الاثنين، 13 سبتمبر 2021

7نقد مسرحى حول مسرحية "كبرياء التفاهة فى بلاد اللا معنى" (نقد وتحليل سميرة أوبلهى – المغرب)

 

 

 

دراسات من كتب د. نجاة صادق الجشعمي

(7 )

 

نقد مسرحى حول مسرحية
"كبرياء التفاهة فى بلاد اللا معنى"

(نقد وتحليل سميرة أوبلهى المغرب)

دراسة من كتاب

إشكالية الحداثة والرؤي النقدية فى المسرح التجريبى

الســيد حــافظ

)نموذجاً(

 

 


نقد مسرحى حول مسرحية
"كبرياء
التفاهة فى بلاد اللا معنى"
(نقد وتحليل سميرة أوبلهى المغرب)

 

 

 

أصبح من ناقلة القول أن الادب اصيب بنوع من التخمة بسبب الالتزام بالترسيمات الجاهزة التى تقف حاجزا امام تجليه الاحداث وكشف الشخصيات وتحركاتها، ولمعرفة الاسباب الحقيقية الكامنة وراء ذلك لابد من تحر وتقص بل مغامرة ومجازفة لتقريب هذه الحقيقة من الاذهان.

وفى اعتقادى ان الطريقة المثلى هى عزل كل النصوص التى ترسم صورة باهتة للواقع عناصر ذات تشابك معقد وسديمى، غرضها هو تكريس واجترار الواقع المزيف، وطمس معالم الواقع الفعلى. وفسح المجال امام ابداعات تعانق الانسانية، تشاركها همومها واحزانها وتخلخل البنية الداخلية للمجتمع وتحاول الوقوف على حتميتها من بين هذه الانتاجات مسرحيات السيد حافظ.

وسأركز فى معالجتى على الشخصيات فى تآلفها مع الاحداث (على اللغة كقيمة فنية تنقل لنا أبعاد النصصو وتكشف لنا عن محتوياتها)

عملية تتبع حياة شخوص السيد حافظ تستخلص معها المعالجة الدقيقة فى تقريب وظيفتها وتحديد أدوارها ومدى أهميتها دون أن يلتفت القارئ الى ماهو رئيسى، وماهو ثانوى فالصورة التى يبدو بها البطل وهو يحقق مهمته ويجسد حادثة انسانية واقعية الى جانب الشخوص الأخرى التى يحاول الكاتب أن يبتكر لها الاطار الخاص بها، والذى يخدم أبعاد النص اجتماعيا واقتصاديا وسياسا. بمعنى آخر أن هذه الشخصيات تتحرك بطريقة متوازنة لتخدم تطور الاحداث، وهى تضع رقابة على تصرفاتها بطريقة تلقائية.


ففى مسرحية(كبرياء التفاهة فى بلاد اللامعنى) نجد الأم والفتاة يعلقا أوانى حول صدرهما، وهذا رمز لفكر انسان متخلف لازال يدور فى فراغ بمضغ عجين الماضى، ونفس هذا الشئ ينطبق على الزوج والزوجة، انهما يعيشان خارج حدود هذا العالم لانهما يفكران بمزيلة ترسبت عليها مخالفات ماضى سحيق لم تعد مسايرة لتتعايش وعالمنا هذا.

أن ما نعانى منه هو اجترار القديم دون محاولة تجاوزه او الانطلاق منه الى الجديد.

الزوجة: الابرة قد صدأت

المذيع: مازالت ترضع الغرابة وتعيش فى عالم غير العالم

ان اعتراض الزوجة على فكر الزوج الذى يحاول ان يقفز ويتخطى هذه الحواجز فى عالم تقتل فيه الفكرة الفراشة وتجهض قبل ان تولد تخلق انفاسها قبل أن ترى النور، لابد أن تكون رحلة شاقة، والتفكير فى كل شئ وعدم الاستقرار على شئ فى الحصيلة.

ويبقى السؤال مطروحا ،هل تم فعلا التحول الى هذا العالم من بابه الواسع من الفكر الى الكنة أم أننا وقفنا فى الطريق نجمع الادوات التى اثقلت كاهلنا وأضعفت قوانا فلم نعد نقوى حتى على حمل انفسنا.

