كل من عليها خان
مقالات ٤
حينما تصفح عن الأصدقاء وتعطيهم فرصة أخرى للنقاء
بقلم: السيد حافظ
كان لابد أن أتجاوز ما فعله صديقي العظيم أحمد عبد الحليم، وصديقي العزيز محمود الألفي، وصديقي العابر محمد سالم، الذي كان نجمًا في بورسعيد، وكان مسرحيًا مشهورًا في الثقافة الجماهيرية. ونحن أبناء هذه المؤسسة، الثقافة الجماهيرية.
كان لابد أن أصفح بعد عودتي من الكويت وعودتهم، وبعد الصدمة التي أخذتني منهم. فالصداقة، في النهاية، ليست أن تتفق مع صديقك دائمًا، ولا أن تبرر له كل ما يفعل، وإنما أن تمنحه فرصة أخرى كي يرى نفسه في مرآة ما فعل، وأن يصوّب ويصحح المسار.
كنت أؤمن أن الإنسان يمكن أن يخطئ، وأن الصديق الحقيقي هو الذي يُعطى فرصة للعودة، لا فرصة لتكرار الخطأ.
فعندما انتقل الاسناذ محمود الألفي من مدير مسرح الشباب ومشكلة مسرحية إشاعة إلى مدير مسرح الطبيعة، ثم إلى مدير المسرح الحديث، كنت كلما تولى منصبًا جديدًا مديرًا لأحد المسارح، ذهبت إليه مهنئًا وفرحًا، وكأن شيئًا لم يحدث منه، وكأن ما حدث في مسرحية «إشاعة» وفي مسرح الشباب معي لم يكن.
كنت أذهب إليه وأنا أحمل في داخلي ما هو أثقل من الكلام، لكنني كنت أضعه جانبًا، وأقول لنفسي: لعل الرجل تغير، لعل الزمن غيره، لعل ما حدث كان سوء فهم، ولعل للصداقة قدرة على أن تبدأ من جديد.
وكنت أتقدم إليه بنص جديد، نص آخر، نص مسرحي في فصلين كبيرين، أو نص في فصل واحد للقاعة. كنت أقدم النص وأنتظر منه ردًا، أو ترحيبًا، أو تحويل النص إلى مخرج، أو أي شيء... لكن لم تكن هناك ردود أفعال.
وكنت لا أغضب.
ليس لأنني لم أكن أتألم، وإنما لأنني كنت أتعامل مع الصداقة باعتبارها امتحانًا طويلًا، يحتاج إلى نفس طويل، وإلى قدرة على احتمال الخيبة دون أن تتحول الخيبة إلى كراهية.
فالمسألة تحتاج إلى نفس طويل في التعامل مع الأصدقاء الذين أكلت معهم عيشًا وملحًا وخبزًا في الكويت، وأعطيتهم فرصة للعمل معي في إنتاج كبير وضخم.
وكان كلما رآني محمود الألفي، الأستاذ الكبير، يقول لي:
«يلا أكلم أختك أمل عبد الله (يقصد الإعلامية والمثقفة والباحثه امل عبد الله شقيقة النجمة سعاد عبد الله وانتجت لى مسرحيتين سندس واولاد جحا وانا اخترت محمود الألفي )عشان نسافر الكويت أنا وأنت نعمل لنا مسرحية عمل هناك ونِجي بسرعة، بسرعة. أنا محضر الجواز».
ثم يضحك ضحكاته الطفولية البريئة الجميلة.
فكنت أهز رأسي مبتسمًا؛ ابتسامة نصفها ساخر ونصفها حزين.
وكانت الأيام تمر.
وكلما قابلته، كنت أتجنب أن أسأله: ماذا فعلت بالمسرحيات التي قدمتها لك؟
سواء كان موجودًا في المسرح الحديث أو مسرح الطبيعة.
كنت أتجنب السؤال لأن بعض الأسئلة حين تُطرح لا تعود الإجابة مهمة؛ يصبح السؤال نفسه كشفًا لما حاول الإنسان أن يخفيه عن نفسه.
