كلُّ من عليها خان 7- ب
مقالات
فهمي هويدي.. أحمد بهاء الدين.. محمود الريماوي
بقلم: السيد حافظ
هناك ذكريات لا تموت، ليس لأنها كانت جميلة، وإنما لأنها كانت قابلة لأن تغيّر حياتنا ولم تفعل. تظل عالقة في مكان ما من الروح، وكلما تقدم بنا العمر عدنا إليها وسألنا أنفسنا: ماذا لو حدث الشيء الذي لم يحدث؟ ماذا لو فُتح الباب في اللحظة المناسبة؟ ماذا لو قلت الكلمة التي لم أقلها؟
هذه الحكاية واحدة من تلك الذكريات.
في سبتمبر 1976 سافرت إلى الكويت. كنت شابًا أحمل أحلامي أكثر مما أحمل نقودي، وكنت أظن أن الكويت يمكن أن تكون محطة كبيرة في حياة الكاتب، وأن الصحافة يمكن أن تمنحني فرصة أعيش منها وأكتب فيها. كنت قد نشرت عشرة مقالات في جريدة القبس، وكنت أنتظر مكافآتها، كما كنت آمل أن أحصل على مكافأة من مجلة صوت الأمة. كان الحساب بسيطًا في رأسي: ثلاثون دينارًا للمقال، أي ثلاثمائة دينار، مبلغ يكفي لأن أتنفس قليلًا وأواصل الطريق.
ذهبت إلى رؤوف شحوري، اللبناني الأنيق الوسيم، وكان راتبه في ذلك الوقت خمسة آلاف دينار، وله فيلا مستأجرة على حساب المؤسسة. سألني: «خير يا سيد؟» قلت له إن لي عشرة مقالات منشورة وأريد مكافآتها. قال لي ببساطة: «سهلة، روح للأستاذ محمود حافظ، مسؤول القسم، يكتب لك إذن صرف وتقبض فورًا».
صعدت إلى محمود حافظ، وكنت أتصور أنني ذاهب إلى رجل سيعطيني حقي، لكن الرجل قال لي: «لو عندك موضوعات جديدة نشتريها منك، لكن اللي فات انساه... نبدأ من جديد».
خرجت من عنده وأنا أشعر أنني لم أفقد ثلاثمائة دينار فقط، وإنما فقدت شيئًا أكبر: إحساس الكاتب بأن ما يكتبه له قيمة بمجرد أن يُنشر.
كان معي نحو مائتي جنيه مصري، وبدأت النقود تنفد بسرعة. كنت أتنقل في الكويت وأنا أحسب قيمة كل فلس، وأتعلم للمرة الأولى أن الكاتب قد يكون غنيًا بما يكتب وفقيرًا إلى الدرجة التي لا يملك معها أجرة الطريق.
في اليوم التالي عدت إلى محمود حافظ في وانيت، وكانت الأجرة ستمائة فلس استلفتها من عامل مصري صعيدي من سوهاج. دخلت عليه، فقال لي: «أنت كاتب عن نجيب سرور مقالًا وعن سعد الدين وهبة مقالًا». ثم قال: «دول مجهولين للقارئ... نعتذر».
خرجت وأنا أردد في داخلي: كيف يكون نجيب سرور مجهولًا؟ وكيف يكون سعد الدين وهبة مجهولًا؟ لكنني كنت في الكويت، شابًا غريبًا، لا أملك سوى قلمي، ولم يكن عندي ترف أن أخوض معركة كل يوم.
بعد ذلك لم يسمحوا لي بدخول مكتب رؤوف شحوري مرة أخرى. كنت أراه من بعيد، وكان في نظري وقتها رجلًا غريبًا؛ أنيقًا، يرتدي قفازات بيضاء، ويتحدث بصوت ناعم، بينما كانت قراراته بالنسبة لي قاسية.
ذهبت إلى مجلة مرآة الأمة لأقابل عبد السلام مقبول. كنت قد كتبت موضوعات عن عصمت داوستاشي وسعيد العدوي وعلي عاشور، وطلبت مكافآتي عنها، لكنه رفض.
وجدت نفسي في الشارع مرة أخرى.