انها رحلة شاقة ومتعبة حقا رحلة البحث عن الذات الانسانية، عن الهوية الحقيقية عن الذات المعطلة من منح عطاءاتها، والافساح عن الكلمة والحقيقة، من الفوضى الى النظام، من البحث الى الاكتشاف من النوع على عالم الابداع والغوص فى أعماق الحقيقة بدل الجرى وراء الزيف، وراء الكبرياء والكرامة المزيفة التافهة.

ان شخصية البطل عادة تأخذ دور الريادة داخل النص المسرحى، وتتشكل من مجموعة من القيم التى تعكس الانتماء الى الواقع الاجتماعى، كما تسامح فى تقديم مستوى الوعى بالظرف التاريخى وذلك باكتناه وسبر اغوار الوقائع فى محاولة البحث عن الحقيقة.

أن البطل فى مسرحيات السيد حافظ هو شخصية قوية متقضة تحاول أن تتأقلم مع الوضعية لاثبات كيانها وذاتها.

 

وفى بحث عن هذه الهوية تتلاقى الجذور التاريخية وتتفاعل والواقع المادى الحاضر. يقول المذيع البطل فى مسرحية (كبرياء التفاهة فى بلاد اللا معنى) نضحك بالرغم من أن صوت القهر فى داخلنا.. وسيظل يسخر حتى نرى بأعيننا المستحيل، ونمتطيه جوادا. ونبصق ممارسة السذاجة فى الواقع وفى الانسان.

وان كان الكاتب ينتهى الى زج الحوادث المفاجئة، فيأتى متساويا مع الهيكل العام للموضوع وهذا اعتبره ضربة لازب فالبطل يتحرك لحسب ما تقتضيه بعض الحوادث فى صيرورتها وثورتها فليس الاساس فى اكتمال العمل الفنى وتماسكه ان يظهر البطل فيه باستمرارية من البداية الى النهاية وان تتبلور الاحداث فى قالب واحد وتتخذ صيغة ثابتة ان ما يجعل العمل الفنى متماسكا، ومنصهرا فى بوتقة واحدة، ليس هو توحد الابطال فى كتلة واحدة. ولا الربط بين البقع المكاية والفترة الزمانية، بقدر ما هو استعداد كبير من طرف الكاتب يجد معه القارئ نفسه مسوقا لتسجيل علاقات وان كانت مرحلية، تنتقل فيها روح الكاتب لتتعانق واحساس القارئ وانطباعاته، وكل هذا من خلال ما يطرحه كتحليل لنفسيات الابطال او الشخصيات المركزية داخل النص. فى هذه اللحظة بالذات تنتفى الحدود بين الشخصية وروح الكاتب واحساس القارئ، فيتحقق التمازج تلقائيا، وتتضح البؤرة التى تتجمع عندها مكونات هذا العمل الفنى.

(الطبول الخرساء فى الأودية الزرقاء)

أن العناصر البنائية التى تحدد لنا فضاء هذه المسرحية، والتى حددها الكتب نفسه فى ثلاثة تحويلات، تكمن فى وحدة الحدث، ووحدة الموقف او الفعل. فالامحدود فى سماء هذه المسرحية تنسحب عليه سمات المحدد، فالشخصيات تنتمى الى لون غير محدد، ترتدى أقنعة سوداء لنتبين معها اللون الحقيقى ونرتدى ملابس بيضاء، ولا تقوم بشئ محدد (طحن الفراغ).

المكان: لا يشير الى مكان بعينه، فالشخصيات المسرح التى تدور لا تستقر على حال.

فالمشكلة اذن اعمق من التحديد ،أنها تطرح قضية ذات أبعاد انسانية تتلاشى معها الحدود السياسية والاجتماعية والادبية الفنية لتذوب فى الاعماق وتفتت معها المكونات السطحية.

أن السيد حافظ ينطلق من لا شئ اللامكان واللازمان لتجدنا ونحن نقرأ هذا النص وغيره منصهرين وملتحمين اشد الالتحام مع الحديث الرئيسى ومن ثم وحده الفعل بين المرسل (الشخصيات) والمرسل اليه.

