Add a dynamically-resized background image to the page.txt Sayed Hafez (sayedhafez948@gmail.com) جارٍ عرض Add a dynamically-resized background image to the page.txt.

أدخل كلمة للبحث

الزائرون

Flag Counter

زوارنا

Flag Counter

الزائرون

آخر التعليقات

الاثنين، 26 سبتمبر 2016

البنى السردية وروافدها في الخطاب الروائي لـ (كل من عليها خان) للسيد حافظ د. جميلة مصطفى الزقاي الجزائر

البنى السردية وروافدها في الخطاب الروائي
لـ (كل من عليها خان) للسيد حافظ

د. جميلة مصطفى الزقاي
الجزائر

كتابة كلها جدة وأصالة لا عهد للقارئ العربي بها؛ إذ قوض الكاتب الثالوث المحرم: الدين والسياسة والجنس؛ ليصير ثلاثيا مستأنسا طبيعيا يتماهى بجسم الرواية "كل من عليها خان"؛ فبنى وأسس لا بناء روائيا يحوي نصوصا متداخلة لم يستأذن في عقد القران بين الأجناس والنصوصية.. إذ الرواية روايات تتولد من وطن كسيح وتاريخ مجرم وذات تلهث في كل الاتجاهات لكن المحرض الأساس في تحريك الحدث الروائي الجديد هو "مصر العظيمة ومصر العبيطة"...
الصفحة الواحدة تشي بأكثر من نص، والصفحة الواحدة قد تنشطر من جوانيتها على الدراما والتأريخ و... والنفس اللوامة بأسلوب شعري آسر.. يجد القارئ به التريض والراحة والسفر على أجنحة القوافي والأوزان المطردة التي تحوي شجنا وعشقا.. فيأسر الكاتب الرائي القارئ بسحر ترويض الحرف بعبث ومشاكشة وجرأة لا نظير لها.. مع أن التقديم كان بارداً فاتراً نوعا ما، لكن سرعان ما اتقد وشحن أفق انتظار القارئ الذي يبدأ غريبا عن النص فيتملكه بسلسلته الدوالية التي على الرغم من تفكك بناها السردية تشكل شبكة غريبة حلقاتها تبعث الحيرة والدهشة، وأحيانا يفقد القارئ الخيط السردي فيضطر لإعادة كرة القراءة.. لكنه لا يضجر من إعادة القراءة لأنها تهدهده بخطابات مختلفة على غرار المسرحية والسيناريو.
حتى لكأن الرواية تبدو مجنونة سافرة بثوب مومسات متعطرات بالمسك والعود ماسكات بأيديهن صولجانا، وسيفا تحاكمن به الوطن والتاريخ والذاكرة العربية الإسلامية. هذا الوطن الذي غاب عنه أنصاف المبدعين الذين لا همّ لهم غير السعي لقلب موازين الفساد السياسي الضارب بجذوره عبر تاريخ الأمم، لتتبوأ أوطانهم المرتبة النبية التي تليق بها. فكيف يقابل تفاني المبدع من أجل وطنه بالجحود والنكران؟؟!!!!
  بعد بداية فعل الكتابة مباشرة يصير قارئها عبدا لها مسلوب الإرادة أمام كم هائل من المعلومات التي تتعدد قنوات تبليغها بتشكيلة تعبيرية تتدفق شعرية إيقاعية ترقص على أنغامها دلالات عميقة حارقة ذات أبعاد تجل عن الرصد مرفوقة بأمثال شعبية حارقة. ومن الحشد الموضوعاتي الذي طُرق بهذا العمل الفقر والهجرة السرية ومعاناة المصريين بدول الخليج والتركيبة الاجتماعية والدينية المهجنة بمصر، والأيديولوجيات السياسية المريضة، وناهيك عن الحشاشين وغيرها من المواضيع. 
ومن الدلالات والمدلولات الإيحائية إلى العدد الذي كان له نصيبه بـ "كل من عليها خان" ويتعلق الأمر بالعدد "سبعة" الذي استغل حقيقة ومجازا وحقيقة وخيالا، فأسهم في جمع شمل حقائق وأحداث ألّفت بين ما هو ديني وما هو دنيوي. فالسبعة التي تصدرت المقام تيمنا وبركة بالكلم المبين كذا لتماهي المقدس بالمدنس من خلال سبع سنوات عجاف عايشها النبي يوسف عليه السلام، والتي عكست سبعا أخر عايشتها مصر في عهد المستنصر؛ فنم عنها فظائع يعاف اليراع وصفها ومسحها وذكرها...
   حقائق عف المؤرخون عن ذكرها أو مروا عليها مرور التقصير ومحاولة النسيان فعرجوا عليها في سطر، بينما أبى المبدع الكبير السيد حافظ الذي لم يتورع بكل موضوعية عن ذكر الحقائق التاريخية الدامية المتعفنة القذرة التي تخص هذا المنبت الذي كرس له قسطا وفيرا من كتاباته علاوة على روحه وأناه؛ هو الذي ذاق مرارة الغربة عن مصر فأرادها ويريدها أن تعاف أثوابها البالية لتنطلق بنفس جديد ومتجدد.