والشارع بالنسبة إلى الكاتب الفقير ليس مجرد مكان. أحيانًا يتحول إلى غرفة بلا جدران، يمشي فيها الإنسان وهو يحمل أوراقه وأحلامه ولا يعرف إلى أين يذهب.
ذهبت إلى ليلى السايح، الكاتبة الفلسطينية في جريدة الأنباء. طلبت لي شايًا، وأذكر حتى الآن رائحة عطرها؛ كان قويًا إلى درجة جعلتني أشعر أنني في مشهد من الخيال. كانت امرأة جميلة، في قوام يشبه صوفيا لورين. طلبت منها أن تساعدني في العثور على عمل، لكنها لم تعينني، وإنما عرفتني بخالد قطمة، الذي ظل يحمل لي كراهية لم أفهم سببها حتى رحيله، وكان من الذين أفسدوا فيما بعد المودة التي كانت بيني وبين الشاعرة سعاد الصباح.
بدأت أشعر أن الكويت تغلق أبوابها في وجهي.
كتبت إلى أهلي في مصر وطلبت منهم أن يرسلوا لي تذكرة العودة. أرسلوها. كان ذلك في أكتوبر 1976، وفي نوفمبر كنت أستعد للرحيل. بدأت أودع أصدقاء المقهى، وأقول لنفسي إن التجربة انتهت، وإن عليّ أن أعود إلى مصر.
لكن صديقًا مصريًا أصيلًا أوقفني وقال لي: «لا تسافر».
أعطاني خمسة دنانير سلفًا، وقال: «انتظر يومين».
أحيانًا يكون الفرق بين أن تنتهي الحكاية وأن تستمر خمسة دنانير فقط.
انتظرت.
ذهبت إلى مجلة العامل لأقابل أحمد الفضالي، مخرج المجلة. طلبت منه أن يسلفني، لكنه رفض. ومع ذلك وجدت عند أخيه، الترزي متولي الفضالي، رجلًا محترمًا، من أعطاني السلفة ونصحني أيضًا ألا أغادر الكويت.
وفي مجلة العامل قابلت محمود الريماوي، المثقف الفلسطيني والقاص. نظر إليّ وقال: «أنا أعرف اسمك من الصحف والمجلات».
كانت جملة بسيطة، لكنها في ذلك الوقت كانت بالنسبة لي أشبه بيد تمتد إلى رجل على وشك الغرق.
أجرى معي لقاءً لمجلة العامل الكويتية، ثم طلب مني أن أكتب تحقيقًا عن العمال الذين أسكن معهم. كتبت التحقيق، وأعطاني عشرين دينارًا.
لم تكن العشرون دينارًا بالنسبة لي مجرد مكافأة؛ كانت رسالة تقول لي: ابقَ.
وبقيت.
ثم عملت مترجمًا في شركة رينو في الشويخ بمرتب ثمانين دينارًا. كنت أترجم ما يقوله الزبائن للمدير الفرنسي بالإنجليزية. كنت أعيش حياتين في وقت واحد: حياة الموظف الذي يعمل لكي يأكل، وحياة الكاتب الذي يبحث عن فرصة لكي يكتب.
وفي تلك الأيام نشر الدكتور حسين مؤنس مقالًا في جريدة القبس الكويتية، وكان مما جاء فيه أن الفترة منذ عام 1948 وحتى عام 1976 لم تفرز كتّابًا وروائيين وشعراء وصحفيين ذوي قيمة تستحق الذكر، وأن المشهد الأدبي والصحفي العربي كان خاليًا تقريبًا من الأسماء الكبيرة.
قرأت المقال.
ولم يعجبني.
لم أفكر في اسم حسين مؤنس، ولا في مكانته، ولا في الحسابات التي يمكن أن تحيط بالرد عليه. كنت شابًا أتصرف بالفطرة، وعندما أرى شيئًا أعتقد أنه خطأ أكتب.
جلست وكتبت مقالًا بعنوان: «عفوًا حسين مؤنس... إليك مائة اسم روائي وقاص وشاعر وصحفي كبير».
جمعت الأسماء واحدًا وراء الآخر، وكتبت المقال وسلمته إلى جريدة القبس.