تقنية الكتابة عند السيد حافظ

إذا انطلقنا من القاعدة التالية ان الاسلوب ينبغى ان يكون واضحا سهلا بعيدا عن الزخاريف التى يحيا معها القارئ، انها ركام من الاكاذيب المنمقة التى تفقد الكلمة معانيها وتبدو اللفظة لا وزن لها.

ولذا فإن كتابات السيد حافظ تنطلق من تصورات واضحة فكأنه يدرك تمام الادراك ان الكتابة تتوجه الى قلب القارئ قبل أن يقرأها بلسانه – ولذا يختار اللهجة المناسبة البعيدة عن الكليمات المبتذلة، ليدعم الموضوع الاساسى حتى يفهم القارئ البسيط والقارئ المثقف، وحتى لا يعزز غموض الموضوع بغموض فى الاسلوب.

أن أمتلاك تقنية الكتابة، وحين أقول الكتابة ليس أى نوع من الكتابة بل أقصد أمتلاك الكاتب لقناعة شخصية فى توظيف لغة شاملة الغرض منها التركيز على تفاصيل الاحداث، ومحاولة نقل الواقع فى صورة مصغرة متحركة من خلال الشخصيات وأدوارها وتصرفاتها.

أن ما يحتاج اليه العمل الفنى هو الدقة المتناهية فى بلورة الاحداث ومن ثم تمريرها عبر اسلوب نفاذ، وما يستنتج من الاعمال الفنية للسيد حافظ ان المضمون يساير الى حد كبير جانب الشكل. فالاحداث لا تبقى معلقة فى الفراغ، بل تخرج فى صورة متفقة وما وضعه الكاتب من تخطيط بقوانينه حيث تتسرب الفكرة مباشرة وبدون أى ضغط الى ذهن القارئ، فيتلقاها، ويحاول أن يتتبع ما تنطوى عليه من حقائق.

سميرة أوبلهى مكناس – المغرب.

 

 

 




 6


7

5" مسرحية ملك الزبالة " تأليف السيد حافظ كوميديا سياسية فى ثوب فنى متميز

 

دراسات من كتب د. نجاة صادق الجشعمي

( 5)

" مسرحية ملك الزبالة "
تأليف
السيد حافظ
كوميديا سياسية فى ثوب فنى متميز

بقلم
سـميـرة أوبـلهـى

المغرب – وجده

دراسة من كتاب

إشكالية الحداثة والرؤي النقدية فى المسرح التجريبى

الســيد حــافظ

)نموذجاً(

 

" مسرحية ملك الزبالة "
تأليف
السيد حافظ
كوميديا سياسية فى ثوب فنى متميز

بقلم
سـميـرة أوبـلهـى

المغرب – وجده

 

عندما تتفجر شرارة الكلمة وتمطى صهوة جواد فحل، عندما تتدفق المشاعر كالسيل ليس له نهاية، وتلح عليك الرغبةفى وضع فكرة لا يسعك إلا أن ترضخ وتخضع وتخنع أمام هذا القرار.

بالفعل حينما يتعلق الأمر بشخصية متميزة لها باع طويل فى الساحة الفكرية وتلويناتها المتميزة ، حياة فكرية غنية بالفكرة، المضمون ظهرت فى زمن اغتيلت فيه الكلمة قبل أن ترى النور لا يسعك إلا أن تنقاد تحت وطأة الافتتان فتاتى ولادة الكلمة.

عرفت السيدحافظ من خلال كتاباته الإبداعية ... ذلك الكاتب الذى يبتعد عن الإسفاف والغموض، وتتطهر فى ثنايا ابداعاته معاناه نفسية تجذبك إليه لتقاسمه مرارة الهزيمة، وتندمج معه فى هذا الخضم الذى أسسه لنفسه لا يمكن أن تقرأ مسرحية من مسرحيات السيد حافظ دون أنتشعر أنك فى حاجة الى إعادة قراءتها، فتجد نفسك بين السطور تصافحه وتشد على يديه بحرارة.

