الجمعة، 13 فبراير 2026

عاصفة الحنين اعترافات الكاتب السيد حافظ مع الأصدقاء والتاريخ والذكاء الاصطناعي 5

 عاصفة الحنين 

اعترافات الكاتب السيد حافظ مع الأصدقاء والتاريخ والذكاء الاصطناعي

5







عاصفة الحنين

اليومَ القاهرةُ تُعصفُ ترابًا كثيفًا،

كأنَّ الخريفَ تعانقَ الشتاءَ في عناقٍ محموم،

ليُذكِّرني — بلا رحمة — أنَّ الربيعَ قد غادرَ إلى غيرِ رجعة،

وأنني صرتُ رجلًا خريفيًّا، يتساقطُ منه الورقُ كل لحظة قبلَ أن ينبتَ.

حين أرحلُ — وأنا أقتربُ من الثمانين — سأسألُ اللهَ سؤالًا لا يُجابُ إلا بالصمت:

ماذا فعلتُ حقًّا بما أُعطيتُ من عمرٍ وكلماتٍ وأحلام؟

لم آكلْ مكرونةً في مطعمٍ بروما،

ولم أشترِ زجاجةَ عطرٍ من باريس،

ولم أستيقظْ في نيويورك على شمسٍ نادرةٍ تتسلّلُ من بين ناطحاتِ السحاب،

ولا شاهدتُ مسرحياتي تُعرضُ على خشبةِ برودواي،

حيثُ يصفقُ الجمهورُ للكلماتِ التي كتبتُها في ليالي العجوزة وشارع فيصل الطويلة.

لم تعدْ هناك قضيةٌ كبرى نُدافعُ عنها بلهيبِ الشباب:

لا القومية العربية،

ولا الناصرية،

ولا الاشتراكية.

كلُّها تلاشتْ كدخانٍ في عاصفةِ الزمن.

أين أتجولُ الآن،

وقد سرقوا مني كورنيش الإسكندرية؟

أصبح يحتاجُ تذكرةَ دخول،

وتذكرةً للكرسي،

وتذكرةً للشمسية،

وربما تذكرةً للهواءِ البحريِّ نفسه،

الذي كان يُداعبُ وجهي دون إذن.

اختفى الأصدقاءُ بين موتٍ وعجزٍ ومرض،

كأنَّ الزمنَ يجمعُهم في قائمةِ الغيابِ واحدًا تلو الآخر.

قال الأطباءُ إنني في خطر،

فضحكتُ في سرِّي: أيُّ خطرٍ أعظمُ من أن يتجاهلكَ الزمنُ؟ والوطن مثقوب الذاكرة واحتله التافهون

أبعدني العمر عن النساءُ الجميلاتُ،

ينادينني الآن: «يا جدي».

وحين أغضبُ فى سرى ، تُجيبني عصايَ — التي أتوكأُ عليها — بهمسٍ قاطع:

نعم… أنت جدُّهنَّ حقًّا.

وفي المساءِ، أهرعُ إلى الحمامِ مهرولًا،

لأُفرغَ قلقَ المثانةِ الذي لا يهدأ.

البروستاتا في حالةِ احتجاجٍ دائم،

كأنها تُذكِّرني أن الجسدَ أيضًا يتقاعدُ عن التمرُّد.

حسنًا…

مررتُ بأشياءَ كثيرة.

شهدتُ أيامًا فرحةً تُشبهُ الانتصارات،

وأيامًا كئيبةً تُشبهُ الهزائم.

عذرًا لمن أحببتُهنَّ ثم تركتُهنَّ،

وعذرًا لرجالٍ سرقتُ زوجاتِهم.

لم تكن بطولةً،

بل وقاحةً صريحة،

وكانت ضعفًا مني، لا مجدًا يُفتخرُ به.

أخباري ليست جيدة.

جسدى ينهار ببطىء

خيبةُ أملٍ عميقةٌ في الكتابةِ للمسرح،

وللرواية،

وللقصة،

وللتلفزيون.

أبعدتني الشللُ — أحيانًا —

لأننى اكشفَ زيفَ الادعاء،

وأبقى على جوهرِ الإبداعِ نقيًّا،

بعيدًا عن الزيفِ والرياء.

بعتُ سيارتي التي ركبها نجومٌ عظام،

واركب التاكسي او الباص

وباعوا مقهى الحطيبي في الزمالك،

و«أمون»،

و«شهرزاد».

في العجوزةِ كلُّ شيءٍ قديم وقدير ر بالبيع،

حتى الذكرياتُ تُباعُ بثمنٍ بخس.

ومات عظماء:

صلاح عيسى،

ويحيى العلمي،

وعلي شلش،

محفوظ عبد الرحمن 

ويحيى حقي،

ود. أحمد هيكل،

وجدى الحكيم

محمود السعدنى

د احمد هيكل

وكثيروووووون كثيرون…

تركوا فراغًا فى الوطن لا يملؤهُ إلا الصمت.

أصلي وأنا جالسٌ على مقعد،

وأحلمُ أن أشتري مليونَ بالون،

أطلقها في مساءِ ليلةِ عيد،

وأوزعُ المثلجاتِ على الأطفال —

كلِّ أطفالِ الفقراء —

وأمنحهم الأمنياتِ مع أحفادي.

إن لم أستطعْ أن أغيِّرَ العالم،

فليكن لي شرفُ أن ألوِّنَ سماءَهُ ليلةً واحدة،

بألوانِ الطفولةِ التي لم تُسرقْ بعد.

السيد حافظ

.........


0 comments:

إرسال تعليق

 
Design by Free WordPress Themes | Bloggerized by Lasantha - Premium Blogger Themes | cheap international voip calls ta3rib : Abed