الثلاثاء، 23 مايو 2017

ملامح العرض المسرحي في مسرحية الاشجار تنحني أحيانا

ملامح العرض المسرحي في مسرحية الاشجار تنحني أحيانا
صفـاء درويش-المغرب

إنني كاتب مبتدئ عاشق الوطن محموم بحب الفقراء... ضد اغتيال الفكرة وسجن الرأي الآخر وذبح القصائد وديموقراطية الجرائد ... إنني كاتب بسيط ... أبحث في عيون الناس عن اللغة السرية ومدن تمنح الإنسان الأمان ... عاشق نصر العربية ، لست بكاتب كبير ولست بصاحب تقليعة ، ولكنني محاولة ثم محاولة ثم محاولة تحاول أن تكون الكتابة المغامرة الأدبية تفتح أمام جيل آخر طرق البحث عن الكلمة الفعل الخلاص .
السيد حافظ
تنوع الجوانب التي من خلالها يمكن قراءة النص المسرحي ، ذلك بأن خاصية النصوص المسرحية تكمن في كونها مشرعة على أكثر من تأويل إن النص المسرحي في حقيقة أمره كتابة نواتية ، تستدعي من القارئ لها الإلهام باستراتيجيات القراءة الفعالة و الفاعلة و التي بإمكانها أن تضع العمل المسرحي في أكثر من واجهة و من ثم تجعل منه مادة طيعة لمجموعة من الرؤى الفنية و الجمالية .
إن الحديث في مجال الكتابة المسرحية يتخذ منحيين اثنين :
* الأول : هو تلك النصوص الجافة التي تتحرك في عوالم من الأفكار والنظريات ، و من ثم تكون قراءتها بعيدة عن مجال المتعة الفنية .
* الثاني : هو تلك النصوص التي تحمل في ثناياها تجليات فرجوية ، ذلك أن هذا النوع يكتبـه صاحبه انطلاقا من هاجـس العرض ، لهذا نراه يزخر بالكثير من المؤثرات النصية واللغوية ، التي تجعلك تقرأ النص في أجواء من التمثلات الجمالية المتميزة ، فهي نصوص تعالج قضايا عديدة في قالب فني ، و لعل كتابات السيد حافظ تنتمي إلى هذا الجانب ، و انطلاقا من هذه المداخل سوف نعمل على قراءة نص " الأشجار تنحني أحيانا " للمبدع السيد حافظ . فمن يكون السيد حافظ ؟ و كم يتضمن الكتاب من مسرحية ؟
الكتــاب :
صدرت هذه المجموعة المسرحية من مطبعة الفتح بالهرم ، وهو يضم تسع مسرحيات ، ثلاث مسرحيات و ست مسرحيات في تصارح وهم على الشكل الآتـي :
مسرحية رجل و نبي و خوذة ، امرأة ووزير وقافلة ، طفل و قوقع قزح ، لهو الأطفال في الأشياء.. شيء ، تكاثف الغياثة على الخلق .. موتا ،خطوة الفرسان في عصر اللاجدوى .. كلمه ، محبوبتي .. محبوبتي ( قمر الخصوبة سحب في شرنقة حبنا ميلاد صعود ) ،
تعثر الفراغات في درب الحقيقة من بحث ، الأشجار تنحني أحيانا ، و هي المسرحية التي اختارها السيد حافظ لتكون عنوان مجموعته ، فيا ترى ما هو سبب هذا الاختيار ؟ و لماذا هذه المسرحية بالضبط ؟ وما هي دلالات هذه المسرحية ؟
لما كانت مسرحية " الأشجار تنحني أحيانا " عنوان الكتاب ارتأيت أن أختارها لتكون محور الدراسة ، دون إغفال باقي المسرحيات ، إذ سأركز بالدرجة الأولى على الجانب الجمالي والسيتنوغرافي للمسرحية
المبدع السيد حافظ
إنه مؤلف و مخرج مصري من جيل النكسة ، أي من جيل العنف و الغضب و الشعور بالإحباط .. و من هنا كان القلق ميزته الأساسية في الكتابة ، و هو قلق وجودي و اجتماعي مع.
ويقول السيد حافظ في استجواب صحفي له : " جيلنا من المتاب الذي لم يظهر إلى الآن .. جيل رائع مليء بأشياء خفية مضنية مكتوب عليها ممنوع الاقتراب من هيئة المسرح والثقافة الجماهيرية لإن الهيئة احتكار للمفلسين فكريا .. و الثقافة الماهيرية مرتع للفوارغ من كل شيء في الأفلام " و للكاتب عدة مؤلفات متنوعة :
* مسرحيات للكبار من بينها :
1 - حكاية الفلاح عبد المطيع 1983 .
2 -حبيبتي أنا مسافر 1979 .
3 - ظهر و اختفاء أبو ذر الغفاري 1981 .
* مسرحيات للصغار من بينها :
1 – مسرحية السندريلا 1983 إخراج منصور المنصور .
2 – مسرحية الشاطر حسن 1983 إخراج أحمد عبد الحليم .
3 – مسرحية عي بابا 1985 إخراج أحمد عبد الحليم .
* مسلسلات تلفزيونية من جملتها :
1 – العطاء.
2 – الغريب .
3 – الحب الكبير .
* مسلسلات إذاعية من جملتها :
1 – غرباء في الحياة .
2 – البيت الكبير .
* أفلام سينمائية من بينها :
1 – جبل ناعسة .
2 – وحدي في البيت.
3 – لا مجال للحب .
إن أهم ما يميز تجربة السيد حافظ هو ذلك المزج بين التجريب ، المسرح ، القصة إذ إلى جانب تكوينه المسرحي أنتج الكاتب مجموعة قصصية سنة 1971 بعنوان " سيمفونية الحب"
مسرحية الأشجار تنحني أحيانا :
• دلالة العنـوان :
إن القارﺉ لعنوان المسرحية يسأل نفسه منذ الوهلة الأولى ، هل الأشجار تنحني فعلا ؟ وهل يقصد الكاتب الأشجار باعتبارها نوعا من الشجر و النبات ؟ أو أنها رمز للعظمة و الشموخ والصلابة ؟ و كيف يمكن للأشجار أن تنحني ؟ و للأي شيء تنحني ؟ .
يتكون عنوان المسرحية من ثلاث كلمات ، فهو عنوان مركب ، ابتدأ باسم الأشجار و هي كلمة معرفة "بأل " و هذا يعني أنه يقصد أشجارا بعينها ، بعد جاءت الجملة الفعلية " تنحني أحيانا " و العنوان إذا مركب من اسم + فعل ، نبات + حركة .
لقد ورد هذا العنوان كاملا من خلال الصفحة التاسعة و الستون بعد المئتين على لسـان
" الشايب السمين" قائلا : " اخلع الثوب حفيدي أجد على جسده نقشا بالفسفور.. الله غفار ، الله يكره الإنسان الماكر .. أغطيه أنظر في عينيه .. أجدها فانوسا مشقوقا نسفين في درب متعرج والشبح الإنساني يسير على الأرض عاجزا لكنه يبتسم بالرغم من أنه يعزف على الجيتار يعزف.. والأشجار تنحني له ، و الأزهار مشقوقة ". (2)
شخصيات المسرحية
تعد الشخصية ركيزة أساسية في المسرح الذي يعتبر " لقاء إنسانيا يوظف مجموعة من الأدوات تتراوح أهميتها بين الضعف و القوة ، انطلاقا من متطلبات العرض المسرحي ، و إذا ما اعتبرنا الممثل أداة من هذه الأدوات ، فإننا نعتبره أهمها ، لإنه يقوم مقام تلك الأدوات الأخرى في حين لا تستطيع هي ذلك ، فهو أداة متحركة له خصوصيته التي تجعله ضروريا في العرض المسرحي : فالممثل هو محور العمل المسرحي ، و عليه يقع عبء الربط بين المؤلف و المخرج و الجمهور ، لإنه حلقة وصل وحيوية تملك طاقات من التفجير الإبداعي عبر الإيماء ة القول و الفعل .. لهذا لا يمكن الاستغناء عنه لأن أساس المسرح هو التواصل الإنساني ،والممثل هو الذي يقوم بتفسير الإرسالية وعليه يتوقف نجاح أوفشل هذا التواصل (3) . ذلك أن الشخصية هي محرك الأحداث ، و قد جعل السيد حافظ مسرحيته تتحدث على لسان شخصيات مختلفة الطباع و الأمزجة و المواقف ، ولكن قاسمها المشترك هو أنها ساهمت في نقل النص المسرحي من كتابة إلى حوار دراسي ، يعالج منها عدة قضايا متنوعة ، و قد تميز الكاتب من خلال اختيارها لشخصياته بكل دقة ، إذ جعل بطولة مسرحيته جماعية ، أبطالها عجائز لقبهم "بالشايب " ، كما أنه جعل لكل شخصية رمزا يحدد خصوصيتها وهي كالتالي
- الشايب العملاق / الشايب الأسود / الشايب القصير / الشايب الأصفر / الشايب الصامت .
- الشايب الصامت/ الشايب الشمس/ الشايب السمين /الشايب الخجول / الشايب المتعصب .
فكما نلاحظ من خلال هته الألقاب أن كل " شايب " ملقب بلقب معين يحدد موقفه
وفكره من خلال المسرحية و قد وضح ذلك الكاتب على لسان
- الشايب العملاق حيث قال : في حمام سباحة شاهدت التكوينات تطوف .. (للشايب
الخجول) لا تخجل .. (للشايب المتعصب) لا تتعجل. (4)
إن هته القولة توضح شخصية الشايب الخجول ،وهي صفة الخجل ، والشايب المتعصب الذي يتميز بالتعجل في إصدار الأحكام و المواقف، والملاحظ أيضا على شخصيات السيد حافظ أنه جعل من بينها شخصية صامتة حدد لنا كل تصرفاتها وحركاتها وأفكارها
يقول الشايب الصامت : ( يمد قدما على الرض يحاول الشايب السود أن يمر من على رجل الشايب الصامت. (5)
تلخيص مضمون المسرحيـة :
نعرض المسرحية واقع الإنسان العربي بكل مشاكله و أفراحه ، إذ استطاع ثلة من العجزة أن يرصدوا الواقع من خلال جلسة قصيرة ، حامل كل واحد منهم أنيطرح اسئلة و يجيب عن أخرى موضحا حياة الإنسان المعاصر التي أصبحت حياة بعيدة كل البعد عن الثورة ، والتحدي ، فأصبحت كل فئة أو شريحة اجتماعية تهتم بشؤونها الخاصة و البعيدة عن اهتمامات الفئة الأخرى و مثال ذلك المقطع الآتي :
* الشايب السمين : الفقراء لا يفقهون لغة الحروف لا يفقهون إلا لغة الأفواه و الرغيف .
* الشايب القصير : الأغنياء لا يعرفون سوى لغة الاستهلاك .
* الشايب العملاق : الفنانون لا يعرفون سوى لغة الخاصة .(6)
و نظرا لهذا الاختلاف أصبح الإنسان يعيش تناقضات و تمرد ، و ثورة مزيفة إجدة من ورائها التطور و الإصلاح ، بقدر ما يريد الثورة لمجرد الثورة دون هدف محدد يقو ل :
* الشايب القصير : لو أن ثورة الإنسان حقيقية لانتعش الإنسان سلاما
* الشايب الأصفر : التمرد جزء محدود في حياة الإنسان .
* الشايب القصير : الثورة .. الثورة .
* الشايب العملاق : الدعارة .. الدعارة .(7)
إذا فالعالم هو عالم الاختلاف و تناقض ، عالم ثورة لمجرد الثورة ، و إذا كان السيد حافظ تطرق في البداية لقضايا المجتمع فقد تحدث أيضا عن المسرح أب الفنون ، و رسالة يتم التعبير من خلالها عن قضايا المجتمع ، فهو فن و ثورة وتعلم ، كما أنه رسالة للتعبير بشكل فني عن قضايا المجتمع بشتى قضاياه الاقتصادية و الاجتماعية والسياسية :
* الشايب العملاق : المسرح تسلية .
* الشايب القصير : تقصد تنوير .
* الشايب العملاق : المسرح تعلم .
* الشايب القصير : تقصد ثورة..(8)
الأشجار تنحني أحيانا ملامح العرض المسرحي :
إن ما يميز الكتابة النصية عند السيد حافظ كونا تخضع بشكل كلي للمنظور الجمالي الذي يصدر عنه ، الكاتب المسرحي الذي نحن بصدد الحديث عن عمله ، يختزل في تجربته الإبداعية مجموعة من المستويات التي نراها المدخل الملائم لمقاربة التجليات الفرجوية في نصه المسرحي ، خصوصا تنوع ثقافته و إنتاجاته الإبداعية – كما سبقت الإشارة – و الذي يهمنا في هذا السياق ، هو كيف تمكن الكاتب من نقل أجواء العرض عبر النص ؟ و كيف تتجلى سمات العرض المسرحي في النص المسرحي ؟ و ما هي سبل تحقيق ذلك ؟ .
للإجابة عن هذا السؤال أثرنا الوقوف عند مجموعة من العناصر الجمالية الواردة في هذا المتن ، هذه العناصر كان تعامل الكاتب معها محكوما برؤيته السينوغرافية ، و ذلك من خلال عدد من المفاهيم الجمالية و التي ينطلق السيد حافظ منها في إقحام الملتقى/ القارﺉ في فضاء التلقي الجمالي للنص ، لا يقف الكاتب عند حدود اجترار هذه المفاهيم ، و لكنه يشحنها بموقفه الجمالي ، و هذا ما يتضح من خلال
أ – التأثيث المشهدي : الكاتب يحرص من خلال كل مسرحية أو تصريح على تحديد المكونات الركحية التي تنتظم الفعل المسرحي " يفتح المسرح على وليمة كبرى من الطعام .. الوليمة بلا طعام و المائدة يجلس فيها مجموعة العجائز ) مجموعة من العجائز في انتظار وليمة " (9) فالكاتب أشرك القارﺉ في تصور الركح ، و تأثيثه ، و تجدر الإشارة إلى أن هذا المفهوم حاضر من