عرفت السيد حافظ بنفسه المتوثبة المشرقة، وروحه الصافية المتفائلة التى تفتح لك الأبواب وإن سدت فى وجهها ، تعلمك عدم الخضوع لليأس وتجد لك الطريق للوصول إلى النهاية ، والغريب فى أطوار هذه الشخصية هو إيمانها القوى بان وتيرة الحياه تسير إلى الأحسن والإنسان هو ذلك الوساطة التى تحاول الحفاظ على ملامح هذه الصورة فى قيمة خصوبتها ونضجها.

"أبطال السيد حافظ وجه آخر للتاريخ"

نستطيع أن نجزم أن كل الأعمال المسرحية التى كتبها السيد حافظ تركز على فترة عصيبة فى تاريخ الأمة العربية خاصة، والإنسانية بصفة عامة وهى ترسم لنا بقوة صورة لمجتمع عرف تنافراً بين طبقاته وانعدمت فيه أبسط الحقوق الإنسانية تمادت فيه الإنتهازية الصارخة، وتعرض فيه الضعفاء وهم يحاولون الصعود بعيداً عن أبشع وجوه الاستغلال ، فالضعف لا قيمة له، ولا مكانة له ، كل هذه الظروف كانت كافية لخلق أجواء استاتيكية خاصة ولون متميز، فضاؤه الخاص هو التجريب الذى مس الجوهر / المضمون والتقنيات الكتابية.

فعلى المستوى الأول لم يعد البطل هو ذلك الشخص الذى يعمل إعادة التنظيم بكل تناقضاته أو يسترجع الوضعية الأساسية بكل موبيقاتها المعقدة. بل إنها تفتح صدرها لاستيعاب جميع كل خطوط الحدث... إنها الماضى/الحاضر إنها لحظات وعى بالزمن – التاريخ.

وفيما يخص الأسلوب والقالب الذى صب فيه السيد حافظ تجربته يمكن أن نقول أنها حلة جديدة ألبسها حلة تيمات جديدة كذلك. وهذا لا يعنى كما قال السيد حافظ نفسه "إنه تنازل فكرى، إنما هو حالة مؤقتة فى ظل زمن ما.. فى دولة ما.. فى ظروف ما"

تجاوز الشكل المتكلس للتراث

لقد حاول السيد حافظ محاورة موروثنا الماضوى وذلك بتحليل ميكانيزاماته وتشكيلاته، وقد استطاع أن يشكل جدلية حميمة بين المعطيات المستمدة من التراث وإمكانات لحظته التاريخية فى لوحة تتجيد مختلف الأكفار وأنماط الوعى، التى تعتبر من منظور ثان تجسيدة للعلائق الاجتماعية للبنية التحتية. هكذا يتضح أن التراث حينما يصب فى قال تجديدى يحمل بصمات العصر فهو يشكل مرجعية ووثيقة هامة. خصوصاً إذا تجاوز الشكل المتكلس بكل محتوياته الجرثومية وتمت معالجته حسب وضعيتنا الراهنة بمعنى آخر معادلة ابرازه فى رؤية إنسانية جديدة تعبر عن روح العصر.

ولعلنا نلاحظ هذه الخاصية، ونحن نتتبع أعمال السيد حافظ، فأبطال مسرحياته المتمسكة بخيوط الماضى الذى بنت فيه آمالا وتطلعات لأن هذا يمنحها الدفء والشعور بالطمأنينة فى الحاضر أو لعله المستقبل. هكذا يرتفع السيد حافظ من تصوير بيئة محددة إلى التعمق فى امور كلية عامة ومن الجزئيات إلى قضايا الإنسان العالمية. لقد اختار الإنسان وعالج المأساة الاجتماعية وجعلها بؤرة التوتر وذروة العقد فى بناء الأحداث الأساسية إن الهدف الأساسى من ذلك هو جعل العمل الفنى مشاركة بينه وبين العصر الذى يعيش فه، وبينه وبين إنسان هذا العصر. لقد اختار السيد حافظ هذا النهج عن وعى صادق وترجم لنا هذا الواقع من وجوهه المختلفة . لقد التزم فى تجربته بقضايا الإنسان وهذا يطابق مقولة سارتر (الأدب ملتزم دائماً أراد أم لم يرد).


