وقفات
اعترافات الكاتب السيد حافظ
مع الأصدقاء والتاريخ والذكاء الاصطناعي
4
كُتب منذ أربعين عامًا
أستيقظ كل صباح فأجد الوطن يقف صفَّين، أسير بينهما:
عن يميني الخونة،
وعن يساري الكذّابون،
وعلى الأرض دمُ الصديقين والشهداء والمبدعين المخلصين.
وطنٌ لا يستحي من تاريخه المزوَّر، ويمجِّد جلاديه، ويحب العبودية ويظنها حرية.
بعد عشرين عامًا، أو أقل أو أكثر، سيأتي عبد الناصر جديد؛ يؤمِّم كل القطاع الخاص، صناعيًّا وزراعيًّا وعقاريًّا ومؤسسات، ويضرب على يد الرأسمالية بيدٍ من حديد. تصبح المستشفيات والمدارس والجامعات بالمجان، والمواصلات بجنيه، والطعام بقروش، والسكن لا يتجاوز المائة جنيه، ويُهزم الجشع.
حينها سنكون نحن تحت التراب، لكننا سنسمع الزغاريد وأغاني الأطفال وهم يرتدون ملابس العيد الجديدة بالمجان.
وقفة ثقافية
السياسة الكويتية – «سنبلة»
جسر الثقافة العربية يحتاج إلى التطهير
20 / 6 / 1983
بقلم: السيد حافظ
المسافة بيني وبين الحزن قريبة، والمسافة بيني وبين الفرح لا تبتعد كثيرًا.
مدنٌ تنهشها الكلاب، ومدنٌ يحكمها العميان، ونساءٌ بلا رجال في الأسرة.
أقفز من شباك المنفى إلى شاطئ العفونة. تطاردني الذئاب، ويثرثر الطواش خلفي. هكذا المدن العربية:
نساء هزمن رجالهن، ورجال هُزموا في المعارك السياسية والفكرية؛ ولذلك تجدنا أكثر الشعوب حديثًا عن الجنس، وعن الفروسية الغائبة، والذكورة المفقودة. والمرأة العربية، بالطبع، مظلومة.
يا عيني على الزمن… يا هذه المدن… هذا جواد الحوار، فاركبيه؛ لأن المدن التي تفقد حرمة الإنصات وقدسية الاستماع تفقد قدرة التعليم والتبصُّر والإدراك.
في غياب الحوار، وانتشار العنجهية الفكرية، والطلاسم الأدبية، وتضخم الذات بعيدًا عن التفاعل الحقيقي مع الآخرين، تتحول ثقافة الفرد إلى:
أدب مريض،
أو أدب تافه،
أو أدب مجاملات،
أو أدب مزيف لأدبٍ ما غائب.
كل الأمور الثقافية تحتاج إلى مواجهة، خاصة في أمور التغيير الإداري. فإذا كان الواقع مهترئًا، وجب مواجهته. بعض اللجان الفكرية والثقافية في الوطن العربي تحتاج إلى «مبيد تطهير»؛ لأن الذين يعيشون داخلها، أو يحضرونها، حشرات ثقافية، وفيروس في جسد الوعي العربي يعمل على تخلف هذا الواقع.
وسبب تردي الوضع الثقافي ليس الاستعمار وحده. قبل أن نكافح الاستعمار الثقافي، علينا أن نحارب هؤلاء؛ لا بسبِّهم أو شتمهم، ولكن بإجلاسهم في بيوتهم، وصرف مرتباتهم شاكرين لهم حسن تخلفهم.
ذات يوم سألني الدكتور محمد زكي عشماوي، وكان عضوًا في مجلس المسرح الأعلى بمدينة الإسكندرية:
— لماذا تصمت في الاجتماعات؟
قلت له:
— الكل يتحدث ولا ينصت للآخر، مع أن الموجودين معظمهم حملة شهادة الدكتوراه.
قال:
— إنهم موظفون.
قلت:
— لست مسؤولًا عن تغيير الكون أو اللجنة، فأنا أحب الاستماع؛ لعلني أدرك سر تخلف الوضع الثقافي العربي.
محطات
في جريدة «السياسة»
11 / 10 / 1983
وقفة ثقافية
«سنبلة»
وسقطت أصنام الفكر
بقلم: السيد حافظ
الكتابة على حروف النار، كي تحمل الشعلة المقدسة وتتقدم نحو الظلام فتضيء.
من السهل أن تُجري مقابلة صحفية مع أديب مشهور، ومن السهل جدًا أن ترحب بك أي صحيفة لنشر هذا الموضوع ودفع أي مبلغ تريده؛ لأن نجوم الأدب لهم مكانتهم المضيئة في الساحة، حتى وإن أفلسوا فنيًا وفكريًا. ونحن من هواة عبادة الأصنام الفكرية.
أتذكر أنه منذ سبع سنوات قررت أن أقدم الجيل القادم، الجيل الرائع من المثقفين والشعراء والأدباء الشبان. ذهبت إليهم تجمعني بهم رابطة المعاناة والرؤية والحلم.
عندما أخبرتهم برغبتي في إجراء حوار معهم قالوا لي:
— وهل سينشر؟
— وكيف ستنشره؟
— وهل سيوافق مدير التحرير؟
تحملت هذا الموقف كاملًا، وأجريت أول حديث صحفي للشاعر محمد الأسعد، ونشرته في خمس صفحات في مجلة ثقافية بمصر. ثم قدمت أول حديث للناقد السينمائي الفاروق عبد العزيز، ثم القصاص تيسير نظمي، والشاعر ماجد الشيخ، والناقد نوح حزين، والروائي إبراهيم عبد المجيد، والناقد شفيق العمروسي، والروائي براء الخطيب، وأول حديث في حياة الشاعر محمد يوسف زميل العمر، والقاص المثقف فؤاد حجازي.
واجهت عاصفة من المسؤولين في الصحف، وحملة ضارية، حتى إن أحدهم قال لي:
— كم دفعوا لك؟
فقلت:
— لقد دفعوا للأمة العربية وعيهم. إنهم جيلي، وهم دمي ولحمي، وهم مستقبلي. هم معي في خندقي ومعاناتي، وعاشوا مأساة أمتنا.
إنني فخور بأنني أجريت معهم أول أحاديث لهم في حياتهم، وسعيد أنني تحملت الكلمات القاسية.
والتاريخ سيقول عنا إننا جيل لم يطعن بعضه، ولم يبع بعضه، ولم يلهث وراء الأصنام الفكرية، ولم يأكل لحم بعضه، ولم يطعن بعضه في الظهور؛ لأننا أبناء قهر واحد.
خاتمة بعد أربعين عامًا
ما تغيّر أن الوجوه تبدّلت…
وما لم يتغيّر أن المعركة ما زالت بين وعيٍ يُضيء، وقطيعٍ يصفّق في الظلام.
........



12:59 م
sayedhafez






Posted in:
0 comments:
إرسال تعليق