الجمعة، 10 يوليو 2026

حسن عقل... الهروب من الوطن الظالم.. سرد بلا حدود

 سرد بلا حدود

حسن عقل... الهروب من الوطن الظالم

بقلم: السيد حافظ




لم يكن حسن عقل اسمًا عابرًا في حياتي، ولا مجرد زميل دراسة. كان رفيق الجامعة، وصاحب الحلم، وشريك الجلسات الطويلة في كافتيريا كلية الآداب بجامعة الإسكندرية، حيث كنا، نحن مجموعة من الشباب، نحلم بوطن أجمل، ووطن عظيم؛ مصر التي تليق بتاريخها، دولةً تحقق العدالة الاجتماعية، وتحترم الإنسان، وتفتح أبواب المستقبل لأبنائها.

جاءت سنوات ما بعد رحيل جمال عبد الناصر، فتبدلت الأحلام. غاب المشروع الاشتراكي، وتراجعت العدالة الاجتماعية، وجاءت سياسة الانفتاح التي رأيناها، نحن أبناء ذلك الجيل، انفلاتًا اقتصاديًا وأخلاقيًا، يتسلل معه المهربون واللصوص، ويختلط فيه المال بالسلطة، ويصبح الوطن في محنة قاسية. كانت صور المقاومة الفكرية تتهاوى، والقيم تُدهس تحت الأقدام، بينما كنا نحاول أن نتمسك بما بقي من الحلم.

كان حسن عقل، ابن المنصورة، شاعرًا رقيقًا، يحمل قلبًا أكبر من عمره. كتب لي يومًا قصيدة بعنوان «فيكس بنجالينز»، اسم شجرة التين البنغالي، وكأنه كان يرى في الصداقة شجرةً وارفة تمتد جذورها في الأرض وتعلو أغصانها نحو السماء.

كنا نجلس حول مائدة واحدة في كافتيريا الآداب: إبراهيم عبد المجيد، الذي أصبح فيما بعد روائيًا عربيًا كبيرًا، ومحمد رفاعي الذي تولى رئاسة تحريرزمجلة «صباح الخير»، ومراد منير الذي اصبح مخرجا عظيما ، وشبل بدران الذي أصبح عميدًا لكلية التربية، وأنا، وحسن، وآخرون من أبناء ذلك الجيل.

كنا نهرب أحيانًا من المحاضرات، لا كراهيةً في العلم، بل عشقًا لحوارٍ لا تمنحه قاعات الدرس. نتناقش في الكتب، ونتشاجر حول الأفكار، ونسخر من العالم، ونضحك من قلوبنا، ونراقب الحياة وهي تمر أمامنا في كلية اشتهرت بجمال طالباتها وحيوية شبابها.

وفي إحدى الشقق كنا نكتب مجلات الحائط المعارضة لسياسة الانفتاح، ثم نعلقها في الجامعة، فلا تمضي ساعات حتى يمزقها الأمن. ويساعدهم شباب الجماعات الإسلامية كانت معركة صغيرة، لكنها بالنسبة إلينا كانت دفاعًا عن الحلم.

وكان حسن يأتي كثيرًا إلى بيتنا في محرم بك بالإسكندرية. كانت أمي، رحمها الله، تستقبل أصدقائي كأنهم أبناؤها. تأمر بإحضار دجاجة من فوق السطح، حيث كنا نربي الدجاج، فتُذبح، وتُعد صينية البطاطس والأرز، ثم نجلس جميعًا حول «الطبلية». وبعد الطعام يسألني حسن: «ماذا كتبت؟» فأقرأ عليهم مسرحية جديدة، أو يقرأ هو قصيدة كتبها في الليلة السابقة، فنشعر أن الأدب هو وطننا المؤقت.

لكن السياسة لم تترك حسن في حاله. اصطدم بأخيه، عضو مجلس الشعب المؤيد للرئيس أنور السادات، بينما كان حسن مؤمنًا بأفكار عبد الناصر، وبحقوق العمال والفلاحين، فانتهى به الأمر إلى السجن السياسي، قبل أن يخرج ويختار المنفى، مهاجرًا إلى فرنسا.

