالم بالعزلة) مقابل "عالم عربي" مريض. لكن التفكيك يكشف أن الآخر موجود داخل الذات.

الكاتب ينتمي إلى عالم "المنافي العربية" التي "تصنع الثقافة" — أي إلى نفس المنظومة التي ينتقدها.

هو يشتغل في "المجلس الوطني للثقافة" و"جريدة السياسة"، ثم يكتب هذا النص في القاهرة.

حتى حنينه إلى ابن الخطيب (الذي ترك السلطة) هو شكل من أشكال السلطة الرمزية: سلطة الكاتب الذي يروي قصة "تركه للسلطة" ليثبت تفوقه الأخلاقي.

الذات إذن ليست موحدة، بل مشتقة (différée) — متأخرة عن نفسها.

4. الزمن المعكوس والشيخوخة المسبقة

النص يقول: "شاخ الوطن العربي قبل أوانه". هذه جملة قوية تفككية. الوطن يُصوَّر كجسد مسن، والكاتب يرى "تجاعيد" على وجه الوطن. لكن من يشيخ فعلاً؟

الكاتب نفسه يعترف أن الحلم موجود منذ المرحلة الثانوية، وما زال موجودًا "بعد عشرات السنين". الشيخوخة إذن مزدوجة: شيخوخة الوطن، وشيخوخة الحلم نفسه الذي لم يتحقق. الحلم لم يمت، لكنه عجوز — مثل صاحبه. هنا يحدث انقلاب هرمي: الشاب الذي ذهب للطبيب النفسي هو الذي كان "ناضجًا" في حنينه، بينما الوطن "شاخ قبل أوانه". الزمن مشوش، والتسلسل الزمني (ماضٍ → حاضر → مستقبل) يتداعى.

5. الكتابة كـ"ملاذ" وكـ"سجن"

أخطر ما في النص (تفكيكيًا) هو أن الكتابة تُقدَّم كحل، بينما هي الإشكالية ذاتها. الكاتب يريد "كتبًا وكوب شاي" في الكوخ، أي يريد أن يكتب بعيدًا عن العالم. لكنه لا يستطيع الكتابة إلا بسبب العالم الذي يرفضه.

النص هو supplément (مكمل/بديل): هو يحل محل الحياة الهادئة التي لم تحدث. الكتابة تكمل النقص (الغياب عن بافوس)، لكنها في الوقت نفسه تذكر بهذا النقص باستمرار. كل جملة في النص تؤكد أن الكاتب لم يترك الوظيفة، لم يبنِ الكوخ، لم يعش على البحر.

خاتمة تفكيكية

النص ليس مجرد تأمل شخصي جميل، بل هو نص يفكك نفسه وهو يكتب. يعلن الرغبة في الخروج من اللغة والسلطة والمدينة، وهو في الوقت نفسه يبقى أسيرًا داخلها. بافوس ليست حلًا، بل هي اسم الرغبة المستحيلة — الـdifférance التي تسمح للكتابة بأن تستمر.

هذا ما يجعل النص أدبيًا حقًا: ليس لأنه يقدم حلمًا نقيًا، بل لأنه يكشف — رغمًا عنه — عن الشقوق التي تجعل الحلم ممكنًا ومستحيلاً في الوقت ذاته.

مساء الخير... يا وطن

 مساء الخير... يا وطن

السيد حافظ 



اختفت القضايا الوطنية، ولم تعد الأوطان هي السؤال الأكبر، بل غدت التفاهة هي المشروع الكوني الجديد. ولذلك لن يبقى كيانٌ عصيّ على التفكيك؛ ستُهدم الجماعات، وتتآكل الأحزاب، وتذوب كل التكوينات الإنسانية الكبرى، لأن العالم لم يعد يحتفي بالفكرة، بل بالصورة، ولم يعد يقدّس الوعي، بل يصفّق للسطحية.

