الأحد، 30 أغسطس 2026

فى ذكرى محفوظ عبد الرحمن.. عرّاب الدراما التاريخية في مصر والوطن العربي.. كل من عليها خان 6

 كل من عليها خان 6.. 

مقالات

المقال السادس

سرد بلا حدود

فى ذكرى

محفوظ عبد الرحمن.. عرّاب الدراما التاريخية في مصر والوطن العربي

فى ذكرى يوم رحيله

بقلم: السيد حافظ






 كان محفوظ عبد الرحمن صديقي منذ عام 1976، منذ أيام الكويت الأولى، يوم كانت الكويت بالنسبة لي بداية أخرى للحياة، وبداية أخرى للكتابة، وبداية أخرى لاكتشاف وجوه كثيرة ستظل محفورة في الذاكرة، بعضها بالحب، وبعضها بالوجع، وبعضها بالدهشة. كان محفوظ يعمل في تلفزيون الكويت قارئًا للنصوص المسرحية مع السيدة عواطف البدر، وكان رئيس قسم النصوص في ذلك الوقت الفنان الكبير سعد الفرج. وأتذكر أنني شاهدت أول مسرحية لمحفوظ عبد الرحمن، وكانت «حفلة على الخازوق»، من إخراج صقر الرشود، وكتبت عنها في مجلة «صوت الخليج»، حيث كنت أعمل في بداية نزولي إلى الكويت. ثم شاءت الصدفة أن يجمعنا اللقاء في الأتوبيس، عند محطة التلفزيون القديمة، بجوار المقابر القديمة. كان لقاءً عابرًا في ظاهره، لكنه لم يكن عابرًا في حياتي. منذ ذلك اللقاء بدأت صداقة طويلة امتدت سنوات وسنوات. وكتبت عنه مرة أخرى، وعن مسرحيته «عريس لبنت السلطان»، التي أخرجها صقر الرشود وقدمتها فرقة مسرح الخليج العربي.

السندباد البحري.. أول الطريق

ثم قدم محفوظ عبد الرحمن أولى مسرحياته لمسرح الطفل، وكانت «السندباد البحري». كانت المسرحية، في رأيي، زلزالًا في الوسط الثقافي؛ قصيرة جدًا، لكنها جميلة ورائعة ومختلفة. أنتجتها السيدة عواطف البدر، وأخرجها منصور المنصور، وكان من أبطالها عبد الرحمن العقل، الذي كان وقتها شابًا، ثم أصبح بعد ذلك واحدًا من نجوم مسرح الطفل في الكويت. وكانت تلك المسرحية واحدة من العلامات التي أكدت لي مبكرًا أن محفوظ عبد الرحمن لا يكتب الحكاية لمجرد أن يحكي، وإنما كان يعرف كيف يحول الحكاية إلى مسرح، وكيف يجعل التاريخ والخيال قريبين من الناس.

صدام بسبب العدالة

وظلت صداقتي بمحفوظ عبد الرحمن قائمة، حتى حدث صدام بسبب موقف إداري ومالي. في ذلك الوقت كثرت شركات الإنتاج، وطلب محفوظ عبد الرحمن مساعدين للعمل معه بعد استقالة السيدة عواطف البدر وتحولها إلى العمل من خلال شركة إنتاج في القطاع الخاص، هي مؤسسة البدر للإنتاج الفني. وكان محفوظ قد طلب موظفين للعمل معه، فجاء إلى تلفزيون الكويت ثلاثة موظفين، من بينهم موظفان مصريان، بعقود تبلغ قيمة الواحد منها ثلاثمائة دينار، بالإضافة إلى السكن والسيارة التي تنقلهم من التلفزيون إلى البيت. وكان محفوظ عبد الرحمن، في ذلك الوقت، يتقاضى نحو مائة وعشرين دينارًا. فقال: «كيف أتعامل مع هذا الموقف؟» لقد رأى محفوظ أن من غير العدل أن يحصل المتعاقد الخارجي على أضعاف ما يحصل عليه الموظف الذي يعمل من داخل المؤسسة. وكان محفوظ قد تعاقد داخليًا مع تلفزيون الكويت، بعد أن تقدمت زوجته الأولى، وكانت تعمل مدرسة في الكويت، بطلب للعمل هناك، ثم تقدم هو أيضًا بطلب للعمل في تلفزيون الكويت، وتمت الموافقة عليه. وفي النهاية قدم محفوظ استقالته احتجاجًا على هذا القانون الذي رآه غبيًا وغير عادل، لأنه يمنح المتعاقد الخارجي أضعاف ما يمنحه للمتعاقد الداخلي. لم يكن الرجل ينظر إلى الأمر باعتباره مجرد فارق في الأجر، وإنما كان يرى فيه مسألة كرامة وعدالة، وكان هذا جزءًا من تكوينه الإنساني الذي عرفته عن قرب.