وكأنه من خلال إماطته الغطاء عن تاريخ عاهر يفصح أن لا جرم متعمد لهذه الأرض التي لم تختر ماضيها مثلما لا يختار الإنسان والديه، وهما اللذان يربيانه على الفطرة فيسلمانه أو ينصرانه أو يمجسانه أو يهودانه...
"السبعة" اعتلت كذلك العناوين التي ألفها القارئ عنوانا واحدا كما تعود التهميش والغياب في السيرورة الحكائية السردية لكن "كل من عليها خان" جعلته شريكا فعليا منذ الاستهلال حين عرض عليه الكاتب انتقاء عنوان من سبعة عناوين؛ فكان استهلالا ينضح جدة ويعلن عن أسلوب لا عهد للرواية بين الأمس واليوم يه. ولئن قُتل المؤلف عند "رولان بارت" وقد منح الحظوة للقارئ على حساب المؤلف في كتابه لذة النص وغيره، فإن المبدع الكبير السيد حافظ قد أعلن الوفاق والمشاركة إلى حد المخادنة مع القارئ الذي يلتمس منه بطريقة لبقة ومؤثرة أن يختار عنوانا من بين سبعة عناوين كلها وظيفية وتعبيرية لكن الأولوية لـ ("كل من عليها خان") هذا العنوان الشرعي الذي اكتسب أحقيته وقد تردد هو وأقرانه لكنه برز أكثر من غيرها لموافقته للمضامين المشفرة .
   تجدر الإشارة إلى أن الرقم "سبعة" صاحب المسرحيات القصيرة جدا، ولازم الحكايات عن تاريخ الاسكندرية، علاوة على سبع جيران وغيرها.. هو العدد الفردي الذي كان سليل المرجعية الدينية والتراث الحكائي الشفهي العربي. فاتخذه الكاتب شِيفرة أسعفته بمساره في ثنايا (كل من عليها خان) متسلحا بحبه المستميت لمصر.
  عشق الكاتب لمصر من عشقه حتى الثمالة لشخوص عمله الذين قد يفضلهم على نفسه، فتلفيه يطلق لهم العنان والحرية في التصرف والتفكير، وتراه يسايرهم ويزج بهم في المطبات بحسب أمزجتهم وأيديولوجيتهم ونزواتهم فمنهم النساء اللواتي حملهن فعل السرد بجدارة من بداية العمل إلى نهايته؛ فمن العفيفة التقية "وجد" إلى الجارية المطيعة الطاهرة التقية النقية الوفية ّ"جميلة" إلى السيدة ذات الجمال الأخاذ والفحولة الرجولية "فجر".. إلى الخائنة العاشقة اللئيمة "سهر" إلى الراوية الذكية "شهرزاد" والكاذبة الفاشية للأسرار المؤلبة على الظلم والجبروت.. ولئن سخر "كاتب ياسين" الجوقة النسائية بجثته المطوقة، فإن السيد حافظ منحهن سلطة السرد والحكي وقلب موازين الحكم ومقاليد الحكومة من الأسوأ إلى الأحسن ومن الضياع والتوهان إلى التغيير والثبات...
  وإذا تعلق الشأن بمرتبة الرجال في السلطة الحكائية؛ فقد وظف شخصيات تباينت سلوكا وفعالا وخلالا؛ فمن نيروزي الذي يمثل الآخر في مصر حبا فيها ونقلا لفكر طائفي أرسى مقاليده بالخلد المصري، إلى فتح الله شهبندر التجار الذي كان الزوج المحب والمصدق لتراهات الشعوذة والحامل لفكر أهواء الاستغلال والاستدمار فكانت نهايته شبيهة بنهاية الطغاة والجبابرة ماضيا وحاضرا وعربيا وغربيا. نهايته المفجعة تضارع نهاية رب العمل على يد عمال المناجم الفرنسيين الذين عرضهم إميل زولا بروايته "جيرمنال" التي توجها بانتصارهم وانتقامهم من صاحب المصنع الإقطاعي بإخصائه والظفر بعضوه التناسلي، وهم يهللون بانتصارهم على الظلم والجبروت الذي أذاقهم إياه بالمناجم مضرجا بالفحم الذي أتى على صحتهم وكينونتهم.
  السيد حافظ يحيلك على كوكبة من الروائيين الذين قد يتقاطع معهم تناصيا لكنه قوض بناءهم الروائي الكلاسيكي التقليدي فأقام لنفسه بناء حافظيا بامتياز لكنه ليس اعتباطيا بل مؤسسا. ولئن كانت "فاطمة قالير" الكاتبة الفرنسية الجزائرية قد تبنت الرواية والقصة أولا ثم المسرحية ثانيا فتلفي النسيج السردي بمسرحياتها يطغى على الأفعال والحوارات الدرامية التي يثقلها الوصف الدقيق للشخصيات التي تبنيها على تؤدة وحيطة وحذر، فإن السيد حافظ رائد التجريب بالمسرح العربي لا يثقل كاهله بناء بتمرده على الأعراف الروائية التي سنها رعيل من الروائيين قبله. لذلك تجد تلك المسرحيات القصيرة التي تخللت (كل من عليها خان) في منتهى التكثيف الدرامي الذي يحرض الذاكرة الصورية للقارئ فتنقله مباشرة إلى الخشبة ليعود به ثانية إلى الرواية ضمن توأمة مسرروائية متتالية لا تنتهي إلا بنهاية العمل..