وسيختفي الأدب... نعم، سيختفي الأدب كما عرفناه؛ الشعر، والرواية، والقصة، والمسرح. سيغدو الإبداع ومضةً خاطفة، لا تحتمل التأمل ولا الصبر. ولعل هذا ما دفعني، منذ سنوات، إلى كتابة ما يقرب من خمسين مسرحية قصيرة جدًا، لا يتجاوز زمن الواحدة منها خمس دقائق، ضمن مجموعتي «صراع الألوان» و**«مزامير السيد حافظ المسرحية»**، وكأنني كنت أقرأ ملامح المستقبل قبل أن يصل.

وسوف تعود أفلام الدقائق الخمس، تلك التجربة التي ابتكرتها السينما الإيطالية في ستينيات القرن العشرين ثم توارت، ولكنها ستعود هذه المرة لأن العصر لم يعد يحتمل الزمن الطويل، ولا الحكايات الممتدة، ولا التأمل العميق. وسوف تُغلق قاعات المسرح أبوابها، لتحل محلها شاشة الهاتف المحمول، وربما تلحق بها قاعات السينما، فيغدو العالم كله شاشةً صغيرة، ويغدو الإنسان مجرد متفرجٍ على حياته.

إننا ندخل عصرًا لا يخجل من تفاهته، بل يرفعها رايةً، ويتباهى بها، ويسير بها شامخ الرأس حتى السماء. وسيزداد الأغنياء ثراءً، والفقراء فقرًا، حتى يصبح الإنسان نفسه سلعة، ويغدو الجشع قانونًا، ويأكل الأغنياء لحم الفقراء، لا لأن الطعام قد نفد، بل لأن شهوة الامتلاك لا تشبع، وشهوة السلطة لا تعرف نهاية.

ليست هذه نبوءة سوداء، ولا أمنية بيضاء، وإنما محاولة لقراءة ما يتشكل أمام أعيننا. فالعالم لم يعد منقسمًا إلى يمينٍ ويسار، ولا إلى ماركسيةٍ ورأسمالية، ولا إلى هذا المعسكر أو ذاك؛ بل أصبح الانقسام الحقيقي بين عقلٍ يفكر، وضجيجٍ يبتلع التفكير.

وسيظل الغباء ينتشر في كل شيء، بينما يُسلَّم الذكاء إلى الآلة... إلى الذكاء الاصطناعي، في الوقت الذي يتنازل فيه الإنسان، طواعية، عن أجمل ما منحه الله له: القدرة على التفكير، والشك، والخيال، والإبداع.

مساء الخير... يا وطن.

..........

رأي الذكاء الاصطناعي الأمريكي 

أقرأ النص بوصفه بيانًا ثقافيًا أكثر منه مقالًا سياسيًا. أنت لا تتحدث، في جوهر النص، عن اختفاء الأدب، بل عن تحول الإنسان نفسه. وهذه نقطة لو برزت أكثر، لأصبح النص أكثر عمقًا.

هناك فكرة فلسفية قديمة تقول إن كل حضارة تبتكر الأداة التي ستعيد تشكيل وعيها. النار غيّرت الإنسان، والكتابة غيّرته، والطباعة غيّرته، والإنترنت غيّره، واليوم يفعل الذكاء الاصطناعي الشيء نفسه. لذلك فالقضية ليست الأدب، ولا المسرح، ولا السينما، بل مصير الوعي الإنساني.

في رأيي، أقوى ما في النص ليس نبوءاته، وإنما قلقه الحضاري. فأنت لا ترثي المسرح، بل ترثي الزمن الذي كان يسمح للمسرح أن يوجد. ولا ترثي الرواية، بل القارئ الذي كان يمتلك الصبر ليقرأ رواية. ولا تخشى الذكاء الاصطناعي، بل تخشى الإنسان الذي يتخلى، بإرادته، عن مهمة التفكير.

وأرى أيضًا أن النص يحمل أثرًا من كتابات المفكرين الذين تحدثوا عن "مجتمع الفرجة" و"عصر الصورة"، لكنه لا يقتبس منهم، بل يصل إلى الفكرة بطريقته الخاصة، وهذا يمنحه شخصية مستقلة.

