الأحد، 30 أغسطس 2026

ماهر توفيق زكي.. صلاح درويش.. يحيى العلمي.. وحكاية التنازل في الشهر العقاري.. كل من عليها خان 7

 كل من عليها خان 7 

المقال رقم ٧

ماهر توفيق زكي.. صلاح درويش.. يحيى العلمي.. وحكاية التنازل في الشهر العقاري

في ذاكرة المساء – ٢٠٠٢

بقلم: السيد حافظ




في عام ٢٠٠٢، وفي واحدة من ليالي الهرم التي لا تزال عالقة في ذاكرتي، جاء إلى منزلي الشاعر والإنسان النبيل عادل الخطيب. كان عادل من أولئك الذين يملكون سبع صنايع، لكن الحظ كان دائمًا يخاصمهم. وكان برفقته شاب في الثلاثينيات من عمره، قدمه لي قائلًا: ماهر توفيق زكي.

في ذلك الوقت كان لدي مسلسل تمت الموافقة عليه من السيدة حمدية صقر، والسيدة العظيمة بهية عمر، ومن اللجنة العليا. وكان المسلسل يحتاج إلى منتج، وكان ماهر توفيق زكي شابًا جديدًا في عالم الإنتاج، يحاول أن يصنع لنفسه اسمًا بعيدًا عن اسم والده.

كان ماهر أصغر أبناء المعلم توفيق زكي، أحد رجال تجارة الخضار والفاكهة فيما كان يُعرف بـ«الشليش». وكان «الشليش» مكانًا يأتي إليه الفلاح بما لديه من محصول ليبيعه. بدأ المعلم توفيق زكي حياته قمسيونجيًا، أي وسيطًا بين الفلاح والمشتري، ثم راكم من عمله وخبرته ما مكّنه من امتلاك الشليش، حتى أصبح من أشهر أسواق المحاصيل في منطقة المرج وما حولها.

لكن ماهر لم يرد أن يعيش في جلباب أبيه.

أراد أن يكون فنانًا، أو بالأحرى منتجًا فنيًا. أراد أن يخرج من عالم الخضار والفاكهة إلى عالم الدراما، وأن يبني مجده الخاص.

ولم أكن أعرف أن هذا الشاب الذي جاء إلى بيتي في تلك الليلة سيصبح بعد قليل واحدًا من أبطال حكاية أكتبها بعد سنوات تحت عنوان: كل من عليها خان.

جلسنا واتفقنا.

كان المسلسل خمسة عشر حلقة، واتفقنا على أربعين ألف جنيه. عشرة آلاف جنيه دفعة أولى، والثلاثون ألفًا الباقية تُدفع لي عندما أذهب إلى الشهر العقاري وأتنازل له عن العمل، حتى يستطيع أن يقدم أوراقه إلى التلفزيون باعتباره منتجًا منفذًا.

وكان نظام المنتج المنفذ وقتها نظامًا معروفًا في التلفزيون، يقوم على أن يحصل المنتج على تمويل أو مبلغ كبير من التلفزيون، ويتولى هو تنفيذ العمل، وكان هذا النظام قد انتقل بأشكال مختلفة من مصر إلى عدد من الدول العربية، ومنها الكويت وقطر والإمارات.

كان الاتفاق واضحًا بالنسبة لي.

أقبض عشرة آلاف.

ثم أذهب إلى الشهر العقاري.

أوقع التنازل.

وأحصل على الثلاثين ألف جنيه.

وهنا بدأت الحكاية.

في اليوم التالي ذهبت إلى الشهر العقاري.

لكن ماهر لم يحضر.

انتظرت.

ثم اتصلت به.

قال لي ببساطة:

«اعمل أنت التنازل وخليه عندك في البيت، وأنا همر عليك بالليل آخده وأديك باقي الفلوس».

قلت لنفسي: لا مشكلة.

أنجزت التنازل، وعدت إلى منزلي، ووضعت الورقة في انتظار الرجل.

وجاء المساء.