  بقي السيد حافظ وفيا لخلفيته وحمولته الإبداعية ولثقافته الموسوعية؛ حيث لم يغفل كتابة السيناريو وفق مشاهد تحتفي بتحديد الزمان والمكان لتعرض حيثيات المشهد وحواره بعد ذلك، فازدانت وتيرة السرد بهذه التقنية الخفية "كتابة السيناريو" التي بدت طيعة مرنة بين أنامل لا تعرف عجزا أو تقصيرا. كما كان لسيد الفنون والأجناس وأقربهم إلى الإحساس والأنا المنفعلة الحالمة "الشعر" الذي فتح صدره ليستوعب البناء الروائي المتمرد عند السيد حافظ على باقي الأجناس، فيصاحبها بأريحية جمالية لا تسمح بتسلل الكلل أو الملل إلى المتلقي، عدا بعض المحطات القليلة التي رُجح فيها السرد التاريخي على لسان نيروزي مفضيا بها لوجد، وهما خليلان عاشقان، فبدا هذا السرد مقحما نوعا ما، وقد نغّص لحظات الصفو التي من الأرجح أن تجمع بين الحبيبين المتلهفين للقرب والوصال...؟؟!!
   يرى راي RayA . أن السردية هي الخاصية المجردة للجنس السردي، ويقترح إمكانية قلبها من أجل كشف السردية في أي جنس لينعت هذا الجنس بالتالي أنه جنس سردي، ويخلص إلى كون كل من التاريخ والشعر سرديين شريطة أن يتوفر فيهما ذكاء سردي intelligence narrative بحسب بول ريكورPaul Ricoeur  والذي ينعته فاي j .P .Fay بالبرهان السردي.
يعتري مصطلح "السردي" الالتباس بخاصة إذا ما أريد استعماله في مجال محدد هو السرديات أو علم السرديات narratologie، وبالرغم من ارتباط السردي بجنس الرواية، إلاّ أن هذا لا يمنع حضوره في أجناس أخرى، وهذا ما يكسبه التباسه وتميزه ويسمح بالحديث عن الأجناس غير السردية.
يتطلب إدراك السردي في الأجناس غير السردية ذكاءً بغية كشفه، ولتحديد هذا المصطلح "سردي" ينبغي العودة إلى ما ينسب إليه من اشتقاقات لغوية مثل السرد narration والسردية narrativité .
وردفا على ما سبق؛ يربط السيد حافظ فيما بين السرد والرواية فيقول:"هي سرد" والسرد يعني التاريخ والحكاية والزمن الإنساني واللغة الحية التى تملك الدهشة الشاعرية وإذا أردت أن تكتب سردا أُكتب شعرا.. وإذا نقُص ضلع من هذه القواعد لن تكون رواية بل حكاية ضعيفة.. قد تكون الحكاية الشفاهية والحكي الشفهي للرواية أكثر قوة وإبداعا من الحكاء الورقي؛ لذلك الرواية الورقية تحتاج للتحفز والدهشة المستمرة دائما لتكون قادرة على المواجهة والصمود.
فالرواية عنده سرد لصيق بالتاريخ والحكاية والزمن الذي يعايشه الإنسان واللغة التي لها القدرة على إحداث الدهشة الشاعرية، حيث يوائم فيما بين السرد والشعر معتبرا العناصر الفنية والأجناسية السابقة من ضلع الرواية وبدونها تفقد بنيانها وتصير مجرد حكاية باهتة بلا روح ولا جسد، كما رجح كفة الحكي الشفهي الذي يؤديه الراوي على كفة الرواية المكتوبة بدون عدتها الفنية البنائية، ويرى أن الرواية الورقية تبقى في مسيس الحاجة إلى التحفز والصمود إذا أرادت أن تبقى وتصمد أمام قريناتها.
وفي ربطه بين الرواية والشعر يقر بطريقة غير مباشرة إلى ما يسمى بـ "الشعرواية" وفي الحقيقة يحتاج الناقد في موضعته وموقعته لهذه الرواية إلى أكثر من مصطلح وإلى ما يفوق النحت قدرة على اختزال كم الفنون المصانعة في إحداث الدهشة التي أشار إليها الكاتب ولذلك يسعني أن أضيف مصطلح "الدرمرواية" .
يحدث أن يلتقي المتن بالهامش في المتن ليصيرا جزءا من السرد، وهنا يتماوج المتخيل الروائي في حضور وغياب مع الواقع اليومي ومع السيرة الذاتية للمؤلف، وهذا ما يضارع في المسرح مبدأ التغريب بكسر الجدار الرابع، لكن الجدار هنا جدار روائي يتهادى ويُقوَّض كما لو أنه يذكر القارئ – رفقا به- أنه بين دفتي متخيل، له أن يشارك بنسج خيوطه، وبالفعل أتاح له الكاتب هذه الفرصة التي لم يكن يحلم بها مع كاتب آخر ليصير شخصية من شخوص العمل؛ حين شارك في مقاضاة المؤلف على نبشه بالسطور المفقودة عمدا من تاريخ مصر، حتى بدا مؤرخا وأركيولوجيا لا يضيع أدنى وثيقة أو منحوتة ليصل إلى الحقيقة التاريخية مهما كان نوعها أو درجة أهميتها!!!
