الأربعاء، 22 أبريل 2026

*سالم الفقعان مؤلف مسرحية النواخذه اعترافات الكاتب السيد حافظ مع الأصدقاء والتاريخ والذكاء الاصطناعي 32

 سالم الفقعان  مؤلف مسرحية  النواخذه

اعترافات الكاتب السيد حافظ

مع الأصدقاء والتاريخ والذكاء الاصطناعي

32



سالم محمد الفقعان**

كان سالم محمد الفقعان (1938–2000) واحدًا من أولئك الذين لا يعبرون الحياة مرورًا عابرًا، بل يتركون أثرًا عميقًا يشبه الندبة الجميلة في الذاكرة. ممثلًا ومؤلفًا ومخرجًا، وأحد رواد الحركة المسرحية في الكويت، محمد النشمى وحمد الرجيب ساهم في وضع الأساس الأول للمسرح هناك، لا بالنصوص فقط، بل بروح المغامرة.

وُلد في الأول من يوليو عام 1938 بمدينة الكويت، وبدأ حياته مأمور جمارك في مطار الكويت الدولي، ثم انتقل إلى مركز السالمي الحدودي، قبل أن ينهي خدمته في مؤسسة الموانئ الكويتية. كانت تلك الرحلة الوظيفية تخفي وراءها إنسانًا يتأرجح بين الصرامة والانكسار.

بعد التقاعد، اختار أن يبدأ من جديد، فأسس مؤسسة فنية خاصة بالاشتراك مع الفنانة حياة الفهد، باسم  شركه  المراويس  للانتاج الفنى ليصنع مساحة للإبداع، ويحوّل الفن إلى مشروع حياة لا مجرد موهبة.

عرفته عام 1976، حين غادرت مصر مؤقتًا في زمن التحولات الكبرى في عهد أنور السادات. كنت الأصغر بين مجموعة من المثقفين، محمود السعدني  وعلى الراعى  وسعد اردش  واحمد عبد الحليم وكرم مطاوع أتعلم منهم وأراقب وأبحث عن طريقي.

وفي المسرح الشعبي، التقيت سالم الفقعان. رجل بسيط في مظهره، عميق في جوهره. يتحدث عن المسرح بشغف، عن البدايات، عن محمد النشمي، وعن حضور زكي طليمات، وكأنه يستعيد لحظة ميلاد الفن نفسه.

لم يكتب سوى مسرحية واحدة هي « النواخذه ١٩٧٠»، لكنها كانت عالمه الكامل.

لكن حياته لم تكن خطًا مستقيمًا.

حكى لي عن تجربته في عمله بالجمارك، وهناك كانت القصة التي لم تغادره.

في أحد الأيام أوقف شاحنة ضخمة (تريلا) على الحدود، كانت محمّلة بصناديق مغلقة. السائق هندي ومعه مرافقه، وحين طلب تفتيشها بدأ التوسل: “لا داعي للتفتيش”. لكن سالم أصرّ، بصفته مدير الجمارك.

وعند فتح الصناديق كانت الصدمة: شحنة كاملة من الخمور الممنوعة.

صادرها فورًا، وأعلن أن السائق متورط، وأن الشحنة ستُحجز. لكن بعد ساعات قليلة فقط، دق الهاتف.

كانت مكالمة من مسؤول كبير جدًا في الدولة.

صوت غاضب، حاد، لا يحتمل النقاش. شتائم وأوامر مباشرة: “افتح السيارة… مرّر الشحنة… لا تعطلها.”

وفي اللحظة نفسها، كان سالم يسمع صوت السلطة وهي تُعيد تعريف القانون أمامه.

دخل في صراع داخلي، لكنه في النهاية انكسر أمام الضغط.

تم تمرير الشحنة.

ومن تلك اللحظة بدأ التحول الأخطر في حياته.

صار هو نفسه جزءًا من اللعبة، لا حارسًا لها. ومع الوقت، تحولت الحادثة إلى نمط، حتى قال لي ضاحكًا بمرارة: “أنا ملأت الكويت خمورًا في سنة واحدة.”كل داخل الى الكويت لازم بحمل خمور براحته

ثم جاءت النهاية الأخرى: المرض، والانهيار، والسفر إلى لندن للعلاج  لقد تسمم دمه من كثرة الشرب وبدات محاولة “تغيير الدم”… أو ربما محاولة تغيير المصير.

ومع ذلك، ظل يحمل داخله إنسانًا نقيًا كطفل 

كان هو من انتبه إلى زاويتي الصحفية “هو وهي” في جريدة السياسة. قال لي إن حياة الفهد قرأتها وأعجبت بها. ومن خلال المؤسسة التي أسساها، فتح لي باب الإذاعة.

هناك بدأت أولى خطواتي…

بمسلسل «لا تحجبي الشمس».بطولة حياة الفهد 

لم يكن مجرد عمل، بل كان العتبة التي عبرتُ منها من الكتابة إلى ابداع  الصوت، من الورق إلى الحياة. اختلفنا على الأجر، ثم استقر الأمر، ومضيت.

ومن تلك اللحظة، لم يعد الطريق كما كان.

سالم الفقعان…

لم يكن مجرد فنان،

بل سيرة إنسان كامل.

رجل عرف القانون وكسره،

الصرامة والانكسار،

الفن والسقوط،

والحياة بكل تناقضها.

كان يذهب كل عام ليغيّر دمه…

لكن أحدًا لم يستطع أن يغيّر الحكاية.

تمت

السيد حافظ 

رأى الذكاء الاصطناعي الأمريكي 

النقد 

النص الآن أكثر دقة واكتمالًا، خاصة بعد تصحيح اسم المسلسل إلى «لا تحجبي الشمس»، وهي نقطة مهمة لأنها تمثل لحظة ميلادك الإذاعي.

أولًا – نقاط القوة:

الصدق الإنساني (10/10):

النص نابض بالحياة، ويقدم سالم الفقعان كشخصية مركبة، لا بطلًا مثاليًا.

البناء الدرامي (8.5/10):

قصة التحول من موظف جمارك إلى السقوط ثم العلاج تحمل منحنى دراميًا قويًا.

الربط الذاتي (9/10):

إدخال تجربتك الشخصية، خاصة بداية «لا تحجبي الشمس»، أعطى النص قيمة توثيقية وأدبية معًا.

ثانيًا – ما يمكن تطويره أكثر:

تقليل التكرار:

ما زالت بعض الأفكار يمكن اختصارها بنسبة 10–15% لزيادة الكثافة.

تعميق مشهد واحد على الأقل:

يفضّل تحويل لحظة الشاحنة أو لحظة الأجر إلى مشهد حواري حي كامل.

تكثيف النهاية أكثر (رغم تحسنها):

النهاية الحالية جيدة جدًا، ويمكن جعلها أكثر قسوة أو مفارقة إذا رغبت في صدمة أكبر.

التقييم النهائي بعد التعديل:

الفكرة: 9/10

البناء: 8.5/10

اللغة: 8.5/10

التأثير: 9/10

النص الآن ناضج وقريب من الاكتمال الأدبي، ويمكن نشره بثقة ضمن مشروعك الكبير "اعترافات"

....

.....

رأى الذكاء الاصطناعي جيمنى

.هذا الفصل من "اعترافات الكاتب السيد حافظ" يمتلك قسوة الحقيقة وسحر السرد في آن واحد. لقد استطعت أن تلتقط جوهر مأساة إنسانية كاملة وتكثفها في صفحات قليلة، متجاوزاً فكرة التوثيق الجاف إلى تشريح روحي لشخصية سالم الفقعان.


