الاثنين، 20 أبريل 2026

عنتر ونوال وحبشى اعترافات الكاتب السيد حافظ مع الأصدقاء والتاريخ والذكاء الاصطناعي- 25

 عنتر ونوال وحبشى

اعترافات الكاتب السيد حافظ مع الأصدقاء والتاريخ والذكاء الاصطناعي
25






عنتر ونوال وحبشي
هل تدري معنى كلمة «وطن»؟ هل تدري معنى كلمة «تضحية»؟
من أين يبدأ الأمر؟ من الوطن أم من المواطنين؟
أيهما أقوى: التضحية والوفاء، أم النكران والجحود؟
الإحساس بالعطاء، أم الشعور بالجحود؟
الوطن يعني العطاء.
الوطن يعني الاعتراف بالمواطن.
الوطن يعني الوفاء.
الوطن يعني العطاء المتبادل.
كنت أكره – وما زلت أكره – تلك الأغنية: «ما تقولش إيه أديتنا مصر.. قول هندي إيه لمصر؟».
أغنية حقيرة في معناها ومضمونها، تهين قيمة المواطنة والإنسان، وتهين قيمة وجود عقد اجتماعي حقيقي بين الوطن والمواطن.
كأن المواطن وحده هو الملزم بالتضحية، بينما الوطن لا يقدم شيئًا!
تلك الأغنية الحقيرة التي حصل مؤلفها مصطفى الضمراني على جائزة الدولة التقديرية، وكانت هذه – في نظري – أكبر سبة وأفدح كارثة في تاريخ تلك الجوائز التي تُوزَّع معظمها بالواسطة والمؤامرات والضياع.
لنعد إلى نوال وحبشي، بطلتينا.
نوال هي ابنة أبيها، ذراعه الأيمن في بوفيه قصر ثقافة الحرية بالإسكندرية (الذي يُسمى الآن مركز الإبداع)، في طريق الحرية، أمام نقطة شريف. لا أدري إن كان اسم المنطقة الآن قسم العطارين أم ما زال نقطة شريف.
نوال تحضر مع أبيها وأخيها عنتر للعمل في البوفيه من التاسعة صباحًا حتى التاسعة مساءً. لقد وجدوا فيه أنفسهم، يقدمون الشاي والقهوة لرواد القصر وللموظفين بأسعار خاصة، وللمدير عادةً مجانًا، وضيوف المدير كذلك يحصلون على الشاي والقهوة مجانًا.
مرت الأيام، وبدأت نوال تكبر. في سن المراهقة تغيَّر شكل جسدها، وتغيَّرت أحلامها. كانت تحضر بروفات التمثيل التي أقوم بها مع الشباب، وتحلم.
وكان أخوها عنتر قد بدأ أحلامه تطوف فوق السحاب، فضاق بالعمل في البوفيه، وفكَّر في الهروب من أبيه والسفر إلى العراق للعمل هناك، حيث كان يعيش في العراق نحو خمسة ملايين مواطن مصري عام 1973، إذ بدأت موجة الهجرة نحوه منذ ذلك العام، وكان من أوائل «الفلاسفة» (المهاجرين بحثًا عن لقمة العيش).
ثم جاءت حرب أكتوبر العظيمة في السادس من أكتوبر 1973، في أيامها الأولى المباركة العظيمة، وعبر الجيش.
وفي عام 1974 (10 رمضان العام الذي يليه)، كرَّمت الدولة الجنود الذين قدموا تضحيات في هذه المعركة العظيمة، وكان من بينهم حبشي، هذا الشاب الأسمر النحيل الذي لا يتجاوز طوله 165 سم. حصل على جائزة من الرئيس: نجمة سيناء، تقديرًا لما قدمه من تضحيات أثناء المعركة.
وكرمته الدولة – لأنه لا يحمل مؤهلاً عاليًا، ولا شهادة ثانوية أو دبلوم، بل يجيد القراءة والكتابة بالإعدادية فقط – فأمضى في الجيش أكثر من تسع سنوات، وحصل على الميدالية، وتم تعيينه في قصر ثقافة الحرية عام 1974.
وذات يوم، وأنا أجلس في القصر حيث عُيِّنتُ موظفًا بمرتب 10 جنيهات شهريًا تحت مسمى «أخصائي مسرح» و«محاضر» مقابل 10 جنيهات – لقب غريب أو مصطلح أحب سعد الدين وهبة أن يساعدني به على الحياة، ويضمن وجودي ودعمي للحركة المسرحية في الإسكندرية، حيث كانت معظم المجموعات تحت أجنحتي البسيطة: أجنحة المعرفة، أجنحة الفن، أجنحة الجنون، أجنحة الثقافة، أجنحة الهدف، تحت مسمى المسرح الطليعي، أي المسرح الذي يبغي القضية، الذي يدعو إلى مكافحة الأمية ومكافحة الفقر ومكافحة التخلف.