همّ الكاتب من همّ مصر وحياته قطعة من فسيفساء المعاناة والحرمان والتهميش والضياع.. تلكم المآسي التي يعايشها المبدع بإدمان إبداعي لا يعرف التوقف ولعل ذلك التضييق يضاعف من إصراره على مواصلة مشواره في البوح والإفصاح دون تشكي أو إذلال.
الحكاية في "كل من عليها خان" حكايات؛ أو هي الحكاية بحضن أختها، ومن أحداث ووقائع هذه تتولد الأخرى فتنمو وتزكو متحدية المسرح في المسرح لبرنادللو، فتشكل بنى حكائية سردية تتوالد من بعضها لتخلق وتحافظ على وتيرة العمل الروائي وإيقاعه المتوثب الذي يشدك إليه بعطر حروفه وتراكيبه الناجمة عن خبرة طويلة بتقنيات الكتابة ومقاليدها وسننها التي تتغير من جنس إلى آخر.
والحكاية لابد أن تكون رصينة جميلة قادرة على احتواء الأحداث، وفي ذلك شاكل المؤلف كوكبة من الروائيين الذين رسموا حكاياتهم بذكاء إذ وبالعودة إلى الريبرتوار الروائي العربي، لا غرو سنجد هؤلاء قد جادوا بنصوص قوية البناء محكمة السرد وقد شحنوها بالمواقف الفكرية والسياسية والاجتماعية بذكاء، لكنه خالفهم جميعا بتفاوت في المضامين وفي البناء الروائي الذي خط لنفسه فيه نهجا سرديا لا يلتقي فيه بهم إلا نسبيا.
تعرّف جماعة "أنتروفيون ،’entre vernes Groupe d "مصطلح  narrativité على أنه عبارة عن مظهر تتابع الحالات والتحوّلات المسجل في الخطاب، والذي يضمن إنتاج المعنى. ويؤيد "كورتيس Courtes" هذا المنحى ليرى الحكي وثيق الصلة بالحكائية narrativité والفاصل بينهما يكمن في كون الحكي ينتقل من حالة إلى أخرى، الأمر الذي من شأنه أن يحدث تحوّلا من وضعية أو حالة إلى وضعيات أخرى بصفة متتابعة.
كان حمل الحكاية في "كل من عليها خان" قادرا على الامتزاج بالخطاب القرآني في تناص ديني لجأ إليه الروائي ليدعم الحدث ويخدم الحبكة، بله عن استعانته به ليكون حجاجا وآية يشهرها ليثبت منطقية أحداثه. والتناص الديني بمرجعيته الثقافية ومخزونه الغني الثر، فكان لفظيا كما كان معنويا. من اللفظي وظف قصة قابيل وهابيل وآدم وحواء وقصة يوسف عليه السلام. أما المعنوي فيتمثل في توظيفه لآيات من عروس القرآن "الرحمن".
  يسع القول في الأخير إن البناء الروائي لـ "كل من عليها خان" يتطلب قراءة واعية لأن الانتقال من السرد الروائي إلى الحكاية الأصلية والارتكاز على التاريخ مخضبا بالسياسة الماضية التي تحيلك على واقعها الآني ثم الرجوع إلى الهوامش الإحصائية لرتب مصر دوليا.. والرجوع في الأخير إلى الحكاية قد يعيق متابعة القارئ العادي لوتيرة الأحداث، لكن ما يشفع لذلك هو تلك الجولة المحفوفة بحمولة ثقافية تاريخية وسياسية دسمة ينتشي بها القارئ مرهفا إحساسه للأسلوب الشعري للكاتب وصدقه الحكائي ونقده الذاتي اللاذع..
وبدا الكاتب حريصا بهندسته للبناء الروائي على أن يحافظ على قارئه الذي دلّله وأمتعه وقزّزه وروح عنه.. وفي ذلك كله فلح في فتح باب السر للرواية التي فض بكارتها لتعيش حياتها بحرية، وقد أخرجها من سطوة الأقدمين ويسر على الكتاب ولوج دهاليزها، لكن ذلك لا يعني أنهم سيفلحون في محاكاة أسلوبه علما أن "الأسلوب هو الرجل نفسه" – بحسب لوفون- فيبقى بناؤه الروائي سهلا ممتنعا، وهو عبارة عن فسيفساء حلزونية تشد القارئ من عرقوبه ليواصل قراءة المؤلف بلا هوادة. 
***
نون النسوة برواية "كل من عليها خان"
كنه العنوان ونون النسوة...
يشكل العنوان في الإبداعات الأدبية والفنية النافذة التي تفسح المجال أمام القارئ ليلج معالم النص مستكشفا مضامينه وأفكاره ومكامنه الجمالية التي يحفل بها، كما ييسر معرفة نمط النص ونوعه بغية وضعه بمكانه المنوط به، كذا لتيسير إقبال المتلقي على المجال أو الجنس الإبداعي الذي يود الاطلاع عليه والإلمام بمكنوناته.
