الأحد، 5 يوليو 2026

رجاء النقاش... وسرُّ مهنة الصحافة.. سرد بلا حدود

 سرد بلا حدود

رجاء النقاش... وسرُّ مهنة الصحافة

بقلم: السيد حافظ



هناك كتب نقرأها ثم نطوي صفحاتها، وهناك كتب تتحول إلى جزء من تكويننا الفكري والوجداني، تظل كلماتها تسير معنا سنوات طويلة، وربما ترسم لنا طريقًا كاملًا دون أن نشعر. ومن هذه الكتب، بالنسبة إليَّ، كتاب «في أضواء المسرح» للناقد والصحفي الكبير رجاء النقاش.

صدر الكتاب عام 1965 عن دار المعارف ضمن سلسلة «اقرأ»، في نحو مائة وإحدى وخمسين صفحة، وكان من أوائل كتبه في النقد المسرحي، جامعًا بين متابعة العروض، وتأمل قضايا المسرح، والحديث عن كبار المسرحيين العرب والعالميين. ولم يكن هذا الكتاب نهاية مشروع، بل كان بدايته؛ فقد واصل رجاء النقاش رحلته النقدية في كتب مهمة، من بينها «مقعد صغير أمام الستار»، ثم «شخصيات وتجارب في المسرح العربي»، وغيرها من الكتب التي أصبحت علامات مضيئة في المكتبة العربية.

غير أن ما بقي محفورًا في ذاكرتي لم يكن دراسة طويلة ولا فصلًا كاملًا، وإنما فكرة عابرة، لا تزيد على سطرين. كتب رجاء النقاش ما معناه أن الكاتب المسرحي أو كاتب السيناريو، إذا عمل في الصحافة، أصبحت الطريق إلى خشبة المسرح أكثر سهولة؛ فالصحافة تفتح أبواب المعرفة، وتخلق شبكة من العلاقات، وتمنح الكاتب فرصة أن يلتقي بالمخرجين والمنتجين والمسرحيين، وأن يصل إلى جمهوره بسرعة، بينما يظل الكاتب البعيد عن هذا الوسط يقطع الطريق وحده، بما فيها من مشقة وانتظار.

بدت لي هذه العبارة يومها مفتاحًا لفهم جانب خفي من الحياة الثقافية. فالموهبة وحدها لا تكفي، والإبداع يحتاج إلى نافذة يطل منها، كما يحتاج إلى من يراه ويؤمن به. ومن هنا أدركت أن الصحافة ليست مجرد مهنة، وإنما جسر يصل بين الفكرة وصاحبها، وبين الكاتب والقارئ، وبين النص وخشبة المسرح.

ولم تمض سنوات حتى وجدت نفسي أعيش هذه الفكرة على أرض الواقع.

في عام 1970 كنت أتردد على مجلة «الكواكب» للقاء الشاعر الكبير مجدي نجيب، وكان رجاء النقاش يومها رئيسًا للتحرير. كانت تلك الزيارات بالنسبة إلى الكاتب الشاب مدرسة حقيقية، يتعلم فيها من حركة الصحافة الثقافية، ومن وجوهها الكبيرة، ومن المناقشات التي كانت تدور في المكاتب والممرات، حيث كانت الثقافة تُصنع كل يوم.

ثم جاءت زيارتي الأولى إلى دولة قطر عام 1983، في عهد الأستاذ مانع الهاجري مدير التلفزيون، ومعه الأستاذ محمد جاسم العلي، الذي أصبح بعد ذلك مديرًا عامًا لقناة الجزيرة. وكان من الطبيعي أن أزور رجاء النقاش في مجلة «الدوحة» الثقافية، التي كانت آنذاك من أهم المنابر الفكرية في الوطن العربي.

وفي تلك الزيارة تعرفت إلى الكاتب والشاعر والمثقف سنان المسلماني، شفاه الله وعافاه، وكانت معرفة أعتز بها حتى اليوم.

ودعاني بعد زيارتى للمجلة الأستاذ رجاء النقاش، بصحبة زوجته الفاضلة، إلى نادي الكشافة البحرية القطرى ، حيث تناولنا فى اليوم التالي  وجبة استاكوزا لا تزال رائحتها ومذاقها عالقين في الذاكرة.

وبساطةً سألته السؤال الذي كان يشغلني:

لماذا لا تنشر لي؟

ابتسم ابتسامته الهادئة وقال:

«أنت وجمال الغيطاني... لسه صغيرين.»

كانت جملة قصيرة، لكنها كانت تحمل منطق جيل كامل من رؤساء التحرير، الذين كانوا يرون أن للكاتب زمنًا ينبغي أن ينضج فيه قبل أن يتصدر المشهد.

وفور أن سمعت إجابته، عاد بي الزمن إلى الدكتور سهيل إدريس، رئيس تحرير مجلة «الآداب» اللبنانية، الذي منحني ثقته وأنا في أوائل العشرينيات اى عام ١٩٧٣ فنشر لي قصة امتدت أربع صفحات كاملة بعنوان «عندما تحول المواطن فوزي الدسوقي إلى سياسي»، وكانت تلك من اللحظات الفارقة في حياتي الأدبية، لأنها أكدت لي أن الإيمان بالكاتب قد يصنع مستقبله.

