العاشر من رمضان و نجيب سرور
اعترافات الكاتب السيد حافظ مع الأصدقاء والتاريخ والذكاء الاصطناعي
24
العاشر من رمضان ونجيب سرور
في مثل هذا اليوم من عام 1973 كان العاشر من رمضان يوافق السادس من أكتوبر، اليوم الذي عبرت فيه مصر من الضفة إلى الضفة، وعبرت — أو حاولت أن تعبر — من الهزيمة إلى الاحتمال. لم نكن نتوقع شيئًا.
في ذلك اليوم كنت في قصر ثقافة الحرية، وفي المساء ذهبت إلى المقهى، لكن الناس كانت مختلفة. كان هناك صمت ثقيل، ووجوه لا تعرف هل تصدّق الراديو أم تخاف منه. فطرت، ونزلت إلى محطة الرمل مع سعد الدسوقي وعادل شاهين، إلى قهوة البوابين — هكذا كنا نسميها لأنها للفقراء — بجوار مقهى وادي النيل ومقهى القاهرة الفاخرَين اللذين تغيّر اسماهما الآن، عند نهاية خط الترام، حيث تنتهي القضبان ويبدأ القلق.
كنا جلوسًا حين جاءت البيانات. كان صوت الجيش يعلن عبور القناة، والكلمات تخرج كالرصاص، والشارع يتحول فجأة إلى جسد واحد يرتجف. قلت لفرقة التمثيل: ما هذا؟ قالوا: الحرب. قلت: نعم… الحرب.
كنت يومها زعلانًا من مصر. قبلها بيومين استدعاني أمن الدولة في شارع الفراعنة. سألني العقيد محمد خضر: لماذا بروفات عن الحرب والضرب؟ لماذا محمود درويش؟ ولماذا الأبنودي، ومجدي نجيب، وسيد حجاب، وأحمد فؤاد نجم، وإبراهيم رضوان، وزكي عمار؟ نحن في حالة لا سلم ولا حرب، ولسنا في حالة حرب. كنت مسؤولًا عن المسرح السياسي في منظمة الشباب الاشتراكي، وكان يرأس التنظيم الشبابي وقتها الأستاذ محمد الخولي، رجلًا وطنيًا محترمًا، كان يليق به أن يكون وزيرًا للشباب أو الثقافة.
خرجت من المقهى فرأيت التراب معلقًا في الهواء، والناس بين مصدّق وخائف ومفتٍ. بعضهم كان يهتف: «اطفوا النور… اطفوا النور…» كأن الطائرات الإسرائيلية والأمريكية فوق الرؤوس، وكأن الظلام سيحمي المدن من القدر. في تلك اللحظات يتحول الشعب كله إلى محلل سياسي، وإلى فقيه حرب، وإلى مسؤول مؤقت عن المصير، ربما لأن دوره الحقيقي في الحياة العامة كان دائمًا مؤجلًا، إلا من دفع الضرائب.
قلت للفرقة: هيا بنا إلى قصر الثقافة، لنبدأ البروفات. الحرب بدأت، وعلينا أن نصدق أنها حرب.
سرت في شارع صفية زغلول إلى الحاج محمد الرملي، إلى الصحف، إلى عم السيد، إلى محل «على كيفك»، وإلى سينما ستراند أمامه. هنا حدث ما ظلّ يطاردني نصف قرن.
كان هناك رجل يهتف في الشارع، يمسك عصًا ويشير بها إلى الهواء كأنها سهم: «يا ناس… السادات سيخدعكم… ليست حربًا… ليست حربًا…». اقتربت ونظرت في وجهه، فإذا به نجيب سرور.
كنت أعرفه في الإسكندرية. كان يخرج بإذن خاص من مستشفى المعمورة للأمراض النفسية كل يوم، يتجول في المدينة، ويشرب زجاجات البيرة في «إيليت» المحل الشهير في شارع صفية زغلول، ثم يعود بالتاكسي إلى المستشفى. وكان الأطباء يسمحون له بذلك، لكن الشارع لا يسمح.
بدأ بعض الناس يتهاوشون معه، يشدّون قميصه ويدفعونه وهم يقولون: «انزل يا راجل… إنت تعبان…». وهو يصرخ: «إنه خائن… سيخدعكم… ليست وطنية… ليست حربًا…». حاولت أن أنقذه وقلت له: أستاذ، أرجوك، ارجع إلى المستشفى الآن. توسلت إليه، لكنه لم يسمعني.
الحشد حين يغضب لا يرى شاعرًا ولا يعرف تاريخًا، والعشوائية حين تثور لا تفرّق بين جنون وصدق. بدأوا يندفعون نحوه، ولم أستطع أن أحميه ولا أن أحمي نفسي. شدّني أصدقائي من الممثلين بعيدًا، وتركناه في قلب العاصفة.
عدت إلى قاعة البروفات في قصر ثقافة الحرية وفي صدري حجر. هل كان مخطئًا؟ هل كان يرى ما لا نراه؟ هل كانت حربًا حقًا أم تمثيلية سياسية؟ هل خدعنا أنور السادات؟ أم كنا نحن أسرى شكوكنا؟
ضميري ما زال يسألني: لماذا لم تحمه؟ ولماذا تركته؟
العاشر من رمضان لا يعني لي فقط عبور قناة ولا تحطيم خط بارليف في حرب أكتوبر، بل يعني يومًا انكشف فيه شيء أعمق: هشاشة المثقف، وغضب الجماهير، والخوف الذي يسكن القلوب حين تختلط الحقيقة بالشائعة.
مصر عندي ليست خطابًا عسكريًا ولا بيانًا إذاعيًا. مصر وجع. وجع اسمه نجيب سرور، ومحمود دياب، ويحيى الطاهر عبد الله، ومحمد حافظ رجب، وغيرهم من الذين أحبوا هذا الوطن حبًا نادرًا؛ حبًا لا يعرف التصفيق ولا يحتمي بالهتاف.
العاشر من رمضان عندي ليس عيدًا فقط، بل جرح مفتوح يضيء.
السيد حافظ



4:03 م
sayedhafez
Posted in:
0 comments:
إرسال تعليق