القاريء المجهول
اعترافات الكاتب السيد حافظ
مع الأصدقاء والتاريخ والذكاء الاصطناعي
26
هل ما زال البحث مستمرًا عن القارئ المجهول؟
نحن نعلم أن كلَّ كاتبٍ يبحث عن قارئ، وكلَّ قارئٍ يبحث عن كاتب.
لكن الغريب أن كلاً منهما يسير في طريقٍ مختلف، أو يعيش في مدينةٍ أخرى، أو في قارةٍ بعيدة. ونادرًا ما يلتقيان.
أنا – مثلًا – حين قرأت للكاتب الألماني العظيم هرمان هسه، شعرت أنني وجدت الكاتب الذي كنت أبحث عنه؛ الكاتب الذي يدهشني، ويفجّر في ذهني اللغة وسحرها.
وكنت أبحث عن أدونيس المفكّر، لا الشاعر فقط، ليفجّر الأسئلة أمامي: في خطواتي، في بحثي، في مسرحي، في رواياتي، في قصصي.
التاريخ مليء بهذه النماذج. ومثلي كثيرون… بل كثير كثير كثيرون جدًا.
رامبو… وخمس نسخ فقط
أتذكّر الشاعر الفرنسي العظيم آرثر رامبو.
طبع ديوانه الأول ألف نسخة على نفقته الخاصة. كان شابًا في العشرين. حمل النسخ بنفسه إلى دار التوزيع، منتظرًا المعجزة.
مرّ عام.
عاد إليه مندوب التوزيع، وأعاد إليه ما تبقى من النسخ مربوطة في "عباط خيطي".
تم بيع خمس نسخ فقط من أصل الألف.
وكان رامبو قد اشترى أربعًا منها بنفسه.
بقيت نسخة واحدة مفقودة.
سؤال صغير، لكنه سؤال تاريخي: من الذي اشترى النسخة الخامسة؟
غادر رامبو الشعر وسافر إلى الشرق، إلى اليمن والحبشة، وعمل في تجارة التوابل. عاش حياة أخرى، بعيدة عن القصيدة. وبعد سنوات طويلة، فوجئ بأن ديوانه يُطبع في طبعات متعددة في فرنسا وخارجها.
كيف حدث هذا؟
النسخة الخامسة… وصلت إلى قارئ مثقف. ناقد قرأ الكتاب، كتب عنه، قدّمه إلى ناشر، وكتب له مقدمة. قارئ واحد حمل الكتاب على كتفيه، وفتح له أبواب العالم.
قارئ واحد فقط… كان كافيًا ليصنع أسطورة اسمها رامبو.
نجيب سرور… والإسكندرية الحقيقية
أقول هذا بمناسبة أستاذنا الكبير الراحل نجيب سرور.
كان يقيم فترة في مستشفى المعمورة بالإسكندرية. وكنت ألتقيه بحكم ترددي على محطة الرمل، وكان يتردد على محل "إليت" الشهير هناك. ذات يوم قال لي:
– تعال خذني إلى الإسكندرية الحقيقية.
قلت له: وما الإسكندرية الحقيقية؟
قال: أرى المعمورة والشاطئ والعمارات النظيفة والسيارات الجميلة… أريد الأحياء الشعبية. أريد أن أشمّ رائحة الناس.
سِرنا من محطة الرمل، عبر شارع صفية زغلول، حتى محطة مصر، ثم إلى غربال حيث كنت أسكن. ومن هناك إلى شارع الأمر، ثم شارع النجوم، وأحياء الشعب.
وبالصدفة اكتشفتُ شارعًا لم أكن أعرفه من قبل.
كان أدنى من مستوى الشارع، تهبط إليه سلالم، يقود إلى حارة غريبة، بيوت من خشب وصفيح، عشوائيات مكتملة الفقر.
وقف سرور عند السلم، وقال:
– ننزل.
كان يتكئ على عصاه، وأنا شاب في العشرين. قلت له:
– سيتعبك النزول يا أستاذ.
قال:
– لا… دعني أشمّ مصر.
ونزلنا.
كان يردد:
– شممت رائحة مصر الحقيقية… رائحة الفقراء.
اللقاء
فجأة، ظهر أمامنا رجل في الأربعين تقريبًا، يرتدي جلبابًا بسيطًا، و"شبشب زنوبة" – ذاك الحذاء الشعبي ذو الإصبع الواحد.
توقف أمامنا، وحدّق في وجه سرور، وقال بدهشة:
– مش معقول… الأستاذ نجيب سرور!
فوجئت. كيف لهذا الرجل البسيط أن يعرفه؟
قال له سرور:
– تعرفني؟
قال الرجل:
– طبعًا. أنت الذي قلت: إن كان لك حاجة عند الكلب قل له يا كلب يا ابن الكلب.
سأله سرور بصوت متهدّج:
– قرأت المسرحية؟
قال:
– أقرأ كل ما تكتب يا أستاذ.
في تلك اللحظة… بكى نجيب سرور.
احتضن الرجل. صافحه طويلًا. ومضينا.
سألته:
– لماذا تبكي؟
قال لي جملة لن أنساها ما حييت:
كل كاتب يكتب لقارئٍ واحد.
أغلب الكتّاب يموتون قبل أن يعرفوا من هو هذا القارئ.
وأنا اليوم وجدته.
وجدته مختبئًا في الحواري، في الشارع، في الحرمبي، في غربال.
القارئ المجهول
هكذا إذن…
رامبو احتاج قارئًا واحدًا ليولد من جديد.
وسرور احتاج رجلًا بسيطًا في حارة فقيرة ليعرف أن صوته وصل.
القارئ ليس بالضرورة ناقدًا كبيرًا، ولا أستاذ جامعة، ولا صاحب صالون ثقافي.
قد يكون رجلًا في شبشب زنوبة، يسكن تحت مستوى الشارع.
وربما…
ربما نحن لا نكتب للقراء الكثيرين،
بل لذلك القارئ الوحيد
الذي يختبئ في زمنٍ آخر،
أو مدينةٍ أخرى،
أو حارةٍ لا نعرفها.
فهل ما زال البحث مستمرًا عن القارئ المجهول؟
أظنه نعم.
وأظن أن كل ما نكتبه هو رسالة في زجاجة، نلقيها في بحر الزمن،
على أمل أن يعثر عليها شخص واحد…
ويقول لنا، بعد سنوات
تمت
السيد حافظ



4:28 م
sayedhafez
Posted in:
0 comments:
إرسال تعليق