محفوظ.. أيقونة ثقافية متحركة

كان محفوظ عبد الرحمن أيقونة ثقافية متحركة على الأرض. وكان حكّاءً بارعًا مدهشًا؛ فإذا بدأ في الحكي أخذتك الحكاية معه، وإذا فتح بابًا من أبواب الكلام وجدت نفسك تمشي معه من حكاية إلى حكاية، ومن شخصية إلى شخصية، ومن موقف إلى موقف. وكان من الذين تأثروا بمدرسة سعد الدين وهبة، ومن الذين عرفوا قيمة الحكاية والدراما والتاريخ. وظلت علاقتنا طيبة. كان يهمس لي بأوجاعه، ويحكي لي عما يحدث له في الحياة من مشاهد وغرائب وحكايات. كان محفوظ عندما يتحدث عن الحياة لا يتحدث عنها باعتبارها وقائع جامدة، وإنما باعتبارها مسرحًا واسعًا، فيه البشر، والمفارقات، والضحكات، والأحزان، والخيانة، والوفاء، والدهشة.

مركز رؤيا.. حين كرّمت محفوظ عبد الرحمن 

وأذكر أنه كان في عام 1987، بعد أن كوّنت وأسست مركز «رؤيا» في الإسكندرية، حرصت على تكريم محفوظ عبد الرحمن، وكرمته مع زوجته الفنانة القديرة سميرة عبد العزيز. استضفتهما في الإسكندرية، وكانت إقامتهما في فندق لمدة أربعة أيام على حسابي. لم أكن أنظر إلى الأمر باعتباره مجرد تكريم رسمي، وإنما كنت أريد أن أقول لمحفوظ إنني أقدّر تجربته، وأعتز بصداقته، وأرى فيه واحدًا من كبار الكتاب الذين يستحقون الاحتفاء بهم. وفي تلك الفترة كنت أمر بظروف صعبة، وطلبت منه أن يساندني في علاج زوجتي. وكان رد محفوظ كريمًا؛ فأرسل لي ثلاثة آلاف جنيه لمساعدتي في العلاج. وظل هذا الموقف محفوظًا في قلبي. وفي نفس اليوم عام 2006 استطعت أن أرد له المبلغ، ورددته إليه شاكرًا ومقدرًا له وقفته معي في وقت كنت في حاجة حقيقية إلى من يقف إلى جواري. لم أنسَ أبدًا أن الصداقة عند محفوظ لم تكن كلامًا فقط، وإنما كان فيها فعل وموقف ووقوف إلى جانب الصديق.

الأصدقاء وانتخابات اتحاد الكتاب

وفي مرحلة من مراحل صداقتنا عرّفته بصديقي الأول، الدكتور علاء عبد الهادي، وبالناقد والكاتب عبد الغني داود. وكان الدكتور علاء عبد الهادي قد جاء من ليبيا ليتعرف على الحياة الثقافية، وكان شخصية مذهلة؛ إذا قابلته تحدث معك في كل المجالات، فهو موسوعي الثقافة. وتصادقنا جميعًا. وعرفتهم بمحفوظ عبد الرحمن في إحدى مراحل انتخابات اتحاد الكتاب، عندما كان محفوظ مرشحًا لرئاسة اتحاد الكتاب أمام ثروت أباظة. وفي تلك المرحلة كنت أقوم بالدعاية لصديقي محفوظ. طبعت على حسابي أوراقًا إعلانية ولافتات، رغبة مني في أن يفوز صديقي الجميل. كنت أريد له المنصب، لا من أجل المنصب نفسه، وإنما لأنني كنت أرى فيه الرجل الذي يستطيع أن يحمل مسؤولية مؤسسة ثقافية بحجم اتحاد الكتاب. لكن محفوظ لم ينجح. وظل، رغم ذلك، صديقًا للجميع، وبدأ اسمه يلمع أكثر فأكثر في الساحة الثقافية، وكانت مسلسلاته تدهش الناس.

