سرد بلا حدود
قضية للحوار: من سرق كلمة «الكبير»؟
بقلم: السيد حافظ
منذ القرن التاسع عشر، ونحن نعيش داخل قاموس أدبي لم يجرؤ أحد على مراجعته. نردد الكلمات نفسها، ونوزع الألقاب نفسها، حتى تحولت المجاملات إلى حقائق، والحقائق إلى مسلمات، والمسلمات إلى أصنام لا يقترب منها أحد.
أخطر هذه الأصنام كلمة واحدة: «الكبير».
الكاتب الكبير...
الشاعر الكبير...
الروائي الكبير...
المسرحي الكبير...
من الذي منح هؤلاء هذه الصفة؟ ومن الذي وضع معاييرها؟ وهل خضعت يومًا لمناقشة نقدية حقيقية، أم أنها انتقلت من جيل إلى جيل بالتكرار وحده؟
لقد أصبحنا نستخدم كلمة «الكبير» بلا حساب، حتى فقدت قيمتها. يكفي أن يشتهر الكاتب، أو يتقدم به العمر، أو يحصل على جائزة، أو يتولى منصبًا ثقافيًا، حتى يصبح في اليوم التالي «كاتبًا كبيرًا».
وهنا يبدأ الخلط بين الشهرة والقيمة، وبين الانتشار والإبداع، وبين المنصب والمكانة الأدبية.
في رأيي، ليس كل كاتب معروف كاتبًا كبيرًا، وليس كل شاعر مشهور شاعرًا كبيرًا.
الأدق أن نقول: الكاتب المعروف، الكاتب المشهور، الشاعر المعروف، الشاعر المتميز. أما كلمة «الكبير» فلا ينبغي أن تُمنح إلا لمن امتلك مشروعًا إبداعيًا غيّر شكل الكتابة، وأضاف إلى الفن، وترك أثرًا لا يمكن تجاوزه.
أما من يكتب أعمالًا جيدة، أو حتى ممتازة، فهذا يستحق التقدير، لكنه لا يصبح تلقائيًا «كبيرًا».
لدينا في الوطن العربي آلاف الدواوين والروايات والمجموعات القصصية الجيدة. كثير منها متقن البناء، جميل اللغة، صادق المشاعر، محبوب لدى القراء. لكن، إذا قرأناها بوعي، سنجد أن عددًا كبيرًا منها يشبه ما كتبه الآخرون، أو يشبه ما كتبه أصحابها أنفسهم في أعمال سابقة.
وهنا يبرز السؤال الذي يهرب منه النقد العربي:
هل الجودة وحدها تصنع الكبار؟
أم أن الكبير هو من يفتح طريقًا جديدًا، لا من يسير بإتقان في طريق شقه غيره؟
لقد تحول النقد في كثير من الأحيان إلى توزيع للألقاب، لا إلى مساءلة للمفاهيم. وأصبح بعض النقاد يكررون ما كتبه من سبقهم، دون مراجعة أو اختبار، حتى ورثنا قاموسًا كاملاً من الأوصاف الجاهزة.
أنا لا أدعو إلى هدم القامات الأدبية، ولا إلى إنكار فضل أحد، وإنما أدعو إلى احترام اللغة.
فإذا كانت كلمة «الكبير» تُطلق على الجميع، فمن يبقى كبيرًا حقًا؟
إن الألقاب حين تُمنح بلا معيار، تفقد معناها، وتظلم أصحاب المشاريع الحقيقية، كما تظلم القارئ الذي يبحث عن مقياس موضوعي للقيمة.
لذلك أقترح أن نعيد تعريف مصطلحاتنا الأدبية.
أن نفرق بين الكاتب المعروف، والكاتب الناجح، والكاتب المؤثر، والكاتب صاحب المشروع، والكاتب الكبير.
فليست كل شهرة دليلاً على العظمة، وليست كل جائزة شهادة بالخلود، وليست كثرة الكتب دليلًا على عمق التجربة.
الأدب ليس سباقًا في عدد الإصدارات، ولا في كثرة الصور المنشورة، ولا في التصفيق داخل الندوات.
الأدب أثر يبقى، ومشروع يتجاوز صاحبه، ولغة تضيف إلى اللغة، ورؤية تغيّر طريقة قراءتنا للعالم.
لذلك أطرح هذا السؤال على النقاد والكتاب والقراء:
هل آن الأوان لأن نراجع قاموسنا الأدبي، وأن نسترد للكلمات معناها، أم سنظل نوزع لقب «الكبير» حتى يصبح بلا قيمة؟
هذه ليست إجابة، بل بداية نقاش.
قضية للحوار.
السيد حافظ



12:38 م
sayedhafez

Posted in:
0 comments:
إرسال تعليق