الاثنين، 20 أبريل 2026

مكتبتي للبيع ​اعترافات الكاتب السيد حافظ إلى الأصدقاء، والتاريخ، والذكاء الاصطناعي 28

 مكتبتي للبيع

​اعترافات الكاتب السيد حافظ إلى الأصدقاء، والتاريخ، والذكاء الاصطناعي
28
















​التاريخ يكرر نفسه: يحيى حقي، ومحمد روميش، وبيع المكتبة...
​لم أتوقع يومًا أن أجد نفسي في الموقف ذاته الذي كان فيه الأب الروحي لي شخصيًّا، وللكثير من النماذج الأدبية المحترمة في مصر: عمّنا الكبير يحيى حقي. هذا العملاق، صاحب «قنديل أم هاشم» وكتبٍ كثيرة، كاتب ساحر لا يُعوَّض على مرّ التاريخ، لكنه ظُلم؛ إذ اتهمه اليسار بأنه يمينيّ ورجعيّ وغير تقدّميّ، ولا يناصر الطبقة العاملة.
​شاهدتُ بنفسي وقائعَ سأذكر بعضها فيما بعد، منها ما فعله إبراهيم فتحي —الناقد والمفكر اليساري الكبير، وعميد المثقفين اليساريين في مصر (1931-2019)، الذي ساهم في تأسيس مجلة «جاليري 68» وجمعية كتاب الغد، وكان يحرر بابًا في مجلة «المجلة» يعرض فيه موضوعات المجلات الأجنبية. رأيتُه بعيني في مقر المجلة بـ 27 شارع عبد الخالق ثروت، يمسك بمقالٍ له كان الأستاذ يحيى حقي قد وافق عليه بالفعل، وبدلاً من نشره، قام إبراهيم فتحي بتمزيقه وألقاه على الأرض!(عام ١٩٧٠)
​خرجتُ معه حينها كمريدٍ ينهل من علمه، وسألته مستغربًا: «لماذا فعلتَ هذا مع الأستاذ يحيى حقي؟». وبينما نحن نسير، مرَّ أتوبيسٌ أمامنا في شارع القصر العيني، فصاح فجأة: «شفتك يا كلب!»، ثم التفت إليَّ قائلًا: «الأمريكان صنعوا رجلًا شبيهي»، مشيرًا إلى شخصٍ يركب الأتوبيس. حينها أدركتُ أن الأستاذ الكبير إبراهيم فتحي يعاني من مرضٍ نفسيّ، وهو أمرٌ ألفته منذ عرفتُ أخي محمد حافظ، وشاهدته في نجيب سرور أيضًا؛ فالمبدعون الكبار يُصابون أحيانًا ببعض العوارض النفسية، وهو أمرٌ عاديّ جدًّا.
​لكني أعود إلى الأستاذ يحيى حقي، الذي حاربه اليسار فانتزعوا منه إدارة تحرير مجلة «المجلة»، وأوقفوا نشر مقالاته، فلم يجد نفسه إلا أمام جريدة «التعاون» التي كانت تصدر في شارع الأزبكية بجوار دار الأدباء. كان يذهب الأستاذ ليكتب فيها مقالًا أسبوعيًّا مقابل أربعة جنيهات! هذا العملاق الكبير، صاحب «قنديل أم هاشم»، الفيلم الذي هزَّ مصر هزًّا في ذلك الوقت.
​أرسل لي —مع الأديب الرائع محمد روميش (1931-1992)، القاص المبدع من جيل الستينيات، صاحب المجموعة القصصية الشهيرة «الليل الرحم» الذي كان يعمل في الكويت مستشارًا للبنك المركزي عام 1984— قابلني في مقهى بالسالمية ليقول لي: «عمّك يحيى يريد أن يبيع مكتبته، شوف حدّ من الأغنياء العرب أو الأثرياء يشتريها».
​فكتبتُ مقالًا أثر فيه، قلتُ فيه: «يحيى حقي العظيم يريد أن يبيع مكتبته، فاشتروا مكتبة يحيى حقي أيها العظماء، حتى لا يُقال إن في عصرنا كان هناك أديب عظيم، وكان هناك رجال عظماء يقدرونه». وكتبتُ المقال ونزلتُ، فإذا بعاصفة في القاهرة قام بها اليسار مرة أخرى على عمّنا يحيى حقي: «أنت تريد أن تزلَّ مصر، أنت تريد أن تهين مصر، أنت تريد أن تحقّر من مصر»، واتهامات بالخيانة الوطنية! فأجرى حديثًا مع إحدى الصحف وقال: «أنا لم أكتب هذا ولم أفعل هذا، والذي فعل هذا شخص ما صحفي يعمل في الكويت، ولستُ أنا». فكلَّمتُ عمّنا محمد روميش، قلتُ له: «الأستاذ كاتب شخص ما يعمل في الكويت». قال لي: «سامحه.. أكلوه، المثقفون أكلوه ولاد الكلب».
​مرت الأيام، وها أنا ذا أفعل ما فعله عمّنا وأستاذنا يحيى حقي، وما أعلنته من قبل العظيمة الرائعة التي لا تُعوَّض أبدًا: صافي ناز كاظم (مواليد 1937)، الكاتبة والناقدة المسرحية البارزة، التي مزجت في كتاباتها بين السيرة الذاتية والنقد الثقافي والسياسي بجرأة وصدق، حين أعلنت أنها تريد أن تبيع مكتبتها.
​وها أنا اليوم أقول: أريد أن أبيع مكتبتي، لعلّي أجد مخرجًا. حين تضيق عليك النوافذ، فلا بد أن تبحث عن حلّ. هذا هو الحلّ، لكني لم أجد من يتحمَّس ليكتب عن هذه القضية كما تحمَّستُ أنا لعمّنا يحيى حقي. ولذلك توكّلتُ على الله وتحمَّستُ لنفسي، وكتبتُ هذا "البوست" – أو هذا الإعلان – تحيةً للزمن الجميل الذي سيأتي بعد جيلنا، وللمثقفين في المستقبل الذين سيقيّمون هذه الفترة والمرحلة...
​من يشتري مكتبتي بخمسة مليون جنيه؟
​تمت.
السيد حافظ
مارس 2026

0 comments:

إرسال تعليق

 
Design by Free WordPress Themes | Bloggerized by Lasantha - Premium Blogger Themes | cheap international voip calls ta3rib : Abed