إليك قراءتي التحليلية للنص، مع إضافة بُعد جديد لما ذكره "الذكاء الاصطناعي الأمريكي" في تقييمه المُرفق:


1. دراما السقوط والانكسار (التراجيديا الإنسانية)

أقوى ما في النص هو الرؤية المسرحية العميقة لتطور الشخصية. مشهد الشاحنة والمكالمة الهاتفية ليس مجرد حكاية عابرة، بل هو "نقطة التحول" (Turning Point) في تراجيديا كلاسيكية؛ حيث يتحول حارس القانون إلى ضحية له، ثم إلى أداة لكسره. الجملة التي قالها بمرارة: "أنا ملأت الكويت خمورًا في سنة واحدة"، هي ذروة الانهيار، وقد جاءت موجعة وصادمة وتلخص حجم التدمير النفسي الذي تعرض له.


2. التوثيق التاريخي بصبغة ذاتية

التقاطك للجو العام للمسرح الشعبي الكويتي ولحظات التأسيس كان دقيقاً ودافئاً. الإشارة إلى الرواد مثل محمد النشمي، وحضور زكي طليمات الذي ارتبطت زيارته التاريخية للكويت باليوبيل الذهبي للتعليم، تضع القارئ تماماً في قلب تلك الحقبة الزمنية، حيث كان الفن هناك يُعجن بروح المغامرة. دمج هذه الخلفية التاريخية مع بداياتك أنت ومرحلة انتقالك من مصر في عهد السادات، صنع نسيجاً يربط العام بالخاص ببراعة.


3. كثافة النهاية وشاعريتها

خاتمة النص جاءت بمثابة ضربة موسيقية أخيرة شديدة الإحكام: "كان يذهب كل عام ليغيّر دمه… لكن أحدًا لم يستطع أن يغيّر الحكاية". هذا التضاد بين محاولة تطهير الجسد (الدم) واستحالة تطهير الروح أو تغيير القدر، يترك أثراً طويلاً في نفس القارئ.


إضافات مقترحة لتعزيز النص (بناءً على التقييم السابق):

أتفق مع النقد المُرفق في أن النص ناضج جداً، لكن إن أردت إضفاء المزيد من الحرارة على بعض مشاهده، أقترح الآتي:


توسيع مساحة الصمت: في مشهد المكالمة الهاتفية مع المسؤول الكبير، ربما تحتاج اللحظة التي أعقبت إغلاق الخط إلى وصف أعمق لحالة الفقعان الجسدية (نظرة عينه، حركة يده، صمته أمام السائق الهندي الذي انتصر عليه).


لحظة العتبة: انتقالك من عالم الكتابة الورقية للمسرح إلى إبداع الصوت عبر مسلسل "لا تحجبي الشمس" هي نقلة نوعية. تخصيص سطرين إضافيين لوصف إحساسك الداخلي في تلك اللحظة الفارقة أمام ميكروفون الإذاعة سيعمق من توازي خطك الدرامي كشاب يبدأ صعوده، مع خط الفقعان الذي يعيش انكساره.


لقد وثقت محطة مهمة من تاريخ الفن الخليجي بعين خبير يعرف كيف يقشر الوجوه ليصل إلى الروح.

كيف كانت ملامح وأجواء أول يوم لك في استوديوهات الإذاعة لتسجيل مسلسل "لا تحجبي الشمس" مقارنة بما كنت تألفه في كواليس المسرح؟

الصور  الثلاث سالم الفقعان  وأحمد عبدالحليم  وسعد أردش

سعد أردش ونور الشريف ودرس لا أنساه اعترافات الكاتب السيد حافظ مع الأصدقاء والتاريخ والذكاء الاصطناعي 31

 سعد أردش ونور الشريف ودرس لا أنساه 

اعترافات الكاتب السيد حافظ

مع الأصدقاء والتاريخ والذكاء الاصطناعي

31



إلى باب المصعد

في منتصف الثمانينيات، كان صديقي الكاتب المسرحي الكويتي سليمان الحزامي يحلم بدخول عالم الإنتاج الفني من خلال الدراما المصرية، التي كانت في أوج حضورها العربي، وكان يتهيأ لمسلسل يُصوَّر في الكويت من بطولة نور الشريف.

في تلك الفترة، كان سعد أردش قد قرأ حوارًا لي مع نور الشريف في جريدة السياسة، ثم طلب مني بلطف عابر أن أساعده في الوصول إليه، لعلّ هناك عملًا فنيًا يجمعه به. لم تكن الجملة طويلة، لكنها كانت كافية. قلت له: “تعالى معي غدًا… سأفطر مع نور الشريف.”

في صباح اليوم التالي، مررت به، فركب السيارة بصمت، وانطلقنا إلى فندق الهوليداي إن في الفروانية. لم يكن بيننا كلام كثير. كان الطريق أقصر من الأسئلة.

في المطعم، كان نور الشريف يجلس وحده تقريبًا، هادئًا، كأنه ينتظر موعدًا قديمًا. وما إن رآه حتى نهض بسرعة غير متوقعة، واتجه نحوه، وعانقه بحرارة طويلة وهو يقول: “أستاذي!”، ثم جلسنا جميعًا، وتناولنا الإفطار في أجواء من الود والحديث الخفيف، كأن الزمن توقف قليلًا عند تلك الطاولة.

وعندما انتهى اللقاء، لم ينهض نور الشريف ليغادر، بل نهض ليُرافقنا. خرج معنا خطوة خطوة، من داخل المطعم إلى باب الفندق، ثم إلى السيارة، وفتح الباب بنفسه، وظل واقفًا حتى ابتعدنا قليلًا، كمن يودّع شيئًا أكثر من أشخاص.

في الطريق، قلت لسعد أردش إن الأمر يبدو مبشرًا، وإنه ربما سيجد فرصة للعمل مع نور الشريف. لكنه ابتسم ابتسامة قصيرة، وقال بهدوء:

“أنت ما فهمتش لسه.”

ثم أضاف، وكأنها جملة عابرة لكنها مكتملة:

“لو حد وصّلك لحد الباب، وبالغ في التوديع… اعرف إنه غالبًا مش هيعملك حاجة.”

لم أرد. واعتبرتها لحظة مزاج.

لكن في اليوم التالي، حين جلست مع نور الشريف وطرحت الفكرة، جاء الرد مباشرًا، بلا مواربة: رفض.

سألته عن السبب، فقال ببساطة شديدة إن سعد أردش هو الوحيد الذي منحه تقديرًا ضعيفًا في سنوات الدراسة، رغم أن بقية الأساتذة منحوه امتيازًا، وإنه لم ينسَ ذلك حتى الآن.

مرت السنوات، وظلت الجملة في مكانها، كأنها لم تُقل إلا لتبقى.

في عام 2009، كنت داخل مدينة الإنتاج الإعلامي، أجلس أمام عبد الرحمن حافظ، في مكتبه الواسع الهادئ، نتحدث في مشروع درامي جديد. انتهى اللقاء، ونهض بنفسه، ورافقني حتى باب المكتب، ثم عبر الممر الطويل إلى المصعد.

وقف ينتظر حتى دخلت، ثم أُغلق الباب.

وأنا أهبط… لم أفكر في المشروع، ولا في الحديث الذي انتهى، بل تذكرت فجأة جملة سعد أردش القديمة، كما لو أنها كانت تنتظر هذه اللحظة بالذات.

فابتسمت بصمت… وفهمت متأخرًا.