فنشروا الموضوع في بريد القراء، حتى لا يدفعوا لي مكافأة.
لم أغضب.
كان يكفيني أن المقال وصل إلى الناس.
ثم حدث ما لم أكن أتوقعه.
جاءني اتصال هاتفي في شركة رينو.
قال الصوت: «السيد حافظ؟»
قلت: «نعم».
قال: «الأستاذ أحمد بهاء الدين عايزك فورًا في مجلة العربي».
توقفت لحظة.
أحمد بهاء الدين!
كان الاسم بالنسبة لي أكبر من مجرد اسم صحفي. كان أحد الأسماء التي صنعت للصحافة العربية مكانتها في وعي جيل كامل.
تركت العمل وركبت وانيت إلى مجلة العربي.
كانت درجة الحرارة تقارب الخمسين، وكنت أتصبب عرقًا، لكنني لم أكن أشعر بالحرارة. كنت ذاهبًا لمقابلة أحمد بهاء الدين.
عندما وصلت، قابلني السكرتير الخاص به، الأستاذ فهمي هويدي، وكان هادئًا ومحترمًا.
قال لي: «قلبنا الدنيا عليك، الأستاذ أحمد بهاء الدين عايزك».
ثم ابتسم وقال: «عايز يشرب معاك قهوة... وعلى فكرة اختصر الوقت، الأستاذ عنده شغل كتير».
دخلت.
صافحت أحمد بهاء الدين.
جلست أمام العملاق الكبير.
نظر إليّ مبتسمًا وقال: «خير يا أستاذ سيد؟»
قلت: «حضرتك طلبتني».
قال: «أيوه».
ثم قال:
«يا ابني... مقالك أعظم مقال قرأته منذ عام».
لا أعرف كيف يمكن لكاتب شاب أن ينسى جملة كهذه.
قال لي إن ردي على الدكتور حسين مؤنس كان عظيمًا، وأثنى على المقال.
قلت له: «ده شرف لي يا أستاذ، وشهادة أعتز بها».
فقاطعني وقال: «أنا شخصيًا لا أملك الشجاعة أن أرد عليه، ولا على الدكتور الرافعي، ولا محمود السعدني».
كنت أريد أن أقول له شيئًا.
كنت أريد أن أشرح له ظروفي.
كنت أريد أن أقول: يا أستاذ أحمد، أنا لا أبحث عن شهادة، أنا أبحث عن فرصة. أنا أعمل مترجمًا في شركة رينو، وأعيش على الديون، وكنت على وشك العودة إلى مصر. خذني معك.
لكنني لم أقل.
قلت فقط: «أنا في الحقيقة...»
فقاطعني:
«يا ابني، أنت تملك شجاعة كاتب كبير».
وفي تلك اللحظة دخل فهمي هويدي.
قال: «أستاذ سيد، كلنا فرحانين بمقالك».
ثم أشار إليّ أن أخرج.
صافحت أحمد بهاء الدين.
خرجت.
وهنا، وأنا أكتب هذه الذكرى بعد كل هذه السنوات، أعتقد أنني أعرف أين ضاعت الفرصة.
لم تضيع لأن أحمد بهاء الدين لم ير موهبتي.
بالعكس.
هو قال لي بوضوح إن المقال من أعظم ما قرأ، وإنني أملك شجاعة كاتب كبير.
الفرصة ضاعت لأنني لم أقل الجملة التي كان يجب أن أقولها:
«خذني معك يا أستاذ».
خرجت من مجلة العربي، وركبت الوانيت، ودفعت دينارًا ونصفًا أجرة الذهاب والعودة.
كان الدينار والنصف وقتها ميزانية طعامي ليومين.
عدت إلى شركة رينو.
وعدت إلى حياتي.
لكنني لم أعد الرجل نفسه.
كنت قد دخلت إلى مكتب أحمد بهاء الدين، وخرجت منه بشهادة عظيمة، لكنني لم أخرج منه بعمل.
مرت السنوات.
كبر فهمي هويدي، وصار واحدًا من أبرز الكتاب والمفكرين.
وبقي اسم أحمد بهاء الدين في ذاكرة الصحافة العربية.