ولم يأتِ ماهر.

اتصلت به.

الهاتف مغلق.

انتظرت حتى الصباح.

اتصلت مرة أخرى.

الهاتف مغلق.

هنا بدأت أشعر أن هناك شيئًا غير طبيعي.

لكنني لم أكن قد عرفت بعد حجم المفاجأة.

بعد ذلك اكتشفت أن ماهر توفيق زكي ذهب إلى الشهر العقاري، وأبلغهم أنني تنازلت له عن المسلسل في اليوم السابق، وأن ورقة التنازل قد فقدت منه.

وبهذه الحجة استخرج تنازلًا جديدًا بدل فاقد.

الأخطر أنه لم يكن وحده.

كان معه الصحفي صلاح درويش، الذي قيل إنه سيكون شريكه في العمل.

صلاح درويش كان يعمل في جريدة «الجمهورية»، وكنت لا أعرفه شخصيًا. وكان اسمه معروفًا في الوسط الصحفي، وكان أسلوبه شديدًا في مهاجمة بعض الفنانين والمخرجين، ولذلك كان كثيرون يتحاشون الصدام معه.

أما أنا، فكنت لا أعرف شيئًا مما يجري خلف ظهري.

وبعد خمسة أيام فقط، قادتني الصدفة إلى التلفزيون.

قابلني الأستاذ عادل، سكرتير يحيى العلمي، وقال لي:

«يا أبوك، مسلسلك هيدخل اللجنة».

قلت له:

«مسلسلي أنا؟ أي مسلسل؟»

قال:

«مسلسلك مع ماهر توفيق».

فقلت له:

«ولو ماهر ما دفعش الفلوس؟»

نظر إليّ بدهشة وقال:

«إزاي؟ هو جاب التنازل!»

في هذه اللحظة فقط فهمت اللعبة.

فهمت أن الورقة التي ذهبت إلى الشهر العقاري لأوقعها مقابل الثلاثين ألف جنيه، قد تحولت إلى مفتاح دخل به الرجل إلى التلفزيون، بينما أنا لم أحصل على جنيه واحد من المبلغ المتبقي.

ذهبت إلى مكتب صفوت الشريف، وزير الإعلام وقتها، وقدمت شكوى.

ثم ذهبت إلى مكتب النائب العام وقدمت بلاغًا.

وقدمت شكوى أيضًا إلى مدير الشؤون القانونية في التلفزيون.

ثم قابلت يحيى العلمي.

قال لي إن صلاح درويش جاء مع ماهر توفيق، وأعلن أنه شريك معه في المسلسل، وقال إنني حصلت على أجري كاملًا.

وهنا كانت الضربة الأقسى.

لأن صلاح درويش لم يكن مجرد شخص يقول رأيًا، بل كان شاهدًا على رواية أصبحت جزءًا من ملف القضية.

دخلنا المحاكم.

وتوقفت الأمور.

وذات يوم وقفت أمام القاضي، فإذا بمحامٍ ملتحٍ، وعلى جبهته زبيبة صلاة، يقسم أمام المحكمة أنني حصلت على أجري كاملًا.

نظرت إلى القاضي وقلت:

«يا سيادة القاضي، أنا قبضت عشرة آلاف جنيه فعلًا، وهذا هو المبلغ المكتوب في العقد. أما الثلاثون ألفًا الأخرى فلم أحصل عليها. كان الاتفاق أن أدخل الشهر العقاري وأتنازل عن العمل، ثم أحصل عليها».

وحكيت للقاضي القصة كاملة.

حكيت له عن ذهابي إلى الشهر العقاري.

وعن عدم حضور ماهر.

وعن مكالمته الهاتفية.

وعن انتظاري له في منزلي.

وعن الهاتف المغلق.

وعن التنازل الذي استخرج بدل فاقد.