ملك الزبالة أو الزبالين

النص " النموذج" النموذج الذى تتحقق فيه القيمة وتتسع فيه دائرة الاهتمام بالإنسان ومعاناته نص "ملك الزبالة أو الزبالين" طبعاً إلى جانب نصوص أخرى تعالج نفس القيمة ولا يتسع هنا المجال لذكرها.

هذا النص تتجدد فيه التقنية لتجدد آمال الكاتب فى النهوض بالمجتمع العربى، بفتح الحوار بين فئاته وتكسير الجدار الصلب الذى يحول دون التغلق على نكباته، وأخيراً إستئصال الداء العضال الذى ظل ينفر فى كيانه لردح من الزمن، وآن الأوران لوضع حد له بأستنبات الأمل الحلم والخروج من الدائرة المغلقة إلى عالم بلا قيود وبلا أغلال.

إنه نص يجمل بمجموعة من التيمات والأحداث التى تدين الواقع بكل سلبياته، إنه ينطلق من الواقع ليكون حجة عليه، أحداث وقعت بالفعل ، كالن مسرحها الشام وبطلها إنسان عربى كافح من اجلالحق ، وطمس معالم كل ظلم وبهتان/ قسام التراب الذى ناضل من أجل تنظيف المدينة من الأزبال والأسواخ التى تعكر الجو وتخنق الأنفاس. قسام التراب جاء كذلك لإعادة التقييم المتوازن الذى يضمن للفقير أن يتمتع بأبسط حقوق العيش (فضليات الأغنياء)

زعتر  : .. اسمع يا سعد زى ما قالنا المعلم قسام .. لو لقيتم حاجة تنفع للأكل فى زيالة الأغنياء أدوها للفقراء اللى زبالتهم بتصرخ.

ويبقى الخط مفتوحاً لينضم تحت لوائه جماعة قسام التراب (الزبالين ، زبيدة، ابنته، ابنه..) ويشكل فى ترابطه وتلاحمه صراعاً قوياً معاكساً للتيار الذى يمثله القاضى، الوالى ، شهبندر التجار بتعبير آخر أن قسام التراب/الرمز كان همه هو نشر العدل والتصدى لكل أجهزة القمع والاستيلاب.

مريم : يا فرحتى يا أبه.. عملت لنا قيمة.. عملت للناس الغلاب قيمة بلا ضرايب.. بلا خرايب.

قسام : لا أنا عايز ألغى الفقر مثل الغنى.. أنا عايز كله غنى كله بياكل .. كله بيشرب كله يسكن.

.. وبالفعل بعد مقاومة عنيفة بين قسام التراب وأتباعه وبين اصحاب السلطة .. ينتصر قسام التراب ويحقق ما أراده من نظافة دمشق والقاهرة. من براثن الظلم والتعسف ليعم العدل والمال لمدة سبع سنين.

قسام : وطى صوتك يا قسام وأمحى اسمك من الوجود .. الخوف عيل ولدوه الرجاله، والكلمة الخايبة الجبانة. يا ناس يا أهل القاهرة خلى بالكم مش حتلاقوا اسمى فى التاريخ.. لكنى كنت حقيقى موجود فى التاريخ وحكمت سبع سنين وبالعدل والميزان وكنت زبال بأمسك المكنسة وأنا كنست شوارع الشام والقاهرة وأنتم معايا اكنسوا من التاريخ اللى ظلموكم واللى خانوكم واللى باعوكم واللى عذبوكم يا اما حتكنسوهم يا اما حيكنسوكم وحيكنسكم التاريخ، وقدامكم حل من اثنين يا تعملوا تاريخ من غير زبالة يا حيعلوكم زبالة من غير تاريخ ويبقى على الدنيا السلام.

عبر هذه المشاهد واللوحات المتلاحمة تبرز لنا صورة فكرية مكثفة بحمولتها السياسية وأبعادها الاجتماعية ولغتها النمطية المعبرة لقد انتقى الكاتب ألفاظاً وعبارات لها جماليتها ونكهتها الاستهزائية فى حالات كثيرة.