خلال كل مسرحيات هذه المجموعة ، إلا أن ثمة اختلاف بسيط من تأثيث إلى آخره يتجلى في أن الكاتب تارة يحدد المفهوم بشكل عام دون تفصيل كما هو واضح من خلال مسرحية : " الأشجار تنحني أحيانا " أو يفصل كما هو الشأن من خلال مسرحية :
" امرأة وزير و قافلة " يقول : " المسرح ثلاثة أجزاء في اليمين يقف ثلاثة رجال يرتدون أزياء باللون الأسود و الأصفر و الأخضر مقنعين ، و أمامهم عربة تشريح في المنتصف سلم وزير مليء بالماء و قد جلست امرأة أمامه و يلاحظ أن الزير يتصل بقناة للمياه داخل الصالة .. في اليسار يوجد ثلاثة رجال في زير أنيق للغاية أولهم مؤلف يمسك قلما كبيـر وورقة ضخمة والثاني ملحن يمسك جيتارا صغيرا للغاية و الثالث يمسكميكروفونا ليبدو أنه مطرب ." (10)
فمن خلال هذا التأثيث المفصل نستنتج أن السيد حافظ لم يكتب بعين المؤلف المسرحي فقط ، ذلك الشخص الذي يهتم بقضية أو قضايا معينة ولكن إضافة إلى ذلك جعل مسرحيته ممثلة على الورق ، فقد حدد الشخصيات و ملابسها و قسم الركح و أثثه .
ب – الإرشادات المسرحية :
ما نلاحظه أيضا هو التركيز الذيأبداه الكاتب فيما يخص طبيعة الأداء ، بحيث عمد السيد حافظ إلى التدقيق في الكثير من المعطيات ، حتى يكون المتلقي القرائي في مستوى التلقي المشهدي ، كما يوضح ذلك المقطع الآتي
* الشايب الصامت : ( يتجه تجاه المائدة يمسك كوبا يكسره ثم يضحك .. يمد يده على المائدة الشايب العملاق يأكل تفاحة بصوت مرتفع و هو يلفها برغيف ) .(11)
* الفارس 1 : ( بجوار الستار ) عرفت و سامتي الغربية .
* الفارس 2 : ( يقترب منه في خطوات مثل الإوزة) قارورة سحر الأرض الخائفة البرية .
* الفارس 3 : ( يتحرك بسرعة إلى الفارس (2) ) وقرأت عدد منخل الباب الصحف الأولى .(12)
إذن فمسرحيات السيد حافظ كلها تعتمد على إرشادات المؤلف و المخرج السيد حافظ ، وفي الغالب توجد الإرشادات بين قوسين في أول الكلام لتحدد تصرفات و حركات و انفعالات الشخصية ، فهي ترشد الممثل و تساعده أكثر في تقمص الشخصية ، و قد أضاف السيد حافظ إلى هته الإرشادات التشبيه ، خصوصا تشبيهه الخطوات بخطوات الإوزة – كما هو واضح في الأعلى – و ذلك لتكون الحركات أكثر دقة
لغة المسرحيـة :
تعتبر اللغة من " الرموز التي يتعامل بها الإنسان من أجل تواصل ناجح ، و هذا التواصل لن يحقق هدفه إلا إذا كان الخطاب المسرحي يراعي الشروط الخاصة و العامة للمتلقي حتى يستطيع هذا الأخير أن يأخذ موقفا من المجتمع و الإنسان و الحياة ." (13)
من هذا يتضح ماذا أهمية اللغة لإيصال المعنى من ثم فقد وظف الكاتب اللغة العربية الفصحى المبسطة ، البعيدة من التعقيد ، و هذا ما سهل و ساعد على ضمان التواصل مع المتلقي كيفما كانت ثقافته ، إذ اعتمد على جمل قصيرة في أغلب الأحيان لا تتجاوز الكلمة أو الكلمتين ، و ابتعد عن تلك الحوارات الطويلة و التي تتسبب في أغلب الأحيان في الملل و لعل هذه التقنية قد استمدها من كتابته القصة القصيرة التي تتطلب الدقة و السبك الحكائي و كذا الجمل البسيطة و القصيرة ، هذا فضلا عن طبيعة الحوار الحقيقية و هي القصر ، إلا أننا إذا حاولنا ربط حوار شخصيات السيد حافظ من خلال هته المسرحية بحوار العجائز في الواقع سنلاحظ التناقض ، خصوصا و أن حوار العجائز يتميز بالطول والإسهاب وهنا وجدنا شيأ آخر ، فهل كان هذا الاختيار لهذه التقنية اعتباطيا أم أن الكاتب كان يقصد من ورائه شيأ آخر ؟
و إذا كان السيد حافظ قد اعتمد لغة عربية فصحى في هذه المسرحية كما هوواضح من خلال هذا ال
* الشايب الأسود : العالم يا طفل .
* الشايب العملاق : امرأة .
* الشايب القصير : رجل .
* الشايب العملاق : كلب
* الشايب القصير : سوق .(14)
فقد اعتمد أيضا المزاوجة بين القصص و العامية من خلال مسرحية " امرأة وزير وقافلة " والجدير بالذكر أن الكاتب قد صرح بهذه المزاوجة منذ بداية المسرحيــة بقوله :
] تجربة مزج بين العامية و الفصحى [ (15) خصوصا العامية المصرية بقوله :
الألوان : اسعدتم مساءا يا سادة .. يعني مساء الخير .
(1) : مساء الخير ع الحلوين مساء الخير .
المرأة : يا اللي الهوى رماك في مدينة ما لهاش حبيب غير الضلال - في مدينة داسو فيها الجمال . عبدو فيها ياولدي الطيب الضلال .. يابني سيدنا يوسف مامات – رغم أنهم رموه في الجب – أنت مش راعي الحكمة .(16)
و اللافت للانتباه هو هذا التنوع اللغوي الذي يعتمده الكاتب ، فهو تارة يكتب بلغة عربية فصحى ، و تارة يزاوج بين اللهجة المصرية و العربية ، هذا فضلا عن توظيف بعض القصص مثل قصة سيدنا يوسف عليه السلام ، و بعض الأغاني المعروفة و غير المعروفة .
المستـوى السينوغرافـي :
تعتبر السينوغرافيا مصطلحا مسرحيا حديثا ، ارتبط ظهوره بالتجريب ، و هو عبارة عن جوانب تقنية ، تتمثل أساسا في التشخيص و الديكور و الإضاءة و الملابسو والموسيقى و الرقص و الغناء و المرفقات و تنقلات الممثلين .. باعتبارها علامات غير لغوية دالة تنضاف إلى اللغة المنطوقة كعلامة لغوية دالة ، لتشكل كلها مجموع اللغة المسرحية . هذه العلامات غير اللغوية الدالة تخاطب العين و الأذن و الحس و الذهن ، فتفسح المجال للعين كي تتأمل في هدوء ، و للعقل كي يفكر بروية .. و للوجدان كي ينتعش بشاعرية .. و بذلك يتحقق التواصل المسرحي .* أهم العلامات في مسرحية الأشجارتنحني أحيانا وبعض مسرحيات المجموعة :
أ – التشخيص : وهو ببساطة ترجمة النص المسرحي إلى عمل معروف ، و أيضا من خلال تحطيم الجدار الرابع ، و الذي يجعل الجمهور عنصرا فعالا و مشاركا في بناء المسرحية و هذا ما يظهر بجلاء من خلال مسرحية " امرأة وزير وقافلة ."
الأسود : ( يشير إلى أحد الجمهور ) يبدو أنك شجاع (17)
وأيضا من خلال عدد من المسرحيات مثل مسرحية : " طفل وقوقع قزح " ، ذلك أن الممثل يخاطب الجمهور ويتحاور معهم إما بسؤال أو تعيين ، فيدمج الجمهور مع الممثل ، ليكونا عنصران أساسيان لنجاح العمل المسرحي .
ب – الديكور : يعتبر الديكور " وسيلة تعبيرية ترمي إلى خلق التواصل مع الآخرين من خلال الخطوط و الأكسسوارات و الألوان المعبرة و غيرها . و هو فن يرتبط بالوسائل السينوغرافية الأخرى إذ أنه يساهم في إحداث التناسق بينها حتى لا يحدث تنافر بين أبعادها و بين أبعاد النص(18) فالديكور يعد واحدا من الأجزاء المرئية من العرض المسرحي ، ويتميز ديكور " الأشجار تنحني أحيانا " بالبساطة ، و الاكتفاء بما قل و دل ، كما أنه لم يكن علامة قارة و ثابتة من خلال مسرحية المجموعة ، وإنما كان متحركا ومتغيرا ، يتغير بحسب السياق الذي يوظف فيه سياق المواقف والأحداث ، ففي مسرحية
" الأشجار تنحني أحيانا " كان الديكور عبارة عن مائدة طعام فارغة من الأكل، اجتمع حولها عدد من العجزة ، و في مسرحية " "تكاثفا الغثاثة على الخلق .. موتا " عبارة عن دوائر إما مرسوم عليها صورة امرأة عارية ، أو صورة عليها إعلان لعبة السجائر الضخمة : أو دوائر مرسوم عليها باكو شكولاتا و طفل يأكل منها ، أو ماكنية حلاقة ضخمة وضعت أمام الستار في الخلفية ، وإذا كان السيد حافظ قد حدد الديكور من خلال عدد من مسرحيات هذه المجموعة ، فقد فضل في مسرحية " محبوبتي محبوبتي قمر الخصوبة سحب في شرقنة حبنا ميلاد .. صعودا " أن يكون الديكور مفتوحا لخيال المخرج و الديكورست .
ج – الأغنيـة :
لقد حضرت الأغنية لاسيما المصرية في مسرحية "الأشجار تنحني أحيانا " ، وهي أغنية العندليب الأسمر عبد الحليم حافظ .
الشايب الأسود : أنا كل ما أجول التوبة يا بوي ترميني المجادير (يغني). (19)
كما أنه اعتمد على الحوار ليخلق منه أغنية و لحنا في السياق و ذلك من خلال مسرحية : (امرأة و زير وقافلة)
* (2) : ( يلحن) مساء الخير ع الحلوين مساء الخير
* (3) : (يغني) مساء الخير ع الحلوين مساء الخير .(20)
د – الإنـارة :
تعد عنصرا أساسيا في العرض المسرحي لها تأثير قوي في جذب المتلقي لمتابعة حركات الممثل ، و التركيز على تشكيلات الديكور ذلك أن " الإنارة في الإخراج الكلاسيكي تعد من الأدوات التي تساهم في الفصل بين الخشبة و الصالة ، لأنها تجعل من الخشبة علما للحركة و العجائب ، ومن الصالة – الغارقة في ظلامها – عالما للسكون و الجموذ. لهذا كان المشرف على الإنارة يستعين بمصابيح عادية و أخرى مسلطة للضوء (Projecteurs) وهذه الأخيرة تعتمد على الحامل (Support) الذي يساعد على استغلال الإشعاعات الضوئية إلى أقصى الحدود و في كل الاتجاهات ، كما يساعد على الحصول على حزمة ضوئية ضيقة حينما يريد ملاحقة الممثل في حركاته ، أو حينما يريد التركيز على ديكور ما أو على صورة أو لقطة ، لذلك يستعين في هذه الحالات بمصابح خاصة يسمى مسلط الضوء المتتبع (Poursuite) وهو يعطي حزمة ضوئية ضيقة مضبوطة الجوانب حتى لا تخرج الإشعاعات الضوئية خارج الدائرة المراد تسليط الضوء عليها ."(21)
من هنا كانت الإنارة هي المحدد لمنطق التمثيل و عزلها ، فقد تم تسليط الضوء في مسرحية " طفل و قوقع قزح " .
* المقنعـون : لمن توجه توجه النصيحة أيها الطفل (مجموعة ٣ والضوء عليهم )(22) إضافة إلى الإنارة نلاحظ حضور الألوان بكثرة ، إذ حضر اللون الأسود و الأصفر من خلال مسرحية " الأشجار تنحني أحيانا " باعتبارها رمزا من الرموز ، فاللون الأسود دلالة على الغموض ، الحزن ، التشاؤم والرؤية السوداوية للأمور ، و اللون الأصفر له دلالة الغيرة ، و الحرارة بعتباره من مشتقات لون الشمس ..
هـ - الملابــس :
تعد من أهم العناصر السينوغرافية ، باعتبارها علامة تعبيرية دالة ، كما أنها " تعتبر أداة من الأدوات المهمة في التواصل المسرحي ، و لقد كان الإنسان منذ القديم أن يتنبه إلى الوظيفة التي يمكن للملابس أن تؤديها في عرض مسرحي ." (23) ، وقد استعملت هذه الأداة في هذه المجموعة للإحالة على الوضع الاجتماعي للشخصية و ليس لمجرد الزينة كما هو واضح من خلال مسرحية : " خطوة الفرسان في عصر اللاجدوى .. كلمة " إذ اختار الكاتب للفرسان ارتداء ملابس بيضاء دلالة على الصفاء و النقاء ، و الفروسيـة ، وألبس طفلا من خلال مسرحية : " لهو الأطفال في الأشياء .. شيء " بنطلونا أو سروالا حديثا وقميصا آخر موديل من لون مريح للنظر ، ليميزه عن بقية الأطفال ، فهو ينتمي من خلال ملابسه إلى الطبقة البورجوازية ، ذلك أن اللباس يحدد الإطار الاجتماعي والاقتصادي والمهني للشخصية


.ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) " في مسرح السيد حافظ " ، دراسات " عبد الرحمن بن زيدان ، ج 1 ، س 1984 ، ص : 77.
(2) الأشجار تنحني أحيانا ، 9 مسرحيات تجريبية ، ت السيد حافظ ، المركز الأكاديمي الدولي ، الهرم ، ص : 269
(3) قضايا المسرح الاحتفالي ،دراسة،مصطفى رمضاني، منشورات اتحاد كتاب المغرب 1993 ،ص:156 .
(4) مسرحية الأشجار تنحني أحيانا للسيد حافظ ، ص : 248 .
(5) مسرحية الأشجار تنحني أحيانا ، السيد حافظ ، ص : 249.
(6) نفسه ، ص : 253 .
(7) نفسه ، ص :260 .
(8) نفسه ، ص : 266 .
(9) الأشجار تنحني أحيانا ، السيد حافظ ، ص : 246
(10) مسرحية " امرأة و زير وقافلة " ، السيد حافظ ، ص : 26-25 .
(11) مسرحية " الأشجار تنحني أحيانا " ، السيد حافظ ، ص : 261 .
(13) قضايا المسرح الاحتفالي ، مصطفى رمضاني ، ص : 127 .
(14) الأشجار تنحني أحيانا ، السيد حافظ ، ص : 256 .
(15) امرأة و زير وقافلة ، السيد حافظ ، ص : 65 .
(16) امرأة وزير وقافلة ، السيد حافظ ، ص : 26/27 .
(17) نفسه ، ص : 30 .
(18) قضايا المسرح الاحتفالي ، مصطفى رمضاني ، ص : 142
(19) مسرحية أشجار تنحني أحيانا ، السيد حافظ ، ص : 255 .
(20) مسرحية " امرأة وزير وقافلة" ، السيد حافظ ، ص : 26 .
(21) قضايا المسرح اللاحتفالي ، مصطفى رمضاني ، ص : 149 .
(22) مسرحية " طفل و قوقع قزح " ، السيد حافظ ، ص : – 105 .
(23) قضايا المسرح الاحتفالي ، مصطفى رمضاني ، ص : 147



