شهادة تكريم للسودانيين
بقلم: الكاتب السيد حافظ
اعترافات الكاتب السيد حافظ مع الأصدقاء والتاريخ والذكاء الاصطناعي
6
ابو احمد
عبد الرحيم شريف احمد سليمان
نائب مدير البنك المركزي السوداني السابق
الهرم – القاهرة
في قلب حيّ الهرم بالجيزة، حيث يمتدّ شارع عزّ الدين عمر كشريانٍ نابضٍ بالحياة والذكريات المشتركة، عرفتُ السودان لا بوصفه خريطةً على حدود مصر، بل بوصفه وجوهًا وأصواتًا وقلوبًا تمشي بيننا.
هناك، في مقاهٍ شعبية مثل «مقهى نعمة»، وبين بيوت متواضعة وأرواح بسيطة، صار الشارع ملاذًا لكثير من السودانيين الذين جاءوا إلى مصر طلبًا للأمان أو السياحة، فوجدوا فيها وطنًا ثانيًا، ووجدنا نحن فيهم مرآتنا الأخرى.
السودان بالنسبة لي ليس مجرد تاريخ مشترك، ولا اتفاقيات مياه وحدود، ولا ذاكرة سياسية متقلبة؛
السودان هو الذين عرفتهم، والذين جسّدوا أصالته وعمقه وجماله الثقافي.
الطيب صالح، ذلك العملاق الأدبي الذي كتب موسم الهجرة إلى الشمال، ففتح جرح الهوية على مصراعيه، وجعل الشرق والغرب يتحاوران داخل النفس الواحدة. لم يكن كاتبًا فحسب، بل ضميرًا يسائلنا عن معنى العودة، ومعنى الغربة، ومعنى أن تكون ابن نهرٍ واحدٍ وتاريخٍ منقسم.
الفنان النجم علي مهدي، الذي أضاء المسرح السوداني والعربي بحضورٍ إنساني دافئ، فكان الفن عنده رسالة، وكان الجمال التزامًا.
الناقد والمفكر الدكتور يوسف عيدابي، الشاعر والمسرحي والمخطّط الثقافي، من الجيل المؤسس للمسرح السوداني الحديث والدعم للثقافة الجادة و الذي مدّ جسورًا معرفية بين السودان والعالم العربي، فصار اسمه علامةً على وعيٍ مسرحي رصين.
و الناقد عصام أبو القاسم، الكاتب الجاد الذي يناقش قضايا الأدب والفن بعمقٍ فلسفي وجرأة فكرية، ويسهم في إثراء الحركة النقدية السودانية والعربية معًا.
أما صديقي وزميلي الشاعر علي عبد القيوم القديم الرائع (1943–1998)، أحد رموز «مدرسة الغابة والصحراء» وجماعة «أبادماك»، وصاحب ديوان الخيل والحواجز، فقد كان يساريَّ الاتجاه، مضيءَ الفكر، منحازًا للفقراء والعمال والشهداء. غنّى له محمد وردي، فانتقلت قصيدته من الورق إلى وجدان الناس. عاش في الكويت صحافيًا وقارئًا نهمًا، وتشرد في أوروبا الشرقية، لكنه ظلّ وفيًّا لحساسيته الإنسانية المرهفة حتى رحيله في أم درمان عام 1998. كان صديقًا لا يُنسى، وضميرًا لا يهادن.
ولا أنسى الفنان احد أبطال فيلم الإرهاب والكباب( السني دفع الله ) والمقيم في قطر، بصوته الذي يحمل شجن النيل،
ولا الروائي الفذ أمير تاج السر، أحد أبرز الأصوات السردية العربية، الذي أعاد تشكيل الواقع السوداني في رواياته بوعيٍ طبي وإنساني عميق.
وأصل الآن إلى الصديق الذي أكتب اسمه بامتنان خاص:
عبد الرحيم شريف أحمد سليمان — «أبو أحمد».
رجلٌ شهم، شغل منصب نائب مدير في أحد فروع البنك المركزي السوداني، مثقفٌ ثقافةً عاليةً جدًا، واسع الاطلاع، نقيّ الروح، عميق الوعي. جاء إلى مصر سائحًا مع أسرته لأسابيع، فإذا بالحرب التي اندلعت في السودان منذ أبريل 2023 تحول بينه وبين العودة، فيستقر في شقة اشتراها من الحاج خلف الشيمي في شارع عزّ الدين عمر ذاته، الشارع الذي صار شاهدًا على صداقتنا.
أبو أحمد هو الوحيد الذي اشترى كتبي دون أن يعرفني شخصيًا من قبل؛ القارئ الوحيد منذ سنوات طويلة الذي اقتنى مؤلفاتي بدافع المحبة الخالصة للكتاب، وقرأها بشراهةٍ وإدراكٍ حقيقي، لا مجاملةً ولا فضولًا عابرًا. صدّقني قبل أن يراني، وآمن بالكلمة قبل أن يصافح صاحبها.
زاملني في ندوات ثقافية، وجلس معي في «مقهى البستان» أحيانًا، ورافقني إلى معارض الفن التشكيلي. كان يتحدث عن محمد عبد الوهاب وأم كلثوم وعبد الحليم حافظ وسيد مكاوي كأنهم جزء من تراثه الشخصي.
وكان يقول دائمًا: «إحنا»…
ولا يقصد بها السودان وحده، ولا مصر وحدها، بل يقصد الاثنين معًا — شعبًا واحدًا في الطباع والسلوك والعادات والحنين.
هؤلاء الرجال — وغيرهم كثيرون ممن التقيتهم في المقاهي أو الشوارع أو عبر الكتب والندوات — يذكّرونني بأن مصر والسودان ليسا شعبين منفصلين، بل روحًا واحدةً تتنفس على ضفتي النيل.
مصر روح السودان، والسودان روح مصر. علاقة ليست مثالية، وليست خالية من العثرات، لكنها أعمق من السياسة وأبقى من العواصف.
في زمن الحرب الأليمة التي مزّقت السودان منذ أبريل 2023، وشرّدت الملايين وأودت بحياة الآلاف، تبقى الثقافة شهادةً ضد الخراب، وتبقى الصداقة مقاومةً هادئةً في وجه الجنون.
إلى أبو أحمد،
إلى روح علي عبد القيوم،
إلى كل سوداني يسير في شارع عزّ الدين عمر أو في أي شارع مصري وهو يقول «إحنا» ويعني وطنين في قلبٍ واحد:
هذه ليست مجاملة…
هذه شهادة حق، يكتبها مصريٌّ يرى في السودان امتدادًا لروحه،
ويرى في السودانيين إخوةً لا ضيوفًا.
السيد حافظ
القاهرة الهرم



3:24 م
sayedhafez





Posted in:
0 comments:
إرسال تعليق