الأحد، 5 يوليو 2026

د. مدحت الجيار. سرد بلا حدود

 سرد بلا حدود 

بقلم السيد حافظ 

د. مدحت الجيار

بقلم: السيد حافظ

القاهرة




د. مدحت الجيار هو أحد أولئك الشعراء الذين قدموا إلى القاهرة الكبرى حاملين في قلوبهم حلمَ برجٍ شامخ يعتلونه، أو دكّة شيخٍ في معبد الشعر يبنون عليها جيلاً أدبيًا جديدًا يليق بعصر التجديد والإشراق.

في أيامه الأولى في العاصمة، وهو يخوض غمار التدريس الجامعي، اختار أن ينخرط في المنظومة الثقافية السائدة، تلك التي ترفع راية طه حسين وتسير على نهج الأدب التأسيسي للحركة الأدبية المصرية الحديثة. ومع ذلك، كان في وسعه أن يكون رائدًا نقديًا جريئًا ومؤثرًا للحركة الأدبية الشبابية. فقد أقام بذكاء حاد ومثابرةٍ نادرة ندواتٍ أدبية لكل مبدع صادفه، سواء في أسوان أو مرسى مطروح، وكان يُواظب على حضور كل دعوة إعلامية تُعنى بالأصوات الشابة. إلا أنه في المقابل حجَبَ إنتاج هؤلاء الشباب حجزًا تعسفيًا عن أروقة الدراسات الأكاديمية.

له بصمات ناصعة وعميقة في الحركة الثقافية المصرية، وهو صاحب فضلٍ لا يُنسى على تجربتي الروائية. شجعني بحرارة على الكتابة، وحثّني على السير قدمًا في دروب الرواية، وقال لي ذات يوم بكل ثقة وصدق: «أنت ستهزم الكثيرين». فأجبته: «أنا لا أسعى إلى هزيمة أحد، بل أحلم بأن أفتح نافذةً واسعة للرواية العربية كي تتنفس من جديد أكسجين التجديد والإبداع الحر».

دائمًا ما يسعى مدحت الجيار إلى إرضاء الجميع، حتى لا يضطر إلى أن يكون جلادًا لأحد منهم. لكن هذا الإحساس الشاعري الرقيق، وهذا القلب النبيل الذي يرفض القسوة، كان يُسبب له في كثير من الأحيان كراهيةً مجانية وجارحة. كان جديرًا بأن يتولى وزارة الثقافة، أو يرأس الهيئة العامة للكتاب، أو مؤسسة الثقافة الجماهيرية، غير أنه ظل — كسعد الدين وهبة — بعيدًا عن رضا دوائر المسؤولين والمثقفين.

إن مدحت الجيار بالنسبة لي أيقونة أدبية من الطراز الرفيع النادر. فهو يجمع بين عمق الفيلسوف في تأملاته الأدبية، وبين روحٍ مرحة أحيانًا تستهتر بكل شيء، كأنه يلقي لآلئ كلماته أمام من لا يسمعون ولا يفقهون. بسيطٌ في جوهره، عميقٌ في فكره، باسمُ الوجه رغم الجروح الخفية التي يحملها في صدره. ومن حسن القدر أن يكون له أخٌ رائع، هو الناقد المتميز الدكتور شريف الجيار، الذي أثرى الحياة الثقافية نقدًا أصيلاً وفنًا مبدعًا. وقد رفض أن ينشر لي أي كتاب أثناء توليه منصب مدير النشر بالهيئة.

كان مدحت الجيار أول من فرح ورحّب بروايتي الأولى «نسكافيه» عام 2010، وأقام ندوةً ثريةً استمرت ساعة كاملة عن روايتي «قهوة سادة» عام 2011. كما كان أول من نشر ملفًا مطولاً يمتد لأربع وعشرين صفحة عن «نسكافيه» أثناء رئاسته لمجلة «الرواية» عام 2013. ومع ذلك، رفض نشر ملف رواية «قهوة سادة» عام 2015 بعد أن بلغ حجمه 188 صفحة، قائلًا بصراحةٍ مؤلمة: «لو نشرته سيقتلوني هؤلاء الذين يكتبون الرواية في مصر.. أنا مش قدهم».

