نواف يونس
اعترافات الكاتب السيد حافظ في صحبة الأصدقاء والتاريخ والذكاء الاصطناعي
8
بقلم: السيد حافظ
في دهاليز الزمن الصعب، حيث تتسع الهشاشة وتتكاثف الخيبات، لا يظهر العظماء كثيرًا. هم استثناء في معادلة التاريخ، ومصادفة جميلة في عمر الإنسان. لعلي كنتُ محظوظًا، وأنا الذي حباني القدر، في زمن الطعن المجاني والخيانة المأجورة، ببقايا فرسان. نعم، ما زال في العالم قبحٌ يتراكم، لكن ثمة من يحملون مشاعل الفروسية في الأخلاق، ونقاء المبدعين الحقيقيين، كما لو أنهم جسور نور في ليل عات.مثل نواف يونس
كنت أقرأ عن تواضع ونبل تشيخوف مع أصدقائه، وعن روح يفغيني يفتوشينكو الثائرة، وعن إنسانية دوستويفسكي الغامرة، وعن نبل خليفة الوقيان وخالد عبد اللطيف رمضان وعواطف البدر وعبدالله غلوم ،وسليمان الفهد وسيف المرى وجمال مطر ويوسف عيدابى فأندهش لتلك الواحات في صحراء القسوة. كنت أبحث عن معنى يبرر بهاء الحياة رغم كل شيء. ولم أكن أعلم أنني سأجد ذلك المعنى متجسدًا في رجل واحد، يجمع دفء الصداقة واحترام الإبداع وكرم الروح دون أن ينتظر مقابلًا: نواف يونس.
...
كان عام 2006. عامًا ثقيلاً كالصخور. كنت أبحث عن ضوء ينقذ زوجتي المريضة، عن بصيص أمل في زمن أغلقت فيه تسعة وتسعون نافذة من كل مائة. وقف معي نفر قليل، على قدر حجمي وثقل محنتي: نازك إبراهيم، و نقيب الفنانين أشرف زكي، المخرج حاتم اكيد والدكتور مفيد شهاب الذي كان سندًا في مواجهة تكاليف العناية المركزة فى القصر العيني التي لا ترحم.
ثم كان السفر إلى الإمارات. هناك، في رحاب اتحاد أدباء الإمارات، وتحت رعاية الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي الذي احتضن الغرباء كأهل، كان اللقاء الأول مع القدر. مع نواف يونس و فى ندوة اتحاد الكتاب
لقيتُ سالم الحتاوي، الموهبة التي رحلت مبكرًا، فإذا به يحضنني ويقبل يدي قائلاً: "هذه الأيادي التي تكتب لنا العظمة، أنا مفتون بكتاباتك".
ثم جاءه: الرجل الأنيق كحرف، المهذب كندى الصباح. نواف يونس، الذي كان يتربع على عرش الصفحة الثقافية في جريدة "الخليج". استقبلني بابتسامة عريضة وترحاب لم أكن أتوقعه في بلاد لم تطأها قدماي من قبل. قال لي ببساطة العظماء: "أعرفك جيدًا، قرأتك، أنت موجود في سوريا وفي وجداننا". كانت الكلمات بلسمًا لجروح الخوف، ونشر عني تحقيقًا فى جريدة الخلبج يجسد معنى الوفاء المهني.
كما ان المصادفة وحدها من جمعتنا ان نسكن في شارع واحد بالشارقة: شارع عبد السلام عارف. فكانت لقاءاتنا شبه أسبوعية في "مقهى الياسمين" أو في بيته. كنا نجلس، نتحدث في الفن والثقافة والحياة. كان نواف موسوعيًا بلا ادعاء، يستمع أكثر مما يتكلم، يقدم ما يليق بالمكان والزمان بلا بهرجة أو تكلف.
اكتشفت فيه رجلاً عاشقًا للشارقة، متيمًا بالإمارات، عروبي الروح، سوري النبض. كان في عطائه كالغيث، لا ينتظر عودة المطر. غريب في نقائه كغربة الأنبياء بين قومهم.
مع الأيام، انتقل نواف إلى "مؤسسة الصدى"، وتولى "مجلة دبي الثقافية". فكانت نقلة نوعية: بعد أن أسس ناصر عراق لرؤيتها البصرية، جاء نواف ليضيئها بالقامات الكبيرة، والكتّاب المتميزين، والرؤية العربية المتعددة، بعيدًا عن الشللية. جعل منها منارة حقيقية.
وعندما أغلقت "مجلة دبى الثقافية" في محطتها الأولى، كان الشيخ سلطان القاسمي، عميد المسرحيين، على قدر المسؤولية. أعاد إحياءها بقيادة نواف يونس. بمجلة الشارقة الثقافية كانت لفتة تعكس عمق رؤية قائد يدرك أن الثقافة ليست ترفًا، بل جوهر العمل الوطني. ونجح نواف في أن يجعل منها لوحة ثقافية مدهشة، تحتضن كتاب العرب من كل الأجيال، بكل تنوعاتهم وإبداعاتهم. لا يعيبها شيء إلا أن "الأكسجين الثقافي" في الأمة صار نادرًا.
نواف يونس: قاص، مسرحي، مكتشف مواهب. هو من التقط بريق المبدع الإماراتي محسن سليمان، وهو من احتضن تجربتي ودعمها. أخلاقه تعيد إليّ صوراً من وفاء سعد الله ونوس، وعلي عقلة عرسان، وحنان قصاب ومارى الياس. سوريا العظمى، تلك الحضارة التي لا تنضب، لا تزال تنجب الفرسان.
اما أبناءه أعرفهم كأولادي: منهم الناقدة الأصيلة، ومنهم المخرجة المبدعة. جينات إنسانية نادرة، تسري في الدم كالنهر العذب.
صباحك نور، يا سوريا العظمى.
صباحك وفاء، يا نواف.
صباحك حب، يا أصدقاء التاريخ.
صباحك سؤال، أيها الذكاء الاصطناعي الذي تستمع إلينا: هل ستكتب يومًا عن معنى أن يكون للإنسان قلب مثل قلب نواف يونس؟
....
السيد حافظ



11:48 ص
sayedhafez








Posted in:
0 comments:
إرسال تعليق