سرد بلا حدود
الهجرة بقرض حسن... وحسن مات منذ زمن
بقلم: السيد حافظ
حينما فكرت لأول مرة في الهجرة إلى خارج مصر، كنت طالبًا في الصف الثاني الثانوي، وعضوًا في منظمة الشباب الاشتراكي. يومها طرحت سؤالًا بسيطًا في ظاهره، لكنه كان كبيرًا في نتائجه. سألت: كيف يفكر الكيان الصهيوني؟ ماذا يكتب؟ ما هي كتبه ورواياته؟ كيف يبدو شعره؟ وما هي السينما والأغاني التي يقدمها؟
لم يكن هدفي الإعجاب ولا التطبيع، وإنما المعرفة. كنت أؤمن أن معرفة الخصم جزء من فهم العالم. لكن السؤال فُهم على نحو آخر، فاعتبر البعض أنني قد «صبأت» أو أصبت بالجنون.
أقاموا لي جلسة تنظيمية، أو ما يشبه المحاكمة. جلس الموجهون السياسيون في خيمة، وجلست أمامهم وحدي، أتلقى الأسئلة والاستجوابات. وفي النهاية أوقفوا نشاطي السياسي في المنظمة لمدة ستة عشر شهرًا، وجُمِّدت عضويتي، بحجة أن أفكاري كانت خليطًا من الاشتراكية والرأسمالية، والأدب، والفلسفة الوجودية، والعبث، والمسرح.
منذ تلك اللحظة بدأت أفكر في الهجرة.
قدمت طلبات إلى عدد من السفارات بحثًا عن منحة لدراسة المسرح، لكنني لم أحصل إلا على استجابة أو اثنتين، ثم قيل لي إن أي منحة للطلاب المصريين لا بد أن تمر عبر وزارة التعليم العالي، فتوقفت المحاولة.
وبعد تخرجي في الكلية، عام 1976، قررت السفر إلى الكويت. لم أكن أملك ثمن التذكرة، وكانت قيمتها ذهابًا وإيابًا مائةً وعشرين جنيهًا. اقترضت مائة جنيه من السيدة الفاضلة «عطيات»، التي كنا جميعًا نناديها «خالتي عطيات»، رغم أنها ليست خالتي، وكانت تسكن في البيت المقابل لبيتنا، وهي زوجة عم المحبش. دبرت العشرين جنيهًا الباقية، وسافرت، وبعد خمسة أشهر فقط من عملي في الكويت سددت القرض كاملًا.
ثم جاءت محنة أخرى. عندما مرضت زوجتي، رحمها الله، في عامي 2005 و2006، وقيل لنا إن تكلفة زراعة الكبد قد تصل إلى نصف مليون جنيه، سافرت إلى الإمارات لأقابل الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي، سلطان المسرح والثقافة، أملًا في الحصول على منحة علاجية.
ولأنني لم أكن أملك ثمن السفر، اقترضت قيمة التذكرة من صديقي وجاري الأستاذ حاتم أكيد، الإنسان النبيل، الفارس خلقًا وثقافةً وأدبًا. وبعد أن عملت في دبي، سارعت إلى رد المبلغ إليه.
لكن في عام 2008 ضاقت بي الإمارات، وفُصلت من عملي فيما أراه مؤامرة حقيقية قادها اثنان من الزملاء، أحدهما مصري والآخر فلسطيني. عندها فكرت في الهجرة إلى قطر، واقترضت ثمن التذكرة من السيدة الفاضلة الأستاذة سعدية. وهذه هي المرة الوحيدة في حياتي التي لم أستطع فيها رد قيمة التذكرة، وما زلت أشعر تجاهها بالامتنان.
أما الصديق جمال سالم، فله عندي حكاية أخرى مع «القرض الحسن». فما من كتاب أردت طباعته إلا وكان أول من يمد يده إليّ، فأقترض منه تكاليف الطباعة، وكثيرًا ما أعجز عن السداد. ومع ذلك لم يحرجني يومًا، ولم يطالبني برد ما اقترضته، وكأنه كان يؤمن بأن الكتاب الذي يرى النور أهم من المال الذي يعود، وأن دعم الثقافة رسالة قبل أن يكون معاملة مالية.
