كل من عليها خان 8
مقالات
رقم ٨
المسرحية التي تفوز بالجائزة... ثم تموت..
محمد يوسف وفوزى خضر.
بقلم: السيد حافظ
في عام 1977، أو قريبًا منه، جاء إلى الكويت صديقي الشاعر الكبير والإنسان النبيل المهذب جدا محمد يوسف.
كنت قد تعرفت إليه من خلال أدباء المنصورة العظام: زكي عمر، وإبراهيم راضوان، وغيرهما من الكتاب والفنانين. وكانت لي أيضًا ذكرى قديمة مع الكاتب اليساري الرائع فؤاد حجازي، الذي التقيته في مؤتمر أدباء الشبان بالزقازيق عام 1969.كان رئيسا لوفد المنصورة
جاءني محمد يوسف إلى مجلة صوت الخليج فى الكويت وتعرفت إلى زوجته، وهي سيدة فاضلة كانت من تلميذاته في المنصورة. ومنذ ذلك الوقت بدأت صداقتنا، وكان يزورني في المجلة، واقمت معه حورا وعر فته على ناجح خليل الفلسطينى النبيل و الذى عينه بدلا منى فى مجلة مراة الامة ..كنت انا ومحمد يوسف نتحدث في الأدب والشعر والمسرح والحياة.
وذات يوم سألني:
ـ أخبار المسرح؟
قلت له:
ـ أكتب الآن مسرحية عن أبي ذر الغفاري.
فقال لي:
ـ أنا أحب هذه الشخصية، وأحب أن أكتب معك.
وبالفعل كتب معي مسرحية «ظهور واختفاء أبي ذر الغفاري».
كانت تجربة جميلة، جمعت بين شاعر يملك اللغة والإحساس، وكاتب مسرحي يحاول أن يرى الشخصية التاريخية من زاوية المسرح.
وعندما أردت أن أطبع المسرحية على نفقتي، فوجئت بأن محمد يوسف لم يرغب في المشاركة المالية في تكلفة الطباعة. لم أغضب منه، ولم أعتبر الأمر مشكلة، فقد تكفلت أنا بطباعة الكتاب ونشرته.
وكانت الطبعة الأولى تحمل اسمينا:
السيد حافظ ومحمد يوسف
«ظهور واختفاء أبي ذر الغفاري».
ثم مضت الحياة.
وفي أوائل الثمانينيات ظهر في الكويت نشاط الترويح السياحي التابع لوزارة الإعلام، وكان يشرف عليه المثقف الكويتي المعروف صالح شهاب، وهو شخصية كويتية أحببتها واحترمتها؛ فقد كان مثقفًا ومنفتحًا على العالم، ويؤمن بأن الثقافة والفن جزء من حياة الناس.
وأقيمت ضمن نشاط الترويح السياحي مسابقات للتأليف المسرحي.
قال لي محمد يوسف:
ـ أريد أن أشارك في مسابقة التأليف المسرحي.
قلت له:
ـ شارك.
وكان محمد يوسف شاعرًا جزل اللغة، جميل الخط، عذب التعبير، عميق الإحساس، وكان لديه ما يؤهله لأن يكتب المسرح.
كتب مسرحيته، وشارك بها في المسابقة.
وفاز بالجائزة الأولى.
أما أنا، فلم أفز بالجائزة الأولى، ولا الثانية، ولا الثالثة.
ولم تكن هذه الواقعة مرة عابرة.
ظل محمد يوسف يكتب للمسابقة عامًا بعد عام، ويفوز بالجائزة الأولى في التأليف المسرحي.ربما اربعة أعوام او خمسة
وهنا بدأت الأسئلة تكبر في داخلي.
أين ذهبت هذه المسرحيات؟
هل طبعت؟
هل قرأها المخرجون؟
هل تحمس لها المنتجون؟
هل وقف ممثل أمام نص منها على خشبة المسرح؟
على حد علمي، لم يحدث ذلك.
وظلت المسرحيات التي فازت بالجوائز حبيسة الورق.
وهنا لا أتحدث عن محمد يوسف وحده.
هناك صديق آخر عزيز على قلبي هو دكتور فوزي خضر.
أحب فوزي خضر حبًا خاصًا؛ لأنه إنسان محترم، وقور، هادئ النفس والطبع، ومكافح وفقير مثلي وجعلته مدير مركز رؤيا ويساعده الشاعر الشهير المعروف احمد فضل شبلول .
وعندما تركت عملي مدرسًا للغة العربية في مدرسة النجاح الإعدادية للبنات في حى محرم بك، في عام 1973 أو 1974، رشحته ليحل مكاني.وسافر الى السعودية امضى هناك ثلاثين عاما ..كما امضى محمد يوسف فى الكويت ثلاثين عاما
وكان فوزي خضر محبًا للمسرح، وبدأ يكتب ويشارك في مسابقات كل الأندية الأدبية في السعودية، حيث كانت هناك مسابقات عديدة في التأليف المسرحي.
