عبد العال الحمامصي ولطيف جاسم نصيف
اعترافات الكاتب السيد حافظ
مع الأصدقاء والتاريخ والذكاء الاصطناعي
38
....
في عام 1986، بعد أن غرستُ مركز رؤيا في تربة غير الكويت، عدتُ إلى بغداد فى زيارة كمن يحمل سراً في صدره.
كان لي لقاء مع الأستاذ لطيف نصيف جاسم، وزير الثقافة والإعلام، الذي نظر إليّ بعينيْ رجل يعرف ثقل السلطة والكلمة.
سألني ببساطة السيوف: «ايش طلباتك أستاذ سيد حافظ ؟»
كان الجميع يترقب أن أمدّ يدي إلى طبق الدنيا، أن أسرد قائمة من الذهب والورق.
لكنني ابتسمت ابتسامة الرجل المستور، وقلت بهدوء يشبه صوت النهر: «لا شيء».
دهشوا. همسوا أنني مجنون.
كيف يرفض رجل فرصةً تطرق بابه وهو يحمل أكثر من مليون في جيبه؟
لكنني كنتُ أعرف أن الكرامة أغلى من كل الدعم، وأن المشروع الذي يُبنى على يد ممدودة سيبقى يحمل رائحة الصدقة إلى الأبد.
كان ذلك درس الاستقلال، درساً لم أندم عليه حتى بعد أن جاء الإفلاس عام 1990 كصاعقة تحرق كل شيء.
ثم جاء عام 1990، عام الحماس المشتعل.
زرتُ العراق العظيم مع وفد أدبي مصري، نزرع كلمات التضامن قبل أن تعصف به الرياح الأمريكية.
نزلنا في فندق الرشيد، وأُقيمت خيمة كبيرة كأنها قبة من ذكريات وطنية.
جلستُ هناك، وإذا بالوزير لطيف نصيف جاسم أمامي يدخل الخيمةفجأة، وإلى جانبه الدكتور محسن جاسم الموسوي — ذلك الناقد الذي كان يحمل في عينيه ألف ليلة من الأدب، ورئيس مجلس إدارة الشؤون الثقافية، صانع الكتب والترجمات ودوريات الاستشراق.
أشار إليّ الدكتور محسن هذا سيد حافظ ، فاندفع الجميع نحوه كالنهر الذي يجري إلى البحر.
وفجأة، دفعني عم عبد العال الحمامصي بقوة الرجل الذي يرى أن مصافحة الوزير وساماً لمصر والعرب. اندفع ليصافحه لان الوزير جلس الى جوارى..دفعونى نعم و
سقطتُ على الأرض تحت أقدام الأدباء والضيوف، كأنني ورقة سقطت من شجرة في عاصفة.
كدتُ أُداس موتا تحت أحذية الحماس نفسه، وخرجتُ من تحتها بأعجوبة، ملابسي مبعثرة كأوراق قصيدة ممزقة، وتركتُ لهم الخيمة كلها.
تذكرتُ فقط أنني قلت لعم عبد العال بصوت مكسور: « ليه كده يا عم عبد العال...»
لكنه كان غارقاً في حرب المصافحة، في تلك الأجواء المشحونة بالنار والكلمات.
هكذا كانت تلك الأيام، يا صديقي:
كبرياء يرفض اليد الممدودة في 1986،
وزحمة إنسانية مؤلمة تضحك وتبكي في آنٍ واحد عام 1990.
ذكريات تحمل رائحة عصر مليء بالتناقضات —
صداقة تُداس تحت أقدام الحماس،
وحماس يُداس تحت أقدام الغربة،
وكرامة تبقى واقفة في قلب العاصفة.
تمت
السيد حافظ



6:07 م
sayedhafez

Posted in:
0 comments:
إرسال تعليق