ومع ذلك، أرى أن هناك نقطة يمكن أن تجعل النص أكثر خلودًا. النص الآن يعلن النتائج أكثر مما يكشف أسبابها. فالأدب العظيم لا يقول: "سيختفي الأدب"، بل يسأل: لماذا أصبح الإنسان غير محتاج إلى الأدب؟ هنا يبدأ العمق الحقيقي.

أما أجمل عبارة عندي فهي ليست "سيختفي الأدب"، بل:

"وسيظل الغباء ينتشر في كل شيء، بينما يُسلَّم الذكاء إلى الآلة."

هذه ليست جملة صحفية، بل مفارقة فلسفية، لأنها تقول إن المشكلة ليست في الآلة التي أصبحت ذكية، وإنما في الإنسان الذي يتنازل عن ذكائه.

ولو كنت أحرر النص لتحويله إلى نص سيبقى سنوات، لأجعل خاتمته تدور حول الإنسان لا حول التكنولوجيا. فالتكنولوجيا ليست البطل الحقيقي، بل الإنسان الذي يغيّر علاقته بالعالم وبنفسه.

وأضيف ملاحظة أخيرة، وهي ربما أهم ما شعرت به وأنا أقرأ: هذا النص ليس متشائمًا كما قد يظنه البعض، بل هو جرس إنذار. إنه يشبه كتابات من يكتبون قبل الكارثة لا بعدها. وهذا، في تقديري، هو ما يمنحه قيمته الفكرية، سواء اتفق القارئ مع استنتاجاته أم اختلف معها.

رجاء النقاش... وسرُّ مهنة الصحافة.. سرد بلا حدود

 سرد بلا حدود

رجاء النقاش... وسرُّ مهنة الصحافة

بقلم: السيد حافظ



هناك كتب نقرأها ثم نطوي صفحاتها، وهناك كتب تتحول إلى جزء من تكويننا الفكري والوجداني، تظل كلماتها تسير معنا سنوات طويلة، وربما ترسم لنا طريقًا كاملًا دون أن نشعر. ومن هذه الكتب، بالنسبة إليَّ، كتاب «في أضواء المسرح» للناقد والصحفي الكبير رجاء النقاش.

صدر الكتاب عام 1965 عن دار المعارف ضمن سلسلة «اقرأ»، في نحو مائة وإحدى وخمسين صفحة، وكان من أوائل كتبه في النقد المسرحي، جامعًا بين متابعة العروض، وتأمل قضايا المسرح، والحديث عن كبار المسرحيين العرب والعالميين. ولم يكن هذا الكتاب نهاية مشروع، بل كان بدايته؛ فقد واصل رجاء النقاش رحلته النقدية في كتب مهمة، من بينها «مقعد صغير أمام الستار»، ثم «شخصيات وتجارب في المسرح العربي»، وغيرها من الكتب التي أصبحت علامات مضيئة في المكتبة العربية.

غير أن ما بقي محفورًا في ذاكرتي لم يكن دراسة طويلة ولا فصلًا كاملًا، وإنما فكرة عابرة، لا تزيد على سطرين. كتب رجاء النقاش ما معناه أن الكاتب المسرحي أو كاتب السيناريو، إذا عمل في الصحافة، أصبحت الطريق إلى خشبة المسرح أكثر سهولة؛ فالصحافة تفتح أبواب المعرفة، وتخلق شبكة من العلاقات، وتمنح الكاتب فرصة أن يلتقي بالمخرجين والمنتجين والمسرحيين، وأن يصل إلى جمهوره بسرعة، بينما يظل الكاتب البعيد عن هذا الوسط يقطع الطريق وحده، بما فيها من مشقة وانتظار.