وكان يفوز هو الآخر بالجائزة الأولى.
مرة بعد مرة.
مسرحية وراء مسرحية.
ولكن المصير كان قريبًا من مصير مسرحيات محمد يوسف.
جوائز.
ثم صمت.
ثم اختفاء.
ثم بقاء النص في الأدراج.
وكانت المسابقات تحدد أحيانًا الموضوع وعدد الكلمات والشروط المطلوبة، سواء كان الموضوع تاريخيًا أو دينيًا أو متعلقًا بشخصية معينة.
وكان فوزي يكتب وفق الشروط، ويفوز.
لكن السؤال ظل قائمًا:
أين المسرح؟
ومن المفارقات أن فوزي خضر امتلك تجربة إذاعية كان يمكن أن تتحول إلى باب آخر للدراما.
كان يقدم برنامج «كتاب علم العرب»، وهو برنامج مميز، شارك فيه نجوم كبار، وكانت له ميزانية خاصة، وينتج في إطار اتحاد الإذاعة والتلفزيون.
وقد ساعدته في بعض حلقاته بأن قدمت له كتبًا من التراث والشخصيات العربية من إصدارات المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، حيث كنت أعمل.
وكان البرنامج يمتد إلى عشرات الحلقات.
وهنا كان يمكن تحويل هذه المادة إلى دراما إذاعية حقيقية، كما فعل بعض الكتاب الذين عرفوا كيف ينقلون الفكرة من الورق إلى الصوت، ومن المعرفة إلى الدراما.
لكن فوزي ظل أيضًا أسير مسابقات التأليف المسرحي.
وظلت المسرحيات الفائزة بالجائزة الأولى، سواء لمحمد يوسف أو لفوزي خضر، تواجه المصير نفسه:
لا خشبة.
لا مخرج.
لا ممثلون.
لا جمهور.
وهنا أصل إلى السؤال الذي يوجعني حتى الآن.
كيف تفوز مسرحية بالجائزة الأولى، ثم لا تجد مخرجًا واحدًا يتحمس لإخراجها؟
كيف تصبح المسرحية ـ بحسب لجنة التحكيم ـ أفضل نص في المسابقة، ثم لا تجد منتجًا يؤمن بها؟
كيف تكون الأولى بين عشرات النصوص، ثم لا تجد طريقها إلى الخشبة؟
هل المشكلة في المخرجين؟
أم في المنتجين؟
أم في لجان التحكيم؟
أم في النصوص نفسها؟
أم أن المسابقة كانت تقيس شيئًا آخر غير القدرة على صناعة مسرح حي؟
فالمسرحية ليست شهادة معلقة على الحائط.
وليست سطرًا في سيرة الكاتب يقول:
«حصل على الجائزة الأولى في مسابقة التأليف المسرحي عام كذا».
المسرحية في النهاية كائن حي.
تحتاج إلى مخرج يراها، وممثل يؤمن بها، ومنتج يغامر بها، وجمهور يتفاعل معها.
وإذا لم يحدث ذلك، فما الذي ربحته المسرحية؟
ربحت لجنة التحكيم، وخسرت المسرح.
ربحت الجائزة، وخسرت الجمهور.
ربحت لحظة الإعلان، وخسرت الزمن.
وربما كان هذا هو السؤال الأخطر:
هل كانت بعض هذه المسابقات تصنع الإبداع، أم كانت تصنع فقط «مسرحيات فائزة»؟
هناك فرق هائل بين الاثنين.
أن تصنع كاتبًا يفوز في مسابقة، شيء.
وأن تصنع نصًا يعيش أربعين عامًا على الخشبة، شيء آخر تمامًا.
أن تمنح المسرحية شهادة ميلاد، شيء.
وأن تمنحها حياة، شيء آخر.
لقد مرت أربعون سنة، وربما خمسون، على بعض هذه النصوص.
كبر أصحابها.
مات بعضهم.
وتغيرت الأذواق، وتغيرت السياسة، وتغير المجتمع، وتغير المسرح نفسه.
وبقيت المسرحيات في الكتب والأدراج، تحمل فوقها لافتة براقة:
«المسرحية الفائزة بالجائزة الأولى في مسابقة...»
لكن الجائزة لم تستطع أن تمنحها الحياة.
وهنا أقولها بمرارة المحب للمسرح:
ليست كل مسرحية تفوز بالجائزة الأولى مسرحية عظيمة، كما أن كل مسرحية لم تفز بجائزة ليست بالضرورة مسرحية ضعيفة.
فالزمن هو لجنة التحكيم الأكبر.
والخشبة هي الامتحان الحقيقي.
والجمهور هو الحكم الذي لا يجامل.
