كل من عليها خان
مقالات
٣
بقلم: السيد حافظ
لم أتخيل يومًا من الأيام أنني سأفاجأ بهذه الصورة البشعة.
لقد كرمني الله أثناء وجودي في الكويت في الثمانينيات بنجاح باهر في مسرحية «سندريلا». فتح هذا النجاح أمامي أبوابًا كثيرة، وعُرض عليّ بعدها أن أقدم مسرحية جديدة، فطلبت من عبد الرحمن عقل أن يقدّم مسرحية ذات تكلفة عالية، وكانت «الشاطر حسن».
وعرضت عليه أن يقوم بإخراجها أحمد عبد الحليم.
كان أحمد عبد الحليم نجمًا معروفًا في القاهرة؛ فهو بطل فيلم «يوميات نائب في الأرياف» الذي أخرجه توفيق صالح، وشاركته فيه زوجته الفنانة عايدة عبد العزيز، كما كان من رجال المسرح المصري البارزين.
كان أحمد عبد الحليم شخصية لطيفة جدًا، محترمة جدًا، مهذبة جدًا، راقية جدًا.
فقلت له: أريدك أن تخرج المسرحية.
فقال لي:
ـ أنت هتاخد كام وأنا هاخد كام؟
وكان هذا هو الشرط الأساسي، وليس جودة النص.
وأنا أعلم أن تسعين في المائة من الفنانين — خلينا نقول تسعين في المائة — لا يهمهم في البداية جودة النص بقدر ما يهمهم كم ستدفع.
وهذا هو الحال يا عبد العال في كل زمان ومكان في بلادنا.
الفن يُقاس بالأجر.
اتفقت معه على أن يأخذ ألفين وخمسمائة دينار عن العمل، وأنا أحصل على ألفين.
وتحدثت مع الفنان الكويتي الشهير، الكوميديان الرائع محمد جابر، المعروف بشخصية العيدروس، وكان من أبطال مسلسل «مبارك» مع زينب الضاحي، وكان شريكًا لعبد الرحمن عقل.
واتفقنا.
وقدّم أول عمل لي معه، وهو «الشاطر حسن»، فكان نجاحه في الساحة الفنية الكويتية أكبر من نجاح «سندريلا».
وبدأت الأعمال.
وقدّمت بعد ذلك مع مخرجين كويتيين، منهم دخيل الدخيل، والدكتور حسين مسلم، وغيرهما.
ثم عُرض عليّ أن أقدّم مسرحية «سندس» للمنتجة والمثقفة والشاعرة والأديبة أمل عبد الله، تلك المرأة الأسطورة.
وطلبت مني أن يكون أحمد عبد الحليم معي.
فذهبت إليه.
فقال لي:
ـ أنا لا أستطيع أن أخرج مسرحيتين في وقت واحد، لكن أنت كمؤلف من الممكن أن يكون لك مسرحيتان في وقت واحد.
بدأت أفكر.
وفكرت في محمود الألفي.
كان محمود رجلًا ظريفًا، لطيفًا، بشوشًا جدًا، راقيًا، مهذبًا، ومن عائلة الألفي المعروفة، وهي عائلة فنية محترمة، منها فؤاد الألفي ونبيل الألفي المخرج والمنتج، وغيرهم.
وكان محمود متزوجًا من سيدة عظيمة، وله ابنتان جميلتان، وكان يسكن في فندق الرحاب بشارع تونس.
قلت له:
ـ ستأخذ مبلغًا قليلًا لأن اسمك غير معروف.
وقلت للسيدة أمل عبد الله:
ـ سآتيك بمحمود الألفي.
قالت:
ـ لا أعرفه.
قلت:
ـ ستعرفينه.
وأخذت أحاول أن أقنعها مرة واثنتين وثلاثًا.
ثم فكرت في حيلة.
قلت لمحمود الألفي:
ـ عليك أن تدعوها إلى الغداء في بيتك، وأنا سأكون معها، ويكون معنا بعض الفنانين.
فقال:
ـ هل سيكفيها هذا؟
فاتفقنا.
اتصل بها، وعرّفها بنفسه بالتليفون كما وصفتها له، ودعاها.
