سرد بلا حدود
محمد عفيفي مطر... ومجلة سنابل ونفيسة قنديل والطليعة الأدبية
بقلم: السيد حافظ
في عام 1970 التحقت بكلية دار العلوم بجامعة القاهرة، بعد أن حصلت على الثانوية العامة للمرة الثانية. كنت قادمًا إلى القاهرة، العاصمة الأم، وأنا أحمل أحلام شاب يرى فيها مدينة الأدباء والشعراء والفنانين الكبار، ومدينة الجامعات والأساتذة العظام. كنت أتصور أن الطريق إلى الأدب يبدأ من القاهرة، لكن المفاجأة جاءت من كفر الشيخ، حيث صدرت مجلة صغيرة في حجمها، كبيرة في أثرها، هي مجلة "سنابل".
كان يرأس تحريرها الشاعر الكبير محمد عفيفي مطر، ومعه الشاعر محمد الشهاوي، وبدعم من الكاتب والصحفي محمد صدقي. كانت مجلة إقليمية في مكان صدورها، لكنها كانت تحمل مشروعًا ثقافيًا يتجاوز حدود الإقليم، وتبحث عن الأصوات الجديدة في كل مكان.
كتبت مسرحية قصيرة من فصل واحد، وأرسلتها إلى المجلة. لم تُنشر. وعرفت بعد ذلك أن المجلة اختارت نشر مسرحية للكاتب كامل الكفراوي. وروى لي صديقنا الكاتب فؤاد حجازي أن محمد عفيفي مطر سأله يومًا: «هل تعتقد أن السيد حافظ سيستمر في الكتابة المسرحية؟» فأجاب: «نعم». ثم سأله عن كامل الكفراوي، فأجاب: «لا أظن». وكانت الأيام وحدها هي التي قدمت إجاباتها.
لم أتوقف. كنت طالبًا، وكانت أربعة جنيهات تعني لي الكثير. فابتكرت بابًا بعنوان «رسالة الإسكندرية الثقافية»، ورصدت فيه الحركة الفنية والثقافية في الإسكندرية، من معارض الأتيليه إلى الندوات والفعاليات الأدبية، وكتبت خمس صفحات بخط اليد، ثم أرسلتها إلى مجلة "سنابل".
وفي العدد التالي نُشرت الرسالة.
بعد أيام ذهبت إلى دار الأدباء بشارع القصر العيني، في ذلك الزمن الذي كانت فيه الندوات تجمع كبار المبدعين العرب. وهناك التقيت بمحمد عفيفي مطر، فصافحني مبتسمًا، وأخرج من جيبه أربعة جنيهات، وقال: «هذه مكافأتك.»
كانت تلك أول مكافأة أدبية أتقاضاها في القاهرة، وما زلت أذكر فرحتي بها حتى اليوم.
لكن عندما التقيته بعد عدة أشهر في مقهى ريش، وسألته عن سبب توقف «رسالة الإسكندرية الثقافية»، قال لي مبتسمًا: «لقد فتحت عليّ أبوابًا لم أتوقعها. وصلتني من الإسكندرية رسائل كثيرة، بعضها يهاجمك، وبعضها يطلب أن يكتب أصحابه هذا الباب، فقررت أن أوقفه تمامًا.»
لم أسأله يومها عن أسماء الذين كتبوا، ولم أسأل بعد ذلك، ولا أريد أن أعرف. فالسنوات علمتني أن الكاتب إذا نجح، ولو في خطوة صغيرة، فإنه يوقظ المنافسة قبل أن يوقظ الإعجاب.
ثم جاءت مرحلة أخرى من حياتي.
بعد انتقال محمد عفيفي مطر إلى العراق، حيث عمل هناك كما عمل كثير من المثقفين العرب في تلك المرحلة، أرسلت إلى مجلة «الطليعة الأدبية» قصة بعنوان «أحزان مواطن بلا عنوان»، وهي قصة كتبتها بروح تجريبية، مستلهمةً واقع البطل عبد العاطي، لتطرح سؤالًا عن مصير البطل العربي بعد انتهاء المعركة.