المهم أنني كنت أقابل أحمد عبد الحليم أثناء بروفات أي مسرحية يقوم بها.
كان يقدم مسرحية من بطولة النجم العبقري هشام عبد الحميد، «جواز على ورق طلاق» لألفريد فرج.
كنت أتصل به، وأذهب، وأهنئه على العمل، وهنأت الأستاذ ألفريد فرج الذي أحبه كثيرًا.
كان يحبني ويختصني ويدعوني إلى شاي، مع أنه كان بخيلًا جدًا، لكنه كان يدعوني إلى شاي.
وكان هذا بالنسبة لي رمزًا للمحبة المفرطة التي يقدمها الأستاذ العزيز ألفريد فرج.
قد يبدو كوب الشاي شيئًا صغيرًا، لكن بعض الأشياء الصغيرة تصبح في ذاكرة الإنسان أكبر من جوائز كثيرة؛ لأنها تأتي من إنسان تشعر أنه يراك، ويعرف أنك موجود.
مرت التسعينيات، ولم أسأل عن جدوى الصداقة.
ربما لأنني كنت أريد أن أصدق أن الصداقة لا تُقاس فقط بما يفعله الآخر بك، وإنما بما تستطيع أنت أن تظل عليه رغم ما يفعله الآخر.
ثم فوجئت بالأستاذ عبد الوهاب حنفي، مدير قصر ثقافة الجيزة، يتصل بي تليفونيًا في البيت، وقال لي:
«إزيك؟ تعال أشرب معايا قهوة».
فذهبت إليه.
كان رجلًا مسؤولًا عن قصر ثقافة الجيزة، وطلب مني أن نقدم ندوة ثقافية في المسرح، مسرح قصر ثقافة الجيزة، الذي افتتح بعد إغلاقه فترة طويلة.
وكانت تلك المباني الضخمة العظيمة قد أنشأها فوزي فهمي في الأرض التي كانت أمام أكاديمية الفنون في الجيزة، وكان من بينها قصر ثقافة الجيزة.
فرحبت بالفكرة، وقلت له:
سنقيم ندوة حول تجربتي في مسرح الطفل في الكويت، ومع المخرجين الذين قدموا هذه الأعمال.
سأقدم أحمد عبد الحليم ومحمود الألفي، وسيدير الندوة الدكتور كمال عيد.
وكان أستاذنا كمال عيد صديقًا حميمًا، وقد قرأ بعض أعمالي وكتب عنها في ذلك الوقت.
وبالفعل اتفقت أيضًا أن آتي بالدكتور حسام عطا، الذي كان قد قدم لي مسرحية «حب ورمان» في قطاع الاستعراض، تحت قيادة الفنان الكبير عبد الغفار عودة، وحمدي، ابو العلا والفنان القدير حمدي.
المهم أن المنصة كان عليها الدكتور كمال عيد يدير الندوة، وأحضر معه الدكتور محمد صديق.
وكان الدكتور محمد صديق في ذلك الوقت مريضًا ويتكئ على عصا، وصعد إلى المسرح.
فقلت له إنه لم يقرأ لي شيئًا.
قال لي:
«لا، لا، لا... أنا أقرأ كل شيء عنك».
فجلست وأنا لا أعرف أي ذاكرة يتحدث عنها، وأي علاقة يستعيدها.
جلسنا على المنصة: أحمد عبد الحليم، وبجواره محمود الألفي، وبجواره محمد صديق على اليمين، وفي المنتصف كمال عيد، وعلى اليسار جلست أنا، وجلس العزيز الدكتور حسام عطا، المبدع والمثقف الكبير.
وجلسنا وبدأت الندوة.
قدم الندوة عبد الوهاب حنفي.
كان المسرح حارًا، وكنا في الصيف، ووضعوا ثلاث مراوح حتى تلطف الجو قليلًا.
وبدأت الندوة.