عندما أفلست.. ومحفوظ قال: «ما عنديش فلوس»

وأذكر موقفًا آخر لا يمكن أن أنساه. في عام 1990، عندما أفلست، جئت إلى القاهرة والتقيت محفوظ عبد الرحمن في حديقة «جروبي». قلت له بصراحة: «أنا أفلست». قال لي: «ما عنديش فلوس». فقلت له: «أنا لا أطلب منك مالًا. ساعدني بأن تعرّفني بشركات الإنتاج في القاهرة، وأنا أتصرف». قال لي: «حاضر، بسيطة». وطلبت الجرسون، وأقسمت لمحفوظ أنني سأدفع ثمن المشروبات. خرجنا من المكان، وانتظرت أن يتصل بي أو يعرّفني على شركات الإنتاج، لكنه لم يتصل. ومع ذلك لم أغضب منه. لم أغضب لأنني كنت أعرفه، وأعرف أن الصداقة عنده لها ظروفها وحدودها، ولأنه كان في النهاية صديقي الجميل الذي جمعتني به سنوات طويلة من العمر والعمل والذكريات. كنت أستطيع أن أعاتبه، لكنني لم أفعل. بعض الأصدقاء نعطيهم مساحة في حياتنا أكبر من مساحة العتاب.

ليلة سقوط غرناطة.. والتحدي الكبير

وأذكر أنه عندما كتب مسلسل «ليلة سقوط غرناطة»، كتبه بطريقة مختلفة عن المعتاد. كان ينتقل بين الأحداث جغرافيًا؛ يكتب حدثًا في الشمال، ثم ينتقل إلى الغرب، ثم إلى شمال الأندلس، وكأنك تتحرك معه على خريطة الأندلس. كانت طريقة جميلة ومبتكرة. لكن عمي محمود السعدني العظيم كتب نقدًا شديد القسوة، وفي الوقت نفسه شديد الفكاهة. وقال عن طريقة محفوظ في الانتقال بين الجهات ما معناه إنه كان يحلم بأن يكون عسكري مرور: شمالًا وجنوبًا! واتصل بي محفوظ عبد الرحمن من القاهرة وقال لي: «حوش عمك محمود السعدني عني. ابعده عني. أنا مش قده، أنا مش قد محمود السعدني». فذهبت إلى عم محمود السعدني في فندق المريديان، وكان الفندق في ذلك الوقت أشبه بمركب في مياه الشويخ، يجلس في الخليج. وقلت له: ـ يا عم محمود، سيبك من محفوظ عبد الرحمن يا عم محمود. فقال لي: ـ مش عاجبني. قلت له: ـ يا عم محمود، غير المحطة. لكنني، للأسف، خسرت محفوظ عبد الرحمن بلا سبب واضح.

عبد الغني داود.. الصدمة

ابتعد عني محفوظ بعد ذلك، بعدما عرّفته على الأستاذ الكاتب والناقد والسينمائي والمسرحي عبد الغني داود. قال له عبد الغني داود كلامًا لا أعرفه، وربما أثر فيه. والشيء نفسه حدث معي عندما عرّفت عبد الغني داود بصديقي المحترم، الراقي، النبيل عز الدين المدني في تونس، ثم ابتعد عني عز الدين المدني أيضًا. ولا أعرف ماذا كان الاستاذ عبد الغني داود يقول عني. لكنني سمعته بأذني قبل وفاته. ذات يوم كنت أحدثه تليفونيًا وأسأله عن اسم شخصية، لأنني كنت أكتب إحدى مقالاتي، ونسي أن يغلق الهاتف. وظللت أسمعه يتحدث مع تلاميذه أو أصدقائه عني ويسخر بطريقة بشعة. فوجئت وصُدمت. بعد ثلاثين عامًا من الصداقة اكتشفت أن الرجل كان يظهر لي شيئًا ويضمر شيئًا آخر. فقطعت علاقتي به. ومع ذلك ظلت علاقتي بأسرته العظيمة الطيبة قائمة، لأنني كنت أكن لهم كل المحبة والاحترام. لكن ما سمعته منه كان صدمة لا أنساها. كنت أعتبر عبد الغني داود صديقًا حميمًا، ولذلك كان اكتشاف هذا الجانب منه مؤلمًا جدًا. أما محفوظ عبد الرحمن، فقد ظل في ذاكرتي، وظلت بيننا مساحة من المحبة رغم كل ما حدث.

