سرد بلا حدود
سليمان الشطي وعبد العزيز السريع... ومحاولة إفشال أول أسبوع ثقافي كويتي في مصر (الإسكندرية 1987)
بقلم: السيد حافظ
لم أكن أتوقع يومًا أن أواجه ما واجهته عندما قررت أن أرد الجميل إلى الكويت، وأن أحمل إليها بعضًا من الوفاء الذي استقر في قلبي منذ سنوات عملي فيها. لم أتوقع أن تأتي الطعنات من داخل مدينتي الإسكندرية، لا من غرباء، بل من بعض من كانوا يحسبون أنفسهم على الثقافة والصحافة، ومن مؤسسات كان يفترض أن تكون سندًا لكل جهد ثقافي جاد.
أتذكر يوم تقدمت السيدة ليلى مهدي، مديرة قصر ثقافة الحرية، بطلب لإيقاف نشاط مؤسسة رؤيا، ذلك المركز الثقافي الذي أسسته عام 1986 في سموحة. لم تكن رؤيا مجرد دار نشر أو قاعة للندوات، بل كانت مشروعًا ثقافيًا متكاملًا، يقيم الأسابيع الثقافية، والندوات، والمؤتمرات، ومعارض الفن التشكيلي، ويؤمن بأن الثقافة رسالة وليست وظيفة.
ولا أنسى ما قاله لي الروائي والمفكر يوسف زيدان في أحد لقاءاتنا في مكتبة الاسكندرية: «كنت تسبق زمنك بثلاثين عامًا.» وقد رأيت في هذه الكلمات شهادة أعتز بها، لأن ما حاولت أن أفعله آنذاك أصبح بعد عقود أمرًا مألوفًا.
بعد سنوات من العمل في الكويت، خطر لي سؤال بسيط: كيف أرد لهذا البلد بعضًا من فضله؟ وكيف أوفي لدولة احتضنتني فنيًا وثقافيًا وأدبيًا، رغم ما شهدته هناك من معارك صغيرة، وحساسيات، وغيرة، وحسد، وهي أمور لا يخلو منها أي وسط ثقافي؟
ومع ذلك، بقيت الكويت بالنسبة إليّ واحدة من أهم محطات حياتي. ففي أواخر السبعينيات والثمانينيات كانت ساحة حقيقية للحرية والإبداع، ومنبرًا للفكر والفن في الوطن العربي، بعيدًا عن العنصرية الزائفة أو الغرور الثقافي. كانت صحافتها تنافس الصحافة اللبنانية، وكانت حركتها الثقافية تتقدم بخطى واسعة، بينما كانت مصر منشغلة آنذاك بملفاتها السياسية بعد حرب أكتوبر واتفاقيات السلام، على حساب كثير من الحراك الثقافي.
من هنا ولدت الفكرة: لماذا لا أقيم أول أسبوع ثقافي كويتي في مصر؟
بدأت الإعداد للمشروع بكل ما أملك من حماس. اخترت أن يكون المكان هو الإسكندرية، المدينة التي أعشقها، وأن يكون العام هو 1987. وأعددت برنامجًا علميًا ونقديًا يليق بالأدب الكويتي، بعيدًا عن المجاملات والاحتفالات الشكلية.
دعوت نخبة من كبار نقاد الإسكندرية للمشاركة، وفي مقدمتهم الدكتور مصطفي هدارة ، والدكتو محمد زكي العشماوي ، والدكتورالسعيد الورقي ، والدكتور فوزي عيسي ، والدكتور محمد حسن عبد الله، والناقد الشاعر محمود عبد الصمد زكريا ، والشاعر جابر بسيوني ، إلى جانب عدد من شباب النقاد والباحثين الذين كان لهم حضور مهم في المشهد الثقافي السكندري.
كما وجهت الدعوة إلى مجموعة من الأدباء والأديبات الكويتيين، ولم أكتف بالدعوة، بل حجزت لهم على نفقة مؤسسة رؤيا غرفًا في فندق مكة المطل على البحر في الإسكندرية، وهيأت سيارة لنقلهم يوميًا بين الفندق ومقر الندوات، إيمانًا مني بأن الضيف يجب أن يجد كل التقدير.
لكن المفاجأة كانت قاسية.
ففي الموعد المحدد لم يصل من الكويت سوى رجل واحد، هو الأديب والباحث الكبير .
