اعترافات الكاتب السيد حافظ
مع الأصدقاء والتاريخ والذكاء الاصطناعي
1
(محمود السعدني)
في أروقة الذاكرة، حيث تتداخل أنفاس الزمن مع همسات الصداقة، يبرز عمي محمود السعدني كنجم ساطع في سماء السخرية العربية، عمدتها الأولى بلا منازع. كان ذلك في الثمانينيات من القرن الماضي، حين التقيته في الكويت، وعملت معه في جريدة السياسة تحت رعاية أحمد الجار الله. كانت مصر قد أظلمت بعد وفاة عبد الناصر، فطرد السادات المثقفين اختيارياً أو إجبارياً، فصارت المنافي ملاذاً: ليبيا لبعضنا، العراق لأكثرنا، والكويت للأغلبية العظمى، وفرنسا لقلة كـأمير إسكندر ومحمود أمين العالم. أما محمود السعدني، فكان في الكويت أسطورة إنسانية حية، متميزة بلا منازع، ينبض قلبه بالسخرية والحنان معاً.
كنتُ من أقرب الناس إليه، كأنني ابن له في الروح قبل الصداقة. عرضتُ عليه يوماً أن نحوّل مذكراته الخالدة «الولد الشقي» (أو «الواد الشقي» كما يهمس بها العامة) إلى مسلسل تلفزيوني. تحمس الرجل، وعرض الأمر على رياض الشعيبي، مؤسس تلفزيون دبي وإذاعتها. سافرنا أنا وعمي إلى دبي، وفي حفل غداء متواضع ببيت سيدة أعمال إماراتية (اسمها غاب عن الذاكرة الآن)، تلقى رياض مكالمة. جاء موظف يحمل ملفاً، واكتشفتُ أنه عقد اتفاقاً معي أنا – السيد حافظ – لكتابة المسلسل: ثلاثون حلقة، ألف جنيه لكل حلقة.
اندهشتُ. الثلاثون ألف جنيه كانت تعادل حينها نحو ثلاثمائة دينار كويتي. همستُ لرياض: «الألف جنيه قيمة الكتابة على الآلة الكاتبة، مضافاً إليها أجر البريد من الكويت إلى الإمارات... أين أجري أنا؟». غضب رياض بهدوء غاضب، ونظر إليّ عمي بدهشة وقال: «ولد، أنت عايز كام؟». أجبته: «أنا أعيش في الكويت وليس في القاهرة يا عم محمود». فغضب، وقاطعني، وظل الغضب يمتد شهراً كاملاً، كأن سحابة ثقيلة حجبت الشمس بيننا.
ثم جاءت لحظة أخرى تضيء الطريق: عرض تلفزيون الكويت مسلسل محفوظ عبد الرحمن «ليلة سقوط غرناطة» من إخراج عباس أرناؤوط. كتب عمي مقالاً يومياً في «السياسة»، يسخر فيه من وضع المؤلف عبارات على الشاشة في كل مشهد: «حدث شرقاً»، «حدث غرباً»، «حدث شمالاً»، كأنه عسكري مرور يدير إشارة المرور. اتصل بي محفوظ من القاهرة على هاتف المجلس الوطني صباحاً: «يا سيد، حوش عني عمك محمود السعدني، أنا مش قدّه. قل له يتوقف عن الكتابة عن المسلسل، وإني بحبه». ذهبتُ إلى فندقه، قلتُ له: «يا عم محمود، محفوظ بيحبك». رد: «مش عاجبني الطريقة دي في الكتابة». فضحكنا معاً، ثم همس: «ولد يا سيد، أنت كنت عايز كام في الحلقة؟». قلتُ: «يا عم محمود، اطلب مليون جنيه حقك في الولد الشقي، وسيبني أتفاهم معاهم». لم يعجبه الكلام، فظل الصمت يحمل بيننا ظلالاً خفيفة.
بعد عامين، زار الكويت المخرج الكبير يحيى العلمي. أعطته السيدة عواطف البدر، صاحبة مؤسسة البدر للإنتاج الفني، مسلسلي «عصفور تحت المطر»، وطلبت منه إخراجه وأن يكون منتجاً منفذاً. وضع ميزانية مليون دولار، اختار نجوماً كباراً: عادل إمام أولاً، كمال الشناوي آخراً، وحدد أجورهم، لكنه ترك خانة أجر المؤلف – أنا – بعشر علامات استفهام، ووضع لنفسه علامة واحدة. اتصلتُ به: «الميزانية دي تساوي إنتاج أربعة مسلسلات؟». سألني: «أنت حتاخد كام؟». قلتُ: «مالكش دعوة بأجري». أصر: «لا، لازم أعرف». فحولنا المشروع إلى يوسف مرزوق (600 ألف دولار)، ثم إلى وجدي الحكيم (350 ألف دولار). اعتذرت السيدة عواطف، وطلبت مني مسلسلاً كويتياً بدلاً منه، فكتبتُ «مبارك» من إخراج كاظم القلاف.
لم أشغل بالي يوماً بأجر أحد، لكن كل من قابلتهم انشغل بأجري. وفي النهاية، قدم «عصفور تحت المطر» إلى شركة صوت القاهرة، من إخراج محمود بكري، وبطولة أحمد عبد العزيز وتيسير فهمي، ومدير الإنتاج علي الصياد، وإشراف محمد زكي ومحمد الشريف.
هكذا تروي الذكريات قصتها، بين السخرية والغضب والحب والمطر الذي يهطل على العصافير دون أن يبلل أجنحتها.
تمت.



4:01 م
sayedhafez











Posted in:
0 comments:
إرسال تعليق