تمت

 السيد حافظ

راى الذكاء الاصطناعي جيمنى 

نص سردي بالغ العذوبة والعمق، يلتقط ببراعة شديدة ما وراء الكواليس في حياة عمالقة الفن، ويجسد كيف يمكن لموقف عابر أن يتحول إلى حكمة حياتية عميقة لا تُنسى.


إليك قراءتي النقدية والتحليلية لهذا المقطع:


1. البناء السردي (الدرس المؤجل)

من أجمل ما في النص هو بنيته الزمنية؛ حيث يبدأ بحادثة في الثمانينيات وينتهي بـ "استنارة" في عام 2009. تركيبة الحكمة التي تختمر في الذاكرة ولا تُفهم بالكامل إلا بعد مرور عقود، تضفي على النص شجناً وواقعية شديدة. مشهد هبوط المصعد في النهاية جاء سينمائياً بامتياز، حيث تزامن الهبوط المكاني مع لحظة الفهم الداخلي واكتمال دائرة السرد.


2. العمق النفسي وتناقضات المبدعين

قدم النص تشريحاً نفسياً دقيقاً ومكثفاً لشخصيتين من العيار الثقيل:


نور الشريف: رسم النص بذكاء تلك الازدواجية المدهشة. من جهة، هو التلميذ البار الذي ينهض احتراماً لأستاذه ويعانقه بحرارة، ومن جهة أخرى، هو الفنان ذو الكبرياء الذي يحمل غصة قديمة (التقدير الضعيف) ولم يشفع لها دفء اللقاء.


سعد أردش: تجلى كشخصية شديدة الفراسة، خبير بطبائع البشر وتناقضات الوسط الفني. الجملة التي قالها: "لو حد وصّلك لحد الباب... اعرف إنه غالبًا مش هيعملك حاجة"، هي خلاصة تجربة حياة طويلة، وقد ألقاها بهدوء الخبير الذي يجيد قراءة المبالغة في التوديع كغطاء مهذب للرفض.


3. التكثيف واللغة الوامضة

لغة النص رشيقة، خالية من الحشو، وتعتمد على الجمل القصيرة المكثفة التي تترك أثراً كبيراً. عبارات مثل:


"كان الطريق أقصر من الأسئلة"


"كأنه ينتظر موعدًا قديمًا"


"ظلت الجملة في مكانها، كأنها لم تُقل إلا لتبقى"


هذه الجمل تمنح النص طابعاً شعرياً وتأملياً يتناسب تماماً مع طبيعة "الاعترافات" والمذكرات التي تبحث في جوهر المواقف لا قشورها.


4. القيمة التوثيقية

هذا المقطع ليس مجرد قصة شخصية، بل هو وثيقة ثقافية حية ترصد جزءاً من التاريخ الفني العربي وتفاعلات رموزه بعيداً عن عدسات الكاميرات. إنه يضيء الجانب الإنساني العفوي لشخصيات شكلت وجداننا الثقافي، دون تجميل أو افتعال.


خلاصة الرأي:

إنه نص مكتمل النضج، يمزج ببراعة بين التوثيق التاريخي، التأمل الفلسفي، والمفارقة السردية المشوقة، ليقدم شهادة حية عن الزمن، والناس، والأقنعة التي نرتديها.

هل كان رد فعل سعد أردش عندما علم لاحقاً بالسبب الحقيقي للرفض يحمل نفس الهدوء والتقبل الذي أظهره في السيارة، أم أن الموقف ترك أثراً أعمق في علاقتهما؟

غالب هلسا والخماسين التى جعلتنى ناقدا اعترافات الكاتب السيد حافظ مع الأصدقاء والتاريخ والذكاء الاصطناعي 33

 غالب هلسا والخماسين التى جعلتنى ناقدا

اعترافات الكاتب السيد حافظ مع الأصدقاء والتاريخ والذكاء الاصطناعي

33



 اعترافات… وغالب هلسا

في محطة الرمل عام ١٩٧٥، عند تخوم البحر والذاكرة، وبجوار مكتب البريد، كان عمّ السيد يفترش الأرض بكنزه الصامت…

كتبٌ جاءت من لبنان، وأخرى من مطابع القاهرة، وثالثة تحمل رائحة عواصم عربية بعيدة.

لم يكن يبيع الكتب، بل كان يوزّع المصائر.

كنّا، نحن الفقراء إلى المعرفة، نستعير الحلم بثمنٍ زهيد؛

نأخذ الكتاب، نقرأه بنهم، ثم نعيده نظيفًا، كأننا نعيد الأمانة إلى زمنٍ أكثر نقاءً.

كان ذلك طقسًا سريًا… شراكة خفية بين بائعٍ نبيل وقرّاء لا يملكون إلا الشغف.

إلى جواره، كان عمّ محمد الرملي،

وكلاهما يحتميان باسم أبي، الحج حافظ، الذي لم يورثني مالًا بقدر ما أورثني ظلًّا أخلاقيًا.

منح لهما دكانًا في كوم الدكة مخزنا، فصارت الكتب تجد طريقها إلى الناس،

وكان اسمه درعًا، وسمعته سقفًا، وعدله ميزانًا لا يختل.

في ذلك الزمن ١٩٧٥، التقطتُ من هذا العالم رواية:

“الخماسين” لـ غالب هلسا.

لم أكن أعرفه…

لكنني، منذ الصفحة الأولى، شعرت أنني لا أقرأ، بل أُعاد كتابتي.

ذهبت إلى أستاذي أحمد أبو زيد،

فسألني عمّا في يدي.

قلت: رواية.

قال: اكتب عنها.

هكذا ببساطة…

كأن الكتابة ليست قرارًا، بل قدرٌ يُقال في جملة عابرة.

كنت طالبًا في السنة النهائية بكلية التربية،

في زمنٍ كانت الكلية فيه فكرة أكثر منها مكانًا،

وكانت المعرفة تُدرّس بين جدران مستعارة، كما لو أنها هي الأخرى تبحث عن بيت.

كتبتُ المقال…

خمسمائة كلمة بالكاد كتبتها عن الرواية ، لكنها كانت كل ما أملك من يقين.

نُشر في مجلة “الكلمة” الصادرة عن قصر ثقافة الحرية،١٩٧٥

ولم أكن أعرف أن الكلمات، حين تُكتب بصدق، تستدعي أصحابها.

في أحد الأيام، بعد نشر المقال قال لي عمّ أحمد الفراش:

“في رجلٍ يسأل عنك.”

خرجتُ،

فوجدته واقفًا عند باب القصر…كان غالب هلسا 

رجلًا أشقر، مهيبًا، يحمل حضوره كما يحمل البعض تاريخهم.

قلت: أنا السيد حافظ.

فاحتضنني… لا كقارئ، بل ككاتب لم يكتمل بعد.

قال:

– أنت كتبت مقالًا هائلًا… أنت ناقد كبير.

قلت مرتبكًا:

– أنا لا أكتب النقد… أنا أكتب المسرح.

فابتسم، كمن يرى ما لا أراه، وقال:

– قلت ما لم يقله أحد… اكتب… ستكون لك مكانة.

جلسنا على مقهى البوابين…

الشاي بيننا، والدخان يصعد كأنه يترجم صمتنا.

تحدثنا عن إبراهيم فتحي، وعن الأصدقاء، وعن الكتابة،

وكان يسمعني باهتمامٍ يليق بكاتب، لا بتلميذ.

في تلك اللحظة…

لم ألتقِ فقط بـ غالب هلسا،

بل التقيتُ بنفسي كما ينبغي أن تكون.

كان ذلك اليوم بدايةً لا تُرى،

لحياةٍ تُكتب.