ومن غرائب الحياة أنني، بعد عودتي من الكويت إلى الإسكندرية عام 1986، أصبحت أنا من يمنح «القرض الحسن». فقد اقترض مني أكثر من خمسة عشر أو ستة عشر فنانًا ومثقفًا من أبناء الإسكندرية. لم يرد واحد منهم ما اقترضه، ولم ألاحق أحدًا، ولم أطالب أحدًا بالسداد.
وذات يوم قلت لصديقي القاص الجميل محمد إبراهيم مبروك: «أنا سلفتك مرتين». فابتسم وقال: «أنت لم تسلفني... أنت دعمتني».
والعبارة نفسها قالتها لي إيمان الصيرفي: «أنت دعمتني».
عندها أدركت أن القرض الحسن ليس مجرد مال، بل هو موقف إنساني، وأن بعض الناس لا يتذكرون النقود، وإنما يتذكرون اليد التي امتدت إليهم وقت الضيق.
لهذا، كلما تذكرت خالتي عطيات، والأستاذ حاتم أكيد، والأستاذة سعدية، والصديق جمال سالم، أيقنت أن زمن «القرض الحسن» كان زمنًا آخر... زمنًا كان الناس فيه يقرضون المحبة قبل المال، والثقة قبل الضمانات.
أما اليوم... فأخشى أن أقول إن «حسن» قد مات منذ زمن.
تمت
القاهرة
السيد حافظ
رأى الذكاء الاصطناعي جروك
رأيي في النص أنه قطعة سردية شخصية صادقة ومؤثرة، تجمع بين السيرة الذاتية والتأمل الاجتماعي بأسلوب بسيط وواضح، بعيد عن التكلف.
نقاط القوة:
الصدق والحميمية: النص يروي تجارب شخصية حقيقية (من أيام منظمة الشباب الاشتراكي، إلى السفر للكويت والإمارات وقطر، مرورًا بمرض الزوجة) دون تجميل مبالغ فيه. هذا يجعل القارئ يشعر أنه يستمع إلى حديث صديق قريب لا إلى مقال منمق.
الفكرة المركزية قوية: فكرة «القرض الحسن» تتحول من مجرد مال إلى رمز إنساني أوسع (المحبة، الثقة، الدعم الثقافي). الجملة الختامية «حسن مات منذ زمن» ذكية وموجزة، تلخص التحول الاجتماعي بمرارة هادئة.
التوازن بين الأخذ والعطاء: الكاتب لا يكتفي بسرد ما أخذه، بل يذكر أيضًا أنه أصبح هو المُقرض، وأن معظم من اقترضوا منه لم يردوا. هذا يمنع النص من أن يبدو شكوى أو تمجيدًا للذات.
اللغة: سلسة، قريبة من الكلام اليومي، مع لمسات أدبية خفيفة تناسب موضوع «سرد بلا حدود». لا توجد استعارات ثقيلة أو جمل معقدة تعيق التدفق.
ملاحظات نقدية بسيطة:
النص يعتمد كثيرًا على التعداد (أسماء الأشخاص والمواقف). هذا يعطيه طابع الشهادة المباشرة، لكنه قد يجعل الإيقاع متشابهًا في بعض الفقرات.
الفكرة السياسية الأولى (السؤال عن الكيان الصهيوني وما تلاه من محاكمة تنظيمية) مهمة في تفسير بدايات التفكير في الهجرة، لكنها تبقى سريعة نسبيًا مقارنة بباقي السرد. كان يمكن أن تُعمَّق قليلًا لتظهر أكثر كيف شكلت وعيه.
النهاية قوية، لكنها تأتي بشكل مباشر. كان يمكن أن تُترك للقارئ مساحة أكبر للتأمل قبل الجملة الأخيرة.
الخلاصة:
النص ناجح في نقل شعور الحنين إلى زمن كانت فيه الثقة بين الناس أقوى من الأوراق والضمانات. وهو في الوقت نفسه شهادة على تجربة جيل من المثقفين المصريين الذين عاشوا بين الهجرة والثقافة والديون الطيبة. أسلوب السيد حافظ هنا قريب من أسلوبه المعروف في السرد الحر والمباشر، ويحقق الغرض الذي يوحي به العنوان: سرد بلا حدود، أي بلا حواجز بين الخاص والعام، وبين المال والموقف الإنساني.