وحين شرحت له أن هناك في ذلك الزمن مشكلة حقيقية تتعلق بالضرائب، وأن بعض الكتاب والفنانين كانوا يضطرون إلى التعامل مع العقود بطريقة لا تعكس دائمًا القيمة الحقيقية التي حصلوا عليها، ابتسم القاضي وقال:

«ماذا تفعلون أنتم؟»

قلت له:

«نحن نحاول أن نعيش يا سيادة القاضي».

ثم ضحك القاضي.

لكن القضية لم تضحك.

اعترض المحامي على القاضي، وانتقلت القضية من قاضٍ إلى قاضٍ، ومن محكمة إلى محكمة.

وفي النهاية صدر الحكم لمصلحة ماهر توفيق زكي بأحقيته في المسلسل، استنادًا إلى شهادة صلاح درويش.

لكن يحيى العلمي لم يسمح بأن يمر المسلسل بسهولة.

وكذلك لم يوافق المسؤول في الشؤون القانونية بالتلفزيون على أن تتحول الورقة إلى طريق لتمرير العمل.

وكان يحيى العلمي يعرفني منذ سنوات طويلة، وكانت بيننا صداقة امتدت نحو عشر سنوات.

وأعتقد أن الرجل أدرك أن المسألة لم تعد مجرد مسلسل.

كانت مسألة كرامة.

كان يعرف أنني لن أسكت.

يعرف أنني أكتب.

ويعرف أنني أستطيع أن أحكي.

ويعرف أن وراء الكاتب قلمًا لا يمكن أن يصمت لمجرد أن ورقة خرجت من الشهر العقاري.

وظل المسلسل حبيس الأدراج.

وبقيت أنا أجر وراءي حكاية لم تكن قيمتها أربعين ألف جنيه فقط.

كانت قيمتها أكبر بكثير.

كانت قيمتها أن أكتشف كيف يمكن للورقة أن تصبح أقوى من الحقيقة، وكيف يمكن لشهادة أن تُرفع فوق صوت صاحب الحق، وكيف يمكن للقانون أحيانًا أن يتحول من وسيلة لحماية الإنسان إلى ساحة طويلة يضيع فيها الإنسان بين الأوراق.

أنا لا أكتب هذه الحكاية اليوم لأسترد ثلاثين ألف جنيه.

تلك الثلاثون ألفًا انتهت منذ سنوات.

ولا أكتبها لأنتقم من ماهر توفيق زكي أو صلاح درويش.

فالزمن قام بما لم أستطع أن أقوم به.

أنا أكتبها لأنني كنت هناك.

رأيت.

وعانيت.

وذهبت إلى الشهر العقاري.

ووقفت أمام المحاكم.

وسمعت القسم.

ورأيت كيف يمكن للكلمة أن ترفع إنسانًا، وكيف يمكن للقسم إذا قيل بالباطل أن يجرح إنسانًا.

وفي النهاية، لم يبقَ من المسلسل شيء.

لم يبقَ من الأربعين ألف جنيه شيء.

لم تبقَ ورقة التنازل الأولى.

ولا أعرف أين بقيت الورقة الثانية.

لكن بقي شيء واحد:

ذاكرتي.

ولهذا أكتب.

لأن الكاتب قد يخسر المال، وقد يخسر العمل، وقد يخسر سنوات من عمره في المحاكم، لكنه لا يجب أن يخسر ذاكرته.

فالورق يمكن أن يضيع.

والعقود يمكن أن تُزوّر الحكاية.

والشهود يمكن أن يقولوا ما يريدون.

والأقسام يمكن أن تُقال أمام القضاة.

لكن هناك شاهدًا لا يستطيع أحد أن يستدعيه إلى المحكمة ولا أن يطلب منه أن يكذب.

إنه الزمن.

والزمن، مهما تأخر، لا يفقد ذاكرته.

وهذه هي خاتمة الحكاية:

قد يستطيع الإنسان أن يخدع المحكمة بورقة، وأن يخدع الناس بشهادة، وأن يختبئ خلف ختم الشهر العقاري، لكن لا أحد يستطيع أن يخدع الزمن.