يؤدي العنوان دورا جوهريا في فهم المعاني العميقة بالعمل الإبداعي والأدبي لكونه العتبة الأولى التي يدرج بها القارئ طلبا لاستكناه معالمه وعوالمه. وقد يتسلح برؤية أو منهج في مقاربة ودراسة هذا العنوان ونقده والعمل على تشريح مضامينه متى أحسن اختياره وفق ما يتطلبه مضمون العمل ويوائم أغواره.
وعليه، شغل العنوان في ثنايا المنهج السيميائي مساحة واسعة؛ فكان محل نقد وتأويل لفك طلاسمه واستجلاء مواءمته لمعاني النص ومضامينه، وهذا ما كفل له أن يكون أول درج بسلم النص لما بينه وبين النص من علاقة تكاملية، وعنوان "كل من عليها خان" عبارة عن جملة اسمية تستهل بـ "كل" التي توحي بالجمع والشمولية المطلقة، فيأتي بعدها "من" الاسم الموصول المشترك الذي يؤكد معنى سابقه، لكنه يحدد مساحة الإطلاق بدلالته على العاقل الذي قد يكون المرسل أو المرسل إليه الذي احتفى به النص الروائي من بداية السرد إلى نهايته. وقد أصرّ المرسل على سرد واقع أليم جمع فيه بين الماضي والحاضر وبينهما تشابه وتماه..
وإذا كان المرسل إليه كيّسا حويطا متفقها حكيما سيتقبل هذا الواقع بعلاته، فيعايشه من الاستهلال إلى النهاية، فتبقى عينه حريصة على متابعة السرد وتقصيه في تداخله عن طريق الحكاية في الحكاية والواحدة منها أشد تشويقا وإمتاعا وإيلاما أو حتى إيذانا بالوجع والألم والتقزز إلى جانب الانبهار والدهشة والرعشة..
قد يدل الاسم "من" على عموم العقلاء وحتى المجانين الذين يملأون المعمورة إيجابا وسلبا، بخاصة إذا تم فحص الجار والمجرور الذين ذيلا "من" والضمير "ها" الذي يعود فيه على الفضاء الجغرافي الإنساني الذي يتحمل ما يقترفه هؤلاء بصبر وسعة صدر، بينما يقابل هذا الشعور الإنساني وهذا العطاء اللامتناهي بالخيانة والجحود والنكران، وقد تجسد ذلك بالفعل الماضي الذي ينهي صياغة العنوان "خان". وعلى الرغم من ماضوية الفعل إلا أنه يتماهى بالحاضر دلالة وإيحاءً، إضافة إلى ما يحويه من استفزاز وإثارة وجرأة وعصيان.
يبدو هذا العنوان ظاهريا متجافيا مع نون النسوة لكن الجفاء والخيانة نسبيتان.. إذا كانت نون النسوة تعول على التأنيث فهي ضمن هذا الكل الذي تشكلنه وتتحكم فيه ببراعة وراحت تمسك بزمام بنائه حكاية حكاية وحدثا حدثا..
وإذا تعود المرسل إليه المقهور قبل الآن على عنوان واحد، فإن "كل من عليها خان" جاء مرفوقا بستة عناوين أُخر تكفل له الحرية في الانتقاء وهي على النحو الآتي: فنجان شاي العصر – الرائي- العصفور والبنفسج – كل من عليها جبان – كل من عليها هان – كل من عليها بان
يبقى السؤال مطروحا متى سيتم اختيار القارئ للعنوان؛ وهو تاج العمل، أببداية القراءة أم حين يدرك منتهاها؟؟ لا يغبط القارئ أبدا على دلالة ومساحة حريته لأنها عناوين مفصلية لمضامين هذا العمل السردي الذي يعلن العصيان على المضامين والأشكال.. وسيحتار المرسل إليه في الاختيار نزولا عند رغبة المرسل الذي عده صديقا وشريكا بهذه المؤامرة السردية فكريا ودلاليا:
صديقي القارئ يمكنك الآن أن تختار عنوانا من السبعة  وتبدأ في قراءة الرواية بالعنوان الذي اخترته أنت.. دعك من اختياري فأنت الآن شريكي..
وطالما التذكير بالعرف العربي يحوي التأنيث فلا شك أن الاختيار مُقترح لنون النسوة أيضا، وما لا يؤنث لا يعول عليه...؟؟؟!!!! وعلى الرغم من أسلوب التعدد بالعنوان لكن "كل من عليها خان" تصدر وأوحى وعبر ودل ولا يُظن بأي مرسل إليه أنه له ناكر وعنه ملتفت...
مخادنة سهر وشهرزاد
تتربع "سهر" بعرش حكاية الروح الرابعة وهي زوجة منقذ وعشيقة فتحي الصحفي المصري؛ سر خطير لا تعرف به غير سهر وصديقتها شهرزاد القناة الأصلية للبناء الروائي التي يعول عليها في تحمل السرد الحكائي ذي الحلقات المتكاتلة فيما بينها.
شهرزاد هذا الاسم الذي يوحي على الفور بالذكاء والدهاء والحيلة والقدرة على الفتك والنيل من متلقيها، كما أنها الأنثى التي تلت ثلة من النساء قبلها لتوقف سلطة الرجل، وتتمكن من دحض جبروته وكسر شوكة تعنته. هي التي أوقفت جرم شهريار وجسدت رغبتها في البقاء، مصدر فتنة واستجابة وسعة صدر وصبر وأناة وتحكم؛ فانصاع الرجل لحلاوة لسانها وصنعتها الحكائية التي لم تنل من شهريار فحسب، بل سيطرت على أعداد من المتلقين لا تحصى ولا تعد..