تكلم في أول الجلسة أحمد عبد الحليم، فقال:
قدمت مسرح الطفل، نعم، وكانت تجربة ملفتة، وأنا لم يكن في ذهني في يوم من الأيام أن أخوض هذه التجربة.
وقدمت مسرحية «الشاطر حسن»، و«علي بابا»، ومسرحية «الساحر حمدان».
وظل يتكلم عن المسرحيات دون أن يذكر اسمي، ودون أن يذكر علاقتي بالنصوص التي قدمها.
كنت أستمع.
ولم أقاطعه.
فبعض الصدمات لا تقع في لحظة سماعها، وإنما تتسلل إلى الإنسان ببطء، ثم تستقر في مكان عميق لا يصل إليه الكلام.
وقبل أن يختم قال:
«أبو سيد، بدل ما يقول السيد حافظ أو الكاتب السيد حافظ، كان أبو سيد ساهم في تشجيعي على أن أكتب وأخرج لمسرح الطفل».
والسلام عليكم ورحمة الله.
صفق الحاضرون.
وتكلم الدكتور كمال عيد قليلًا عن كفاءته وبعض الأعمال التي قدمتها.
ثم قدم محمود الألفي، الأستاذ الكبير محمود الألفي، الذي تحدث عن تجربته في مسرح القطاع الخاص مع عقيلة راتب ومع فريد شوقي في مصر، وعن إنجازاته.
ثم انتقل إلى مسرحية «سندس»، وقال:
«قدمتها في الكويت للسيدة أمل عبد الله، المنتجة، وسافرنا بها إلى البحرين، وكانت الجماهير حاشدة ومحتشدة وكبيرة».
ودون أن يذكر اسمي، ودون أن يتحدث عن تجربتي معه.
وأني قدمته أيضًا في مسرحية «أولاد روحا»، لم يأتِ بذكر هذه المسرحية.
وأنا في دهشتي وذهولي.
بل كنت مصدومًا.
لم تكن المسألة بالنسبة لي مجرد نسيان اسم أو سقوط واقعة من الذاكرة؛ كان الأمر أشبه بأن ترى جزءًا من تاريخك يُروى أمامك، ثم تُمحى منه أنت.
كنت أستمع إلى حكاية عشتها، وأسمعها تُروى كما لو أنني لم أكن موجودًا فيها.
ثم تقدم الدكتور كمال عيد بالدكتور محمد صديق.
فقال الدكتور محمد كلمة غريبة جدًا.
قال:
«كنت أختلف دومًا مع صديقي الأستاذ سيد حافظ حول بعض أعماله، فقد كان يغضب مني حين يقرأ نصًا وأقول له: لا، أرجوك، اسمعني جيدًا، فأنا أريد أن أنبهك أو أخبرك أنك لابد أن تعدل النص».
كان الدكتور محمد صديق يتحدث عن شخص آخر لا أعرفه.
فاضطررت إلى مقاطعته وقلت له:
«الدكتور محمد صديق، أنا لم ألتق بك في الحياة إلا أربع مرات. فكيف أكون صديقك الحميم؟ وكيف كنت تقابلني؟ ثلاث مرات أو مرتين قابلتك في الإسكندرية أثناء إخراجك لمسرحية لصديقنا وحيد حامد، وقابلتك هنا مرتين. أنت لم تقرأ لي نصًا، ولم نختلف، ولم نتفق على شيء. أظن أنك خلطت بيني وبين شخص آخر».
فحدثت كهربة في الصالة، ودهمهمات، وإحراج.
وأنا لم أستطع إلا أن أقول:
«أتمنى من كل قلبي أن مخرجًا كبيرًا مثل الدكتور محمد صديق يقرأ أعمالي، ويختلف معي، ويقول لي: هذا النص يحتاج إلى كذا، وإلى كذا، وإلى هذا، وإلى ماذا. وأشكركم».
كنت أقول ذلك وأنا أحاول أن أنقذ ما يمكن إنقاذه من كرامة الجلسة، لا من كرامتي وحدي.
ثم قدم الدكتور كمال عيد في نهاية الندوة الدكتور حسام عطا، الذي تحدث في جوهر الموضوع عن تجربتي معه.