خاتمـــــة :
هذه بعض العناصر الجمالية التي حضرت في هذه التجربة الإبداعية التي أفرزتها الممارسة الإبداعية للكاتب السيد حافظ ، والتي تعكس على حد بعيد التصورات الجمالية والسينوغرافية التي يصدر عنها،والتي جاءت تتويجا لمجموعة من التجارب التي تحققت للكاتب على مستوى تجربته المسرحية .
لقد انطلق السيد حافظ من إحساس بضرورة العمل على تأسيس أفـق لنوع مـن الكتـابة الجماليـة التي تتجاوز حدود اللغة في بعدها الجامد ، إلى كتابة تخترق الكـائن لتؤسس الممكن ، فتؤسس بذلك لكتابة مستقبلية في مجال المسرح ، فهي كتابة تحمل في ثناياها عوامل كيانية وجمالية للعرض المسرحي كما يمكن أن ينجز في واقع الممارسة .
لائحة المصادر والمراجع :
1 – الأشجار تنحني أحيانا ، 9 مسرحيات تجريبية ، السيد حافظ ، المركز الأكاديمي الدولي ، الهرم .
• الأشجار تنحني أحيانا ، السيد حافــظ .
• امرأة وزير قافلة ، السيد حافــــظ .
• طفل وقوقع قزع ، السيد حافــــظ .
• خطوة الفرسان في عصر اللاجدوى كلمة ، السيد حافظ .
• لهو الأطفال في الأشياء شيء ، السيد حافظ .
• محبوبتي قمر الخصوبة سحب في شرنقة حبنا ميلاد – صعودا ، السيد حافظ .
• تكاثف الغتاتة على الخلق صوتا ، السيد حافــظ .
في مسرح السيد حافظ ، دراسات عبد الرحمن بن زيدان ج 1 – 1984 2 -
3 – قضايا المسرح الاحتفالي ، دراسة ، مصطفى رمضاني ، منشورات اتحاد كتاب المغرب ، 1993

مكـانة السيد حـافظ في التجربة المسرحية العربيـة بقلم ليلى بن عائشة

مكـانة السيد حـافظ في التجربة المسرحية العربيـة بقلم ليلى بن عائشة

مكـانة السيد حـافظ في التجربة المسرحية العربيـة بقلم ليلى بن عائشة- الجزائر-اذاعة الهضاب-سطيف
لفترة طويلة من الزمن كان المسرح العربي عموما والمسرح المصري بشكل خاص « حبيس المستوى التقليدي من حيث المسرحيات التقليدية حتى أوائل السبعينات إلى أن ظهرت بوادر طيبة تبشر بمحاولات جديدة للنهوض بالمسرح المصري بعد طول رقاد، فظهر السيد حافظ وأصدر أولى مسرحياته.. »(1)، فقد كانت هناك حقيقة -لا يمكن تجاهلها-في ا لواقع المسرحي وهي افتقار الساحة الأدبية المسرحية في تلك الفترة إلى كتاب يستطيعون أن يطعّموا الدراما المسرحية بإنتاجات مناسبة تهيء للمسرح العربي جوا من الإستقلالية وتمنحه مزيدا من الملامح القومية أو الملامح العالمية، فمع صدور مسرحيات "السيد حافظ" كانت هنالك نقلة نوعية جد مهمة لها أثرها البارز في المسرح العربي والتي تعد بحق «…من المعالم البارزة في أدبنا الحديث ذلك أنها تقف وحدها في قمة الريادة في ميدان المسرح التجريبي في الساحة العربية.والسيد حافظ ليس مجرد كاتب مسرحي يحكي لنا حدثا في قالب درامي مسرحي، بل يعتبر بإنتاجه الفكري الناضج خالقا مبدعا له عالمه الخاص وفلسفته وهو يغوص في أعماق النفس الإنسانية محاولا الكشف والوصول إلى أرض المثالية التي فقدناها.. محاولا الكشف عن كل ما يقابله إنسان ذلك العصر من صـراعات مادية ونفسية وحضارية»(2). وتتفق الدراسات النقدية الدرامية )العربية( على تميز الإبداع الدرامي لدى "السيد حافظ" وتفرده عن غيره من البناءات الدرامية المعاصرة. ويبدو ذلك جليا في أعماله التي تكشف لنا عن « مؤلّف مقتدر، يمتلك أدق الأدوات المسرحية وأكثرها فاعلية في عملية الخلق المسرحي..مؤكد أن .. هذه الأعمال.. ستفتح .. الآفاق المغلقة ،لأنها كتابات جادة وجريئة،كتابات لا تقف عند- حدود- الشائع المعروف ولكنها تتعداه لتصل إلى مشارف كتابة مستقبلية جديدة، وهي تتوسل إلى ذلك من خلال التجريب الواعي والرصين »(3).
ويعد مسرح"السيد حافظ"مسرحا ثريا على المستوى الفني، الفكري، الفلسفي،الاجتماعي،والسياسي، وهو يمثل بحق المسرح الذي يحتاجه إنسان هذا العصر، ذلك أنه «…مسرح مليء بلغة التعبير…مسرح يتحدث بلسان الحياة ضد الموت، وقد قام ليتضمن في ثناياه القيم الإجتماعية والثورية ليحملها في ثوب جديد »(4).
1- السيد حافظ وإشكالية التأصيل في المسرح العربي : صليحة حسيني.ص .40.
2- الشخصيات التراثية في مسرح السيد حافظ : سميرة أوبلهى.ص. 32 .
3- جزء من رسالة بعث بها عبد الكريم برشيد إلى السيد حافظ وردت في الغلاف الأخير للكتاب المتضمن لمسرحية حكاية الفلاح عبد المطيع للسيد حافظ.
4- دراسات في مسرح السيد حافظ :السيد حافظ.ج :1.ص.128 .

