الثلاثاء، 11 أغسطس 2026

الدنيا لما تخونك... يبقى الوزير مش فاضي لك

 الدنيا لما تخونك... يبقى الوزير مش فاضي لك

بقلم: السيد حافظ



يعلم عدد قليل من أصدقائي في الإسكندرية والقاهرة حجم الصداقة التي جمعتني بالفنان الكبير فاروق حسني. بدأت الحكاية في أواخر ستينيات القرن الماضي، عام 1968 أو 1969، بعد أن كتبت مسرحية «الأقصى في القدس يحترق» إثر حريق المسجد الأقصى.

كان فاروق حسني آنذاك مديرًا لقصر ثقافة الأنفوشي، وقد قرأ المسرحية، وشجعني، ورشحني للمشاركة في مؤتمر الأدباء الشبان الأول بالزقازيق عام 1969، وكنت أصغر مؤلف يشارك في ذلك المؤتمر. هناك تعرّفت إلى وجوه الحركة الثقافية المصرية القادمة من معظم المحافظات، وكانت بداية دخولي الحقيقي إلى الوسط الثقافي.

أتوقف عند مشهدين لا يغادران ذاكرتي.

الأول كان في كنيسة الجزويت بالإسكندرية، في سيدي جابر، حيث كان الأب بيتر، قد دعانا على الغداء ذلك القس المتحمس للمسرح التجريبي، يحتضن تجاربنا. أسسنا هناك فرقة «جماعة الاجتياز »، ولا أذكر اليوم على وجه اليقين من أطلق الاسم؛ أأنا، أم يوسف عبد الحميد، أم مساعد خميس. كنا ثلاثة نؤمن بأن المسرح عمل جماعي، وأن الكاتب لا يصنع مسرحًا وحده، بل يصنعه مع رفاقه.

في إلغداء طلبت من الإب ابيتر دعوة فاروق حسني و أن أرشح بعض الأصدقاء لحضور غداء في الكنيسة، فرشح قاروق محمود ادم ، الشهير بسامي. كانت أيامًا بسيطة، مليئة بالأحلام والضحك، والعيش والملح.

ثم سافر فاروق إلى فرنسا، وظلت بيننا المراسلات. وأذكر من رسائله قوله إن المستشرق الفرنسي جاك بيرك لو قرأ أعمالي لترجمها، وإن باريس مدينة تمنح المبدعين فرصًا لا تنتهي.

المشهد الثانى 

مرت السنوات...

وأصبح فاروق حسني وزيرًا للثقافة.

أما أنا، فقد مررت عام 2005 بأقسى أيام حياتي.

مرضت زوجتي ودخلت العناية المركزة في مستشفى القصر العيني الفرنساوي، ومرض ابني محمد ودخل العناية المركزة في مستشفى شريف مختار بالقصر العيني القديم .بفضل الكاتب الصديق محمد سلماوي حجز لابني مكانًا في المستشفى، وبفضل الدكتور أشرف زكي دخلت زوجتي العناية المركزة.فى القصر العيني الفرنساوي لكن العلاج كان يحتاج إلى أموال يومية، والمطالب لا تنتهي.

ساعدني الدكتور حسام عطا بورقة قرار علاج على نفقة الدولة لابني، وكان الدكتور أشرف زكي يجدد لزوجتي كل أسبوع قرار العلاج. ومع ذلك كانت النفقات تتضاعف،بشكل مرعب حتى نفدت كل مدخراتي.

لم أطلب صدقة.

كل ما طلبته من وزير الثقافة، صديق البدايات، أن تشتري الوزارة بعض مسرحياتي، فاشترها فاروق بعد ان كتب الناقد المعروف مؤمن خليفة فى جريدة الاخبار انقذوا السيد حافظ اعلن فاروق شراء ثلاث مسرحيات بعشرة آلاف جنيه مثلًا، بعد الخصم كانت سبعة الاف لأستطيع إنقاذ أسرتي.

لم يحدث شيء.

اتصلت بصلاح شقوير، وكان صديقًا قديمًا من أيام قصر ثقافة الأنفوشي. رجلًا مهذبًا، ذكيًا، صاحب روح مصرية أصيلة. كان مهندسا ويلعب رياضة وحديد عرفته منذ كان يحمي عروضنا المسرحية من بلطجية المنطقة المحيطة بالقصر، ثم سافر إلى باريس، وعاد مع فاروق ليتولى مناصب مهمة في وزارة الثقافة.وتزوج من اخته وعينه مسؤله عن قطاعات فى وزارة الثقافة..

اتصلت بالوزير مرة...

ثم ثانية...

ثم ثالثة...

ثم رابعة...