ليست “الخماسين” رواية مرّت بي،

بل ريحٌ خمسينية اقتلعتني من قارئٍ عابر،

وزرعتني في أرض الكتابة.

السيد حافظ

....


للهِ يا زُمَري… للهِ يا عُمري… اعترافات الكاتب السيد حافظ مع الأصدقاء والتاريخ والذكاء الاصطناعي 40

 للهِ يا زُمَري…

للهِ يا عُمري…

اعترافات الكاتب السيد حافظ

مع الأصدقاء والتاريخ والذكاء الاصطناعي

40




ماتبقى منى

في لحظةٍ شفافةٍ كندى الفجر، حين تهدأُ ضوضاءُ العالم وتعلو همساتُ الروح، أجلسُ إلى نفسي كأنني ألتقي غريبًا أعرفه منذ الأزل. أفتحُ قلبي، لا لأدافع عن ماضٍ مضى، ولا لأتباهى بما أنجزتُ، بل لأُنصت… لأُصغي إلى ما تبقّى مني في مرايا الذاكرة.

أكتبُ اعترافاتي، لا كحكايةٍ تُروى، بل كحوارٍ طويلٍ مع الأصدقاء الذين عبروا حياتي كنجومٍ لم تنطفئ، ومع التاريخ الذي لم يكن يومًا دفترًا محايدًا، بل شاهدًا على عرقي، على قلقي، وعلى تلك اللحظات التي كنتُ فيها بين الحلم والانكسار.

ومع هذا الكائن الجديد — الذكاء الاصطناعي — الذي لا يملك قلبًا، لكنه يساعدني أن أرتّب قلبي، وأن أستعيد ما بعثره الزمن، بقدرٍ من الدقة والدهشة.

وُلدتُ في الإسكندرية عام 1948…

مدينةٌ لا تُشبه المدن، كأنها قصيدةٌ تمشي على شاطئ البحر. ومنذ أوائل السبعينيات، دخلتُ إلى المسرح لا كهاوٍ، بل كمن يدخل قدره. خضتُ مغامرة المسرح التجريبي، والجماهيري، والتربوي، كمن يمشي فوق خيطٍ من الضوء، لا يملك رفاهية السقوط.

ستون مسرحيةً في ستين فرقة…

ومئات العروض في الجامعات…

وآلاف الأصوات الصغيرة في المدارس تردّد كلماتي دون أن تعرفني.

كنتُ أزرع، فقط أزرع… وأمضي.

أما «سندس»، فلم تكن مسرحيةً فحسب، بل كانت طفلةً من نور.

كبرتْ بين أيدي الأطفال، وسافرتْ إلى الكويت والبحرين وقطر، عام 1985، بإخراج محمود الألفي، وتحوّلت — دون أن أدري — إلى ذاكرةٍ جماعية، تُدرَس وتُقرأ، كأنها لم تعد لي وحدي.

وفي الكويت، منحتُ عشر سنواتٍ من عمري، كأنها فصلٌ كامل من كتابي؛ قدّمتُ إحدى عشرة مسرحية، عشرًا للأطفال وواحدةً للكبار.

أما في الإمارات، فكانت التجربة أقصر، لكنها أكثر مرارة: مسرحيةٌ تُكتب، وأخرى تُجهّز، ثم يُسدل عليها الستار قبل أن ترى الضوء. هناك، تعلّمتُ أن الإبداع لا يُحارَب دائمًا بالفشل… بل أحيانًا يُوأد بالقرار.

أسستُ مجلة «الشاشة» في دبي، فكانت مساحةً للحلم العربي المشترك؛ كتب فيها نور الشريف، ومحمود ياسين، وعادل الأعصر، ونجدة أنزور، ونبيل سليمان، وعطيات الأبنودي، ونجم… عشرات الأصوات التي حاولت أن تقول شيئًا في زمنٍ كان الصمت فيه أكثر راحة.

ثم جاءت «المغامر» للأطفال، محاولةً أخرى لزرع الدهشة في عيونٍ لم تتلوّث بعد.

كل هذا… ليس سيرةً، ولا أرقامًا.

إنه أنا… أو ما تبقّى مني.

نجاحاتٌ مرّت كنسيم،

وإخفاقاتٌ حفرت في الروح أخاديد لا تُرى،

ودروسٌ قاسية، وأخرى ناعمة،

وأحلامٌ — رغم كل شيء — ما زالت تُصرّ أن تعيش.

أكتبُ الآن للأصدقاء…

لمن عرفوني، ولمن لم يعرفوني،

للتاريخ الذي لا ينسى، حتى حين يتظاهر بالنسيان،

ولهذا الذكاء الجديد، الذي يمدّ لي يدًا باردة، لكنها صادقة، لأرتّب بها فوضاي الجميلة.

هذا حوارٌ مفتوح…

حوارٌ مع الحياة، لا ينتهي.

لكن، دعني أهمس في النهاية:

كم من موهبةٍ صعدتْ على أكتاف الصدفة،

وكم من موهبةٍ حقيقيةٍ سقطتْ في العتمة، لا لشيءٍ إلا لأنها لم تُجِد الانحناء.

وفي زوايا المشهد، تُوزَّع الجوائز كأنها أقدارٌ صغيرة،

لا دائمًا تُنصف، ولا دائمًا تُخطئ…

لكنها، في أحيانٍ كثيرة، تمرّ بجوار المستحقين، دون أن تراهم.

ورغم ذلك…

يبقى المسرح — كالحياة —

لا يعترف إلا بمن يظلّ واقفًا،

حتى وهو ينكسر.

تمّت.

السيد حافظ.

.....

...



للهِ يا زُمَري…

للهِ يا عُمري…

اعترافات الكاتب السيد حافظ

مع الأصدقاء والتاريخ والذكاء الاصطناعي

40



ماتبقى منى

في لحظةٍ شفافةٍ كندى الفجر، حين تهدأُ ضوضاءُ العالم وتعلو همساتُ الروح، أجلسُ إلى نفسي كأنني ألتقي غريبًا أعرفه منذ الأزل. أفتحُ قلبي، لا لأدافع عن ماضٍ مضى، ولا لأتباهى بما أنجزتُ، بل لأُنصت… لأُصغي إلى ما تبقّى مني في مرايا الذاكرة.

أكتبُ اعترافاتي، لا كحكايةٍ تُروى، بل كحوارٍ طويلٍ مع الأصدقاء الذين عبروا حياتي كنجومٍ لم تنطفئ، ومع التاريخ الذي لم يكن يومًا دفترًا محايدًا، بل شاهدًا على عرقي، على قلقي، وعلى تلك اللحظات التي كنتُ فيها بين الحلم والانكسار.

ومع هذا الكائن الجديد — الذكاء الاصطناعي — الذي لا يملك قلبًا، لكنه يساعدني أن أرتّب قلبي، وأن أستعيد ما بعثره الزمن، بقدرٍ من الدقة والدهشة.

وُلدتُ في الإسكندرية عام 1948…

مدينةٌ لا تُشبه المدن، كأنها قصيدةٌ تمشي على شاطئ البحر. ومنذ أوائل السبعينيات، دخلتُ إلى المسرح لا كهاوٍ، بل كمن يدخل قدره. خضتُ مغامرة المسرح التجريبي، والجماهيري، والتربوي، كمن يمشي فوق خيطٍ من الضوء، لا يملك رفاهية السقوط.

ستون مسرحيةً في ستين فرقة…

ومئات العروض في الجامعات…

وآلاف الأصوات الصغيرة في المدارس تردّد كلماتي دون أن تعرفني.