وأنا ذهبت إلى مطعم زارة المدائن في شارع تونس، بجوار العمارة أو البرج الذي كان يسكن فيه محمود الألفي.
دفعت ثمن خروف محشي، وكان ثمنه ثلاثين دينارًا.
ثلاثون دينارًا كاملة.
خروف محشي بالأرز والمكسرات.
وأخذته إلى شقة محمود الألفي، على أساس أن محمود الألفي هو الذي أقام الوليمة.
وكانت في استقبالنا زوجته السيدة نعمة الشامي، شقيقة الفنان الشامي المعروف، وكانت سيدة أكثر من رائعة؛ لطيفة، حبّابة، محترمة، وأقامت علاقة طيبة مع زوجتي.
وهكذا تعرّفت السيدة أمل عبد الله إلى محمود الألفي.
وبدأ المشوار.
قدّم محمود الألفي معي مسرحيتين: «سندس» و«أولاد جحا».
وكان أجره في البداية أقل مني بخمسمائة دينار، وكان يحصل على ألف دينار.
وظل يتودّد ويلحّ ويطلب الزيادة.
وأخذت أنا ألحّ على السيدة أمل عبد الله حتى وافقت وزادت أجره، رغم أنها لم تحقق أرباحًا جيدة من المسرحيتين، وربما خسرت في إحداهما.
وكانت المسرحية التي تتناول القضية الفلسطينية هي «سندس».
وأعتقد أن سبب الخسارة أن الفلسطينيين أنفسهم لم يذهبوا لمشاهدة المسرحية، مع أنها كانت تتحدث عن مأساة فلسطين وقضية فلسطين.
وهذه المسرحية تحديدًا من أكثر مسرحياتي التي تُقدَّم في مصر حتى الآن؛ فقد قدّمتها آلاف المدارس، وتناوب على تقديمها مخرجون كثيرون.
أما أحمد عبد الحليم فقد قدّم لي، على ما أذكر، ست مسرحيات، منها «الساحر حمدان» و«الشاطر حسن» و«علي بابا» وغيرها، وبعضها موجود على الإنترنت.
ثم جاء المخرج المصري محمد سالم، مدير الصالون الثقافي في دار الأوبرا، وقدّم لي مسرحية «أبو زيد الهلالي» أو «فرسان بني هلال».
وهكذا كان الثلاثة المصريون: محمد سالم، ومحمود الألفي، وأحمد عبد الحليم.
ثلاثة مخرجين قدّموا أعمالي في الكويت.
ثلاثة رجال فتحت لهم أبوابًا، وأعطيتهم نصوصًا، ووفّرت لهم فرصًا لم يكونوا يحلمون بها.
ثم عدت إلى مصر عام 1986 واستقررت فيها.
وعاد الثلاثة بعد ذلك بسنوات قليلة.
عاد أحمد عبد الحليم إلى مصر، وأصبح مديرًا للمسرح القومي.
ذهبت إليه.
وقلت له:
ـ أريد أن تقدّم لي مسرحية على خشبة المسرح القومي.
فقال:
ـ حوّلت النص إلى لجنة، واللجنة وافقت عليه.
قلت له:
ـ خلاص، نعمل مسرحية صغيرة، فصلًا واحدًا، بطولة شخصيتين، في مسرح الحجرة أو مسرح الغرفة، في قاعة عبد الرحيم الزرقاني.
فجاءني بوجه كبير في السن ومريض وقتها، وقال لي:
ـ الأستاذ فلان رفض المسرحية.
ولا أذكر اسم الرجل والله.
فضحكت.
ضحكت لأنني تذكرت الكويت.
تذكرت الرجل الذي أخرج لي أولى مسرحياتي هناك.
تذكرت الرجل الذي حصل مني في الكويت على أعلى أجر ربما لم يكن قد حصل عليه في حياته.
وهذا كان رد الجميل من أحمد عبد الحليم.
أما محمود الألفي، فكانت لي معه حكاية أخرى.
عندما قدّم لي مسرحية في مسرح الشباب، بطولة عثمان محمد علي وسمير حسني، وكانت المسرحية «إشاعة»، كتب لي قبل افتتاح المسرحية بيوم عقد تأليف بمبلغ خمسمائة جنيه.