ومنذ ذلك اليوم، صار حسن حكايات متعددة. قيل إنه يعمل مدرسًا في معهد الوطن العربي في باريس ، وقيل إنه يعمل خطيبا يخطب في مسجد هناك. وقيل يعمل في مقهي تعددت الروايات، أما الحقيقة الوحيدة فهي أن الوطن فقد أحد أبنائه.

وأذكر واقعة لا أنساها. اصطحبنا الشاعر الجميل عبد الستار محمود إلى حديقة الشلالات، بعيدًا عن عيون الأمن والمخبرين. جلسنا نحن الثلاثة، وقال بحماس الشباب:

«سنؤسس أول خلية لإسقاط النظام.»

نظرت إليه في دهشة، وقلت: كيف؟ نحن ثلاثة طلاب في الجامعة!1975

بينما كان حسن يبتسم ويطلب مني أن أتركه يكمل كلامه. كان ذلك زمنًا يختلط فيه الحلم بالوهم، والثورة بالرغبة، والخوف بالشجاعة.

وقبل أن ينتهي حديثنا، جلست إلى جوارنا امرأة تقرأ الكف. أخرجت أصداف البحر، وأصرت أن تخبر كل واحد منا بمصيره.

قالت لي: «ستتزوج مرتين.»

ابتسمت. ولم تكن تعلم أن القدر سيبالغ كثيرًا في تنفيذ نبوءتها.

ثم أمسكت بكف حسن، وتأملته طويلًا، وقالت بصوت خافت:

«ستموت في الغربة.»

ضحكنا جميعًا... ولم نكن نعرف أن الغيب كان يكتب آخر فصول الحكاية.

مات حسن عقل في باريس.

مات بعيدًا عن المنصورة، وعن الإسكندرية، وعن كافتيريا كلية الآداب، وعن الطبلية التي كانت تجمعنا في بيت أمي، وعن القصائد التي كانت تولد بين أيدينا.

هرب من السجن... لكنه لم يستطع أن يهرب من الغربة.

وهكذا، رحل حسن عقل، وبقي السؤال يؤرقني حتى اليوم:

كم شاعرًا، وكم مفكرًا، وكم حالمًا، دفعت به الأوطان الظالمة إلى المنافي، ثم تذكّرته بعد أن صار مجرد اسم على علي شاهد قبر في باريس..وكلما مررت علي شجر التين البنغالي تذكرت حسن عقل الذي وصفني بها وكتب قصيدة في ديوان واهداها لي. لماذا اشبه شجر التين البنغالي.. ؟؟

شكرا للشاعر الكبير زين العابدين فؤاد علي الصور ..

تمت

السيد حافظ 

القاهرة

....

...

رأى الذكاء الاصطناعي جروك 

رأيي التحليلي في النص: «سرد بلا حدود»

النص الذي كتبه السيد حافظ عن صديقه حسن عقل هو نموذج راقٍ ومؤثر لـ«السرد الشخصي الذي لا يعترف بالحدود». هو ليس مجرد تذكرة أو نعي، بل شهادة حية على جيل كامل، وعلى حلم مصري تحطم على صخور الواقع السياسي والاقتصادي في سبعينيات القرن الماضي.

1. البنية السردية: تدفق الذاكرة دون حواجز

يبدأ النص كسيرة شخصية حميمة، ثم يتسع تدريجياً ليصبح سيرة جيل. هذا التوسع الطبيعي هو ما يجعله «سرداً بلا حدود». لا يلتزم الكاتب بترتيب زمني صارم، بل يقفز بين:

اللحظات اليومية في كافتيريا كلية الآداب.

جلسات الكتابة والمجلات المعارضة.

الطعام حول «الطبلية» في بيت الأم.

الحلم السياسي.