كتاب محفوظ.. وأربعة آلاف جنيه

وبعد أن تصادق محفوظ مع عبد الغني داود، كتب عبد الغني عنه كتابًا ونشرته هيئة الكتاب المصرية، وحصل عبد الغني داود على أربعة آلاف جنيه مكافأة. وقال لي عبد الغني: «أنا كنت فاكر هيدوني عشرة أو عشرين ألف جنيه». فقلت له: «محفوظ يا محفوظ، اديله فلوس». فقال محفوظ إن الكتاب ضعيف جدًا، ولا يحتوي على وعي نقدي أو منهج نقدي، وإن أربعة آلاف جنيه تكفي. فقلت له: «يا رجل، الرجل تعب». فقال: «أربعة آلاف جنيه الحكومة هي التي ترى أنها أفضل». وصمتنا.

الرحيل الذي لم يكن رحيلًا

ثم مات محفوظ عبد الرحمن ورحل. لكن محفوظ لم يرحل من ذاكرتي. كان إذا هاجمته الأحزان ومشاكل الدنيا يتصل بي، ويقول لي: «أرسل لك السيارة؟» فيأتي السائق، ويأخذني، ونذهب معًا إلى طنطا أو المحلة الكبرى، ونجلس في مطعم أو كافيتيريا. وطوال الطريق كان يحكي لي أوجاعه ومشاكله في الدنيا. كان الطريق بالنسبة إليه مساحة أخرى للحكي. السيارة تتحرك، والبلاد تمر من حولنا، ومحفوظ يفتح قلبه. كنت أسمع منه عن الحياة، عن الناس، عن العمل، عن الثقافة، وعن أوجاع الرجل الذي صنع لنفسه مكانًا كبيرًا في الدراما العربية، لكنه ظل في داخله إنسانًا يحمل همومه الخاصة، ويحتاج أحيانًا إلى صديق يسمعه. وكان محفوظ عبد الرحمن إذا جاءه ضيوف من الوطن العربي لابد أن يدعوني. وكان يقول لي إنني «واجهة مصر الثقافية معه»، لأن كثيرًا من المصريين لا يعرفون الثقافة العربية بالقدر الكافي. وكان يرى أن وجودي معه ضرورة. وهذه الجملة ظلت عالقة في ذاكرتي؛ ليس لأنها مجاملة، وإنما لأنها كانت تعني أن الرجل كان يرى الثقافة العربية فضاءً واحدًا، وأن المثقف المصري لا ينبغي أن يعيش داخل حدود مصر وحدها، كما أن المثقف العربي لا ينبغي أن يعيش داخل حدود بلده.

محفوظ.. ذاكرة تمشي على قدمين

وأنا اليوم، وأنا أستعيد سيرته، أشعر أن مصر والساحة الثقافية فقدتا رجلًا كبيرًا. كان محفوظ عبد الرحمن حكّاءً جميلًا، مثل عمي محمود السعدني، وكان يمتلك قدرة نادرة على تحويل الحياة إلى حكاية، والحكاية إلى دراما، والتاريخ إلى إنسان. وهذه موهبته الكبرى. لم يكن التاريخ عند محفوظ مجموعة تواريخ وأسماء ومعارك، وإنما كان بشرًا يمشون على الأرض، يحبون ويخافون ويخونون ويخلصون وينهزمون وينتصرون. وكان يعرف أن الدراما الحقيقية لا تولد من الكتب وحدها، وإنما تولد عندما يصبح التاريخ مرآة للإنسان. وأعتقد أنه كان يستحق أن يكون رئيسًا لاتحاد كتاب مصر. لكن الخيانات التي حدثت أمامه، والأشياء البشعة التي مر بها، جعلت الرجل يبتعد ويظل حزينًا في داخله. ومع ذلك ظل محفوظ عبد الرحمن في ذهني وفي قلبي. لم تستطع الخلافات أن تمحو الصداقة الأولى، ولم تستطع السنوات أن تمحو صورة الرجل الذي عرفته في الكويت منذ عام 1976، وكان يجلس بجواري في الباص.