خالد سعود الزيد
سألته بدهشة: أين بقية الزملاء؟
فضحك في هدوء وقال: «أنا وحدي أكفي.»
ابتسمت، وصافحته، وقلت: «بل أهلاً وسهلاً بك... وجودك وحده يساوي حضور الكثيرين.»
وهكذا افتتحنا أول أسبوع ثقافي كويتي يقام في مصر، بمدينة الإسكندرية، عام 1987، بحضور خالد سعود الزيد، ومشاركة نخبة من كبار نقاد وأساتذة الإسكندرية، ثم انضم إلينا من القاهرة الناقد الكبير الأستاذ الدكتور محمد حسن عبدالله ، لتبدأ أيام ثقافية ما زلت أراها حتى اليوم من أجمل ما عشته... رغم كل ما حملته من وقائع الاتصالات اليومية، وقصة عبد العزيز السريع، وسليمان الشطي، وما كشفه خالد سعود الزيد من كواليس
ولم تمضِ سوى أيام قليلة حتى بدأت أشعر أن هناك أمرًا غير طبيعي يجري في الخفاء. كان الأستاذ الكبير خالد يحضر يحضر الندوات يوميًا، ويشارك في النقاشات، ثم نجلس بعد انتهائها في مقهى تريانون المطل على بحر الإسكندرية، وأحيانًا كان ينضم إلينا الناقد الكبير مصطفى هداره و الأستاذ الدكتور محمد زكي العشماوي .
وفي اليوم الثالث، نظر إليّ خالد سعود الزيد مبتسمًا، ثم سألني فجأة:
ـ ما الذي بينك وبين سليمان الشطي؟
استغربت السؤال، وقلت:
ـ لا شيء على الإطلاق. سليمان الشطي كاتب وناقد مهم، بل إنني كتبت عنه مقالًا نقديًا عندما صدرت له المجموعة القصصية «رجال من الرف العالي»، ونشرته في جريدة «السياسة» دون أن أوقع باسمي.
ثم رويت له حكاية لا أنساها.
كان يعمل في المكتب المجاور لمكتبي عبد العزيز السريع ، وكانت المكاتب على الطراز الأمريكي، يفصل بينها لوح زجاجي شفاف، فأراه ويراني طوال ساعات العمل.
وفي أحد الأيام دخل عبد العزيز السريع إلى مكتبي، وهو يحمل جريدة السياسة بين يديه، وقال لي:
ـ انظر إلى هذه المقالة... إنها مقالة عظيمة، وأريدك أن تتعلم كيف تُكتب المقالات النقدية. أتدري من الذي كتب هذا الكلام عن الدكتور ؟
ابتسمت وقلت له في هدوء:
ـ أنا.
ساد الصمت للحظة، ثم طوى الجريدة وعاد إلى مكتبه، بينما كنت أراه من خلف اللوح الزجاجي وقد بدا عليه الارتباك.
لذلك قلت لخالد سعود الزيد:
ـ ليس بيني وبين سليمان الشطي إلا كل خير.
ثم أضفت:
ـ نعم... كنت أختلف معه داخل لجنة تشجيع المؤلفات المحلية، لكنه كان اختلافًا في الرأي لا أكثر. كان يتحفظ على أعمال الجيل الجديد، وكنت أرى أن من واجبي الدفاع عن الموهبة أينما كانت.
كنت أدافع عن وليد الرجيب وطالب الرفاعي وفاطمة يوسف العلي وليلي العثمانرح ، وعن ، وعن ، وعن ، لا لأن بيني وبينهم مصالح أو صداقات خاصة، وإنما لأنني كنت أؤمن بأنهم أصحاب مواهب حقيقية تستحق أن تجد من ينصفها.
ظل خالد سعود الزيد يهز رأسه في صمت، ثم قال لي:
ـ إذن لا بد أن هناك شيئًا آخر.
ومع مرور الأيام بدأ يكشف لي ما كان يحدث.
قال إن الاتصالات الهاتفية لم تكن تنقطع من الكويت. مكالمات طويلة يوميا طوال الاسبوع ، تستغرق أحيانًا نصف ساعة أو أكثر، يسأل فيها المتصلون عن كل شيء: هل انعقدت الندوة؟ من حضر؟ ماذا قيل؟ كم كان عدد الحاضرين؟ ومن هم أدباء مصر والإسكندرية الذين شاركوا؟
ثم أضاف:
ـ كانوا يتابعون الأسبوع الثقافي يومًا بيوم، وكأنهم ينتظرون خبر فشله.