خمسمائة جنيه!
وكان هذا مبلغًا كبيرًا في ذلك الوقت، ولا يحصل عليه أي عامل في المسرح تقريبًا.
فقلت له:
ـ أنت كاتب 500؟
ثم قلت:
ـ أنت ناقص صفر يا محمود... تقصد خمسة آلاف!
فغضب واحمرّ وجهه، وضرب بيده على المكتب وقال:
ـ أنت مش في الكويت. أنت مش الأول هنا زي هناك. هنا لوائح وقوانين. أنا الذي أقول.
صُدمت.
لم أرد عليه.
ذهبت إلى مجدي، مدير الحسابات أو مدير الشؤون المالية في المسرح، وقلت له:
ـ أنا مضيت يا مجدي، ودي ورقة مني بالتنازل عن المبلغ لعمال المسرح. شكرًا.
ولم أحاسبه.
ولم أعاتبه.
ولم أرد عليه بكلمة.
لكنني تذكرت أيضًا حسين مسلم، المخرج الذي أخرج لي مسرحية «بيبي والعنكبوت»، وكانت أول مرة يخرج فيها لمسرح الطفل.
وتوسّلت إلى إبراهيم الصلال وأحمد الصالح وأحمد العساني حتى يوافقوا على أن يخرج حسين مسلم المسرحية («بيبي والعجوز»).
ثم تولّى د. حسين مسلم إدارة المهرجانات، وأصبح مديرًا للمهرجانات، وأصبح عميدًا للمعهد، وأصبح اسمًا معروفًا.
ولم يفكّر في دعوتي أو تكريمي.
لكن عندما أصبح في موقع السلطة، لم يدعني مرة.
ولم يذكرني حتى في خدمته له لدخوله عالم الإخراج.
لم يردّ الجميل.
أشياء غريبة تحدث لي في هذا العالم الجميل.
إنها الدنيا.
الذين قدّمت لهم فرصًا لم يكونوا يحلمون بها، وفتحت لهم أبوابًا، وكتبت عنهم مقالات لم تُكتب في حياتهم، أصبح كل رصيدهم الحقيقي هو تلك المقالات التي كتبت عنهم. دخلوا المسرح الكويتي من خلال مسرحياتي التي قدّموها على مسارح الكويت.
أنا الذي كتبت.
أنا الذي قدّمت.
أنا الذي دفعت.
أنا الذي فتحت الأبواب.
كله أصبح في ذاكرة النسيان.
ثم عندما عدنا نهائيًا إلى القاهرة، تغيّرت الوجوه، وتغيّرت الذاكرة، وتغيّرت الحسابات.
الصديق في الكويت قد يصبح عدوًا في القاهرة.
ليس لأنني تغيّرت.
بل لأن المكان تغيّر.
ولأن السلطة تغيّرت.
ولأن الإنسان، عندما يصل إلى موقع القوة، قد ينسى اليد التي أخذت بيده يوم كان يحتاج إليها.
وأنا ظللت كما أنا: كاتب حر بلا منصب حكومي.
ومع ذلك، لا أندم.
لأنني كنت أؤمن دائمًا أن الفن أكبر من الأشخاص.
وأن المسرح لا يعيش بالجميل والرد عليه.
وأن الكاتب الحقيقي يعطي لأنه يريد أن يرى نصه حيًا على الخشبة.
لكنني في النهاية إنسان.
ومن حق الإنسان أن يتساءل:
كيف يمكن لمن صنعت له طريقًا أن يتصرّف معك بعد ذلك كأنك لم تكن؟
كيف يمكن لمن حملت اسمه إلى الناس أن يتعامل مع اسمك كأنه لا يعرفه؟
كيف يمكن لمن فتحت له بابًا أن يغلق الباب في وجهك عندما يصبح هو صاحب المفتاح؟
إنها أسئلة لا أملك لها إجابة.
وربما لهذا كتبت.
لأن الكتابة هي الشيء الوحيد الذي لم أستطع أن أتنازل عنه.
أما الباقي...
فقد تنازلت عنه كثيرًا.
تنازلت عن المال.
وتنازلت عن الغضب.