إن ما يقدمه "السيد حافظ" من خلال مسرحه يقصد به الكثير،من بين ما يقصده هو أن يستفزنا وأن يحرك فينا ذلك الشعور بالأسف على ما هو قائم في الواقع المعيش، ومحاولة تغييره ومن هنا فهو يبحث عن الإستجابة التي تستدعيها مشاهدة المسرح التجريبي،والتي تتعدى مجرد التعاطف مع الشخصية الممثلة،وتتعدى مجرد البكاء أو الضحك،تبعا للموقف المأساوي أو الكوميدي«…إلى إثارة قضية تهم الإنسان ويعاني منها»(1) ويصبح أثناء مشاهدته للعمل التجريبي المسرحي لا يفرق بين ما يرى وما يعانيه. ومن هنا « يرقى المشاهد من رؤية المسرح الهزلي…إلى رؤية المسرح الجاد بالرغم مما قد يكون من تجريب في الشكل أو المضمون »(2)..
وقد أثارت مسرحيات هذا الكاتب الكثير من المناقشات والمجادلات، لأنه اقتحم من خلالها عوالم كثيرة ومس في كتاباته المفاهيم المستقرة في أذهاننا سواء أكانت فنية أم اجتماعية أو فكرية أو سياسية بصورة قوية مباشرة . ومن هنا كان لابد أن يثير مسرحه عاصفة من الآراء المؤيدة والآراء المعارضة على السواء ، بيد أن جهد هذا الكاتب في حقيقة الأمر هو جهد فيه كثيرا من العمق والأصالة والحضارة، وهذا ما دعا "مازن الماحي" أن يقول عن هذا الكاتب إنه «… يؤكد بإنتاجه الفكري المسرحي يوما بعد يوم أنه من أوائل كتاب المسرح العربي بل يعتبر بحق رائد اتجاه جديد في الفكر المسرحي المعاصر»(3)، بل إنه من المجددين في هذا المسرح بما يحمله من حساسية فنية، وتفكير أو فكر عميق ،وفلسفة خاصة … وإيديولوجية إسلامية برزت بشكل كبير في كتاباته المسرحية كمسرحية) ظهور واختفاء أبو ذر الغفاري(، و)حكاية الفلاح عبد المطيع( و)مدينة الزعفران( ومسرحية )علمونا أن نموت وتعلمنا أن نحيا( .« وتـدور كتابات)هذا المبدع( دائما حول الإنسان المعاصر..الإنسان المطحون بين الأمل والإكتراث لذلك فهو يهتم اهتماما كليا بمشكلة الإنسان المعاصر والظغوط الإجتماعية والسياسية والإقتصادية الملقاة عليه.ويحاول أن يقتحم هذه العوالم في داخل الإنسان»(4) .ويبرز هذا من خلال مسرحياته التي ما فتئ يبذل جهدا لا نظير له في البحث والتنقيب للكشف عن معاناته أكثر فأكثر .
إن المسرح التجريبي بالنسبة "للسيد حافظ" ضرورة ملحة ، وهو الملاذ الوحيد الذي يمنح للإنسان فرصة المواجهة مع الذات الواقع ومع الذات المجتمع ومع الذات الإنسان «…المسرح التجريبي ضرورة لأنه يعني هدما وبناءا، تراثا ومستقبلا ورؤى وفكرا وفنا…المسرح التجريبي ]كما يراه السيد حـافظ هو أيضا [ضرورة لإنقاذ المتفرج العربي المريض فكريا و فنيا ونفسيا»(5) .لقد وجد "السيد حافظ" في المسرح التجريبي ما لم يجده في أي لون أدبي آخر، ولم يكتف بالمحاولات التي سبقته في مجال الدراما بل كان يطمح إلى
1- )كبرياء التفاهة في بلاد اللامعنى ( :السيد الهبيان .جريدة السياسة .الملحق 28/4/1984.
2- مر.ن.ص.ن.
3-) الوعي السياسي في مسرح السيد حافظ (:مازن الماحي .مقال ورد في كتاب الأشجار تنحني أحيانا: السيد حافظ.ص .302 .
4- مر.ن.ص.ص.304/303.
5- السيد حافظ وإشكالية التأصيل في المسرح العربي :صليحة حسيني .ص40..



























ما هو أفضل وأحسن، إلى مسرح جريء وجاد، لذا فقد كان معتمدا على واقعه «..ومغامرا جريئا يعطي كل نفسه ويبذل كل طاقاته باحثا في هذا الواقع المتخم بالتكرار عن حياة فريدة وتنفسات جديدة لكن الواقع يرفض المغامرين في زمانهم»(1) ،إلا أن هذا الرفض لم يحل دون مواصلة هذا الكاتب لرسالته مبرزا رؤاه وأفكاره وفلسفته ودون أن يتأثر بالحملة التي شنت ضده من قبل أولئك الذين لم يفقهوا كنه التجارب الجديدة التي جاء بها نظرا لتعصبهم ولضيق نظرتهم، ولتعوّدهم على قوالب جاهزة لا يبغون لها بديلا.« ولا زالت مسرحيات السيد حافظ تتوالى في الظهور تأكيدا لاتجاهه التجريبي الذي يحاول إثباته في المسرح المصري خاصة والمسرح العربي عامة، هذا في الوقت الذي صمت فيه العديد من كتاب المسرح الجادين وغابت فيه العديد من الأقلام الجادة التي أفسحت المجال واسعا للمسرح التجاري »(2)، ولكن وحده رفع شعار التحدي وسار على دربه الذي اختاره دون أن يتأثر بتلك الحملات التي واجهته منذ البداية، لأنها ما كانت لتحد من عزيمته أولتثنيها.فقد تعرض في مسرحه إلى العديد من القضايا منها الاجتماعية والسياسية والاقتصادية والفكرية كما« … أبدى ..موقفه من القضايا الوطنية ودوره فيها، فكان السيد حافظ في مسرحياته الكاشف والمحرض على التغيير والتقدم والرقي … وكانت كتاباته تثبت دوما أنه أحد المناضلين الحقيقيين الذين ساهموا بالكلمة الحقيقية … الكلمة الطلقة وذلك لخدمة القضايا الجماهيرية ورفع المعاناة عن كاهل الشعوب المغلوبة على أمرها » (3) .
ويمكننا القول إن "السيد حافظ" يعد الأب الروحي للمسرح التجريبي والطليعي العربي ورائده الذي حمل على عاتقه مهمة الإرتقاء به وإخراجه من الدائرة المغلقة التي كان يدور في ظلها طيلة سنوات عديدة. لقد اضطلع هذا الكاتب بمهمة خطيرة ومهمة في ذات الوقت، وقد تطلب ذلك الكثير من التضحيات والصمود أمام الجمود الفكري لذوي العقول المتحجرة. ولا يزال هذا الكاتب يسير بخطى ثابتة على مساره ودربه الذي رسم حدوده بكل دقة. على الأقل في كتابة السيناريوهات بعد أن أعلن اعتزاله للمسرح عام 1990 ضمن الطبعة الثانية لمسرحيته )كبرياء التفاهة في بلاد اللامعنى( وقد جاء في الإعلان على وجه الخصوص مايلي : قررت اعتزال المسرح نادما على أنني أمضيت ثلاثين عاما ممثلا ومخرجا للمسرح في العالم الثالث عامة والوطن العربي خاصة تاركا المسرح لرجال أقدر منّي فنيا وأكبر منّي وظيفيا وألمع منّي إعلاميا» (3).
وقد اقتفى آثارهذا الكاتب الكثير من تلاميذه الذين حملوا شعارا من أجل مسرح جاد وجريء يخدم الإنسان أينما كان وحيثما وجد، مسرح لا يعترف بحدود المكان والزمان واللغة ، مسرح الإنسان لأجل الإنسان .فما أحوجنا إلى مسرح كهذا وإلى كاتب كهذا الكاتب؛ الذي عانى الكثير من أجل إرساء دعائم مسرح جديد، ولم يتأثر أبدا بتلك المحاولات الفاشلة التي كانت تسعى للحد من نشاطه وتجاربه، لأنه كان
1- مر.ن.ص.26. - الفلاح المصري في مسرح السيد حافظ:خديجة فلاح.ص.38 .3- مر.ن.ص.39 .-كبرياء التفاهة في بلاد اللامعنى:السيد حافظ.
يعلم علم اليقين أن « المـؤلف المسرحي التجريبي مثل الجندي في إحدى حروب العصابات، ومهما كانت عقيدة المؤلف السياسية، فإن فنه ليس إلا تعبيرا عن حالة روحية كامنة في وعيه ، وأعتقد ]يقول السيد حافظ[ أن أبسط مفهوم للكاتب التجريبي في الوطن العربي حالة )الضد( التي تهز المفاهيم العتيقة ليحدث الزلزال الفكري» (1).وحدوث هذا الزلزال يستلزم كنتيجة حتمية، قيام حملة مضادة، لأن المسـرح التجريبي « يظل إدانة لحالة البلاد الذهنية التي يعيشها المواطن العربي، والتجريبيون هم القائمين على لحظة "تنوير" العـقل»(2)على حد قول "السيد حافظ".
إن الهدف الأساسي للكاتب كما يقول "سعد أردش" « ليس المسرح في حد ذاته، ليس الصيغة الفنية على أي شكل من الأشكال ولكنه الكلمة المضمون، إنه يمتلئ ثم يصبه في قالب فني، ومضامين ذات صبغة إنسانية لا تثير جانبا واحدا من جوانب البناء الإجتماعي، إنك تلمس في العمل الواحد كل ركائز التكوين الإجتماعي : الأخلاق ، الدين ، العلم ، الحضارة ، التاريخ ، التراث ، في إطار الفكر السياسي والإقتصادي والعسكري»(3) .
وختاما فإن المتأمل لأعمال "السيد حافظ" المسرحية يجدها كما يقر ، الكاتب "عبد الكـريم برشيد" « .. تحدق في الناس والأشياء بعينين : العين الأولى عربيـة وهي مفتوحة على الـ" نـحن"و" الآن " والـ " هنا " أما الثانية فهي غربية مفتوحة على المسرح الأوربي كتجارب جريئة وجديدة ومدهشة. هذا الإزدواج في الرؤية والتعبير هو ما حرر مسرحه من التبعية للمسرح التجريبي الغربي ، إنه لم يسقط في اللامعقول أو العبث لأنه اكتفى بمحاورة الشكل العبثي من غير أن يغوص في مضمونه الفكري، وهو مضمون وجودي محض…- حتى هلوساته المحمومة وتحليقاته - لا يفقد الصلة بالأرض التي يقف عليها ، ولا ينسى المكان والزمان والناس والقضايا، إنه يبتعد - شكليا ليقترب مضمونيا .فقد نجد أن مسرحياته بعيدة عن جزئيات الواقع ، ولكنها قريبة من روح هذا الواقع ، قريبة منه لحد الإنصهار فيه»(4) . تلك هي ميزة أعمال "السيد حافظ" على وجه العموم والتي تعطيها سمة الإستقلالية والتفرد والتميز عن غيرها من الأعمال .

1- ) الوعي التاريخي أن يكون الإنسان معاصرا لعصره لا مسجونا فيه( : السيد حافظ.الحوار.1980.ص.39.
2- م.ن.ص.40.
3- الشخصيات التراثية في مسرح السيد حافظ : سميرة أوبلهى، ص.52.
4- ) مسرح السيد حافظ بين التجريب و التأسيس (: عبد الكريم برشيد .السياسة. 20/6/1984.ص.8.