أما أنا فواصلت طريقي، وكتبت، وخضت المعارك، وخسرت وربحت، وعشت حياة طويلة مع المسرح والصحافة والكتب.
وكلما عدت إلى تلك اللحظة، لا ألوم أحمد بهاء الدين.
كيف ألوم رجلًا منحني أجمل شهادة يمكن أن يمنحها كاتب كبير لكاتب في بداية الطريق؟
ربما كان مشغولًا.
ربما لم يعرف ظروفي.
ربما ظن أنني أبحث فقط عن لقاء وقهوة وشهادة.
وربما كنت أنا الذي لم أعرف كيف أطلب.
لكنني عرفت بعد ذلك شيئًا مهمًا عن الحياة.
في أحيان كثيرة لا نخسر لأننا لا نملك الموهبة، وإنما نخسر لأننا لا نعرف كيف نطلب الفرصة في اللحظة التي تأتي فيها.
وأنا في ذلك الزمن لم أكن أعرف الحسابات.
لم أكن أعرف أن الدكتور حسين مؤنس كان يشغل موقعًا يجعل كثيرين يحسبون خطواتهم قبل الرد عليه.
لم أكن أعرف قواعد اللعبة.
لم أكن أعرف أن الصحافة ليست موهبة فقط، وإنما علاقات وتوقيت ومؤسسات وحسابات.
كنت أتصرف بالفطرة.
أرى الخطأ فأكتب.
أرى الظلم فأعترض.
أجد بابًا فأطرق.
ولا أسأل من يقف خلف الباب.
وربما لهذا السبب أعجبوا بالمقال.
لأن المقال لم يكن محسوبًا.
كان صرخة كاتب شاب رأى أن تاريخ الأدب العربي لا يجوز أن يُمحى بجملة.
واليوم، بعد كل هذه السنوات، أعود إلى تلك اللحظة وأرى المشهد كأنه يحدث الآن.
أنا، الشاب الذي جاء من الإسكندرية إلى الكويت، ومعه مائتا جنيه وأحلام كثيرة.
محمود الريماوي الذي قال لي: «أنا أعرف اسمك».
فهمي هويدي الذي قال: «قلبنا الدنيا عليك».
أحمد بهاء الدين الذي قال: «مقالك أعظم مقال قرأته منذ عام».
ثم أنا...
أخرج من الباب ولا أقول:
خذني معك.
ربما لو قلتها لتغيرت حياتي.
وربما لم تتغير.
وهذا هو الشيء الذي لا يمكن للإنسان أن يعرفه أبدًا.
لكنني أعرف شيئًا واحدًا:
أن هناك أبوابًا في حياة الكاتب لا تُغلق لأنها رفضته، وإنما لأنها لم تسمع منه الجملة الأخيرة.
وأنا لم أقلها.
لهذا، كلما تذكرت أحمد بهاء الدين، لا أتذكر فقط الرجل الكبير الذي أعجب بمقالي.
أتذكر أيضًا الفرصة التي مرت بجانبي، صافحتني، ثم تركتني أعود إلى الشارع.
رحم الله أحمد بهاء الدين.
وأطال الله عمر محمود الريماوي.
وتحية إلى فهمي هويدي، الذي كان يومها الرجل الهادئ الذي أدخلني إلى تلك اللحظة.
أما أنا، فقد بقيت أكتب.
وربما كان ذلك هو الانتقام الوحيد الذي أملكه من كل الأبواب التي أغلقت في وجهي:
أنني لم أتوقف عن الكتابة.
وهكذا تمضي الحياة.
تعطيك أحيانًا شهادة عظيمة بدلًا من الفرصة.
وتعطيك خمسة دنانير بدلًا من النجاة.
وتعطيك عشرين دينارًا بدلًا من وظيفة.
وتعطيك رجلًا يقول لك: «أنا أعرف اسمك» بدلًا من أن يقول لك: «تعال معي».
ثم تتركك تمشي وحدك.
لكن الكاتب الحقيقي، ربما، هو الذي يستطيع أن يحوّل كل ذلك إلى حكاية.
كل من عليها خان.
القاهرة
...