فالزمن لا يوقّع بدل فاقد، ولا يقبل شهادة الزور، ولا يعرف المحاباة.

والزمن هو القاضي الوحيد الذي لا يُستأنف حكمه.

كل من عليها خان... إلا الذاكرة.

تمت 

السيد حافظ 

القاهرة

..

رأى الذكاء الاصطناعي الصيني 

هذا النص للكاتب السيد حافظ هو شهادة شخصية مؤثرة، تتجاوز حكاية النصب المالي إلى تأمل أعمق في العدالة، والذاكرة، وسلطة الزمن.

إليك رأيي فيه تفصيليًا:

1. من حيث البنية السردية:

النص مكتوب بأسلوب سردي شيق، يبدأ بمقدمة حكائية (ليلة الهرم، حضور عادل الخطيب) تمنح القارئ شعورًا بالدخول إلى عالم خاص، ثم ينتقل تدريجيًا إلى عقدة الصراع، ليتصاعد التوتر مع اكتشاف الخدعة. النهاية خطابية وفلسفية، ترفع الحكاية من خصوصيتها إلى عمومية التأمل في الحياة.

2. قوة الصراع الإنساني:

الكاتب لا يقدم نفسه كضحية باكية، بل كرجل حاول استرداد حقه بكل الطرق القانونية (وزير الإعلام، النائب العام، المحاكم). الصراع هنا ليس ماديًا فقط (ثلاثون ألف جنيه)، بل صراع كرامة، خاصة عندما يواجه شهادة زور من "محامٍ ملتحٍ" و"صحفي كان يخشاه الجميع". هذا يضفي على النص بُعدًا أخلاقيًا ناقدًا للمجتمع والسلطة.

3. النقد الاجتماعي والقانوني:

الكاتب يوجه نقدًا لاذعًا لـ:

· التعاملات التجارية في الوسط الفني (التنازل في الشهر العقاري كسلاح ذو حدين).

· النظام القضائي الذي يمكن أن ينقلب ضد صاحب الحق بـ"شهادة" و"ورقة" رغم وضوح الحقيقة.

· ثقافة الخوف التي كانت تسيطر على الوسط الفني والصحفي بسبب شخصيات مثل صلاح درويش.

4. الأسلوب اللغوي:

اللغة واضحة، مباشرة، ذات نبرة حزينة ولكن صلبة. الجمل قصيرة في مواضع التوتر (مثل: "الهاتف مغلق... الهاتف مغلق")، ثم تطول وتتأمل في النهاية. استخدامه لـ "الزمن" كشاهد وكقاضٍ هو استعارة بلاغية جميلة تُختم بها الحكاية، وتحيل النص إلى نوع من الحكمة المصرية الأصيلة التي تقول: "اسكت، الزمن كفيل بالرد".

5. الرسالة النهائية:

العبارة الخاتمة "كل من عليها خان.. إلا الذاكرة" هي أبلغ تعليق على القصة. الكاتب يعترف بأن المال ضاع، وأن المسلسل لم يُنتج، لكن ما انتصر في النهاية هو قدرته على التذكر والكتابة. النص بحد ذاته هو "ورقة التنازل البدل الفاقد" التي يوقعها الكاتب أمام قاضي الزمن، ليحرر نفسه من مرارة الماضي.

خلاصة الرأي:

النص رائع في صدقه الإنساني، ومؤلم في تفاصيله، وقوي في رسالته. إنه ليس مجرد مقال، بل توثيق لتجربة خيانة، وتحذير لكل مبدع من أن الورق والختم قد لا يحميانك، لكن الكلمة والصبر وقوة الذاكرة هي السلاح الأخير الذي لا يخذل صاحبه.

يُقرأ هذا النص ويُترك في النفس ألمٌ تجاه ظلم قديم، وإعجابٌ بكرامة كاتب رفض أن ينسى.

0 comments:

إرسال تعليق

 
Design by Free WordPress Themes | Bloggerized by Lasantha - Premium Blogger Themes | cheap international voip calls ta3rib : Abed