شهرزاد "كل من عليها خان" تضارعها حنكة في كسب الزوج وخدمته، وهي زوجة حامد الصقر، كما كانت لسهر صديقة وأمّا وخالة تحفظ سرها وتنصحها محاولة تفهمها، وهي العجوز (كما أشارت تهاني لزوجها فتحي) والحكيمة التي استطاعت تشريح نفسية فتحي من خلال مقالاته عن سهر.
ومن ناحية أخرى فهي الرائية التي استشرفت ما سيحدث لها عن طريق عطرها فحدثت النبوءة. كما تمتلك شهرزاد مفاتيح الروح والقلب، بل أكثر من ذلك فهي عمدة دبي المتحكمة بنبض شوارعها وأزقتها وأحاسيسها وانفعالاتها: "إن شهرزاد هي التي تعرف مفاتيح الروح والقلب.. وحين سكتت شهرزاد سكتت شوارع دبي.. وحين تحزن شهرزاد تحزن دبي.. المدن نساء والنساء مدن.. وتعود شهرزاد إلى دور الأم النصوح التي تخاف على سعادة ابنتها من بلاعة العشق المجنون وتشور عليها بترك حب فتحي وتعويضه بالإدمان على العمل ليل نهار لتتخلص من قوى الهوى القاتل بخاصة وهي خيانة زوجية"
أما سهر فهي المقصودة أكثر من شهرزاد في هذا العمل، إذ تتحول من المذنبة إلى الضحية وتجعل الآخر يتعاطف معها، مع أن علاقتها بالصحفي المصري خيانة زوجية لا تقر بها ولا تقبلها أية ديانة سماوية أو عرف من الأعراف.. هي الفاتنة التي سلبت عقول عشرات الرجال قبل منقذ زوجها. وتبدو ظاهريا "أبرأ من براءة الملائكة والندى والأطفال" لكنها تقتل بفتنتها يوميا عشرات الرجال والشباب.. هكذا يصور "السيد حافظ" صورة المرأة فيعتبرها وطنا ومدينة ومسكنا ومرفأ، لكن عشرات النساء تسللن من ثقب روحه فلم يعد يتذكرهن، وقد كانت مدن النساء تحاصره:
"وتحاصرني مدن نساء متآكلة الأحلام والرغبة والجنون"
لكن الوطن على الرغم من خيانته له لا يزال يعشقه؛ فهو العشق المنزه عن النسيان والإقصاء والانتقام فيستنكر التوبة والعدول عن عشقه:
"كيف أتوب عن عشق وطن زنت به كل الحضارات واحتُل 7 آلاف عاما.."
عقد الكاتب مقابلة بين عشقين سكناه فيرجح في كل مرة كفة الوطن...
"ونسيت أسماء نساء كثيرات مررن من ثقب الروح والقلب المجروح والعشق المفضوح.. ولم أنس أن هذا البلد ذو الجورب المثقوب العطن أهانني طوال العمر"...
وفي موضع آخر يجيب فتحي عن سؤال زوجته تهاني - هذه الغائبة الحاضرة بقوة التي تحس وتداري إحساسها نظرا لحبها المستميت لزوجها- إن كان لا يزال يحب مصر فيجيبها وقد غالبتها العبرات:
"قدري أن أحب تلك الخائنة.. وانفجرت الدموع من عينه وهو يمضغ الطعام ببطء شديد.."
يحدث أن ييأس الكاتب من حب الوطن فيستبدله بحب النساء الذي يسهل عليه الظفر به لأنه ملك راحتيه وعنفوانه وعطره، بينما الوطن بأياد أخرى تدنس أكثر مما تنظف وتطهر ولذلك يستسلم لسلطة الحب حيث الدفء والحنان:
"بينما الأوطان بمثابة أكفان.. أنت وطني يا سهر وأنا وطنك فهذه ليست أوطان بل أكفان ونخدع أنفسنا ونكذب.. الحب أحلى وطن للإنسان وليس المكان. الحب يبدأ بالنساء، وينتهى بحب الألوان"
ولا مرفأ للأنا الساردة متى جفا الوطن إلا نون النسوة التي تعوضه عن الجفاء والحرمان..
وجد وفجر؛ كينونة افتتان عجائبية
وجد المرأة الأسطورية جمالا ورقة وعنادا وإصرارا يفوق التصور، وهي الروح الرابعة لسهر أي أنها نجمت عن سهر: "كان يا ما كان روحك الرابعة في جسد بنت تسمى وجد" وهي بنت جارية تركية ببيت أحد الأثرياء الذي أعتقها وزوّجها من حلاق مصري اسمه عمار ظفر بها على إثر حلقه لياقوتي التاجر الثري بمهارة واحترافية فحرر جارية وزوجه إياها. فبقي على حب جميلة وهو يدرك أنها تستحق رجلا أفضل منه لجمالها الأنثوي الصارخ:
"لا تكمل كلامك أنت تستحقني لأنك رجل طيب.. وأنا أستحقك لأن الله أراد أن يسترني ويحفظني وأظل جارية من بيت ثري لبيت ثري.. ومن قصر إلى قصر.. لقد خطفني تجار الرقيق وأنا في بستان خالي في تركيا.. كنا نذهب للبستان كلما أردنا شيئا.. في ذاك اليوم لم يكن خالي هناك ولا العمال وظهر رجلان معهما شبكة وغطاء وأمسكوا بي"