نشرت المجلة القصة، ثم فوجئت في العدد التالي بدراسة نقدية مطولة كتبتها الأديبة والناقدة نفيسة قنديل، زوجة محمد عفيفي مطر. كانت دراسة قاسية، خصت قصتي وحدها بالنقد من بين القصص المنشورة في العدد. اختلفت مع قراءتها آنذاك، لكنني أدركت فيما بعد أن النصوص التي تثير الجدل هي النصوص التي تفرض وجودها.
ولم تنته الحكاية عند هذا الحد.
فقد شعرت بعد ذلك بأن كاتبًا مصريًا كان يقيم في العراق قد استلهم قصتي في عمل سينمائي، فاعترضت، وأرسلت إلى الملحقية الثقافية بالسفارة العراقية في الكويت، مرفقًا بالقصة المنشورة في مجلة «الطليعة الأدبية» باعتبارها دليلًا على أسبقيتي. كان الرد أن الفيلم قد أُنجز، وانتهى الأمر، وعُرض عليّ تعويض مالي، فرفضت يومها وأغلقت الملف.
لكن الذاكرة لا تغلق ملفاتها بسهولة.
مرت السنوات، وعاد الرجل إلى القاهرة، ومضت الحياة كما تمضي دائمًا. أما أنا فبقيت أتأمل تلك الوقائع، وأسأل نفسي: لماذا توقفت «رسالة الإسكندرية الثقافية» بعد نجاحها؟ ولماذا اختارت نفيسة قنديل قصتي وحدها للنقد؟ وهل كانت تلك مجرد مصادفات ثقافية، أم أن لكل زمن حساباته الخفية؟
لا أملك اليوم إلا أن أروي ما عشته كما رأيته.
وبرغم كل ما جرى، بقي محمد عفيفي مطر في وجداني شاعرًا كبيرًا، وصاحب مشروع ثقافي استثنائي، وإنسانًا ودودًا في لقاءاتي معه. فالحياة لا تُختزل في موقف واحد، ولا في خلاف واحد، كما أن البشر أكبر من أن يُحاكموا بلحظة واحدة.
وهكذا تمضي الأيام. يرحل أصحابها، وتبقى الذكريات وحدها شاهدة على زمن كانت الثقافة فيه حلمًا كبيرًا، وكانت المجلات الأدبية تصنع أسماء، وتفتح أبوابًا، وتغلق أخرى. ويبقى السؤال مفتوحًا: من كان صديقًا؟ ومن كان خصمًا؟ ربما لا يهم الآن... فما يبقى في النهاية ليس إلا ما كتبه الإنسان، وما تركه من أثر في ذاكرة الأدب.
تمت
السيد حافظ
القاهرة
.....
......
رأي الذكاء الاصطناعي الأمريكي
إذا قرأناه بمنهج تفكيكي عميق، فإن المقال لا يتحدث في حقيقته عن محمد عفيفي مطر أو مجلة سنابل أو نفيسة قنديل، بل عن سلطة الثقافة العربية وآليات إنتاج الاعتراف والإقصاء. الشخصيات هنا علامات داخل بنية أكبر، وليست الغاية النهائية للنص.
القراءة التفكيكية العميقة
منذ الجملة الأولى يضع النص القارئ أمام ثنائية كبرى: القاهرة/الإقليم. فالقاهرة تبدو المركز الثقافي، لكن الاعتراف الأول لا يأتي منها، بل يأتي من مجلة إقليمية في كفر الشيخ. هنا ينسف النص فكرة المركز؛ فالهامش هو الذي يمنح الشرعية للمبدع، بينما المركز يكتفي باستقبالها لاحقًا.
ثم تظهر ثنائية أخرى أكثر تعقيدًا، وهي النشر/الاستبعاد. فعدم نشر المسرحية يبدو خسارة، لكنه يقود إلى كتابة "رسالة الإسكندرية الثقافية"، التي تصبح سببًا لأول مكافأة أدبية. أي أن الفشل ينتج النجاح، والرفض يصبح طريقًا للاعتراف. وهكذا ينهار التقابل التقليدي بين النجاح والإخفاق.
وعندما يتوقف الباب الثقافي بعد نجاحه، يكشف النص مفارقة أشد قسوة؛ فالنجاح لا يضمن الاستمرار، بل قد يكون سببًا في الإقصاء. هنا تصبح المؤسسة الثقافية بنية تنتج الاعتراف بقدر ما تنتج المنع، وكأنها لا تستطيع تحمل نجاح خارج آلياتها التقليدية.