وعرفت منه أن بعض الأدباء الذين وُجهت إليهم الدعوة لم يحضروا بعدما قيل لهم إن ما أقوم به مجرد عملية نصب واحتيال، وإن هذا الأسبوع الثقافي لن يُقام أصلًا.
دهشت وأنا أستمع إليه، وقلت:
ـ نصب؟ وعلى ماذا؟!
أنا لم أطلب من أحد جنيهًا واحدًا، بل على العكس، أنا الذي دفعت تكلفة حجز الفندق، وأعددت وسائل الانتقال، وتحملت جميع نفقات الأسبوع من ميزانية مؤسسة رؤيا، ولم أمد يدي إلى أحد.
بل إن خالد سعود الزيد نفسه عرض عليّ، في بداية الأسبوع، مبلغًا من المال لمساندة النشاط، فاعتذرت له على الفور، وقلت:
ـ نحن لا نأخذ... نحن ندفع.
كنت، في ذلك الوقت، قادرًا على تحمل نفقات المشروع، ولم يكن هدفي إلا أن أقدم للأدب الكويتي أسبوعًا يليق به، وأن أرد جزءًا من الجميل لدولة احتضنتني ومنحتني الكثير.
لكنني كنت أكتشف، يومًا بعد يوم، أن نجاح الفكرة كان يزعج بعض النفوس أكثر مما كنت أتصور.
موضوع نشر البحوث
سأروي نشر بحوث الأسبوع الثقافي في مجلة البيان، وقضية المكافآت، وما ترتب عليها من سوء فهم بينك وبين الباحثين المصريين، مع الحفاظ على جميع الوقائع كما رويت
ومضى الأسبوع الثقافي الكويتي إلى نهايته، ونجحت الندوات نجاحًا فاق كل توقعاتي. كانت القاعات تمتلئ بالحضور، والمناقشات تتسم بالجدية والعمق، وقدم الباحثون دراسات رصينة عن الأدب الكويتي، بعيدًا عن المجاملات أو الاحتفاء الشكلي.
وفي اليوم الأخير، قال لي الأستاذ الكبير خالد سعود الزيد
ـ يبدو أنهم لن يصدقوا ما حدث إلا إذا رأوه منشورًا أمامهم. هل تسمح لي أن آخذ جميع البحوث التي قُدمت في الأسبوع الثقافي، وأن أنشرها في عدد خاص من مجلة البيان؟
قلت له دون تردد:
ـ بكل سرور... هذه البحوث ليست ملكًا لي، وإنما هي شهادة علمية على تجربة أعتز بها.
جمع خالد سعود الزيد جميع الدراسات التي قُدمت خلال الأسبوع، وفي مقدمتها بحوث الدكتو ر العشماوي والدكتور السعيد الورقي ، والدكتور مصطفي هداره، والدكتور فوزي عيسي ، والدكتور احمد الجويلي ، والناقد الشاعر محمود عبد الصمد زكريا، إلى جانب الدراسة التي كتبها الشاعر احمد مبارك عن ديوان الوقيان ، وكانت ــ على حد علمي ــ أول دراسة نقدية تُكتب عن ذلك الديوان.
وبالفعل، صدر عدد خاص من مجلة البيان يضم بحوث أول أسبوع ثقافي كويتي أُقيم في مصر، بمدينة الإسكندرية عام 1987.
وكان صدور العدد مصدر سعادة كبيرة لي، فقد شعرت أن التجربة أصبحت موثقة، وأنها خرجت من حدود القاعة إلى فضاء الثقافة العربية. اشتريت بنفسي عشرين نسخة من المجلة، واقتنى كثير من الأدباء والباحثين نسخهم، ووجد العدد صدى طيبًا بين المهتمين بالأدب الكويتي.
لكن فرحتي لم تكتمل.
كنت أتصور أن مجلة البيان ستقوم، كما جرت العادة، بصرف مكافآت مالية للباحثين الذين نشرت أعمالهم، وكانت تلك المكافآت تتراوح بين عشرة وعشرين دينارًا كويتيًا، وهو مبلغ محترم في ذلك الوقت.
إلا أن الأيام مرت، ولم تصل أي مكافأة إلى أصحاب البحوث، رغم إرسال أسمائهم الكاملة، وعناوينهم، وأرقام هواتفهم، أكثر من مرة.