ولهذا ما زلت أتساءل:
هل كانت هناك فعلًا مسابقات لصناعة المسرح؟
أم كانت هناك مسابقات لصناعة «الفائزين»؟
وهل كنا نبحث عن المسرحية التي تستطيع أن تعيش على الخشبة؟
أم عن النص الذي يرضي لجنة التحكيم في ليلة إعلان النتائج؟
إنه سؤال عجيب وغريب.
لكنه، بعد كل هذه السنوات، ليس سؤالًا عن محمد يوسف، ولا عن فوزي خضر، ولا حتى عن السيد حافظ.
إنه سؤال عن مؤسسة كاملة كانت تقول إنها تبحث عن الإبداع.
والإبداع الحقيقي لا يموت بعد إعلان النتيجة.
الإبداع الحقيقي يبدأ من لحظة إعلان الجائزة.
فإذا أُغلقت الستارة بعد الجائزة مباشرة، ولم تُفتح مرة أخرى، فربما لم تكن المشكلة في المسرحية وحدها...
ربما كانت المشكلة في المسرح نفسه.
تمت
السيد حافظ
القاهرة
....
راى الذكاء الاصطناعي الصيني
قرأت النص بعناية، وهو مقال نقدي تأملي عميق يحمل بصمة الكاتب السيد حافظ، الذي يكتب بلغة أدبية شفيفة، تجمع بين الحنين الشخصي والتساؤل الفكري الجاد.
إليك رأيي في النص، مقسماً إلى جوانب فنية وفكرية:
أولاً: البناء السردي والحكائي
· تميز النص ببداية حميمية، حيث دخل الكاتب من بوابة الصداقة الإنسانية (محمد يوسف وفوزي خضر)، مما جعل القارئ يشاركه العاطفة قبل المشاركة الفكرية.
· الانتقال من السيرة الذاتية إلى القضية الكلية كان سلساً ومحترفاً، حيث تحولت الحكاية من "تذكر صديق" إلى "تشريح ظاهرة ثقافية".
ثانياً: جوهر الإشكالية المطروحة
· النص يطرح سؤالاً ثقافياً مؤلماً وصادقاً: "هل المسابقات تصنع الإبداع أم تصنع الفائزين فقط؟"
· نجح الكاتب في تفكيك العلاقة المريضة بين الجائزة والجمهور، واصفاً المسرحيات الفائزة بأنها "تُمنح شهادة ميلاد ولا تُمنح حياة". هذه الاستعارة هي قلب المقال النابض، وتصلح لأن تكون عنواناً لأزمة ثقافية في وطننا العربي.
ثالثاً: النقد الذاتي والموضوعية
· من أخلاقيات النص الجميلة أن الكاتب لم يتحدث كـ"خاسر" مرير؛ فهو يذكر بوضوح أنه لم يفز بالجوائز، لكنه يخرج من دائرة الأنانية ليطرح سؤالاً موضوعياً: لماذا النصوص الفائزة تموت؟ وهذا يمنح المقال مصداقية ونزاهة.
رابعاً: اللغة والأسلوب
· اللغة هنا خادمة للفكرة، بعيدة عن التكلف. جمل مثل: "ربحت لجنة التحكيم، وخسرت المسرح"، و"الزمن هو لجنة التحكيم الأكبر"، هي خلاصات بليغة تجعل القارئ يتوقف عندها.
· الحوار الدرامي مع الذات (الأسئلة المتتالية في منتصف المقال) أعطى النص إيقاعاً خطابياً مؤثراً.
خامساً: الملاحظات النقدية (التي تثري المقال)
· المقال يركز على المسرحيات الدينية والتاريخية (أبي ذر، وعلم العرب)، وقد كان من الممكن أن تكون الإشارة إلى أن هذا النوع من المسرحيات غالباً ما يصطدم بتحفظات المخرجين والمنتجين خوفاً من "التقديس" أو "الخطأ التاريخي"، مما يفسر جزءاً من عزوفهم عن إخراجها رغم جودتها.
· كان يمكن تعزيز الجانب العملي باقتراح آلية (مثل: أن يشترط في المسابقة أن تُعرض المسرحية الفائزة على الخشبة فعلاً خلال عام، وإلا تُسحب الجائزة).
الخلاصة النهائية:
النص ليس مجرد مقال، بل هو شهادة ثقافية ومرثية لمسرح ضائع. إنه يذكرني بمعاناة كثير من المبدعين العرب الذين يحبسون في فقاعات الجوائز بينما تبقى الجماهير بعيدة عن نصوصهم. كاتب مثل السيد حافظ يقدم هنا نموذجاً للكاتب النزيه الذي لا يكتب للانتصار الشخصي، بل يسائل الضمير الثقافي الجمعي.
تقيمي للنص: مقال مكتمل الأركان، مؤثر، صادق، وجريء في طرح سؤال يظل مفتوحاً حتى اليوم. إنه دعوة لإعادة تعريف النجاح في الثقافة من مجرد "الفوز" إلى "الاستمرار والتأثير".



4:14 م
sayedhafez


Posted in:
0 comments:
إرسال تعليق