نص يستحق القراءة، ويترك أثرًا هادئًا بعد انتهائه.
...
رأى الذكاء الاصطناعي الصيني
أرى أن النص يحمل عمقًا سرديًا يستحق التوقف، وأتفق مع معظم نقاط المراجعة التي قدمها الذكاء الاصطناعي، لكني أرغب في إضافة طبقة أخرى من القراءة ربما تغيب عن التحليل التقني.
ما يميز النص حقًا:
1. انزياح العتبة: يبدأ النص بـ"سؤال" عن العدو (الكيان الصهيوني)، وينتهي بـ"موت" رمزي (حسن). هذا الانتقال الذكي من السياسي/الأيديولوجي إلى الإنساني/الأخلاقي هو جوهر النص. العقوبة التي تعرض لها في منظمة الشباب لم تكن بسبب المال، بل بسبب الفضول المعرفي؛ لكن المفارقة أن أغلب محنه اللاحقة كانت بسبب المال. وكأن النص يخبرنا أن الأنظمة قد تسامحك إذا سألت عن العدو، لكن الزمن لا يسامحك إذا افتقرت إلى الثقة الاجتماعية.
2. المفارقة في "القرض الحسن": المصطلح مُستعار من الدين (القرض الحسن هو قرض بلا فائدة ولا إلحاح في السداد). حين يقول الكاتب إنه هو نفسه أقرض 15 أو 16 فنانًا ولم يُردّوا، فهو لا يشتكي، بل يمارس ذات الفعل الذي تلقاه. لكن اللافت أن الذين لم يسددوا له قالوا له: "أنت دعمتني"، بينما هو عندما اقترض قال: "سددت". هذا التباين يكشف عن تحول في مفهوم الدين ذاته: من التزام مالي صارم إلى دعم معنوي غير مشروط، ومن ثم إلى ثقافة الاستحقاق.
3. الاستثناء الوحيد: عبارته "وهذه هي المرة الوحيدة في حياتي التي لم أستطع فيها رد قيمة التذكرة" (في قصة السيدة سعدية) هي أكثر جملة مؤلمة في النص. لأنه في كل المرات السابقة كان يرد الدين بسرعة، وكأن عجزه عن الرد هنا ليس عجزًا ماديًا فحسب، بل كسر لـ"نموذجه" الأخلاقي الذي بنى عليه هويته.
فقط أختلف مع المراجعة السابقة في نقطة واحدة:
المراجعة قالت إن الجزء السياسي كان سريعًا، وكان يمكن تعميقه. لكني أرى أن إيجازه هو موطن قوته. فالمحاكمة التنظيمية تُذكر في أربعة أسطر فقط، وكأن الكاتب يقول: "تلك التفاصيل السياسية لم تكن جوهرية؛ لقد كانت مجرد شرارة". الجوهر الحقيقي الذي أراد الكتابة عنه هو التآكل البطيء للثقة الاجتماعية، الذي لا يحدث بقرار من حزب، بل يحدث بصمت حين يتحول "القرض الحسن" إلى مجرد عبارة قانونية، وحين تموت كلمة "حسن" في قاموسنا اليومي.
ختامًا: النص ليس مجرد سيرة ذاتية، بل هو أنثروبولوجيا صغيرة للطبقة الوسطى المثقفة في مصر. يرصد كيف كانت الهجرة الخارجية وما تلاها من اغتراب مادي هي القاتل الصامت للروابط الإنسانية التي كانت قائمة على "الوجه" قبل "التوقيع". النهاية المباشرة ("مات منذ زمن") لا تحتاج إلى تأويل؛ لأنها ببساطة رثاء لزمن لم يعد ممكنًا، وهذا الرثاء هو ما يجعل النص يؤلمك بعد الانتهاء منه، لا مجرد أن يترك أثرًا هادئًا.



10:56 ص
sayedhafez

Posted in:
0 comments:
إرسال تعليق