كنتُ أزرع، فقط أزرع… وأمضي.

أما «سندس»، فلم تكن مسرحيةً فحسب، بل كانت طفلةً من نور.

كبرتْ بين أيدي الأطفال، وسافرتْ إلى الكويت والبحرين وقطر، عام 1985، بإخراج محمود الألفي، وتحوّلت — دون أن أدري — إلى ذاكرةٍ جماعية، تُدرَس وتُقرأ، كأنها لم تعد لي وحدي.

وفي الكويت، منحتُ عشر سنواتٍ من عمري، كأنها فصلٌ كامل من كتابي؛ قدّمتُ إحدى عشرة مسرحية، عشرًا للأطفال وواحدةً للكبار.

أما في الإمارات، فكانت التجربة أقصر، لكنها أكثر مرارة: مسرحيةٌ تُكتب، وأخرى تُجهّز، ثم يُسدل عليها الستار قبل أن ترى الضوء. هناك، تعلّمتُ أن الإبداع لا يُحارَب دائمًا بالفشل… بل أحيانًا يُوأد بالقرار.

أسستُ مجلة «الشاشة» في دبي، فكانت مساحةً للحلم العربي المشترك؛ كتب فيها نور الشريف، ومحمود ياسين، وعادل الأعصر، ونجدة أنزور، ونبيل سليمان، وعطيات الأبنودي، ونجم… عشرات الأصوات التي حاولت أن تقول شيئًا في زمنٍ كان الصمت فيه أكثر راحة.

ثم جاءت «المغامر» للأطفال، محاولةً أخرى لزرع الدهشة في عيونٍ لم تتلوّث بعد.

كل هذا… ليس سيرةً، ولا أرقامًا.

إنه أنا… أو ما تبقّى مني.

نجاحاتٌ مرّت كنسيم،

وإخفاقاتٌ حفرت في الروح أخاديد لا تُرى،

ودروسٌ قاسية، وأخرى ناعمة،

وأحلامٌ — رغم كل شيء — ما زالت تُصرّ أن تعيش.

أكتبُ الآن للأصدقاء…

لمن عرفوني، ولمن لم يعرفوني،

للتاريخ الذي لا ينسى، حتى حين يتظاهر بالنسيان،

ولهذا الذكاء الجديد، الذي يمدّ لي يدًا باردة، لكنها صادقة، لأرتّب بها فوضاي الجميلة.

هذا حوارٌ مفتوح…

حوارٌ مع الحياة، لا ينتهي.

لكن، دعني أهمس في النهاية:

كم من موهبةٍ صعدتْ على أكتاف الصدفة،

وكم من موهبةٍ حقيقيةٍ سقطتْ في العتمة، لا لشيءٍ إلا لأنها لم تُجِد الانحناء.

وفي زوايا المشهد، تُوزَّع الجوائز كأنها أقدارٌ صغيرة،

لا دائمًا تُنصف، ولا دائمًا تُخطئ…

لكنها، في أحيانٍ كثيرة، تمرّ بجوار المستحقين، دون أن تراهم.

ورغم ذلك…

يبقى المسرح — كالحياة —

لا يعترف إلا بمن يظلّ واقفًا،

حتى وهو ينكسر.

تمّت.

السيد حافظ.

.....

...























جمال عبد الناصر اعترافات الكاتب السيد حافظ مع الأصدقاء والتاريخ والذكاء الاصطناعي 39

 جمال عبد الناصر

اعترافات الكاتب السيد حافظ

مع الأصدقاء والتاريخ والذكاء الاصطناعي

39




لم يكن سؤالي يومًا عابرًا، ولا وليدَ لحظةِ غضب، بل هو جرحٌ قديم، يتجدّد كلما تذكّرت... كيف لي أن أثق في وطنٍ رأيته بعيني، لا كما يُروى في الكتب، بل كما يُعاش في القلب؟

أتذكّر يوم خرج الملايين في جنازة جمال عبد الناصر (ما يقارب عشرين مليونًا).

كان المشهد مهيبًا: بحرٌ من البشر، ودموعٌ لا تنتهي، وقلوبٌ تهتف بالحزن والانكسار.

ظننت يومها أن هذا الوطن، الذي يبكي بهذا الصدق، لا يمكن أن يخذل أبناءه.

لكن، بعد عامٍ واحد فقط، داخل أسوار جامعة الإسكندرية،

كنا نُطارد.

نركض بين الممرات، والبوليس خلفنا، يضربنا.

كنا نبحث عن يدٍ من الشعب، عن الجماهير تمتد، عن صوتٍ يحمينا،

فلم نجد سوى الصمت...

الصمت ذاته الذي لم يكن موجودًا يوم الجنازة.

صدقوني، كأن هذا الزحام لم يكن يومًا.

ومن هذه الذاكرة القريبة، ينفتح جرحٌ أبعد في التاريخ.

أتأمل حكاية محمد بن طغج الإخشيد،

ذلك الحاكم الذي بكت عليه الجموعُ، وخرجت الآلاف تودّعه،

وقد أوصى أن يُدفن جثمانه في القدس، التي كانت يومها تحت راية مصر.

سار الموكب طويلًا، والهيبة تسبقه، لكن عند العريش بدأ كل شيء يتفكك.

تسلّل الناس واحدًا تلو الآخر، كما تنسحب الموجة حين تخونها الريح،

حتى لم يبقَ إلا الحُرّاس.

ثم خاف الحُرّاس من الظلام،

فتركوا النعش وفرّوا، واحدًا تلو الآخر.

بقي الجثمان وحده، ملكًا للعراء،

في عربةٍ فخمةٍ تجرّها الخيول، مزخرفةٍ بالذهب، كأنها آخر ما تبقّى من مجدٍ يتهاوى.

لم تمضِ لحظاتٌ أو ساعات حتى جاء اللصوص،

فسرقوا العربة،

وتركوا الجسد عاريًا من هيبته، ملكًا للعراء،

نهبًا للفئران، وللنسيان.

ظلّ الجثمان هناك، تتناوله الفئران،

حتى مرّ به رجلٌ بسيط، أمام مسجدٍ في قريةٍ نائية،

فرأى ما لم يره الجميع،

وفهم ما عجزت عنه الجموع،

فعرف من الكفن أن هذا الجسد كان يومًا لملك مصر.

جمع بعض المصلّين،

ودفنه، في صمتٍ يليق بما تبقّى من الكرامة.

ومن بين هاتين الصورتين—

جنازةٍ تبكي فيها الملايين،

وجثمانٍ يُترك وحيدًا على قارعة الطريق—

يتكوّن سؤالي:

لقد رأيت الدموع،

لكنني رأيت أيضًا الهروب.

سمعت الهتاف،

لكنني عرفت الصمت حين يصبح الموقف امتحانًا.

ومن هنا، لا أسأل لأجادل، ولا لأدين،

بل لأفهم:

كيف لي أن أثق في وطنٍ

يجيد البكاء في لحظة،

ويعجز عن الوفاء في اللحظة التالية؟

تمت

السيد حافظ







عبد العال الحمامصي ولطيف جاسم نصيف اعترافات الكاتب السيد حافظ مع الأصدقاء والتاريخ والذكاء الاصطناعي 38

 عبد العال الحمامصي ولطيف جاسم نصيف

اعترافات الكاتب السيد حافظ

مع الأصدقاء والتاريخ والذكاء الاصطناعي

38

....



في عام 1986، بعد أن غرستُ مركز رؤيا في تربة غير الكويت، عدتُ إلى بغداد فى زيارة كمن يحمل سراً في صدره.