بزغ نجم وجد من هذه العلاقة اللا متوقعة ووجهها يشع نورا، كما ينبعث من جسمها عطر له دخان خفي يثير الرجال ويضرم غيرة النساء فهي أعجوبة أقرتها القابلة يوم ميلادها:
"وجد.. كانت أعجوبة زمنها، فعطر جسدها دخان خفي يلهب جسد الرجال، ويشعل غيرة النساء؛ ففي لحظة ولادتها قالت القابلة (الداية) عندما رأت النور الذي يشع من وجهها ورائحة جسدها المعطرة وجمالها: البنت دي غريبة  فيها سر, وريحة جسمها مسك"
لطالما يلجأ الكاتب إلى هذه التفاصيل الحجاجية التي تسهم في بناء الشخصية من جهة وتبرر مواقفها فيما بعد، إضافة إلى تهيئة القارئ لقبول تصرفاتها وأفعالها حفاظا على التكنيك الروائي. ولذا نجدها فيما بعد يطلق عليها اسم "مسك" عوضا عن "وجد".. ويفيد الكاتب على لسان شهرزاد باعتبارها قناة سردية أنها خُطبت منذ سن السابعة وكأن عطرها كان يلفح من يمر بجوارها، لكن أباها كان يرفض.
ركز الكاتب على بعض جوانب المرأتين سهر ووجد ولم يجعل الثانية روحا للأولى هباء، لكنه يركز على جمالهما الأخاذ وعلى استمالتهما للرجال بعطرهما، وكلاهما تثيران غيرة النساء. ويدل ذلك على أن "السيد حافظ" يعتني عناية خاصة بحبك العلاقات فيما بين الشخصيات حتى تبدو وكأنها نسيج حدثي موحد محبوك بعناية على الرغم من الروافد الحكائية الأخطبوطية.
  وإذا تعلق الأمر بفجر وهي زوجة شهبندر التجار؛ فهي تحمل الكثير من القيم الدلالية التي قلما تجتمع بامرأة، فهي فجر الجمال والغنى والدلال، لكنها في الوقت نفسه تملك قلبا من ذهب في معاملتها لوجد وحبها لها وعطفها عليها ومحاولتها مساعدتها بكل ما يتاح لها، ولذلك نلفيها تقول لجميلة وقد أدرك قلقها على وجد منتهاه:
"اسمعي يا امرأة.. وجد ليست ابنتك بل هي ابنتي وأختي وحبيبتي"..
وبموضع سردي آخر تقول:
"خذي الإذن من نيروزى زوجها.. حتى لا تحرجي نفسك أو تحرجيها واعطيها الأمان.. إني أحبها مثل ابنتي.. مثل أختي.. مثل صديقتي"
قوة السرد تجعلك في حيرة وأنت تفكك ثنايا هذه الشخصية إن كانت تساعد وجد لإبعادها عن زوجها أم فقط نتيجة حبها لها وسكنها بمكمن أسرارها؟؟؟ أم أنها البنت التي كانت ترغب في إنجابها؟؟ لكنها حرمت نعمة الأمومة، ومع ذلك بقيت كالطود الأشم تدافع عن وجودها كأنثى وكامرأة..
يجمع السرد فيما بين المرأتين بفضاء متخيل ومشتهى بمركب النيل العتيد فتندمج وتتماوج شعرية جمال السيدتين "وجد وفجر" وجمال المكان الذي حنّ لتواجدهما به:
"...سيدتان جميلتان كل واحدة تجذب القمر إلى كاحل قدميها... كانت ضحكات فجر تداعب السكوت والليل والقمر والنيل.. ضحكة بين المجون والسرور.. كانت تقاوم حزنها الداخلي بعدم الإنجاب بضحكات وتوزيع الفرح على كل من حولها, وتشتري بشراهة الذهب والمجوهرات"
وما شحذ جمالية هذا الاحتواء هي نظرات الصعيدي المراكبي الذي تتلذذ عيناه بسحر اللوحة الأنثوية الصارخة دون أن يدرك المبتغى والمشتهى:
"لم يرفع عينه في كل ضربة مجداف عن فجر وجمالها وشعرها المنساب على كتفيها و(وجد). شدته كثيرا. ربما يكون عطرها الأخاذ. ربما يكون.. نفسها.. ربما يكون رأى القمر يداعب شعرها أو شاهد النيل"..
وما يحسب لتكنيك بناء الشخصية بـ "كل من عليها خان" تلك الحنكة في متابعة فجر المدللة والغنية التي لا يتوقع متابعها تصرفاتها بعد مقتل زوجها؛ إذ تبدو ثابتة الجأش لم تتأثر بهول فاجعتها، فتصدت لجشع المحيط ولم تتراجع عند أول نكسة، كانت تتصرف بحكمة ولين جانب، فمنحت العبيد الحرية التي رفضوها بسبب العجز والفاقة. لم تستسلم لمصابها الجلل بل واصلت إلى أن قادت الثورة ببنات جنسها ضد الظلم والجبروت والقهر والاستغلال البشع.. ولذلك لها نصيب كبير من دلالة اسمها؛ فهي الفجر الجديد الذي يأمله الكاتب المتيم بعشق وطنه مصر المكافحة عبر أزمنة التاريخ!!!!!
وفي الحقيقة شخصية فجر اثنتان قبل مقتل زوجها وبعد ذلك وثورة النساء هي أيضا ثورتان تجاذبتا الواقع والخيال بأريحية...