أثر دريدا في النص
وفق تصور جاك دريدا، لا يوجد معنى ثابت، بل سلسلة لا تنتهي من الاختلافات والتأجيلات. وهذا ما يفعله المقال.
فالسؤال:
لماذا توقف الباب؟
لا يجيب عنه النص.
ثم ينتقل إلى سؤال آخر:
لماذا اختارت نفيسة قنديل قصتي وحدها؟
ثم إلى سؤال ثالث:
هل كانت مصادفات أم حسابات خفية؟
كل جواب يؤجل الجواب التالي. فلا يصل القارئ إلى يقين، وإنما إلى شبكة من الاحتمالات، وهو ما يسميه دريدا تأجيل المعنى.
نفيسة قنديل بوصفها علامة
في القراءة التقليدية تبدو نفيسة قنديل ناقدة هاجمت قصة الكاتب.
أما تفكيكيًا، فهي تمثل سلطة القراءة نفسها.
النقد هنا ليس إلغاءً للنص، بل اعتراف ضمني بقوته؛ إذ إن النصوص الضعيفة تُنسى، أما النصوص التي تُكتب عنها دراسات مطولة فهي تدخل دائرة التأويل. وهكذا يتحول الهجوم إلى شكل آخر من أشكال تثبيت حضور النص.
الذاكرة بوصفها أرشيفًا مضادًا
المقال لا يقدم وثائق ولا محاضر ولا أحكامًا، وإنما يقدم الذاكرة.
والتفكيك يمنح الذاكرة مكانة خاصة؛ لأنها ليست سجلًا موضوعيًا، بل إعادة كتابة دائمة للماضي.
لذلك لا يدّعي الكاتب امتلاك الحقيقة، بل يكتب:
"لا أملك اليوم إلا أن أروي ما عشته كما رأيته."
هذه الجملة وحدها تنسف فكرة الحقيقة المطلقة، وتؤكد أن كل كتابة هي وجهة نظر، لا نسخة نهائية من الواقع.
الاقتصاد الرمزي
الأربعة جنيهات ليست مجرد مكافأة.
إنها تتحول إلى رمز للاعتراف.
بعدها يصبح المال نفسه بلا قيمة أمام القيمة الرمزية للاعتراف الأول.
ثم يظهر التعويض المالي في قضية الاستلهام السينمائي، لكنه يفشل في شراء الذاكرة.
إذن المال في أول النص يمنح الفرح، وفي آخره يعجز عن محو الشعور بالظلم.
وهنا يفكك المقال العلاقة بين القيمة المادية والقيمة الرمزية.
الحضور والغياب
الشخصيات تغيب لكنها لا تختفي.
مجلة سنابل توقفت، لكنها حاضرة في الذاكرة.
الطليعة الأدبية انتهت، لكنها ما زالت تنتج معنى.
محمد عفيفي مطر رحل، لكنه يظل فاعلًا داخل النص.
الغياب هنا هو شكل آخر من الحضور، وهي إحدى الأفكار المركزية في التفكيك.
خاتمة تفكيكية
النهاية ليست خاتمة، بل فتح جديد للأسئلة.
فحين يقول الكاتب:
"من كان صديقًا؟ ومن كان خصمًا؟"
فهو لا يبحث عن إجابة، بل يهدم الثنائية نفسها.
لأن الشخص الواحد قد يكون في لحظة داعمًا، وفي لحظة أخرى سببًا في الإقصاء، وقد يكون النقد اعترافًا، والرفض بداية نجاح، والهامش مركزًا، والذاكرة وثيقة، والصمت خطابًا.
لهذا أرى أن هذا المقال لا يروي سيرة شخصية فحسب، بل يكشف البنية العميقة للمؤسسة الثقافية العربية، ويجعل القارئ يعيد التفكير في مفاهيم الاعتراف، والسلطة، والنجاح، والإقصاء. وهذه هي القيمة التفكيكية الحقيقية للنص، إذ لا يقدّم أجوبة، بل يزعزع اليقين، ويترك المعنى مفتوحًا على قراءات لا تنتهي.



12:45 م
sayedhafez

Posted in:
0 comments:
إرسال تعليق