تمنياتي له بالشفاء العاجل والعافية الدائمة، وطول العمر في خدمة الأدب والثقافة.

السيد حافظ

القاهرة

....

رأى الذكاء الاصطناعي جروك 

رأيي في النص باستخدام النهج التفكيكي (Deconstruction)

القراءة التفكيكية:

النص يبدو في ظاهره مديحًا شخصيًا حارًا للدكتور مدحت الجيار، لكنه في أعماقه نصٌ شديد التوتر والتناقض، يقوض نفسه باستمرار.

1. الثنائيات المقلوبة والمفككة:

الأب/الجلاد: يُقدم مدحت كـ«أب روحي» شجع الكاتب وفتح له أبوابًا، لكنه في الوقت نفسه «جلاد» للشباب (يحجب إنتاجهم تعسفيًا). الكاتب يمدحه لأنه «لم يكن جلادًا له» تحديدًا، مما يفضح علاقة سلطة شخصية (patronage) وليست مبدئية.

الحرية / الرقابة: يتحدث النص عن «أكسجين التجديد» وفتح النوافذ، بينما يصف مدحت بأنه جزء من منظومة «تقديس طه حسين» التي تحولت إلى سلطة تمنع الدخول الأكاديمي للأصوات الجديدة.

الضحية / الجلاد: مدحت نفسه ضحية («كراهية مجانية»، بعيد عن المناصب، «سيقتلوني») وفي الوقت نفسه جلاد للآخرين. هذا التبادل يفكك فكرة «الشهيد الثقافي» التي يحاول النص بناءها.

2. ما يُخفيه النص (الغيابات):

يتحدث عن «الشباب» ككتلة واحدة يجب فتح أبوابها، لكنه لا يتساءل: لماذا يحجب مدحت إنتاجهم؟ ما هي معاييره؟ هل كان يحمي «المعبد» من «الغزاة»؟

الكاتب يقول «أنا لا أريد أن أهزم أحدًا»، لكنه في الواقع ينتصر في النص: هو الذي حصل على الدعم، والندوة، والملف، بينما الآخرون (الـ188 صفحة) حُجبوا. هناك انتصار خفي تحت ستار التواضع.

غياب النقد الحقيقي للمنظومة: النص ينتقد مدحت بلطف، لكنه يُبرره («حتى لا يكون جلادًا»، «أنا مش قدهم»). هذا دفاع عن السلطة باسم الضعف.

3. اللغة والسلطة:

استخدام لغة دينية/صوفية («برج»، «دكة شيخ»، «أيقونة»، «فيلسوف») تحول مدحت إلى رمز مقدس، مما يعيد إنتاج خطاب السلطة الثقافية التي يدّعي النص الخروج عليها.

عبارة «أنا مش قدهم» مفتاحية: تكشف عن خوف داخلي من «الآخرين» (الشباب) كتهديد وجودي للمنظومة. النص يفضح هنا ما يحاول إخفاءه: أن المؤسسة الثقافية تخشى التجديد الحقيقي.

4. التناقض الأكبر:

النص يريد أن يكون سردًا شخصيًا شاكرًا، لكنه يتحول إلى سرد تفكيكي لا إرادي لآلية السلطة الثقافية في مصر:

مثقف يريد الثورة لكنه يشارك في الحفاظ على البوابات.

كاتب يريد التجديد لكنه يستفيد من المنظومة القديمة.

مدح يخفي انتقادًا، وانتقاد يخفي امتنانًا.

الخلاصة التفكيكية:

النص غير مستقر. هو مديح ظاهري، لكنه في الحقيقة شهادة اتهام خفية ضد المنظومة الثقافية بأكملها، بما فيها مدحت والكاتب نفسه. يفكك النص نفسه من الداخل: كلما مدح، كشف عن التناقض. كلما برر، فضح.

هذا ما يجعله نصًا مثيرًا للاهتمام أدبيًا، رغم أنه لم يكتب بنية تفكيكية. هو نص «بريء» يقول أكثر مما يقصد.


.....

0 comments:

إرسال تعليق

 
Design by Free WordPress Themes | Bloggerized by Lasantha - Premium Blogger Themes | cheap international voip calls ta3rib : Abed