سرد بلا حدود
جزيرة بافوس... والحلم المفقود والبحر الهادئ المجنون
بقلم: السيد حافظ
في عام 1983 زرت قبرص بدعوة من الكاتب الليبي الكبير محمد علي الشويهدي، رئيس تحرير مجلة «الموقف العربي»، في زمن كانت فيه المنافي العربية تصنع الثقافة أكثر مما تصنعها العواصم. كان كثير من الكتّاب والصحفيين الذين يحملون فكرة أو مشروعًا يرحلون إلى باريس أو لندن أو قبرص، حيث كانت المجلات الأدبية والثقافية والسياسية تولد خارج حدود الرقابة.
كنت يومها أعمل في دولة الكويت، في المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، وأكتب في جريدة «السياسة»، ولم أكن أعرف محمد علي الشويهدي معرفة شخصية، رغم أن بيننا حكاية تستحق أن تُروى.
كان الصديق حسونة الشاويش، الملحق الثقافي الليبي، قد أهداني مجموعة من الكتب الليبية. وبين تلك الكتب استوقفتني المجموعات القصصية لمحمد علي الشويهدي، كما استوقفني إبداع علي على مصطفى المصراتي. كتبت عن أعمال الشويهدي بإعجاب، وأنا لا أعرف الرجل، ولا أعرف منصبه، ولا أين يعيش.
بعد ذلك علم الشويهدي بما كتبته عنه، وسأل عني في الكويت، ثم دعاني إلى قبرص. لم يكن يومها وزيرًا ولا صاحب سلطة، وإنما كان يبحث عن كاتب كتب عنه بإخلاص، بعيدًا عن المجاملة والمصلحة. وذلك موقف لا أنساه، لأنه كان دليلًا على احترامه للكلمة قبل أي شيء آخر.
غير أن الرحلة التي استمرت شهرًا كاملًا هناك لم يبق منها في ذاكرتي سوى مدينة واحدة... بافوس.
كانت بافوس بالنسبة إليَّ حلمًا يمشي على الأرض. مدينة تشبه الإسكندرية كما عرفناها في أربعينيات القرن الماضي؛ بحر أزرق، ورمال بيضاء، ومظلات هادئة، ومقاهٍ تطل على الماء، وصمت يجعل الإنسان يسمع صوته الداخلي.
وأنا في الطريق إلى المطار، تمنيت أن أطلب من السائق أن يتوقف.
أنزلوني هنا...
اتركوني في بافوس.
لا أريد مطارًا، ولا وظيفة، ولا مدينة مزدحمة.لا اريد اى مكان غيرها
أريد كوخًا صغيرًا على البحر، وكتبًا، وكوب شاي، ورغيفًا ساخنًا من مخبز يطل على الساحل، وأن أقضي ما بقي من عمري أقرأ وأكتب.
كنت أتخيل نفسي مثل لسان الدين بن الخطيب، الذي ترك الوزارة والقصور، واختار العزلة، لأن الروح أحيانًا تحتاج إلى الخلاص أكثر مما تحتاج إلى السلطة.
أما أنا، فقد تمنيت أن أهاجر من الوظيفة، ومن صخب الصحافة، ومن ازدحام الحياة، ومن كل ما يسرق الإنسان من نفسه، لأعيش مع البحر وحده.
لكن بعض الأحلام، مهما كانت صغيرة، لا تتحقق.
والغريب أن هذا الحلم لم يولد في قبرص، بل كان يسكنني منذ الصبا.
أتذكر أنني، وأنا طالب في المرحلة الثانوية، ذهبت إلى الطبيب النفسي الدكتور عزيز رياض. سألني مبتسمًا:
ـ ما الذي جاء بشاب في مثل عمرك إلى طبيب نفسي؟
قلت له:
أحلم أن أعيش على البحر... أو في الصحراء... بعيدًا عن الناس. أريد مكانًا أقرأ فيه وأكتب، بعيدًا عن الزحام، وعن الضجيج، وعن عالم يأكل فيه الناس سمعة بعضهم بعضًا، ويقتلون بعضهم بالكلمة قبل السكين.
لم يكن ذلك مرضًا.
كان حنينًا إلى حياة أكثر صفاء.
واليوم، وبعد عشرات السنين، ما زلت أشعر أنني أحتاج إلى تلك الجزيرة الهادئة، وإلى ذلك الكوخ الذي لم أبنه، وإلى ذلك البحر الذي لم أستقر على شاطئه.
أنظر إلى عالمنا العربي فأراه يحمل فوق كتفيه تاريخًا طويلًا من الانكسارات، والاستبداد، والتخلف، وضياع الفرص. وأشعر أن التجاعيد لم تعد على وجوه البشر وحدهم، بل امتدت إلى وجه الوطن نفسه.
لقد شاخ الوطن العربي قبل أوانه، بينما تمضي الأمم الأخرى إلى المستقبل.
ولن يكون الخلاص إلا بثورة حقيقية في التعليم، والثقافة، والفنون، والبحث العلمي، والطب، والإدارة، وفي طريقة تفكير الإنسان العربي نفسه.
أما أنا...
فما زلت كلما تذكرت بافوس، سمعت البحر يناديني.