المتنافرات الضدية لدى نساء حكاية الحكايات
ومن توالد الحكايا التي كانت عبارة عن متواليات سردية تشد الواحدة منها برقبة أختها فلا تزيدها إلا إيحاء وظلالا تذكي وتيرة الحدث الروائي الذي توأم بين التلذذ بالحمولة التاريخية التي عرت حميمية صفحات السرد الروائي وبين تباين الأجناس التي طوعها الكاتب لتصير من روح "كل من عليها خان" ومن بنائها المصمم بذكاء.
ومن خلال هذا التفاعل التواصلي الحكائي انبثقت شخصية "سكينة"، وهي كما وسمها الحارس ضمن الحكاية المثخنة بالفضائح التي أثقلت كاهل تاريخ مصر: "مولاتى سكينة سيدة مصر الأولى وأم مولانا المستنصر بالله"
ويستدرك الكاتب التعريف بها ليخبر لاحقا أنها (امرأة زنجية) هي التي تجمع بين طبقتين لا تجمعهما إلا زلة غريزية إنسانية؛ فهي الجارية الزنجية التي أضحت سيدة القصر بإنجابها لولي العهد الذي حاولت "ست مصر" حرمانها منه خوفا على تربيته ومستقبله، لكنها لم تنصع لرغبتها.
وعلى الرغم من الصراع البادي بين سكينة، وست مصر، إلا أنهما تكتملان لا شعوريا الزنجية وسيدتها والرعونة والدهاء.. تعكس المرأـتان ذاك الصراع الأزلي بين طبقتين تتعايشان إلزاما وضرورة وأحيانا قهرا وكرها دون أن تتنازل إحداهما عن طبائعها وسلوكها الملتصق بأناها، يُختزل ذلك على لسان سكينة:
"وإنتي مالك.. مش حتبطلي جواسيسك.. في كل مكان جواسيس.. على كل بيت في مصر جواسيس..  حتى ابني الخليفة المستنصر بالله"
لكن كفة العقل والحكمة ترجح لصالح ست مصر التي تشور على المستنصر بتبصر وتفهم المستبصر السياسي الحكيم الخبير المحنك حنكة الأولين التي قابلها المستنصر بالنكران وبمناصرته للحرية الخرقاء التي أتت على الأخضر واليابس بعهده. وبقيت ست مصر متشبثة بموقفها إلى أن شاركت بثورة النساء التي جاءت بدلا عن سكوت الرجال، مع أن الظهور الأول لست مصر أبداها بغير ما ظهرت به بنهاية هذا السرد الولود ذهابا وإيابا. فكان التنافر الضدي حتى على مستوى الشخصية الواحدة حفاظا على تعلق القارئ بها وبخطابها الذي بقي متأججا، فلم يعرف الهوادة في المطالبة بالحق المشروع حتى بأقرب المقربين..
لقد حفلت "كل من عليها خان" ببورتريهات للمرأة المصرية آية في التنوع، فكانت بالضبط مثلما صرحت بذلك الأنا الساردة:
"قلوب النساء في مصر هي التاريخ السري للمحن وما خفي كان أعظم"
أدمن السرد بنسيجه على المرأة بصفتها محركا لأحداثه عبر حكاياه التي تفاجئ القارئ في كل مرة بنوع جديد وبطراز متفرد لم يكن بحسبانه البتة؛ فمن سليمة العرافة اللعينة التي أشارت على شهبندر بالزواج من وجد، وجعلت النوم يجافي عمار إلى حورية سليلة الحكاية الرابعة إلى جانبها ابنتها شحاتة إلى صباح وهنية ابنتي الحكاية الثامنة... وكلهن أطلقن العنان لذواتهن وتاء تأنيثهن في كل الاتجاهات فبحن وصرحن بلا زاجر عقيدي أو سياسي، عولن على البوح والإفصاح وتعرية الذات أمام تعنت السلطة والرقابة أيا تكن فصيلتها..
المرأة بـ "كل من عليها خان" خائنة للعرف والعادات والمتعود والمستأنس بالظاهر المثالي الذي يريده لها المجتمع، خائنة لدورها الذي قد يكون ببعض الروايات ثانويا باهتا فهي صاحبة السلطة والقرار حتى وإن بيعت مقابل حفنة قمح:
"يا تجار مصر.. يا رجالها.. يا كبارها.. مين يشتري بنتي بعشرين كيله قمح"..
فهي المكافحة والمضحية والجريئة. وناهيك عن صفاتها الخلقية والجسدية التي كانت في منتهى الخيانة الجمالية، وهي الحاملة للسرد شكلا ومضمونا، وصانعة لحكاياه فصلا ووصلا وتيسيرا وتعقيدا إلى أن تصل ببوق السرد وقناته إلى بر النهاية.
وإذا كانت "النساء كالمدن لكل منها سر وأسرار" فإن المرسل هتك حجاب أسرارها ليخرج مكامن درر عملن على تخزينها بالكبت والدهاء والحيلة فقوضن جميعا تلك الحكمة المثخنة بتضعيف المرأة وكسر جناحها كونها لا سلاح بحوزتها غير الدموع..
نون نسوة "كل من عليها خان" مفعمة بالسحر والفتنة والعهر والزهد والتدين والعفة والطهر والأنفة والكبرياء، فهي التي عرت التاريخ والأنا المصرية حبا وشبقا وخوفا على غد مهبط الأنبياء والرسل تحت نير الصمت الموبوء، فقادت ثورة تاريخية وفنية قلبت موازين المتعارف عليه كتابة سردية تطفح بالجدة والأصالة والتمرد..

0 التعليقات:

إرسال تعليق

Twitter Delicious Facebook Digg Stumbleupon Favorites More