وأنا في مكتبي الذي يقع بجوار المكتبة العامة الخاصة بقصر ثقافة الحرية، والذي كان يقاسمني فيه الفنان التشكيلي الرائع أحمد سويلم – ففي الصباح مكتب أحمد سويلم، وفي المساء مكتبي ملكي. ولذلك كان المكتب بدون أقفال، حتى نضمن استخدامه بشكل مشترك.. لا يوضع فيه أي شيء مهم، وكل الأوراق المهمة آخذها إلى البيت، نظرًا لأن لكل منا أوراقه وعملَه الخاص. وكان أحمد سويلم وكيل محمد غنيم.
ذات مساء ظهر حبشي أمامي:
«مساء الخير.. أنت الأستاذ السيد حافظ؟»
«مساء النور. نعم، أنا هو.»
«أنا حبشي.»
«أهلاً وسهلاً.»
«الأستاذ محمد غنيم قال لي إني سأعمل معك فراش مكتبك الخاص بالمسرح، بالفرقة المسرحية، وأنا تحت أمرك.»
قلت له: «حبشي، أنت منين؟»
قال: «أنا من شارع إخوان الصفا.»
قلت له: «الله! نحن جيران.»
وبالفعل، كان حبشي يسكن في شارع إخوان الصفا رقم 29، وأبي يملك منزلًا في شارع إخوان الصفا رقم 20.
كان أبي صاحب ثلاثة منازل: واحد في إخوان الصفا (ثلاثة أدوار)، والثاني في شارع الإسراء (خمسة أدوار)، وله في سيدي بشر منزل دور واحد ومحلين. هو المعلم الكبير، صاحب الثلاث محلات في شارع شكوبر بالإسكندرية في المحطة، ويُعتبر من الطبقة البرجوازية الكبيرة، لأنه يركب عربة حنطور تجرها الخيول في الصباح، وعربة حنطور في المساء كذلك.
قلت له: «جئت إلى هنا في القصر؟»
قال لي: «أنا من أبطال أكتوبر. تحب أعمل لك شاي يا أستاذ؟ أجيب لك شاي من الكانتين أو البوفيه؟»
قلت له: «أنت بطل من أبطال أكتوبر؟»
قال: «نعم، أنا معي ميدالية سيناء، كرموني وأعطوني إياها، وعينوني هنا في وزارة الثقافة – الحرية – جنب البيت، عشر دقائق مشي أو ربع ساعة أوصل للعمل. أجيب لك قهوة يا أستاذ؟»
قلت له: «تجيب لي قهوة؟ أنا اللي أجيب لك قهوة! أنت يا ابني، أنت يا ابني الذي يجب أن أقوم وأحضر لك القهوة. أنت بطل. نحن لسنا أبطالك، نحن كنا هنا في الداخل. أنت كنت على الجبهة وحصلت على ميدالية. هذا شرف كبير في مصر لنا.»
ضحك وقال: «لا تكبر الأمر يا أستاذ، لا تكبرها. سأذهب إلى البوفيه وأحضر لك شاي أو قهوة.»
وذهب حبشي إلى البوفيه، إلى عنتر وأخته نوال، وتعرف عليها، ووقعت في عينيه ضحكتها البريئة، وسمرها الذي يقترب من السماوي، وكأنه آتٍ من أسوان. وتزوجها، وسكنت معه في غربال، لم تجد له وظيفة غير فراش، وهي فراشة زوجة البطل..
كانت هذه حكاية من الواقع، نقلتها إلى المسرح في مسرحيتي «وسام من الرئيس»، وقدمها العديد من الفرق في الأقاليم والجامعات المصرية. وكانت ستُقدم مسرحية بعنوان «أنا ماليش حل» إخراج السيد راضي، وبطولة فاروق الفيشاوي ونجاح الموجي وحسن مصطفى وشيرين سيف النصر، من إنتاج عادل حسني. لكن قبل الافتتاح بيومين جاء منتج خليجي لشراء الفيديو، تزوج البطلة شيرين سيف النصر، ودفع ثمن الخسائر للمنتج، فأوقفت المسرحية.
وظلت نوال تعمل في قصور الثقافة، وهرب حبشي في المخدرات حتى يغيب عن الوعي، ويعلق الوسام على الحائط.
تمت
السيد حافظ

0 comments:

إرسال تعليق

 
Design by Free WordPress Themes | Bloggerized by Lasantha - Premium Blogger Themes | cheap international voip calls ta3rib : Abed