بدت لي هذه العبارة يومها مفتاحًا لفهم جانب خفي من الحياة الثقافية. فالموهبة وحدها لا تكفي، والإبداع يحتاج إلى نافذة يطل منها، كما يحتاج إلى من يراه ويؤمن به. ومن هنا أدركت أن الصحافة ليست مجرد مهنة، وإنما جسر يصل بين الفكرة وصاحبها، وبين الكاتب والقارئ، وبين النص وخشبة المسرح.

ولم تمض سنوات حتى وجدت نفسي أعيش هذه الفكرة على أرض الواقع.

في عام 1970 كنت أتردد على مجلة «الكواكب» للقاء الشاعر الكبير مجدي نجيب، وكان رجاء النقاش يومها رئيسًا للتحرير. كانت تلك الزيارات بالنسبة إلى الكاتب الشاب مدرسة حقيقية، يتعلم فيها من حركة الصحافة الثقافية، ومن وجوهها الكبيرة، ومن المناقشات التي كانت تدور في المكاتب والممرات، حيث كانت الثقافة تُصنع كل يوم.

ثم جاءت زيارتي الأولى إلى دولة قطر عام 1983، في عهد الأستاذ مانع الهاجري مدير التلفزيون، ومعه الأستاذ محمد جاسم العلي، الذي أصبح بعد ذلك مديرًا عامًا لقناة الجزيرة. وكان من الطبيعي أن أزور رجاء النقاش في مجلة «الدوحة» الثقافية، التي كانت آنذاك من أهم المنابر الفكرية في الوطن العربي.

وفي تلك الزيارة تعرفت إلى الكاتب والشاعر والمثقف سنان المسلماني، شفاه الله وعافاه، وكانت معرفة أعتز بها حتى اليوم.

ودعاني بعد زيارتى للمجلة الأستاذ رجاء النقاش، بصحبة زوجته الفاضلة، إلى نادي الكشافة البحرية القطرى ، حيث تناولنا فى اليوم التالي  وجبة استاكوزا لا تزال رائحتها ومذاقها عالقين في الذاكرة.

وبساطةً سألته السؤال الذي كان يشغلني:

لماذا لا تنشر لي؟

ابتسم ابتسامته الهادئة وقال:

«أنت وجمال الغيطاني... لسه صغيرين.»

كانت جملة قصيرة، لكنها كانت تحمل منطق جيل كامل من رؤساء التحرير، الذين كانوا يرون أن للكاتب زمنًا ينبغي أن ينضج فيه قبل أن يتصدر المشهد.

وفور أن سمعت إجابته، عاد بي الزمن إلى الدكتور سهيل إدريس، رئيس تحرير مجلة «الآداب» اللبنانية، الذي منحني ثقته وأنا في أوائل العشرينيات اى عام ١٩٧٣ فنشر لي قصة امتدت أربع صفحات كاملة بعنوان «عندما تحول المواطن فوزي الدسوقي إلى سياسي»، وكانت تلك من اللحظات الفارقة في حياتي الأدبية، لأنها أكدت لي أن الإيمان بالكاتب قد يصنع مستقبله.

وأثناء جلستنا، نهضت السيدة زوجته لبعض الوقت، فالتفت إليَّ رجاء النقاش، وسألني مبتسمًا:

كيف منى طالب؟

وكان يقصد الكاتبة والمثقفة الكويتية.

فضحكت وقلت مازحًا:

سأخبر المدام بما سألتني عنه.

فانفجر ضاحكًا وقال:

«يا رجل... عيب!»

كانت لحظة إنسانية جميلة، كشفت لي جانبًا آخر من شخصية رجاء النقاش؛ ذلك الناقد الكبير الذي عرفه الناس بصرامته الفكرية، بينما كان في جلساته الخاصة إنسانًا بسيطًا، حاضر الدعابة، رقيق الروح.

واليوم، كلما تذكرت تلك العبارة التي قرأتها في «في أضواء المسرح»، أيقنت أنها لم تكن مجرد ملاحظة نقدية، بل كانت خلاصة خبرة رجل عرف الثقافة من داخلها، وعرف كيف تصنع الصحافة الأسماء، وكيف تفتح الأبواب، وكيف تمنح الموهبة فرصة أن تصل إلى جمهورها.