الاثنين، 22 مايو 2017

الخطاب النفسي في مسرحية امرأتان للسـيد حافظ


الخطاب النفسي في مسرحية امرأتان للسـيد حافظ

أ.ليلى بن عائشة

 
لم أجد لدراسة هذه المسرحية أفضل من التركيز على بنية 
الخطاب النفسي ،لأنها مسرحية مفعمة بل وطافحة بهذا النوع من الخطاب،الذي أراد الكاتب أن يقول من خلاله الكثير ،مما سنحاول الوقوف عليه عبر هذه القراءة المقتضبة،وسأستعين فيها بكل ما من شأنه أن يبرز لنا قيمة وتأثير هذا النوع من الخطابات في المتلقي قارئا كان أم متفرجا مستكنهة لب (امرأتان).ولنبدأ من حيث يجب أن تكون البداية ،بمصطلح الخطاب الذي لا يختلف اثنان في أنه «كل كلام تجاوز الجملة الواحدة سواء كان مكتوبا أو ملفوظا »(1).
ويعرفه "بنفنست"بأنه «الملفوظ منظورا إليه من وجهة آليات وعمليات اشتغاله في التواصل..»(2). وبشكل أدق فالخطاب عنده هو«كل تلفظ يفترض متكلما ومستمعا وعند الأول هدف التأثير على الثاني »(3).
ولا شك أن "السيد حافظ" قد اختار الخطاب النفسي والاجتماعي وصبه ضمن القالب المسرحي ليكوّن مرسلة معينة لها بداية ولها نهاية كمتتالية لسانية، ولكنها بالمقابل لا تنتهي لأنها تصل إلى عدد لا حصر له من المتلقين القراء ممن ستقع هذه المسرحية بين أيديهم ،وعدد آخر من المتلقين الذين ربما يعدون أكثر حظا من حيث حصولهم على متعة القراءة للمسرحية من جهة ومتعة المشاهدة لها كعرض من جهة ثانية.وإذا ما عدنا إلى تعريف الخطاب من وجهة نظر السيكو-لسانيات فإنه عبارة عن«متتالية منسجمة من الملفوظات»(4)،وهذا الانسجام لا يتأتى لنا هكذا ،وإنما بتضافر مجموعة من العناصر والتي يتحدد وفقها هذا التناسق ونجملها فيما يلي:
«1-
إن الخطاب يفترض تعالقا يتم بواسطة الفعالية التلفظية بين مجموعة من الملفوظات.هذه الملفوظات لا يجب اعتبارها مبنية سلفا وأن علينا أن نربط بينها ،...
2-
لكن الطابع السابق ليس كافيا فالخطاب هو أيضا عملية مستمرة:إنه يجري في الزمن بشكل موجه.وهذا الطابع الموجه ينعكس داخل الملفوظ ذاته من خلال البنية:علاقات الموضوع بالمحمول ... وهكذا يتجلى الخطاب كتتابع تحويلات تتيح الانتقال من حالة إلى أخرى..
3-
وأخيرا أن التتابع لا يتم بأي وجه ،إنه يأخذ طابع التصاعد في اتجاه هدف ما.وتبعا لذلك تغدو للخطاب فعلا قصدية.ومن.. هذا العنصر الأخير يبدو المنطلق السيكولوجي...ومن خلال ترابط هذه الملاحظات يتحقق الخطاب كفعل منسجم »(5) .
وبما أننا بصدد تقديم قراءة في مسرحية وجب أن نتسلح بما يسعفنا في إنجاز ذلك ،خاصة وأننا سنقدم قراءة في مسرحية لكاتب لم نتعود منه كتابة أي كلام ،بل إنه كاتب برهن من خلال أعماله بأنه ينتقي ما يكتب،وعما يكتب بعناية شديدة ،بل إنه ينتقي أيضا لـمن يكتب«ألم يقل هنري جيمس،في هذا المعنى،بأن..كل مؤلف يمكن أن..يبتكر..قارئه بنفس الطريقة التي يبتكر بها شخصياته»(6).كذلك هو "السيد حافظ" يبتكرنا ويثير بكتاباته فينا روح القراءة الفاعلة والمثمرة،ثم إن استراتيجية الكتابة لديه تحفزنا عبر بناها على المساهمة الجادة والمتأنية في بناء المعنى وإنتاجه.
إن القراءة الحقيقية هي تلك التي تسعى سعيا حثيثا إلى الإفصاح عما يريد الكاتب قوله فـ«القراءة حرية لا تمنح الوجود ولا تأسره ،وخاصة لما يتعلق الأمر بوجود وعي الكاتب في النص،أي ما أراد أن يقوله ،لكن حرية القراءة أكثر شساعة من ذلك إنها تهتم بما لا يريد الكاتب قوله أيضا، هكذا تكون القراءة التحاقا بنية الكاتب، التحاقا بعالم الكتابة كما هو مهيأ أصلا لإعادة صوغ ولإعادة نسج، وفق مشترطات التفاعل ،وفي أفق يجعل القارئ «لا مستهلكا للنص بل منتجا له» ..حيث تتجه القراءة صوب هدفها مسترشدة بأفقها النظري والمعرفي ،مستندة إلى ذاتها المؤسسة »(7).
إن القارئ الفعال –في رأيي- هو ذاك الذي يحاول أن يبني علاقة متينة مع النص الذي هو بصدد قراءته،بل إن«علاقة القارئ بالنص..هي علاقة مزدوجة:من النص إلى القارئ ومن القارئ إلى النص.هنا يتأسس الحوار والتبادل،وتتبلور تلك الجدلية اللانهائية..حيث يكون النص متوفرا –بالضرورة- على استراتيجية ينبغي للقارئ أن يستثمرها لا لفهم النص [فحسب]بل لبناء معناه المتعدد»(8). إننا إذ نورد هذه المفاهيم إنما لنسترشد بها ولتكون دليلنا إلى قراءة نتوسم أن تكون فاعلة ومنتجة .
تتكون مسرحية (امرأتان) "للسيد حافظ"من فصل واحد،ومن عدد محدود من الشخصيات أبرزها وأهمها على وجه الخصوص :
-
شخصية (سنية).
-
شخصية (هدى).وتضاف إليهما شخصية (سليمان) وهي أقل بروزا منهما .
فإذا حاولنا في البداية أن نحدد طبيعة التواصل بين الأطراف الفاعلة والمشاركة في الخطاب المسرحي لـ(امرأتان)فبإمكاننا التمثيل له بالشكل (1)–مع العلم أنني لم أشاهد عرض هذه المسرحية،ولكن انطلاقا من اطلاعي على بعض مما كتب عنها في الجرائد التقطت على الأقل أسماء الممثلين الذين أدوا أدوار الشخصيات التي اقترحها الكاتب وسيتم التركيز في هذا المخطط على كل الأطراف-.
يتشكل المخطط من قطب الإرسال الذي يتمثل في :المؤلف "السيد حافظ "من جهة ،والمخرج "محمد سمير حسني" من جهة أخرى، واللذان يرسلان إبداعهما عن طريق قطب آخر؛ فبالنسبة للمؤلف قطب إرساله يتمثل في الشخصيات التي ابتكرها والتي أخذت على عاتقها عبء تطوير الأحداث وهي: سنية، هدى،وسليمان.وبالنسبة للمخرج فالقطب الذي يعتمد عليه في الإرسال –بالإضافة إلى ميكانيزمات الإخراج المتنوعة إضاءة،ديكور،..وغيرها– هم الممثلون:ماجدة منير،آمال رمزي،ورضا عبد الحكيم.ويتمثل قطب التلقي في الشخصيات نفسها باعتبار تبادل الحوار،والممثلون أنفسهم لذات السبب هذا من جهة، ومن جهة أخرى نجد الجزء الأهم في قطب التلقي،هو المتلقي الذي يتمثل في القراء من ناحية ومن بين هؤلاء ليلى بن عائشة –وهذا النوع من المتلقين يخص الكاتب فقط أي أن علاقتهم تكون علاقة مباشرة مع الكاتب عن طريق المسرحية المكتوبة- والمتفرجون من ناحية ثانية وهؤلاء علاقتهم في التلقي تكون مزدوجة مع الكاتب باعتباره مؤلف المسرحية،ومع المخرج باعتباره المبدع في مجال إخراج هذا العمل،وإن كان هنالك عدد كبير ممن يساعدونه في إنجاز هذه المهمة، ويدخلون ضمن قطبي الإرسال والتلقي تبعا لطبيعة العلاقة التي تجمعهم مع الآخرين، وإن كان ذلك كله ضمنا (أي يستشف فقط).
قطب الإرسال قطب التلقي


المؤلف الشخصية الممثل(ة) الممثل(ة) الشخصية المتلقي
(
السيد حافظ) سنية ماجدة منير ماجدة منير سنية القارئ
المخرج هدى آمال رمزي آمال رمزي هدى ( ليلى بن
محمد سمير حسني سليمان رضا ع/الحكيم رضا ع/الحكيم سليمان عائشة )
ت تواصل تناظري=ذوات حقيقية المتفرج
تواصل لا تناظري=ذوات غير حقيقية
تواصل تناظري=ذوات حقيقية
شكل(01)
وسنحاول فيما يلي الوقوف على طبيعة هذا التواصل على الأقل بيننا كقراء وبين الكاتب "السيد حافظ" وتحديدا عبر عمله المسرحي هذا لنكشف النقاب .
 