قلت له:

لقد اتصلت بصلاح شقوير أكثر من مرة، ورد قلت له خلى الوزير يتدخل ابنى ومراتى فى العناية. كلمه... فقط اجعله يكلمني.

قال:

«حاضر».

ثم اتصلت بعد قليل أسأله:

ـ كلمت الوزير ياصلاح ؟

فقال الجملة التي ما زالت ترن في أذني حتى اليوم:

«الوزير مش فاضي لك.»

كانت جملة قصيرة...

لكنها كانت كافية لكي أفهم أشياء كثيرة.

أدركت أن الوطن أيضًا قد لا يكون فاضيًا لك.حين تصاب بمحنة

وأن صديق الأمس، حين يصعد إلى قمة السلطة، قد ينسى ضحكات البدايات، وأيام المسرح، والعيش والملح، والرفاق الذين شاركوه الحلم.

بعدها علمت من صديقي الكاتب الراحل ابو العلا السلاموني أن طلبي للعمل بوزارة الثقافة أُرسله الوزير إلى الجهات المختلفة للسؤال: «هل تحتاجون هذا الرجل؟»

ولم يأتِ الرد.

أو جاء بالصمت.

 قال ابو العلا الوظيفة التى عندى متواضعة، براتب لا يتجاوز مائة وعشرين جنيهًا في الشهر.

لم أغضب لأنني لم أصبح مسؤولًا.

غضبت لأن الإنسان، عندما ينهكه الفلس، ويصبح ابنه وزوجته بين الحياة والموت، ثم يطرق باب صديق العمر، فلا يسمع إلا عبارة واحدة...

«الوزير مش فاضي لك.»

منذ ذلك اليوم أصبحت أردد في داخلي:

الدنيا لما تخونك...

يبقى الوزير مش فاضي لك...

وربما...

الوطن أيضًا.

تمت

القاهرة 

السيد حافظ

رأى الذكاء الاصطناعي جروك 

رأيي في النص:

نص صادق، مؤلم، وذكي في بساطته.

السيد حافظ لم يكتب مقالة سياسية ولا هجاءً صاخبًا. كتب شهادة شخصية باردة من الخارج، حارة جدًا من الداخل. اختار أن يحكي الحكاية بهدوءٍ نسبي، دون صراخ أو شتائم، وهذا ما يجعل الجملة الأخيرة («الوزير مش فاضي لك») أقوى بكثير مما لو صاح بها.

نقاط القوة:

البناء الذكي: يبدأ بالصداقة القديمة والمشهد الدافئ في كنيسة الجزويت، ثم يقفز إلى المشهد الثاني بعد صعود فاروق حسني. هذا الانتقال يخلق الصدمة بشكل طبيعي.

الجملة المركزية: «الوزير مش فاضي لك» جملة قصيرة، عامية، قاتلة. حولها الكاتب إلى عنوان وفلسفة صغيرة عن السلطة والصداقة والوطن.

الصدق العاطفي: تفاصيل المرض، قرارات العلاج، نفاد المدخرات، الاتصال المتكرر بصلاح شقوير… كلها تجعل القارئ يشعر بثقل اللحظة، لا مجرد يسمع عنها.

النبرة: ليست نبرة ضحية مستكينة، ولا نبرة حاقد. هي نبرة رجل جُرح في مكان عميق (الصداقة + الكرامة)، فقرر أن يحوّل الجرح إلى جملة يتذكرها الناس.

ما يمكن مناقشته:

النص يعتمد بشكل أساسي على الرواية الشخصية. وهذا حقه تمامًا، لكنه يترك القارئ بدون الجانب الآخر من القصة (ماذا كان يحدث فعليًا في مكتب الوزير؟ هل وصل الطلب أصلًا؟). هذا لا يضعف النص أدبيًا، لكنه يجعله شهادة أكثر منه تحقيقًا.

الخاتمة («وربما… الوطن أيضًا») توسّع المعنى من الشخصي إلى العام. هذا التوسع ناجح أدبيًا، لكنه يحمل خطر التعميم.

الخلاصة:

النص ناجح لأنه لم يحاول أن يكون «نصًا كبيرًا». اكتفى بأن يكون صادقًا وموجعًا ومباشرًا. الجملة التي اختارها عنوانًا («الدنيا لما تخونك… يبقى الوزير مش فاضي لك») ستظل عالقة في ذهن من يقرأها، وهذا بحد ذاته إنجاز أدبي.

هو نص عن خيانة الصداقة تحت وطأة السلطة، وعن كيف يكتشف الإنسان أن بعض الأبواب التي كان يظنها مفتوحة… لم تكن كذلك أبدًا.

0 comments:

إرسال تعليق

 
Design by Free WordPress Themes | Bloggerized by Lasantha - Premium Blogger Themes | cheap international voip calls ta3rib : Abed