غالب هلسا والخماسين التى جعلتنى ناقدا
اعترافات الكاتب السيد حافظ مع الأصدقاء والتاريخ والذكاء الاصطناعي
33
اعترافات… وغالب هلسا
في محطة الرمل عام ١٩٧٥، عند تخوم البحر والذاكرة، وبجوار مكتب البريد، كان عمّ السيد يفترش الأرض بكنزه الصامت…
كتبٌ جاءت من لبنان، وأخرى من مطابع القاهرة، وثالثة تحمل رائحة عواصم عربية بعيدة.
لم يكن يبيع الكتب، بل كان يوزّع المصائر.
كنّا، نحن الفقراء إلى المعرفة، نستعير الحلم بثمنٍ زهيد؛
نأخذ الكتاب، نقرأه بنهم، ثم نعيده نظيفًا، كأننا نعيد الأمانة إلى زمنٍ أكثر نقاءً.
كان ذلك طقسًا سريًا… شراكة خفية بين بائعٍ نبيل وقرّاء لا يملكون إلا الشغف.
إلى جواره، كان عمّ محمد الرملي،
وكلاهما يحتميان باسم أبي، الحج حافظ، الذي لم يورثني مالًا بقدر ما أورثني ظلًّا أخلاقيًا.
منح لهما دكانًا في كوم الدكة مخزنا، فصارت الكتب تجد طريقها إلى الناس،
وكان اسمه درعًا، وسمعته سقفًا، وعدله ميزانًا لا يختل.
في ذلك الزمن ١٩٧٥، التقطتُ من هذا العالم رواية:
“الخماسين” لـ غالب هلسا.
لم أكن أعرفه…
لكنني، منذ الصفحة الأولى، شعرت أنني لا أقرأ، بل أُعاد كتابتي.
ذهبت إلى أستاذي أحمد أبو زيد،
فسألني عمّا في يدي.
قلت: رواية.
قال: اكتب عنها.
هكذا ببساطة…
كأن الكتابة ليست قرارًا، بل قدرٌ يُقال في جملة عابرة.
كنت طالبًا في السنة النهائية بكلية التربية،
في زمنٍ كانت الكلية فيه فكرة أكثر منها مكانًا،
وكانت المعرفة تُدرّس بين جدران مستعارة، كما لو أنها هي الأخرى تبحث عن بيت.
كتبتُ المقال…
خمسمائة كلمة بالكاد كتبتها عن الرواية ، لكنها كانت كل ما أملك من يقين.
نُشر في مجلة “الكلمة” الصادرة عن قصر ثقافة الحرية،١٩٧٥
ولم أكن أعرف أن الكلمات، حين تُكتب بصدق، تستدعي أصحابها.
في أحد الأيام، بعد نشر المقال قال لي عمّ أحمد الفراش:
“في رجلٍ يسأل عنك.”
خرجتُ،
فوجدته واقفًا عند باب القصر…كان غالب هلسا
رجلًا أشقر، مهيبًا، يحمل حضوره كما يحمل البعض تاريخهم.
قلت: أنا السيد حافظ.
فاحتضنني… لا كقارئ، بل ككاتب لم يكتمل بعد.
قال:
– أنت كتبت مقالًا هائلًا… أنت ناقد كبير.
قلت مرتبكًا:
– أنا لا أكتب النقد… أنا أكتب المسرح.
فابتسم، كمن يرى ما لا أراه، وقال:
– قلت ما لم يقله أحد… اكتب… ستكون لك مكانة.
جلسنا على مقهى البوابين…
الشاي بيننا، والدخان يصعد كأنه يترجم صمتنا.
تحدثنا عن إبراهيم فتحي، وعن الأصدقاء، وعن الكتابة،
وكان يسمعني باهتمامٍ يليق بكاتب، لا بتلميذ.
في تلك اللحظة…
لم ألتقِ فقط بـ غالب هلسا،
بل التقيتُ بنفسي كما ينبغي أن تكون.
كان ذلك اليوم بدايةً لا تُرى،
لحياةٍ تُكتب.
ليست “الخماسين” رواية مرّت بي،
بل ريحٌ خمسينية اقتلعتني من قارئٍ عابر،
وزرعتني في أرض الكتابة.
—
السيد حافظ
....



6:13 م
sayedhafez

Posted in:
0 comments:
إرسال تعليق