الحكاية التي لم ترحل

اليوم، في ذكرى وفاة محفوظ عبد الرحمن العظيم، الرائع، صديقي الجليل، الذي كان يساند بلا حدود، أقول: لقد رحل محفوظ عبد الرحمن، لكن الحكاية لم ترحل. رحل الرجل، وبقيت أعماله. وبقي صوته. وبقيت ضحكته. وبقيت حكاياته. وبقيت تلك الرحلة الطويلة التي جمعتني به منذ عام 1976 في الكويت. وبقيت في ذاكرتي صورة رجل كان يستطيع أن يجعل من الطريق حكاية، ومن الجلسة مسرحًا، ومن التاريخ إنسانًا، ومن الوجع مادة للكلام. رحل محفوظ عبد الرحمن، لكنني كلما تذكرت تلك الأيام، أراه جالسًا إلى جواري، يحكي ويضحك ونحن في المحلة الكبرى عند جار النبي الحلو، أو في مقهى ريش، ثم يفتح فجأة بابًا آخر من أبواب الحياة. وكأن الرجل لم يمت تمامًا. فبعض البشر يموتون بأجسادهم فقط، أما أصواتهم فتظل تمشي في ذاكرتنا. ومحفوظ عبد الرحمن واحد من هؤلاء. محفوظ عبد الرحمن لم يكن مجرد كاتب للدراما التاريخية؛ كان ذاكرة تمشي على قدمين، وحكّاءً من طراز نادر، ورجلًا عرف كيف يجعل التاريخ حيًا، وصديقًا ترك في القلب أثرًا لا يمحى. في ذكرى رحيله، لا أريد أن أقول وداعًا. أريد فقط أن أقول: يا محفوظ... الحكاية مستمرة

 السيد حافظ

الهرم

رأى الذكاء الاصطناعي جروك 

ما رأيك في النص؟

النص مقالة تذكارية/سردية شخصية جميلة، مكتوبة بروح الصداقة والوفاء، وليس مقالة نقدية أكاديمية عن أعمال محفوظ عبد الرحمن. السيد حافظ يكتب هنا كصديق قديم، لا كناقد محايد، وهذا هو جوهر النص وقوته في آن واحد.

أبرز نقاط القوة:

الصدق العاطفي: النص مليء بتفاصيل حية (الأتوبيس بجانب المقابر في الكويت، حديقة جروبي، الرحلات إلى طنطا والمحلة، موقف الـ3000 جنيه، موقف «ما عنديش فلوس»...). هذه التفاصيل تجعل محفوظ عبد الرحمن إنسانًا حيًا لا مجرد اسم ثقافي.

الأسلوب السردي: حافظ يكتب بطريقة «الحكاية داخل الحكاية»، وهو أسلوب يناسب تمامًا شخصية محفوظ الذي يصفه بأنه «حكّاء بارع». الجمل طويلة ومتدفقة، وفيها نبرة حزن دافئ وليست دراما مفتعلة.

الجانب الإنساني: يركز على قيم محفوظ (العدالة، الكرامة، الوقوف مع الصديق)، وعلى هشاشته أيضًا (حزنه بعد الخيانات، ابتعاده، حاجته إلى من يسمعه). هذا يرفع النص فوق مستوى المديح التقليدي.

الخاتمة: قوية ومؤثرة. جملة «يا محفوظ... الحكاية مستمرة» جميلة جدًا وتغلق الدائرة بأناقة.

ملاحظات نقدية بسيطة:

النص طويل نسبيًا وفيه بعض التكرار والانتقالات الجانبية (قصة عبد الغني داود، وقصة عز الدين المدني). هذه الاستطرادات تعطي طابع «المذكرات» لكنها قد تُضعف التركيز أحيانًا على شخصية محفوظ نفسها.

الجانب الفني/الدرامي لمحفوظ (أعماله التاريخية، طريقته في الكتابة، قيمته ككاتب) يأتي ثانويًا مقارنة بالجانب الشخصي. من يحب التحليل الدرامي قد يشعر أن النص ناقص في هذا الجانب.

بعض الجمل يمكن اختصارها قليلًا لزيادة الإيقاع، لكن هذا ليس عيبًا كبيرًا في نص تذكاري.

الخلاصة:

النص ناجح كـشهادة صداقة أكثر مما هو ناجح كدراسة أدبية. فيه دفء وصدق ووفاء نادر في الكتابات الثقافية العربية اليوم. يشعر القارئ أن حافظ يكتب من القلب، لا من أجل المناسبات أو التكريم الرسمي.

لو كان الهدف هو تكريم محفوظ عبد الرحمن كإنسان وصديق، فالنص ممتاز.

ولو كان الهدف هو تقديم قراءة معمقة في مشروعه الدرامي التاريخي، فسيحتاج إلى جزء تحليلي إضافي عن الأعمال نفسها.

باختصار: نص جميل، صادق، ومؤثر. يستحق القراءة.

0 comments:

إرسال تعليق

 
Design by Free WordPress Themes | Bloggerized by Lasantha - Premium Blogger Themes | cheap international voip calls ta3rib : Abed