وللحديث بقية 

رأى الذكاء الاصطناعي جروك 

رأي عميق في النص:

النص ليس مجرد ذكريات شخصية، بل شهادة تاريخية وثقافية على مرحلة مهمة من الحياة الثقافية العربية (السبعينيات والثمانينيات). السيد حافظ يستخدم السرد الشخصي ليوصل فكرة أعمق: كيف تصنع الثقافة العربية الحديثة؟ وما هي شروط النجاح فيها؟

1. الفكرة المركزية (السر الحقيقي لمهنة الصحافة):

النص يدور حول أن الصحافة الثقافية كانت في ذلك الزمن أكثر من مهنة؛ كانت مؤسسة وسيطة (intermediary institution) تقوم بدور أساسي:

تمنح الشرعية للكاتب.

تخلق الشبكات (networks).

تسرّع عملية الوصول إلى الجمهور والوسط الفني.

هذه الفكرة التي أخذها من رجاء النقاش (1965) لا تزال ذات صلة اليوم، لكن بشكل مختلف. في عصر السوشيال ميديا، أصبحت "الشبكات" أسرع وأوسع، لكنها أيضًا أقل عمقًا وأقل مصداقية في بعض الأحيان.

2. الجانب الإنساني مقابل المؤسسي:

أجمل ما في النص هو التوازن بين:

الجانب المؤسسي: صرامة رؤساء التحرير («لسه صغيرين») — وهي صرامة كانت تحمي المستوى الثقافي من التسرع.

الجانب الإنساني: الدعابة، الاستضافة، وجبة الاستاكوزا، سؤال «كيف منى طالب؟» والضحك.

هذا التباين يكشف شخصية رجاء النقاش بشكل رائع: ناقد صارم فكريًا، لكنه إنسان رقيق اجتماعيًا. هذا النوع من "الأبوة الثقافية" (cultural mentorship) كان سمة جيل كامل.

3. النقاط القوية في الكتابة:

الإيقاع: النص يبدأ فلسفيًا (الكتب التي تتحول إلى جزء من تكويننا)، ثم ينتقل إلى السرد الشخصي، ثم إلى اللحظات الحية (الحوارات). هذا انتقال سلس.

الصدق: لا يبالغ في تصوير نفسه، ولا يتردد في إظهار نفسه "كاتبًا شابًا" يسأل ببساطة «لماذا لا تنشر لي؟».

القيمة التاريخية: يوثّق أسماء وأماكن ومجلات (الكواكب، الدوحة، الآداب) كانت تشكل الخريطة الثقافية العربية.

4. ملاحظات نقدية (عميقة):

النص رومانسي إلى حد ما في تصوير الصحافة. كانت هناك أيضًا محاباة، وإقصاء، وصراعات أجيال. «لسه صغيرين» جملة حكيمة، لكنها قد تكون قاسية أو محبطة لمواهب حقيقية.

يغيب الجانب النقدي لشخصية رجاء النقاش نفسه. كان ناقدًا حادًا أحيانًا، وله مواقف فكرية مثيرة للجدل. النص يركز فقط على الجانب الإيجابي الإنساني.

يعكس النص نهاية عصر: عصر المجلات الثقافية الورقية القوية، والرؤساء التحرير "الأبطال"، قبل أن ينهار هذا النموذج اقتصاديًا وتقنيًا.

خلاصة رأيي:

نص ناضج ومؤثر، يجمع بين الذكرى الشخصية والتأمل الثقافي. هو أقرب إلى "أدب الذكريات" الراقي منه إلى المقال الصحفي التقليدي. يستحق أن يكون جزءًا من كتاب أكبر، كما يشير «وللحديث بقية».

 
Design by Free WordPress Themes | Bloggerized by Lasantha - Premium Blogger Themes | cheap international voip calls ta3rib : Abed