قسام وهو يحاور الشرطى :

الشرطى : عايزين سحتوت على كل قفة زبالة بتنقلها يا قسام.

قسام : (يحك ويضحك الجميع) بس (يصمت الجميع) مين اللى قال الكلام الفارغ دا؟

الشرطى : القاضى.

قسام : بتقولوا أيه ؟ قاضى مين ؟

الشرطى : بقى أنت مش عارف قاضى مين؟ قاضى دمشق.

قسام : والله دمشق فيها قاضى (يضحك يضحكون)

إن هذا الضحك هو سخرية لاذعة تنزع قناع النقاق عن الوجه العفن للمجتمع فحين يتحدث قسام التراب ينقلها معه إلى الوراء/التاريخ ويقربنا فى نفس الوقت من الحاضر حين يصفعنا الواقع بصراعاته وتناقضاته.

قسام وهو يحاور زبيدة :

زبيدة : مالك يا قسام ؟

قسام : أنا خايف يا زبيدة خايف على رجالتى ليلبسوا الحرير ويبقوا زى الأمراء والأعيان ويبقوا رجالة ورق ويتصرفوا تصرفات صغيرة زى اللى شفتها يضيعوا.

وبإيجاز شديد أقول إن العلاقة التى تنفصل داخل سياقها المفردات والتى تعطى للنص المسرحى تفرده، ومنت ثم تبرز بناءه المحكم والتقنية الكبيرة فى انتقاء العناصر المكونة لهذه الشبكة العلائقية. كل ذلك أمد النص بجمالية خاصة وزاد تعميق فهمنا للنص وقربنا أكثر من الكاتب.

ويسوقننا أمام عنصر الحوار نجد الكاتب لا يتكلف فى تمطيطه وله فى ذلك ما يبرره فكرياً وفنياً.

أولاً : نعلم أن السيد حافظ تحرر من قيود القوالب التقليدية واختار لنفسه نمطاً وشكلاً جديداً هو المسرح التجريبى الذى يستطيع استيفاء المواقف والصراعات التى طالما أرهقت الكاتب فحاول أن يفصح عنها فكان مولد الكلمة/الابداع والصورة/الواقع. من هنا تبرز لنا حقيقة أخرى حول سر اهتمام الكاتب بالأحورة الموجزه والصورة الهادفة. ذلك أن المسار التطورى للأحداث يرتبط بالتكامل والتلاحم بين الكلمة المعبرة والصورة الواضحة. (الزبالين/كبار البلد).

شهبندر التجار : أنت بتهزر يأخينا دا العساكر مليانة أديها بالعطور قلت ايه يا قسام.

قسام : انتم كبار البلد وباديكم تعدلوها.

قسام : تأخذوا زبالة الضرايب وألا تأخذوا مقشات.

ثانياً : لقد اختار الكاتب هذا الإيقاع لمسحيته وهذا القالب الغنى المتميز ليبحر فى عالم الكتابة مروراً بشواطئ الماضرى ليصل إلى الحاضر والى المستقبل بعبارة موجزة أقول أن المنظومة اللغوية التى اعتمد عليها الكاتب والتى تعمد أن تكون عامية.. لماذا؟ ذلك أن هذه اللغة الشعبيةتعلن لنا عن عمق الحقيقة التى يعرفها الشعب ويدينها بكل الحاح. وفى نظرى ليس هناك لغة أقوى إيقاعاً وأشد تأثيراً فى لغة تمزق الحجاب وتكشف لنا عن كوامن نفس هذا الشعب وما يحتوى به من نار الاستغلال والاستبداد.

إذن مسرحية (ملك الزبالة أو الزبالين) بإيقاعها الشعبى هى غوص فى أكمان المسرح التجريبى السياسى للبحث عن جذور الديمقراطية وتأسيس عالم متوازن. وهى بذلك تعتبر بحق شهادة أخرى فى حق الكاتب الذى خطا خطوات إلى الأمام فى ركاب الأصالة والتجديدة.

سميرة أوبلهى


 

 


 5

 
Design by Free WordPress Themes | Bloggerized by Lasantha - Premium Blogger Themes | cheap international voip calls ta3rib : Abed