وتنازلت عن العتاب.
بل تنازلت أحيانًا عن حقي.
لكنني لم أتنازل عن ذاكرتي.
ولهذا أكتب الآن.
لا لأنتقم.
ولا لأشتم أحدًا.
ولكن لكي أقول ما حدث كما حدث، قبل أن تموت الذاكرة، وقبل أن يُعاد كتابة التاريخ على مقاس الأقوياء.
هذه حكايتي مع أحمد عبد الحليم، ومحمود الألفي، ومحمد سالم، ومع آخرين كثيرين.
محمد سالم الذي أقام عشرات الندوات في الأوبرا ولم يدعني لمناقشة تجربتي. وعندما عاتبته كاد يُصاب بأزمة قلبية فتركته ومشيت.
أناس أعطيتهم من قلبي، ومن وقتي، ومن اسمي، ومن كتابتي.
وحين عدنا إلى القاهرة اكتشفت أن الصداقة أحيانًا تكون مرتبطة بالمكان، وأن الجميل عند بعض الناس يعيش فقط ما دام صاحبه قادرًا على العطاء.
ثم ينتهي الجميل عندما ينتهي العطاء.
إنها الدنيا.
كل من عليها خان.
السيد حافظ
رأى الذكاء الاصطناعي جروك في النص
رأيي في النص
النص قويّ وصادق، وفيه نبرة إنسانية واضحة لا تتظاهر بالبطولة ولا بالانكسار المبالغ فيه. هذا أهم ما فيه.
نقاط القوة
الصدق والجرأة
الكاتب لا يجمّل ولا يختلق. يذكر الأسماء، المبالغ، التفاصيل الصغيرة (الخروف المحشي بثلاثين دينارًا، العقد بـ500 جنيه، جملة «أنت مش في الكويت»). هذه التفاصيل تمنح الحكاية ثقلًا واقعيًا يصعب نسيانه.
البنية الزمنية الذكية
الانتقال من الكويت (زمن العطاء والفرص) إلى القاهرة (زمن السلطة والنسيان) مرسوم بوضوح. القارئ يشعر بالتحول تدريجيًا، ثم يصطدم به في المشاهد الأخيرة.
الخاتمة
الفقرة الأخيرة («كل من عليها خان») ليست مجرد شعار. هي نتيجة طبيعية لكل ما سبق. السؤال الثلاثي («كيف يمكن لمن صنعت له طريقًا…») ناجح جدًا، لأنه يحول الغضب الشخصي إلى سؤال إنساني عام.
الصوت الشخصي
رغم أن النص أصبح أكثر أدبية بعد التنقيح، إلا أنه لم يفقد نبرة السيد حافظ: المباشرة، السخرية الخفيفة أحيانًا، والمرارة الهادئة. هذا التوازن نادر.
ما يمكن تطويره أكثر (دون المساس بالأحداث)
بعض المقاطع التأملية في النصف الثاني تتكرر في المعنى أكثر من اللازم. يمكن ضغطها قليلًا حتى تبقى الضربة أقوى.
مشهد محمد سالم (الأزمة القلبية) جاء متأخرًا ومقتضبًا. لو أُعطي مساحة أكبر قليلًا لصار أحد أقوى المشاهد في النص.
عبارة «أشياء غريبة تحدث لي في هذا العالم الجميل» جميلة، لكن يمكن أن تُستبدل بجملة أكثر خصوصية تناسب نبرة الكاتب.
التقييم العام
النص ليس مجرد «شكوى» من أصدقاء خانوا. هو شهادة على كيفية عمل السلطة في الوسط الثقافي المصري، وكيف يتحول الجميل إلى دين منسي عندما يتغير ميزان القوى.
وهذا يجعله أعمق من مجرد حكاية شخصية.
لو نُشر كما هو الآن، سيجد صداه عند كثير من الكتّاب والفنانين الذين مروا بتجارب مشابهة. لأنه مكتوب من داخل الجرح، لا من خارجه.
باختصار: نص ناضج، صادق، ومؤثر. يستحق أن يُقرأ ويُحفظ.



3:03 م
sayedhafez

Posted in:
0 comments:
إرسال تعليق