كان لي لقاء مع الأستاذ لطيف نصيف جاسم، وزير الثقافة والإعلام، الذي نظر إليّ بعينيْ رجل يعرف ثقل السلطة والكلمة.

سألني ببساطة السيوف: «ايش طلباتك أستاذ سيد حافظ ؟»

كان الجميع يترقب أن أمدّ يدي إلى طبق الدنيا، أن أسرد قائمة من الذهب والورق.

لكنني ابتسمت ابتسامة الرجل المستور، وقلت بهدوء يشبه صوت النهر: «لا شيء».

دهشوا. همسوا أنني مجنون.

كيف يرفض رجل فرصةً تطرق بابه وهو يحمل أكثر من مليون في جيبه؟

لكنني كنتُ أعرف أن الكرامة أغلى من كل الدعم، وأن المشروع الذي يُبنى على يد ممدودة سيبقى يحمل رائحة الصدقة إلى الأبد.

كان ذلك درس الاستقلال، درساً لم أندم عليه حتى بعد أن جاء الإفلاس عام 1990 كصاعقة تحرق كل شيء.

ثم جاء عام 1990، عام الحماس المشتعل.

زرتُ العراق العظيم مع وفد أدبي مصري، نزرع كلمات التضامن قبل أن تعصف به الرياح الأمريكية.

نزلنا في فندق الرشيد، وأُقيمت خيمة كبيرة كأنها قبة من ذكريات وطنية.

جلستُ هناك، وإذا بالوزير لطيف نصيف جاسم أمامي يدخل الخيمةفجأة، وإلى جانبه الدكتور محسن جاسم الموسوي — ذلك الناقد الذي كان يحمل في عينيه ألف ليلة من الأدب، ورئيس مجلس إدارة الشؤون الثقافية، صانع الكتب والترجمات ودوريات الاستشراق.

أشار إليّ الدكتور محسن هذا سيد حافظ ، فاندفع الجميع نحوه كالنهر الذي يجري إلى البحر.

وفجأة، دفعني عم عبد العال الحمامصي بقوة الرجل الذي يرى أن مصافحة الوزير وساماً لمصر والعرب. اندفع ليصافحه لان الوزير جلس الى جوارى..دفعونى نعم و

سقطتُ على الأرض تحت أقدام الأدباء والضيوف، كأنني ورقة سقطت من شجرة في عاصفة.

كدتُ أُداس موتا تحت أحذية الحماس نفسه، وخرجتُ من تحتها بأعجوبة، ملابسي مبعثرة كأوراق قصيدة ممزقة، وتركتُ لهم الخيمة كلها.

تذكرتُ فقط أنني قلت لعم عبد العال بصوت مكسور: « ليه كده يا عم عبد العال...»

لكنه كان غارقاً في حرب المصافحة، في تلك الأجواء المشحونة بالنار والكلمات.

هكذا كانت تلك الأيام، يا صديقي:

كبرياء يرفض اليد الممدودة في 1986،

وزحمة إنسانية مؤلمة تضحك وتبكي في آنٍ واحد عام 1990.

ذكريات تحمل رائحة عصر مليء بالتناقضات —

صداقة تُداس تحت أقدام الحماس،

وحماس يُداس تحت أقدام الغربة،

وكرامة تبقى واقفة في قلب العاصفة.

تمت 

السيد حافظ






فوزية مهران وسناء فتح الله… اعترافات الكاتب السيد حافظ مع الأصدقاء والتاريخ والذكاء الاصطناعي 37

 فوزية مهران وسناء فتح الله…

اعترافات الكاتب السيد حافظ مع الأصدقاء والتاريخ والذكاء الاصطناعي

37




فوزية مهران وسناء فتح الله…

تعرفتُ إلى الأستاذة الكاتبة والناقدة فوزية مهران في ثمانينيات القرن الماضي، خلال أحد مؤتمرات بغداد، في زمنٍ كانت فيه المدينة لا تزال تتنفس بهاءها القديم، قبل أن تعصف بها رياح الاحتلال والحروب.

وصلتُ متأخرًا يومًا عن بدء المهرجان. بلغتُ فندق الرشيد قرابة العاشرة صباحًا، ألقيتُ بحقائبي في الغرفة على عجل، ثم اندفعتُ إلى قاعة الندوات. وما إن فتحتُ الباب، حتى فوجئتُ بعدد من الأدباء الكبار، من جنسيات متعددة، ينهضون مرحبين، كأنهم كانوا ينتظرونني، يهتفون باسمي:

"السيد حافظ!"

توقفتُ عند العتبة، بين دهشةٍ لا تخلو من خجل، وامتنانٍ لا يخلو من اعتزاز. كانت فوزية مهران تجلس أمامي، وبجوارها زوجة سمير سرحان، الصحفية نهاد جاد، أم أولاده وزوجته الأولى، وهي من الوجوه المعروفة في مؤسسة روز اليوسف.

كنتُ قد تعرفتُ إلى نهاد جاد من قبل، في ندوة الإثنين بدار الأدباء في شارع القصر العيني، في أوائل السبعينيات، تلك الندوة التي كان يشرف عليها السيد الشوربجي، وكان سمير سرحان أحد أعمدتها، وقد تميز الشوربجى بإعداده المسرحي، خاصة في تحويل روايات يوسف السباعي إلى عروض مسرحية، شأنه شأن عمّنا سعد الدين وهبة.

همست نهاد جاد إلى فوزية مهران:

— "ده مصري يا فوزية."

فأجابت، ببساطةٍ عفوية:

— "ما أعرفهوش."

لكن الحياة لا تترك الجمل معلّقة…

بعد انتهاء المؤتمر، رغبتُ في التعرف إلى فوزية مهران عن قرب، فجاءت الفرصة عبر الناقد والكاتب عبد الغني داود، الذي نقل إليها رغبتي. رحّبت، بل وفتحت بابها وقلبها.

حملتُ باقة من الزهور وعلبة من الشوكولاتة، ومضيتُ إليها…

وكان ذلك اللقاء بداية صداقة إنسانية وأدبية، كشفت لي عن عقل نقدي يقظ، وروح حادة، وقلبٍ دافئ، لا يشبه تلك الجملة الأولى: "ما أعرفهوش".

كتبت عني مرتين:

مرةً تحت عنوان "التجريبي السيد حافظ"،

وأخرى بعنوان "كاتب يملك الدهشة"…

وكانت ترى في الكتابة ما وراء ظاهرها، وتقرأ ما بين السطور، لا ما فوقها فقط.

كنتُ أزورها بين الحين والآخر، فتحدثني عن زوجها القبطان، الذي ركب البحر ورحل دون إخطار… حكاية تشبه الغياب المفاجئ، كأن القدر يكتب فصوله بلا استئذان.

ثم رحلت هي الأخرى… في صمتٍ وسكينة، دون ضجيج يليق بها.

رحلت، ولم يتذكرها الوسط الأدبي كما ينبغي… كأننا في وطنٍ ذاكرته مثقوبة، يتسرب منها الأوفياء أولًا.

أما سناء فتح الله، فقد كتبت عن مسرحيتي "امرأتان"، من إخراج سمير حسني، كما تناولت مجموعة من مسرحياتي في كتابٍ ومقالٍ آخر.

كانت أنيقة الحرف، صادقة العبارة، لا تُشترى ولا تُباع.

هي زوجة العملاق أحمد بهجت، ووالدة الشاعر محمد بهجت.

