الأربعاء، 22 أبريل 2026

جمال عبد الناصر اعترافات الكاتب السيد حافظ مع الأصدقاء والتاريخ والذكاء الاصطناعي 39

 جمال عبد الناصر

اعترافات الكاتب السيد حافظ

مع الأصدقاء والتاريخ والذكاء الاصطناعي

39




لم يكن سؤالي يومًا عابرًا، ولا وليدَ لحظةِ غضب، بل هو جرحٌ قديم، يتجدّد كلما تذكّرت... كيف لي أن أثق في وطنٍ رأيته بعيني، لا كما يُروى في الكتب، بل كما يُعاش في القلب؟

أتذكّر يوم خرج الملايين في جنازة جمال عبد الناصر (ما يقارب عشرين مليونًا).

كان المشهد مهيبًا: بحرٌ من البشر، ودموعٌ لا تنتهي، وقلوبٌ تهتف بالحزن والانكسار.

ظننت يومها أن هذا الوطن، الذي يبكي بهذا الصدق، لا يمكن أن يخذل أبناءه.

لكن، بعد عامٍ واحد فقط، داخل أسوار جامعة الإسكندرية،

كنا نُطارد.

نركض بين الممرات، والبوليس خلفنا، يضربنا.

كنا نبحث عن يدٍ من الشعب، عن الجماهير تمتد، عن صوتٍ يحمينا،

فلم نجد سوى الصمت...

الصمت ذاته الذي لم يكن موجودًا يوم الجنازة.

صدقوني، كأن هذا الزحام لم يكن يومًا.

ومن هذه الذاكرة القريبة، ينفتح جرحٌ أبعد في التاريخ.

أتأمل حكاية محمد بن طغج الإخشيد،

ذلك الحاكم الذي بكت عليه الجموعُ، وخرجت الآلاف تودّعه،

وقد أوصى أن يُدفن جثمانه في القدس، التي كانت يومها تحت راية مصر.

سار الموكب طويلًا، والهيبة تسبقه، لكن عند العريش بدأ كل شيء يتفكك.

تسلّل الناس واحدًا تلو الآخر، كما تنسحب الموجة حين تخونها الريح،

حتى لم يبقَ إلا الحُرّاس.

ثم خاف الحُرّاس من الظلام،

فتركوا النعش وفرّوا، واحدًا تلو الآخر.

بقي الجثمان وحده، ملكًا للعراء،

في عربةٍ فخمةٍ تجرّها الخيول، مزخرفةٍ بالذهب، كأنها آخر ما تبقّى من مجدٍ يتهاوى.

لم تمضِ لحظاتٌ أو ساعات حتى جاء اللصوص،

فسرقوا العربة،

وتركوا الجسد عاريًا من هيبته، ملكًا للعراء،

نهبًا للفئران، وللنسيان.

ظلّ الجثمان هناك، تتناوله الفئران،

حتى مرّ به رجلٌ بسيط، أمام مسجدٍ في قريةٍ نائية،

فرأى ما لم يره الجميع،

وفهم ما عجزت عنه الجموع،

فعرف من الكفن أن هذا الجسد كان يومًا لملك مصر.

جمع بعض المصلّين،

ودفنه، في صمتٍ يليق بما تبقّى من الكرامة.

ومن بين هاتين الصورتين—

جنازةٍ تبكي فيها الملايين،

وجثمانٍ يُترك وحيدًا على قارعة الطريق—

يتكوّن سؤالي:

لقد رأيت الدموع،

لكنني رأيت أيضًا الهروب.

سمعت الهتاف،

لكنني عرفت الصمت حين يصبح الموقف امتحانًا.

ومن هنا، لا أسأل لأجادل، ولا لأدين،

بل لأفهم:

كيف لي أن أثق في وطنٍ

يجيد البكاء في لحظة،

ويعجز عن الوفاء في اللحظة التالية؟

تمت

السيد حافظ







0 comments:

إرسال تعليق

 
Design by Free WordPress Themes | Bloggerized by Lasantha - Premium Blogger Themes | cheap international voip calls ta3rib : Abed