الاثنين، 20 أبريل 2026

الهزيمة لونها أزرق اعترافات الكاتب السيد حافظ مع الأصدقاء والتاريخ والذكاء الاصطناعي --27

 الهزيمة لونها أزرق

اعترافات الكاتب السيد حافظ مع الأصدقاء والتاريخ والذكاء الاصطناعي
27








أنا حياتي مجموعة من الهزائم. منذ كنت في منظمة الشباب الاشتراكي عام 1964، في المعسكر الفكري بحلوان، كنت أحلم أن أكون مساعدًا لـ جمال عبد الناصر. كان الحلم يبدو ممكنًا في خيال شاب يرى السياسة خلاصًا، ويرى القائد أبًا وملهمًا. لكن الحلم بدأ يتشقق حين اكتشفت أن مساعديه ليسوا مدنيين، وأن أحدًا لا ينزل أمامه في الانتخابات؛ فالانتخابات كانت استفتاء، والنتيجة دائمًا 99%.
في ذلك الوقت كان صديقي ناجي أحمد ناجي مراقبًا في لجنة الانتخابات بنقطة شريف. بينما كان يفرز الأصوات، سمع عبر الراديو نتيجة الانتخابات: فوز الرئيس بنسبة 99%. كان يمسك بطاقات التصويت في يده، فتوقف لحظة، ثم تركها على المكتب، وخرج مسرعًا من القسم إلى مركز شباب الشلالات حيث كنا نتدرب مع فريق التمثيل، وحكى لنا ما حدث. في تلك اللحظة شعرت أن حلمي الشخصي قد انهزم، لا لأن النتيجة كانت متوقعة، بل لأن الحقيقة خرجت من الراديو قبل أن تخرج من الصناديق.
بعدها بسنوات، سألني كمال أحمد، وكان زميلي في المنظمة في المعسكرات وصاحب معارك فكرية وبرلمانية مع السادات ومبارك وغيرهما: هل تختار أن تلعب سياسة أم تلعب فنًا وأدبًا؟ بدا السؤال بسيطًا، لكنه كان في جوهره سؤال مصير. اخترت الفن والأدب، ومنذ ذلك اليوم وأنا أقول إنني هُزمت في السياسة، وهُزمت في الأدب، وهُزمت في الفن، لكنني على الأقل اخترت طريقي بوعي.
كلما عدت بذاكرتي إلى تلك اللحظات أذهب إلى المقهى، أطلب قهوة وشيشة، وأترك الدخان يصعد أمامي كأنه بقايا أحلام محترقة. أتمتم أحيانًا بمرارة ضد السياسة والمال والفن، لا لأنني أكرهها، بل لأنني دفعت ثمنها جميعًا.
وعندما كنت أُهزم في قصة حب، كنت أكرر الطقس نفسه؛ أذهب إلى المقهى، أطلب الشيشة، أشتري وردة من بائعة فل، أراقب صبيًا يلمّع الأحذية في الشارع، وأتساءل إن كان القلب أضعف من أن يحتمل كل هذا التعلق. كنت أتصور أن العشق معركة من أجل الاستقرار، لكنه كثيرًا ما كان يتحول إلى هدنة قصيرة تعقبها هزيمة أخرى. تزوجت نساء جميلات، مصريات وعربيات، وفشلت علاقاتي جميعًا إلا زواجي من أم الأولاد الذي استمر خمسةً وعشرين عامًا حتى رحيلها. حتى إنني تزوجت مرة زواجًا لم يستمر سوى يوم واحد، وكأنني كنت أختبر قدرتي على الاستمرار فأكتشف ضعفي الإنساني في كل مرة.
وفي الفن لم يكن الأمر أسهل. حين لا يُعرض لي مسلسل على شاشة التلفزيون لأنني أرفض دفع رشوة لمسؤول التنسيق، كنت أجد العمل يُبث في الرابعة فجرًا، وكأن الإبداع يُعاقب لأنه لم يدخل من الباب الخلفي. كنت أسمع صوتًا داخليًا يردد: يا ولدي، أنت مهزوم. ومع ذلك واصلت الكتابة.
كنت أعيش على مسرح توفيق الحكيم، وأنطون تشيخوف، وسعد الدين وهبة، ونعمان عاشور، وكنت أجد في تقدير سعد الدين وهبة لموهبتي عزاءً كبيرًا، كأن شهادة واحدة صادقة تكفي لتعويض صمت جمهور كامل.
وحين حاولت أن أكون تاجرًا، فشلت في كل مشاريعي؛ لم أستطع أن أتعلم كيف أبيع ضميري مع البضاعة، ولا كيف أساوم على ما أؤمن به. ربما لهذا خسرت التجارة كما خسرت أشياء أخرى كثيرة.
اليوم أستطيع أن أقول إنني ربما كنت مهزومًا في السياسة، ومهزومًا في الحب، ومهزومًا في التجارة، لكنني لم أُهزم في الحلم. فالحلم لا يُستفتى عليه بنسبة 99%، ولا يُعرض في الرابعة فجرًا، ولا يُباع في الأسواق. الحلم يعيش، ولو عاش وحيدًا.
تمت
السيد حافظ

0 comments:

إرسال تعليق

 
Design by Free WordPress Themes | Bloggerized by Lasantha - Premium Blogger Themes | cheap international voip calls ta3rib : Abed