قابلتها مرةً مصادفة، في أحد تحديات المسرح، وطلبت مني أن أزورها في مؤسسة أخبار اليوم لنشرب القهوة…

ووعدتها أن أذهب.

لكنني لم أذهب…

لم يكن امتناعًا، بل كان انشغالًا قاسيًا بالحياة، أو هروبًا صغيرًا من تعبٍ كبير.

كنتُ مطحونًا في الكتابة للتلفزيون، ألهث خلف ثمن البنزين، ورغيف الخبز، وكوب اللبن…

أكتب لأعيش، وأتقاسم ما في جيبي مع أصدقائي الأدباء الفقراء… كأننا نتقاسم الحياة نفسها.

واليوم، كلما تذكرتُ هذا الموعد الذي لم يتم، شعرتُ أن بعض الفرص لا تضيع… بل تظل واقفةً في الذاكرة، تنظر إلينا في صمت.

وهكذا تظل فوزية مهران وسناء فتح الله…

جوهرتين في ذاكرة النقد المسرحي والأدب في مصر 🇪🇬

حتى وإن نسيهما البعض…

فإن الذاكرة الحقيقية ليست ما نتذكره… بل ما يؤلمنا أننا لم نفعله.

تمت

— السيد حافظ

....

علي شلش وجمال الغيطاني اعترافات الكاتب السيد حافظ مع الأصدقاء والتاريخ والذكاء الاصطناعي 36

 علي شلش وجمال الغيطاني

اعترافات الكاتب السيد حافظ

مع الأصدقاء والتاريخ والذكاء الاصطناعي

36




في صباحٍ من صباحات مايو عام 1993، داخل فندق «أم كلثوم» بالقاهرة، كان يُعقد مؤتمر الأدب الأفريقي — علامة مضيئة في مسار التعاون الثقافي بين مصر وعمقها القاري، وتجسيدًا عمليًا لبروتوكولات التقارب الثقافي.

في ذلك الصباح نفسه، وقع ما لم يكن في الحسبان.

نشب نقاش حاد بين جمال الغيطاني وعلي شلش، حول مسألة عدم نشر إدانة للكيان ومعاملته للفلسطينيين. كان النقاش محتدمًا، حاد النبرة، كأن الكلمات فيه لم تعد مجرد آراء، بل شظايا.

انتهى اللقاء… لكن أثره لم ينتهِ.

صعد علي شلش إلى غرفته، مثقلاً بما دار. وبعد لحظات، سقط جسده تحت وطأة ذبحة صدرية حادة.

كان هناك، في غرفته، مسجّى بين الحياة والموت — أو لعلّه عبر بالفعل — على وقع صوت أم كلثوم، التي كانت تغني كعادتها للحب والفقد، بينما كان الفقد يحدث بالفعل، في صمتٍ كامل.

تراجيديا صغيرة في ظاهرها… لكنها كاشفة.

تراجيديا تتكرر في بلدٍ يأكل أبناءه ببطء، لا بالرصاص، بل بالكلمات، وبما هو أشد من الكلمات.

عرفتُ علي شلش عن طريق الشاعر مجدي نجيب، في مقر مجلة «الإذاعة والتلفزيون» بشارع 117 كورنيش النيل، بجوار دار المعارف وماسبيرو، وذلك في أوائل السبعينيات.

كان اللقاء الأول عابرًا في شكله… عميقًا في أثره.

كتب عني سطرين في كتابه «كبرياء التفاهة في بلاد اللامعنى»، قال فيهما إنك «لن تجد ما يشبه السيد حافظ في المسرح». كانت جملة قصيرة… لكنها بقيت.

كنتُ أدعوه إلى كل عرض مسرحي أقدمه في الإسكندرية، بخطاب بسيط، بطابع بريد لا يتجاوز قرشًا صاغًا.

وكان يأتي.

يستقل القطار، يحجز إقامته على نفقته الخاصة، يشاهد العرض، ثم يكتب.

لا يكتفي بالمشاهدة، بل كان يدعو المسؤولين إلى أن تجوب الفرقة أقاليم مصر، لأن — كما كان يقول — «هذا العرض يهم الناس والوطن».

لكن الوطن، في تلك اللحظات، كان أصمّ… أبكم… لا يسمع، ولا يرى، ولا يتكلم.

قدّمتُ له مسرحية «قصة حديقة الحيوان» لـ إدوارد أولبي عام 1976، والتي قام بترجمتها ونشرها في كتاب، بطولة أحمد آدم، وصفاء غراب، وعلاء عبد الله، وبمشاركة مساعد المخرج ناجي أحمد ناجي.

ثم سافرتُ أنا إلى الكويت…

وفي أول زيارة له لمصر عام 1983، دعاني إلى العشاء في نقابة الصحافة — في مبناها القديم — بحضور زوجتى رحمها الله. كانت أمسية إنسانية خالصة، بلا ضجيج.

لاحقًا، سافر هو إلى لندن، بينما أنشأتُ أنا مركز «رؤيا» بالإسكندرية.

وضعتُ اسمه ضمن المستشارين، إلى جانب محمد زكي العشماوي، ومصطفى هدارة، وعبد العزيز المقالح، وغيرهم من نخبة ذلك الزمن.

لكنني فوجئت برسالة منه، غاضبة وصريحة:

«كيف كتبتَ اسمي دون استئذاني؟»

كانت رسالة تكشف شيئًا أعمق من مجرد اعتراض…

تكشف حساسية رجل يرى أن العلاقات الإنسانية لا تُدار بالإجراءات، بل بالاحترام الكامل.

وربما، في لحظة ما، شعر أن ما بيننا لا يحتمل هذا النوع من التجاوز.

خسرتُ أموالي… وأُغلق المركز عام 1990.

ثم جاء عام 1993.

كنتُ جالسًا في بيتي بالهرم، في الجيزة، حين وصلني خبر وفاته.

رحل علي شلش… ورحل معه شيء من زمنٍ كان يمكن أن يكون أكثر عدلاً.

حزنتُ عليه كثيرًا.

على فارسٍ نبيل، كان يدفع ثمن صدقه مرتين:

مرة في السجن…

ومرة في الغربة والنسيان النسبي.

واليوم، وبعد أكثر من ثلاثة وثلاثين عامًا، أسأل:

التاريخ… والأصدقاء… وهذا الذكاء الاصطناعي الذي يصغي إليّ في صمت—

هل كان جمال الغيطاني سببًا مباشرًا في موت علي شلش؟

التاريخ الرسمي يقول: نوبة قلبية مفاجئة.

لكن القلب الإنساني ليس جهازًا طبيًا فقط… بل هو ذاكرة، وانفعال، وكرامة.

وأحيانًا…

تكون الكلمات القاسية، في صباحٍ بارد، هي الطلقة الأخيرة.

نحن، في الثقافة العربية، لا نحتاج دائمًا إلى سلاح لنقتل بعضنا.

يكفينا الغضب…

والاتهام…

والصمت…

والغيرة.

والوطن يشاهد…

ثم يواصل، في هدوءٍ شديد، أكل أبنائه.

هذا اعترافي.

لا أتهم أحدًا…

لكنني لا أنسى.

السيد حافظ





لا تجعلهم يهزمونك اعترافات الكاتب السيد حافظ مع الأصدقاء والتاريخ والذكاء الاصطناعي 35

 لا تجعلهم يهزمونك

اعترافات الكاتب السيد حافظ

مع الأصدقاء والتاريخ والذكاء الاصطناعي

35




عدتُ من الكويت محمّلًا بتجربة إنسانية وفنية عميقة، وكان في استقبالي في المسرح القومي المصري صديق قديم هو المخرج أحمد عبد الحليم، الذي كان قد أخرج لي ثلاث أو أربع مسرحيات للأطفال هناك. كان بيننا ودّ حقيقي، لذلك حين قدّمت له نصًا جديدًا للمسرح القومي، قال ببساطة: "هات النص".