وذكر المؤلف، وذكر كيف كانت لنا جلسات، وذكر كيف أبدع في اختيار المكان، مع الفنان أحمد الحجار مطربًا، ومع محمد الشيخ ملحنًا، ومجدي رزق في الديكور تقريبًا.
وكانت المسرحية بطولة أحمد الحجار ومايا عبد النبي، غناء وتمثيلًا.
وتكلم باستفاضة عن التجربة.
وقال:
«سأتحدث عن تجربة السيد حافظ».
وتحدث الدكتور حسام عطا عن تجربة الأستاذ السيد حافظ معه في القاهرة، وليست في الكويت.
هنا، للمرة الأولى في تلك الندوة، شعرت أن التجربة عادت إلى اسمها الحقيقي، وأن الإنسان عاد إلى مكانه داخل الحكاية.
وانتهت الجلسة.
كنت محدودًا حتى إن ذكري في الكلام عن تجربتهم في الكويت لم يذكر أحمد عبد الحليم الا كلمة واحدة أبو السيد هو من احد الاسباب لم يذكر اسمى كاملا ولا أيضًا محمود الألفي الذى لم يذكرنى وذكر اسم السيده امل عبد الله مرة عابرا مع .اننى فتحت لهما الفرص مرة أخرى للألفة كان يقول الألفي لى فى الكويت لن أنسى جميلك و حين أعود الى مصر سترى ما أقدمه لك
حتى هذا الرجل الجميل النبيل، محمد صديق، الذي تخيل أنه كان صديقي القريب ، وكان يختلف معي، وقرأ كل أعمالي تقريبًا أو بعض أعمالي.
في الحقيقة، لم يحدث هذا أبدًا.
ولم أقابله إلا مرات محدودة فى حياتى عابرا .
كانت ندوة كارثة مأزومة بالنسبة لي.
ولم تكن أزمتها في أن ثلاثة رجال لم يذكروا اسمي كما كنت أتوقع، وإنما كانت أعمق من ذلك بكثير: كانت في سؤال الذاكرة نفسها.
ماذا يبقى من الإنسان حين يروي الآخرون حكايته؟
هل يبقى ما عاشه، أم ما يختار الآخرون أن يتذكروه؟
وهل الصديق الذي يأكل معك العيش والملح والخبز، ثم يقف يومًا أمام الناس، يستطيع أن يتحدث عن تجربته معك دون أن يذكرك؟
وهل يمكن للإنسان أن يُمحى من تاريخ عاشه بضع كلمات، أو بصمت، أو بادعاء ذاكرة ليست موجودة؟
ودعتهم بفتور شديد: محمود الألفي، وأحمد عبد الحليم، ومحمد صديق. والاستاذ الكبير كمال عيد
رحم الله الجميع، وسامحهم على ما فعلوه.
أو لم يسامحهم.
فهو قادر على كل شيء.
أما أنا، فقد تعلمت أن الصفح لا يعني أن تنسى، وأن إعطاء فرصة أخرى للإنسان لا يعني أنك ألغيت ما حدث.
فالصفح عندي ليس محوًا للذاكرة.
الصفح أن تعرف، ثم لا تنتقم.
أن تتذكر، ثم لا تتحول إلى جلاد.
أن ترى الجرح، ولا تجعل الجرح هو الذي يكتب حياتك كلها.
لقد أعطيتهم فرصًا للنقاء.
ولست نادمًا.
فالإنسان لا يخسر حين يكون نقيًا، حتى لو اكتشف أن الذين منحهم نقاءه لم يكونوا على الدرجة نفسها من الصفاء.
كل من عليها فان.
ويبقى السؤال: ماذا يبقى منّا حين تسقط الأسماء من الذاكرة، وتسقط الحكايات من أفواه أصحابها، ويبقى الله وحده شاهدًا على ما حدث؟
السيد حافظ
القاهرة



3:48 م
sayedhafez


Posted in:
0 comments:
إرسال تعليق