وكأن حلمًا صغيرًا، لم يتحقق يومًا، ما زال ينتظرني على شاطئ بعيد
تمت
. السيد حافظ
القاهرة
......
رأى الذكاء الاصطناعي جروك
1. لعبة الغياب/الحضور وانهيار المركز
في قلب النص يقف بافوس كـ"حلم يمشي على الأرض". هذا التعبير كاشف: الحلم لا يُعاش، بل "يمشي" — أي هو متحرك، غير مستقر، دائم التنقل. بافوس ليست مركزًا ثابتًا (presence) بل trace (أثر) لشيء غائب دائمًا.
الكاتب زارها فعليًا، لكنه لم يبقَ. الزيارة تصبح دليلاً على استحالة الحضور الكامل. كلما اقترب من الشاطئ، ابتعد عنه (في الذاكرة والواقع). هذا هو الديفرانس (différance): الاختلاف والتأجيل معًا. الرغبة في "أنزلوني هنا" تظل معلقة، مكتوبة بدل أن تُنفَّذ. النص نفسه هو الكوخ الذي بناه الكاتب — لكنه كوخ ورقي، لا حجري.
2. الثنائية المتداعية: البحر الهادئ/المجنون
العنوان نفسه يفكك النص من بدايته:
«البحر الهادئ المجنون».
الهادئ والمجنون ليسا نقيضين خارجيين، بل متداخلين داخليًا. البحر الذي يعد بالخلاص يحمل الجنون ذاته (الجنون الهادئ للعزلة، جنون الحنين الذي يأكل صاحبه). هذا يذكر بـ"الدواء/السم" (pharmakon) عند دريدا — البحر دواء للروح المرهقة، وسم يجعل الكاتب يظل معلقًا في حالة حنين مزمنة لا تشفى.
3. الذات المشقوقة والآخر الداخلي
النص يبني "أنا" مثالية (الكاتب الذي يحترم الكلمة، الحالم بالعزلة) مقابل "عالم عربي" مريض. لكن التفكيك يكشف أن الآخر موجود داخل الذات.
الكاتب ينتمي إلى عالم "المنافي العربية" التي "تصنع الثقافة" — أي إلى نفس المنظومة التي ينتقدها.
هو يشتغل في "المجلس الوطني للثقافة" و"جريدة السياسة"، ثم يكتب هذا النص في القاهرة.
حتى حنينه إلى ابن الخطيب (الذي ترك السلطة) هو شكل من أشكال السلطة الرمزية: سلطة الكاتب الذي يروي قصة "تركه للسلطة" ليثبت تفوقه الأخلاقي.
الذات إذن ليست موحدة، بل مشتقة (différée) — متأخرة عن نفسها.
4. الزمن المعكوس والشيخوخة المسبقة
النص يقول: "شاخ الوطن العربي قبل أوانه". هذه جملة قوية تفككية. الوطن يُصوَّر كجسد مسن، والكاتب يرى "تجاعيد" على وجه الوطن. لكن من يشيخ فعلاً؟
الكاتب نفسه يعترف أن الحلم موجود منذ المرحلة الثانوية، وما زال موجودًا "بعد عشرات السنين". الشيخوخة إذن مزدوجة: شيخوخة الوطن، وشيخوخة الحلم نفسه الذي لم يتحقق. الحلم لم يمت، لكنه عجوز — مثل صاحبه. هنا يحدث انقلاب هرمي: الشاب الذي ذهب للطبيب النفسي هو الذي كان "ناضجًا" في حنينه، بينما الوطن "شاخ قبل أوانه". الزمن مشوش، والتسلسل الزمني (ماضٍ → حاضر → مستقبل) يتداعى.
5. الكتابة كـ"ملاذ" وكـ"سجن"
أخطر ما في النص (تفكيكيًا) هو أن الكتابة تُقدَّم كحل، بينما هي الإشكالية ذاتها. الكاتب يريد "كتبًا وكوب شاي" في الكوخ، أي يريد أن يكتب بعيدًا عن العالم. لكنه لا يستطيع الكتابة إلا بسبب العالم الذي يرفضه.
النص هو supplément (مكمل/بديل): هو يحل محل الحياة الهادئة التي لم تحدث. الكتابة تكمل النقص (الغياب عن بافوس)، لكنها في الوقت نفسه تذكر بهذا النقص باستمرار. كل جملة في النص تؤكد أن الكاتب لم يترك الوظيفة، لم يبنِ الكوخ، لم يعش على البحر.
خاتمة تفكيكية
النص ليس مجرد تأمل شخصي جميل، بل هو نص يفكك نفسه وهو يكتب. يعلن الرغبة في الخروج من اللغة والسلطة والمدينة، وهو في الوقت نفسه يبقى أسيرًا داخلها. بافوس ليست حلًا، بل هي اسم الرغبة المستحيلة — الـdifférance التي تسمح للكتابة بأن تستمر.
هذا ما يجعل النص أدبيًا حقًا: ليس لأنه يقدم حلمًا نقيًا، بل لأنه يكشف — رغمًا عنه — عن الشقوق التي تجعل الحلم ممكنًا ومستحيلاً في الوقت ذاته.



12:42 م
sayedhafez

Posted in:
0 comments:
إرسال تعليق