وبدأ بعض الباحثين يتصلون بي، ويسألونني في عتاب:
ـ هل استلمت مكافآت المجلة؟
فكنت أجيبهم، بكل صدق:
ـ والله، لم أستلم فلسًا واحدًا.
لكن بعضهم لم يصدق، وظن أن المجلة أرسلت إليّ المبالغ، وأنني احتفظت بها لنفسي.
وكان ذلك من أكثر المواقف إيلامًا في حياتي، لأن الإنسان قد يحتمل الظلم، لكنه يتألم حين يُساء الظن بذمته.
ولكي أقطع الشك باليقين، عرضت على جميع الباحثين أن أدفع لهم المكافآت من مالي الخاص، ومن ميزانية مؤسسة رؤيا، رغم أن المؤسسة لم تكن مسؤولة عن مكافآت النشر في مجلة البيان.
رفض معظمهم هذا العرض الكريم، لأنهم كانوا يرون أن حقهم يجب أن يأتي من الجهة التي نشرت بحوثهم، ولم يقبل سوى اثنين، وما زلت حتى اليوم أتحفظ على ذكر اسميهما احترامًا لرغبتهما.
وكانت قيمة ما عرضته تتراوح بين مائة وخمسين ومائتي جنيه مصري لكل باحث، وهو مبلغ لم يكن قليلًا آنذاك، خاصة إذا تذكرنا أن وزارة الثقافة المصرية كانت تمنح خمسين جنيهًا فقط للمحاضرة، وعشرة جنيهات للمقال.
مرت السنوات...
وبقي السؤال معلقًا في ذاكرتي:
لماذا كل هذا العناء من أجل عمل ثقافي لم يكن هدفه سوى الاحتفاء بالكويت وأدبائها؟
ولماذا كل هذه المحاولات لإفشال تجربة دفعت تكلفتها من مالي الخاص، ولم أطلب من أحد مقابلًا أو دعمًا؟
أسئلة ما لها جواب ..
مرت الأعوام، وبقيت أتساءل: لماذا كل هذا الخوف من أسبوع ثقافي؟ ولماذا كل هذا الجهد لإفشال ندوات لم تكن تحمل إلا الكتب، ولم تكن ترفع إلا راية الثقافة؟
لم أكن أطلب منصبًا، ولا شهرة، ولا مالًا. كنت أنفق من مالي، وأحجز الفندق للضيوف، وأدعو كبار نقاد مصر لقراءة الأدب الكويتي، لأنني كنت أؤمن أن الثقافة العربية وطن واحد، وأن الكويت تستحق أن يُقرأ أدبها في الإسكندرية كما يُقرأ الأدب المصري في الكويت.
لقد نجح الأسبوع الثقافي، رغم كل ما قيل، ورغم كل ما دُبِّر في الخفاء. ونجحت البحوث، حتى إن مجلة البيان أفردت لها عددًا كاملًا، وبقي ذلك العدد شاهدًا لا يستطيع أحد محوه أو إنكاره.
أما الذين راهنوا على الفشل، فقد مضوا، وبقيت الوقائع. والتاريخ لا يكتب ما تمنيناه، بل يكتب ما حدث.
ولا أحمل في قلبي ضغينة لأحد، لا إلى ، ولا إلى ، ولا إلى غيرهما. فالإنسان أكبر من أن يعيش أسير خصومة عمرها عشرات السنين. لكن من حق الأجيال الجديدة أن تعرف الحقيقة، وأن تدرك أن الثقافة العربية كثيرًا ما هُزمت من داخلها، لا من أعدائها.
وأقولها اليوم، بعد ما يقرب من أربعة عقود، بضمير مطمئن: لقد كان الأسبوع الثقافي الكويتي في الإسكندرية عام 1987 حقيقةً تاريخية، لا ادعاءً، وكان أول أسبوع ثقافي كويتي يُقام في مصر، شارك فيه كبار نقادها، ووثقته البحوث، وشهد عليه الحاضرون، ونشرته مجلة البيان.
أما أنا، فلم يبقَ لي إلا أن أترك هذه الشهادة للتاريخ، لا طلبًا لإنصاف متأخر، ولا رغبةً في محاكمة أحد، وإنما احترامًا للحقيقة. فالأسماء ترحل، والمناصب تزول، لكن الكلمة الصادقة تبقى، لأنها وحدها تملك القدرة على هزيمة النسيان.
تمت
السيد حافظ
القاهرة الهرم
2026



6:51 م
sayedhafez