النهاية المأساوية في الغربة.

هذا التدفق يشبه تيار الوعي، لكنه تيار وعي جماعي. حسن عقل ليس بطلاً منفرداً، بل هو رمز لكل الذين حلموا ودُفِعوا إلى المنفى أو الموت أو الصمت.

2. الثيمات الرئيسية

الوطن الظالم: العنوان الفرعي «الهروب من الوطن الظالم» يحمل مفارقة مؤلمة. حسن هرب من السجن السياسي، لكنه لم يستطع الهروب من الغربة التي قتلته. الوطن هنا ليس مجرد أرض، بل مشروع سياسي خُذل (بعد الناصرية، وبعد سياسة الانفتاح التي يصفها الكاتب بـ«الانفلات الاقتصادي والأخلاقي»).

الصداقة كوطن بديل: أجمل ما في النص هو تصوير الصداقة (مع حسن، وإبراهيم عبد المجيد، ومراد منير، وشبل بدران...). الكافتيريا والطبلية والمجلات الحائطية تصبح جمهورية صغيرة من الأحلام والقصائد والنقاشات. الشجرة البنغالية («فيكس بنجالينز») رمز عبقري للصداقة الوارفة التي تمتد جذورها عميقاً.

الموت في الغربة: النبوءة التي قالتها قارئة الكف («ستموت في الغربة») تتحقق بطريقة تراجيدية كلاسيكية. الضحك الذي صاحَب النبوءة يتحول إلى مرارة. هذا ليس موت فرد، بل موت حلم جيل.

3. الأسلوب الأدبي

الكتابة شاعرية بدون تكلف. السيد حافظ يستخدم لغة بسيطة ولكنها مشحونة عاطفياً. يجمع بين:

التفاصيل الحسية (رائحة الدجاجة، صينية البطاطس، الطبلية).

التحليل السياسي الرصين.

اللمسة الشعرية (قصيدة حسن، شجرة التين البنغالي).

النص يحمل حنيناً قاسياً، لكنه لا ينزلق إلى الإفراط العاطفي. حتى في لحظة الموت، يبقى السؤال معلقاً:

«كم شاعراً وكم مفكراً وكم حالماً دفعت به الأوطان الظالمة إلى المنافي...؟»

4. القيمة التاريخية والإنسانية

هذا النص وثيقة مهمة لفهم فترة ما بعد 1970 في مصر. يعطي وجهاً بشرياً لما نعرفه تاريخياً: تراجع المشروع الناصري، سياسة الانفتاح، تصاعد الجماعات الإسلامية، قمع المعارضة الفكرية. لكنه في الوقت نفسه يرفض اليأس الكامل. يحتفي بالصداقة والإبداع والحلم حتى في أحلك الظروف.

ملاحظة نقدية خفيفة:

النص أحياناً يميل إلى النظرة المثالية للجيل (وهذا طبيعي في السرد الذكرى)، لكنه يظل صادقاً لأنه يعترف بالوهم المختلط بالحلم («زمن يختلط فيه الحلم بالوهم، والثورة بالرغبة»).

خلاصة رأيي:

نص جميل جداً، مؤثر، صادق، وله قيمة أدبية وتاريخية عالية. هو سرد بلا حدود فعلاً، لأنه يربط بين الخاص (صداقة حسن) والعام (مصير حالمي مصر)، وبين الذاكرة الشخصية والمأساة الجماعية.

يستحق أن يُنشر في كتاب ذكريات أو مجموعة مقالات، لأنه يحفظ وجهاً من وجوه جيل لم يعد موجوداً بنفس الشكل.

رحم الله حسن عقل، وكل الذين ماتوا في الغربة وهم يحملون وطناً في قلوبهم لم يستطيعوا العودة إليه.

شكراً لك على مشاركة هذا النص.

0 comments:

إرسال تعليق

 
Design by Free WordPress Themes | Bloggerized by Lasantha - Premium Blogger Themes | cheap international voip calls ta3rib : Abed