إن السؤال الذي يطرح نفسه بحدة هو لماذا (امرأتان) وليس (رجلان) ؟ في اعتقادي أن الكاتب أصاب في اختياره للفئة التي سيسبر أغوارها ويكشف عن دخيلتها؛فالمرأة بدون شك مخلوق ضعيف مهما تظاهرت بالقوة ،ومهما توصلت إلى أن تكون في مركز قوة ،فطبيعتها التي فطرت عليها هي جنوحها الكبير إلى العاطفة ،وتميزها بالرقة اللامتناهية، والهشاشة التي تصل إلى حد الانكسار مع أول صدمة ،وإن كانت تستطيع أن تقف مجددا وتستعيد الثقة بنفسها مرة وأخرى ..ولكن إذا توالت النكبات وازدادت الخيبات وكثرت المآسي، فإن أحسن حال تكون عليه هو الحياة بدون هدف محدد، وإن توفر هذا الهدف فهو لا يعدو أن يكون حماية نفسها، وأقرب الناس إليها،وغالبا ما تلف حياتها غمامة من الاكتئاب الدائم وعدم الوثوق بأي شخص،ولعل شخصية (سنية) تعكس لنا ذلك بصدق، بل إنها صورة لآلاف الفتيات اللائي لم يسعفهن الحظ في بناء أسرة ؛ فقد انكسرت أحلامها على عتبة باب الخطوبة التي لم تتم،وانكمشت على نفسها وانطوت بعد توالي المآسي عليها، ولم تعد تثق بأي شخص، وتسعى جاهدة إلى نقل أحاسيسها إلى من حولها ،وأن تقنع أختها (هدى) بأفكارها. إن(سنية) تحاول أن تمسح الحقيقة المرّة والفرحة التي لم تكتمل من ذاكرتها، ولكن (هدى) تواجهها بالحقيقة وتعيدها إلى عالم الواقع ،داعية إياها ضمنيا إلى التخلص من تلك النظرة السوداوية التي تلف حياتها بأكملها ولكن دون جدوى.
«
سنية: أنا أختك الكبيرة وافهم الناس أحسن منك. هدى:إوعي تكوني لسه شايلة من أخوها. سنية:أخوها...أخوها دا يطلع مين... هدى:عندك.. ما تغلطيش...لأن دا في يوم من الأيام كان هيبقى جوزك. سنية:أنا رفضته. هدى:هو ما جاش يوم الخطوبة وانا فاكرة. سنية:أصلا أنا كنت رفضاه. هدى:لأ..انتي كنت مستنياه ولبستي الفستان الأزرق وحطيتي الوردة البيضا ورحتي الكوافير بالأمارة وفاكرة..بالأمارة كعب الجزمة العالي انكسر ليلتها...اتشأمتي.سنية:دي تفاصيل من خيالك أنا ما كنش عندي فستان أزرق ولا وردة بيضا ولا..».(المسرحية. ص.9).
ورغم الضغوط النفسية التي تمارسها (سنية) على (هدى) إلا أن هذه الأخيرة تأبى أن تنقاد لها
 «
سنية: الناس مصالح...كويس انك عرفتي الحقيقة دي..كويس انك كسرتي الصورة المثالية من ذهنك..كويس انك فهمتي ان العالم اللي حوالينا ما بيرحمش ولا بيجامل. هدى:أد كده بتكرهي الناس ؟.سنية: من عمايلهم.هدى:ليه؟.سنية:تفتكري الناس عملت إيه ساعة أبوكي ما مات؛طمعوا في المصنع وسرقوه بأوراق مزورة..شريك أبوكي أخذ المصنع وسابنا..الفلوس يا دوبك اللي في البنك بنعيش بيها والبيت.... هدى:... سنية:ليه..لأن الناس تحب تشوف الدم وتشوف الإنسان وهو مصلوب وبينزف وهما بيبتسموا ويقزقزوا اللب؟؟.هدى:والسماح فين؟؟.سنية: السماح كان زمان .. لما كان الواحد بيسأل عن جاره هو نام جعان ولا شعبان..فيه حد بيسأل عننا؟ .هدى:لأ. سنية: لأ ليه ؟. هدى:لأن ما لناش مصلحة مع حد دلوقت لا شركة ولا فلوس ولا مراكز...الناس بتتصل بالناس علشان كده.سنية :الناس يا حبيبتي مش ملائكة.هدى: بس الخير لسه يا سنية في الناس». (المسرحية ص. 20/21).
وتحاول (هدى) التعلق بأي قشة أمل،ليزهر هذا الأمل بأشياء جميلة يكون لها وقعها في حياتها،وإن كانت هذه الأشياء زائفة لافرق بينها وبين السراب؛ فالمرأة أحيانا وفي أحلك الظروف تسعى إلى خلق الحب والدفء في حياتها حتى وإن كان ذلك عن طريق الحلم،فحينما تنضب مشاعرنا من الحب وتجف مآقينا من الدموع التي تغسل ذواتنا وتطهر أرواحنا من أدران كثيرة لطالما علقت بها، حينما تضيق السبل بنا ،نسعى جاهدين لخلق الأشياء الجميلة والمشاعر الرقيقة التي نتعطش إليها في حياتنا، فبالحلم يعاود الإنسان في كثير من الأحيان بناء نفسه،واسترجاع ذاته الضائعة في زخم الحياة وترهاتها المادية التي تقبض على أنفاسه ،وتحاول اغتيال ما تبقى من إنسانيته العذبة بكل ما فيها من أحلام ومشاعر وعواطف ،وخيبات وانكسارات.هذا ما أدركته من خلال هذه المسرحية وربما هذا ما أراد "السيد حافظ" قوله ،ولقد نجح في تصوير مشاعر (سنية)،و(هدى) «سنية:فيه إيه ؟.هدى:ولا شيء أنا قلقانة وخايفة أنام مش عارفة ليه ؟؟..هدى:...أختي إفرضي خالك قال إنه جاي علشان ياخذنا معاه. سنية:سبق وقلت لك ..أنا مش هاسافر معاه ولا مع حد خارج البلد دي...هدى:يمكن احنا محتاجين نشوف الدنيا. سنية:الناس هما الناس أفعالهم واحدة...شرهم واحد..خيرهم واحد.... هدى:بس الدنيا هناك غير هنا؟...سنية:كل شيء عندي متساوي... الخير... الشر... الخيانة.. الليل.. والنهار.هدى:معقولة..إيه اللي حصلك؟؟.سنية:أنا لا أسمح لخالك ولا لأي راجل يدخل في حياتي مرة ثانية ويدمرها ويدمرني.....بس احب أقولك شيء ..مفيش حد هيخلي بالو منك إلا أنا ومفيش حد هيخلي بالو مني إلا انتي ».(المسرحية.ص.22/23).
وأجدني مستغربة إلى حد ما من دقة تصويره (الكاتب) ،لأنني أعتقد أن المرأة الأديبة ستكون ربما أكثر دقة في وصف مشاعر امرأة مثلها ،لأن لكلتيهما التركيبة نفسها،وإن لم تكن لهما التجربة ذاتها.لكن ينجلي هذا الغموض إلى حد ما،حينما نستحضر معلومة تخص الكاتب وهي أنه حاصل على دبلوم دراسات في علم النفس، وهذا ما ساعده ربما على النفاذ إلى أعماق الشخصيات واختراق ذواتها،حتى الأقل منها ظهورا.ولكن مع هذا أضيف أن تصويرا بهذا العمق لا يتاح إلاّ لكاتب هو إنسان بالدرجة الأولى وملتحم بالناس إلى حد كبير بالدرجة الثانية ،وهذا الالتحام يصل إلى حد الذوبان وهذا ما تعودناه في كتابات"السيد حافظ"؛ فالإحساس بالآخرين سلعة نادرة في هذا العصر،وقد تجد الكثير من القارئات سلواهن في قراءة حالة مشابهة لحالتهن،فحينما يعجز الإنسان عن إيجاد من يصغي إليه فالعزاء الوحيد يكون في إيجاد من يروي له مأساة مشابهة لمأساته،فيسلي همومه بأشجان وأحزان غيره وإن كانت هي ذات الهموم وذات الأحزان.
إن شخصيات هذه المسرحية تعيش صراعا نفسيا « هدى:ممكن ندخل ننام.سنية:ننام..طول عمرنا بنام..أخذنا إيه..الليل مشكلة كل شيء بيختفي...هدى:أنا عايزة أخرج من سجنك...من إحباطك..من ظنونك..من قلقك....من كابوسك ؟.....حتى انت يا مصطفى طلعت متجوز .. انت الراجل الوحيد اللي حبيته في حياتي اللي حسيت اني ممكن أعيش معاه تحت سقف واحد وبيت واحد...طلعت متجوز ..مش دي خيبة..... (المسرحية.ص.26/27).
هدى:انتي ليه بتشوهي كل حاجة حلوة؟ سنية:كل حاجة اتشوهت من زمان بس احنا ساعات نحب نجملها ونتفاءل بيها من غير سبب.هدى: انت إيه ؟!!سنية:اختك.هدى:انتي شريرة.سنية:مفيش حد خالي من الشر فينا».(المسرحية.ص.29).وصراعا اجتماعيا فرضته الظروف وتركيبة المجتمع وقيمه التي انهارت ،في ظل التغيرات التي شهدها العالم ككل،فالمجتمع العربي جزء لا يتجزأ من هذا العالم؛إذ الابتعاد عن العقيدة جعل مجتمعاتنا تتأثر بهذه التغيرات ،ليس من الناحية الإيجابية فحسب بل من الناحية السلبية أيضا.فالمصلحة وحدها هي التي تجعل من الإنسان شخصا ذا قيمة يحظى بالاهتمام من طرف الجميع ، فعلى قدر امتلاك الفرد للأموال والسلطة والجاه على قدر اهتمام الآخرين به.وهذا ما حدث مع (سنية)و(هدى) فبمجرد انتشار خبر عودة خالهما المليونير من الولايات المتحدة الأمريكية،إلا وتغيرت معاملة الجميع لهما،فهاتفهما الذي ما كان يرن أبدا، أصبح لا يتوقف عن الرنين من فرط المكالمات للسؤال عن حالهما وعن موعد قدوم خالهما« سنية :عجبك كده..التليفون ما بطلش. هدى:شفتي ازاي خالك خلى الناس يتصلوا بينا.سنية:ناس منافقين؟هدى:ليه؟. سنية:فاكرين انه هيحقق أحلامهم».(المسرحية ص.19/20).
 