وأثناء جلستنا، نهضت السيدة زوجته لبعض الوقت، فالتفت إليَّ رجاء النقاش، وسألني مبتسمًا:

كيف منى طالب؟

وكان يقصد الكاتبة والمثقفة الكويتية.

فضحكت وقلت مازحًا:

سأخبر المدام بما سألتني عنه.

فانفجر ضاحكًا وقال:

«يا رجل... عيب!»

كانت لحظة إنسانية جميلة، كشفت لي جانبًا آخر من شخصية رجاء النقاش؛ ذلك الناقد الكبير الذي عرفه الناس بصرامته الفكرية، بينما كان في جلساته الخاصة إنسانًا بسيطًا، حاضر الدعابة، رقيق الروح.

واليوم، كلما تذكرت تلك العبارة التي قرأتها في «في أضواء المسرح»، أيقنت أنها لم تكن مجرد ملاحظة نقدية، بل كانت خلاصة خبرة رجل عرف الثقافة من داخلها، وعرف كيف تصنع الصحافة الأسماء، وكيف تفتح الأبواب، وكيف تمنح الموهبة فرصة أن تصل إلى جمهورها.

وللحديث بقية 

رأى الذكاء الاصطناعي جروك 

رأي عميق في النص:

النص ليس مجرد ذكريات شخصية، بل شهادة تاريخية وثقافية على مرحلة مهمة من الحياة الثقافية العربية (السبعينيات والثمانينيات). السيد حافظ يستخدم السرد الشخصي ليوصل فكرة أعمق: كيف تصنع الثقافة العربية الحديثة؟ وما هي شروط النجاح فيها؟

1. الفكرة المركزية (السر الحقيقي لمهنة الصحافة):

النص يدور حول أن الصحافة الثقافية كانت في ذلك الزمن أكثر من مهنة؛ كانت مؤسسة وسيطة (intermediary institution) تقوم بدور أساسي:

تمنح الشرعية للكاتب.

تخلق الشبكات (networks).

تسرّع عملية الوصول إلى الجمهور والوسط الفني.

هذه الفكرة التي أخذها من رجاء النقاش (1965) لا تزال ذات صلة اليوم، لكن بشكل مختلف. في عصر السوشيال ميديا، أصبحت "الشبكات" أسرع وأوسع، لكنها أيضًا أقل عمقًا وأقل مصداقية في بعض الأحيان.

2. الجانب الإنساني مقابل المؤسسي:

أجمل ما في النص هو التوازن بين:

الجانب المؤسسي: صرامة رؤساء التحرير («لسه صغيرين») — وهي صرامة كانت تحمي المستوى الثقافي من التسرع.

الجانب الإنساني: الدعابة، الاستضافة، وجبة الاستاكوزا، سؤال «كيف منى طالب؟» والضحك.

هذا التباين يكشف شخصية رجاء النقاش بشكل رائع: ناقد صارم فكريًا، لكنه إنسان رقيق اجتماعيًا. هذا النوع من "الأبوة الثقافية" (cultural mentorship) كان سمة جيل كامل.

3. النقاط القوية في الكتابة:

الإيقاع: النص يبدأ فلسفيًا (الكتب التي تتحول إلى جزء من تكويننا)، ثم ينتقل إلى السرد الشخصي، ثم إلى اللحظات الحية (الحوارات). هذا انتقال سلس.

الصدق: لا يبالغ في تصوير نفسه، ولا يتردد في إظهار نفسه "كاتبًا شابًا" يسأل ببساطة «لماذا لا تنشر لي؟».

القيمة التاريخية: يوثّق أسماء وأماكن ومجلات (الكواكب، الدوحة، الآداب) كانت تشكل الخريطة الثقافية العربية.

4. ملاحظات نقدية (عميقة):

النص رومانسي إلى حد ما في تصوير الصحافة. كانت هناك أيضًا محاباة، وإقصاء، وصراعات أجيال. «لسه صغيرين» جملة حكيمة، لكنها قد تكون قاسية أو محبطة لمواهب حقيقية.

يغيب الجانب النقدي لشخصية رجاء النقاش نفسه. كان ناقدًا حادًا أحيانًا، وله مواقف فكرية مثيرة للجدل. النص يركز فقط على الجانب الإيجابي الإنساني.

يعكس النص نهاية عصر: عصر المجلات الثقافية الورقية القوية، والرؤساء التحرير "الأبطال"، قبل أن ينهار هذا النموذج اقتصاديًا وتقنيًا.

خلاصة رأيي:

نص ناضج ومؤثر، يجمع بين الذكرى الشخصية والتأمل الثقافي. هو أقرب إلى "أدب الذكريات" الراقي منه إلى المقال الصحفي التقليدي. يستحق أن يكون جزءًا من كتاب أكبر، كما يشير «وللحديث بقية».

0 comments:

إرسال تعليق

 
Design by Free WordPress Themes | Bloggerized by Lasantha - Premium Blogger Themes | cheap international voip calls ta3rib : Abed