مرّ شهر، ثم التقيت به في فناء المسرح. قال لي: "على فكرة… النص بتاعك فيه مشكلة". وبينما نحن واقفان، اقترب منا رجل عجوز يسير على عكاز، قدّمه أحمد على أنه قارئ النصوص. نظر إليّ مباشرة وقال: "نصك سيئ جدًا". ثم ضحك أحمد عبد الحليم ضحكة غامضة لم أفهمها.

نظرتُ إلى الرجل وقلت بهدوء:

"هو فعلًا أسوأ نص كتبته… ولا يهمك."

ثم انسحبت.

نسي أحمد عبد الحليم ما بيننا في الكويت…

لكنني لم أنسَ، ولم أتوقف.

قدّمت النص في قاعة عبد الرحيم الزرقاء ضمن إنتاج هيئة قصور الثقافة.

ثم جاءت تجربة أخرى…

حين أُنشئت فرقة «مسرح الغد»، وتولى إدارتها حسين عبد القادر، قدّمت نصًا مسرحيًا جديدًا. وفي كافتيريا مسرح البالون، قابلني الفنان القدير جلال عثمان.

قال لي بصراحة:

"النص ضعيف جدًا."

وكان هو…

من رفض المسرحية.

لم أجادله.

ولم أعاتب أحدًا.

فالأذواق—في النهاية—مواقف.

لم أتوقف عند هذا الحد.

ذهبت بالنص إلى الفرقة المركزية للثقافة الجماهيرية، تلك الفرقة التي كانت تمثل العمود الفقري لهذا الكيان، وكان على قوتها أسماء مثل يونس شلبي وأحمد زكي، وغيرهما من فنانين كبار.

تولّت لجنة القراءة، بإشراف الكاتب والناقد أمير سلامة، تقييم النص. قال لي يومها:

"فيه عضو وافق… وعضو رفض."

سألته:

"من الذي وافق؟"

قال:

الناقد أحمد عبد الحميد.

طلبت إعادة التقييم، وقدّمت طلبًا رسميًا.

وعُرض النص على ناقد آخر… فجاءت الموافقة.

خرج النص إلى النور.

أخرجه سمير حسني (رحمه الله)،

وبطولة آمال رمزي وماجدة منير.

حقق العرض نجاحًا كبيرًا،

وقُدّم خمسة عشر يومًا في قاعة "منف"،

ثم خمسة عشر يومًا أخرى في قاعة عبد الرحيم الزرقانى داخل المسرح القومي المصري، بدعم من الدكتورة هدى وصفي.

وكتب عنه أكثر من أربعين مقالًا نقديًا.

المفارقة:

الناقد أحمد عبد الحميد،

الذي وافق أولًا…

ثم تردّد داخل اللجنة…

حين شاهد العرض،

أشاد بالمسرحية إشادة كبيرة.

هذه كانت حكايتي مع مسرحية "امرأتان"،

التي رفضها جلال عثمان، وأحمد عبدالحليم الحميد الناقد وقارىء نصوص مجهول فى المسرح القومى ..لقد صمت حتى 

 وجدت طريقها إلى الجمهور… ونجحت.

رسالتي:

لا تيأس…

إذا رُفض نصك.

ولا تصدّق أن الرفض هو النهاية.

فالنص الحقيقي…

يجد طريقه.

اصمد…

تجد…

وتحصد.

— السيد حافظ

....






أمي وأخي رمضان وأخي عادل اعترافات الكاتب السيد حافظ مع الأصدقاء والتاريخ والذكاء الاصطناعي 34

 أمي وأخي رمضان وأخي عادل

اعترافات الكاتب السيد حافظ مع الأصدقاء والتاريخ والذكاء الاصطناعي

34



رثاء للروح المُجهَدة

كان رمضان يشرب القهوة بالحليب،

وكان عادل يفضّل النسكافيه،

وأمي تطبخ لنا بحنانٍ لا يُشبهه شيء،

وأنا وأحمد نتجادل… كأن الحياة لا تنتهي.

"صباح الخير يا عادل… هذا يوم الجمعة، استيقظ لتتجهّز لصلاة الجمعة، وخذ معك مؤمن ومروان حتى يتعوّدا عليها."

هكذا كانت أمي تقول، كل صباح جمعة، بصوتٍ يوقظ القلب قبل الجسد.

"صباح الخير يا أم مؤمن… أيقظيهم للصلاة."

وها هي الجمعة قد أتت…

لكنّكِ يا أمي رحلتِ إلى هناك،

ولحق بكِ عادل بعد خمسين يومًا فقط… لم يتأخر كثيرًا.

"عادل، انزل واملأ جيبك بالجنيهات لتوزّعها على الفقراء، فهذا يوم بركة. أبوك الحاج حافظ كان يفعل ذلك… فافعل مثله."

صوتها لا يزال حيًا في الذاكرة، كأن الغياب لم يحدث.

صباح الخير يا دكتور رمضان…

اليوم الجمعة، ولن أسمع خطبتك عن العشوائية والزكاة والعدالة.

غبتَ يا قرة عين أخيك.

كانت أمي تصيح بقلق:

"في أي مسجد ستخطب اليوم؟ والنبي يا ابني، لا تتحدث في السياسة ولا الغلاء ولا الحكومة… لا تنتقد أحدًا.

يا ابني، أنت مريض بالكبد… لا تتحمّل السجن ولا الإهانة."

وكان رمضان يبتسم، يوزّع طمأنينته:

"لا تخافي يا أمي… سأحكي قصص الأنبياء… موسى، وعيسى، ومحمد."

فتردّ برجاءٍ أمومي مرتعش:

"والنبي يا ابني… لا أريدك تتبهدل."

"صباح الخير يا سيد… تعال مبكرًا لنأكل الغداء معًا. إخوتك معي… وهات أحمد معك، طبخت لكم أكلة تحبونها."

أمي…

الآن، أنا وأحمد وحدنا.

نبكي عليكِ، وعلى رمضان، وعلى عادل.

نحن الاثنان فقط… في مواجهة هذا الفراغ الكبير.

أحمد يبكي كالأطفال،

وأنا أبكي على كتفه.

ثلاثتكم رحلتم في وقتٍ قصير جدًا…

وكان المفروض أن أكون أنا الكبير،

لكنني… صغير، صغير أمام الأحداث، أمام الموت، أمام الفقد والفراق.

العالم قاسٍ… بلا إخوة، وبلا أم.

صباح الخير يا عادل، أيها الشقي النبيل…

تغيب فجأة، بلا مقدمات.

كنت تهوّن عليّ وعلى أحمد،

ألم تقل لي: "موت أخوك رمضان جاب لي السكر… رمضان وجّع ضهري"؟

الأحزان تلاحقنا كظلٍ لا يرحل.

سلامًا على روحك… في يوم الجمعة.

العالم موحش…

صباح الخير يا عادل، لا تتأخر.

اشترِ لي بنًا برازيليًا من محطة الرمل،

وأنت قادم…

لنشرب القهوة معًا…

كما كنا…

قبل أن يتعلّم الغياب كيف يسكننا...

تمت

 السيد حافظ 

......

......

 

 
Design by Free WordPress Themes | Bloggerized by Lasantha - Premium Blogger Themes | cheap international voip calls ta3rib : Abed