وما أسوأ حال المرأة التي تجد نفسها بدون مال،وبدون أب أو أخ أو زوج يحميها من غدر الزمان، فـ(سنية) امرأة منسية ولم يعد لها أي وجود سوى في حياة (هدى) و(العم سليمان) هذا الأخير الذي يتحمل منها الكثير من العناء ،وكأن كل الوجوه الغائبة في حياتها حاضرة فيه،وقد عبّرت (هدى) عن ذلك صراحة بقولها بأنه الرجل الوحيد في حياتها بحكم انطوائها وانعزالها كلية عن المجتمع فلا علاقات اجتماعية لها ،إنها تنظر بعدائية شديدة إلى المجتمع وتحمله كل خيباتها وانكساراتها«هدى: ساعات أحس انك بتعاملي عم سليمان كأنه جوزك.سنية:اخرسي يا بنت.. !هدى: وساعات أحس انك بتعامليه كأنه أبوكي .سنية:دا أبويا. !هدى:ماهو ياأبوكي يا جوزك ...اختاري. سنية: ما اسمحليكيش ..زودتيها... هدى:وساعات أحس انك بتعامليه كأنه الإنسان اللي بيحميكي من العالم-لا بيخليكي تروحي السوق ولا تتعبي وكل حاجة تعوزيها يجيبها لك»(المسرحية ص.15). وإذا كانت(سنية) ترى في البيت الحماية الكاملة ،فإن(هدى) ترى فيه سجنا يحد من حريتها وأحلامها وطموحاته« هدى:سجن. سنية:سجن.. !بيت أبوكي سجن..البيت اللي اتربينا فيه..البيت اللي حمانا من الي يسوى واللي ما يسواش..سجن !هدى:أيوه سجن..أنا بسميه سجن.سنية:البيت الواسع.. دا سجن .. الفيلا دي كلها سجن دا فيه ناس تتمنى تسكن في ربعه.هدى:السجن مش لازم يكون صغير وللا كبير..السجن يعني الحياة ما يبقاش لها طعم ولا معنى.سنية: البيت دا سجن !كل جدار فيه حمانا من ألف عين بتبص علينا ..كل ليلة قضيناها فيه كانت لها طعم ولها ريحه طيبة.هدى:أنا بطلت أحلم من يوم أبوكي وأمك ما ماتوا..أول مرة أحلم امبارح من ساعة ماجه التلغراف عارفه يعني إيه..؟يعني خالك ..لسه عارفنا ..لسه احنا جواه ..يعني جاي لينا ياخذنا».(المسرحية ص.16/17).
 
فبينما تجتهد (سنية) في النأي والابتعاد عن الآخرين تسعى (هدى) إلى الاندماج في المجتمع حتى وإن كانت مدركة لحقيقة كل ما تقوله (سنية) «سنية:....ساعات أحس انك غبية .هدى: (وهي منفعلة) أنا مش غبية..أنا فاهمة كل حاجة. سنية :فاهمة إيه..؟.هدى:فاهمة ان مصطفى كان يمثل عليّ انه فرحان..وفاهمة انه طمعان في فلوس خالي ...فاهمة انه فاكر ان ورايا.. فاكر اننا معانا كنز وانه ممكن يستولي عليه ..فاكر انه يقدر يضحك علينا بشكل الحلو.سنية:امال ليه مستمرة معاه عايزة افهم! !؟هدى:لو ما حلمناش كنا نموت..كنا ننتحر يا أختي احنا في زمن رديء ».(المسرحية ص.33).
إلا أنها تغض الطرف عمدا لتحيا على الأمل وإن كان زائفا ،على الحب وإن كان كاذبا، تضحك رغم إدراكها أن عمرها الحقيقي غير ما تصرح به للآخرين« هدى:..عندي 29سنة يا عمي سليمان وبقول 19واختي 39 وبتقول 29 وبنضحك على بعض وبنكدب وبنصدق كدبنا !!».(المسرحية ص.36).تستلذ الحياة بالكذب الذي تلف نفسها به، وإن كانت في قرارة نفسها تؤمن بالعكس، وتدرك الحقيقة بكل تجلياتها .إنها بكل بساطة تخلق عالما يمتزج فيه الزيف بالحقيقة ،والكذب بالصدق في واقع ملىء بهذا وذاك ، لا لشيء إلاّ لتحيا الحياة بكل تفاصيلها .
وما أروع الخاتمة التي ختم بها الكاتب هذه المسرحية،فبعد طول انتظار ،وأيام قليلة تترقب فيها الأختان قدوم الخال كانت دهرا بالنسبة لهما -وإن كان ذلك باديا بوضوح على (هدى) من خلال تصرفاتها ولهفتها على استقبال الخال والذهاب إلى المطار قبل موعد وصول الطائرة بساعات ، ولم يكن يظهر على تصرفات (سنية) إلا أننا نحس وبطريقة خفية نتلمسها من لغة الكاتب أنها راغبة في أن يصبح الحلم حقيقة،ويكمن الإختلاف بينهما في أن (هدى) شفافة ،ومشاعرها تلقائية،لا تحرم نفسها ولا الآخرين من إبداء هذه المشاعر،بينما (سنية) تقف على الطرف النقيض هي مبهمة وغامضة في أحاسيسها دائما –ولعلني أفتح قوسا هنا لأقول (بأن اختيار الكاتب لشخصيتين تعيشان تحت سقف واحد وتختلفان في الكثير من الأمور على المستوى النفسي والإجتماعي جعل العمل يبدو أكثر توازنا ،هذا التوازن أسهم بشكل كبير في نجاح المسرحية ووصول الكاتب إلى المبتغى).
أعود إلى النهاية التي أرادها الكاتب-كما أرى- مفتاحا للأمل الذي بني على أنقاض أمل سرعان ما دفن كما دفن الخال الذي تنتظره الشخصيتان منذ سنوات،ليكون باب الأمل والفرح مفتوحا على مصراعيه بعد حضور (العم سليمان) لأخذهما معه إلى عرس ابنه ،فبابتسامة ربما ساخرة من حلم زائف بنيت عليه أحلام وأحلام،رافقت (هدى) و(سنية) (العم سليمان) الحاضر بقوة في حياتهما ،أو ربما هي ابتسامة مشرقة أو ضحكة تتغلب من خلالها كل واحدة منهما على هذه الخيبة الجديدة التي تضاف وستضاف إليها خيبات أخرى طالما أن الحياة مستمرة ،فكل شيء سيستمر ولن تتوقف الرحى عن «عم سليمان:هتيجوا معايا الفرح ..غصب عنكم..أنا جيت أخدكم ومعايا أم العريس برة مستنياكم اتفضلوا.....سنية:احنا جايين معاك ياعم سليمان مادام انت جيت بنفسك يا أبو العريس.(موسيقى الفرح مع خروجهم يضحكون ..) ».(المسرحية ص.42).
وفي الختام أجدني قد قرأت هذه المسرحية مرارا، ولكن مع كل قراءة جديدة كنت اكتشف فيها الكثير،ولي أن أقول دون مجاملة مني للكاتب بأن هذه المسرحية وثيقة هامة، على طلبة علم النفس اعتمادها لاكتشاف وجه بل وجوه من مشاعر المرأة وأحاسيسها قالها الكاتب ،ولم تقو ربما المرأة على قولها بهذا الصدق وهذه الدقة.


الهوامش:
*-
إمرأتان: مجموعة مسرحيات من فصل واحد . السيدحافظ .رؤيا مركز الكتاب العربي.ط.1.2003.
1-
خطاب النهضة والتقدم في الرواية العربية المعاصرة:رزان محمود إبراهيم.دار الشروق للنشر والتوزيع، عمان/الأردن.ط1. 2003.ص.17.
02-
تحليل الخطاب الروائي:سعيد يقطين.المركز الثقافي العربي،الدار البيضاء.ط1. 1989.ص.19.
03-
م.ن.ص.ن 04-م.ن.ص.24. 05-م.ن.ص.ن.
06-
شعرية الفضاء السردي:حسن نجمي.المركز الثقافي العربي ،الدار البيضاء.ط.1. 2000.ص.78.
07-
م.ن.ص.ن. 08-م.ن.ص.79.




 
Design by Free WordPress Themes | Bloggerized by Lasantha - Premium Blogger Themes | cheap international voip calls ta3rib : Abed