رأى الذكاء الاصطناعي جروك
رأي أعمق:
النص ليس مجرد ذكرى شخصية عن فرصة ضاعت في مكتب أحمد بهاء الدين سنة 1976. هو في جوهره نص عن عجز الإنسان أمام اللحظة الحاسمة، وعن المسافة الرهيبة التي تفصل بين «الاعتراف» و«التمكين».
1. الدراما الحقيقية ليست في الرفض، بل في الصمت
أحمد بهاء الدين لم يرفض السيد حافظ. بالعكس، منحه أعلى شهادة ممكنة لكاتب شاب: «مقالك أعظم مقال قرأته منذ عام» و«أنت تملك شجاعة كاتب كبير». ثم أدخل فهمي هويدي ليختصر اللقاء بلباقة.
هنا تكمن المأساة الحقيقية: الفرصة لم تُغلق من الخارج، بل من الداخل. الشاب الذي كان يجرؤ على الرد على حسين مؤنس دون حسابات، عجز عن أن يقول جملة واحدة بسيطة أمام الرجل الكبير: «خذني معك».
هذا الصمت ليس خجلاً عادياً. هو صمت من لم يتعلم بعد لغة السلطة. هو صمت من يظن أن الموهبة تكفي، وأن الاعتراف يجب أن يتحول تلقائياً إلى باب مفتوح. النص يكشف هنا حقيقة قاسية: في عالم الصحافة والمؤسسات، الاعتراف وحده لا يكفي. المطلوب هو الطلب الصريح، والجرأة على كسر المسافة الاجتماعية.
2. «كل من عليها خان»… ليست اتهاماً للأشخاص
العنوان أعمق مما يبدو. هو ليس اتهاماً لأحمد بهاء الدين أو لرؤوف شحوري أو لعبد السلام مقبول. هو اتهام للحياة نفسها، وللتوقيت، وللنظام الذي يجعل الاعتراف يمر بجانب الفرصة دون أن يلتقي بها.
الناس في النص لم يخونوه بالمعنى الأخلاقي المباشر. بعضهم ساعده (محمود الريماوي، الصديق المصري الذي أعطاه خمسة دنانير، متولي الفضالي). لكن الحياة خانت التوقعات: أعطته شهادة عظيمة بدل وظيفة، وعشرين ديناراً بدل استقرار، وخمسة دنانير بدل نجاة حقيقية.
هذا النوع من «الخيانة» أشد مرارة من الخيانة الصريحة، لأنه لا يترك لك عدواً واضحاً تلومه.
3. الكاتب الشاب بين الفطرة والحسابات
النص يرسم بذكاء الفرق بين نوعين من الوعي:
وعي الشاب الذي يكتب بالفطرة: يرى خطأ فيكتب، يرى ظلماً فيعترض، يطرق الباب دون أن يسأل من خلفه.
وعي المؤسسة التي تحسب كل خطوة: من يرد على حسين مؤنس؟ متى؟ وكيف؟ وهل يستحق المكافأة أم يكفي نشره في بريد القراء؟
المفارقة أن المقال أعجبهم تحديداً لأنه لم يكن محسوباً. لكن اللحظة التي كان يحتاج فيها إلى أن يكون محسوباً قليلاً (أن يطلب العمل صراحة)… عجز فيها عن الحساب.
هنا يظهر درس مرير: الشجاعة التي تجعلك تكتب رداً جريئاً على اسم كبير، ليست بالضرورة نفس الشجاعة التي تجعلك تطلب منصباً أو فرصة من رجل كبير جالس أمامك.
4. الكتابة كانتقام وحيد
الخاتمة ليست رومانسية. هي موقف وجودي. السيد حافظ يقول في النهاية إنه لم يتوقف عن الكتابة، وأن هذا هو «الانتقام الوحيد» من الأبواب التي أُغلقت.
هذا موقف عميق. لأن الكاتب الحقيقي لا ينتقم بأن يصبح أقوى من الذين تجاهلوه، بل بأن يحوّل الألم نفسه إلى مادة أدبية. الذكرى التي كان يمكن أن تبقى جرحاً شخصياً، تحولت إلى نص عام يتحدث عن تجربة جيل كامل من المثقفين المصريين الذين ذهبوا إلى الخليج في السبعينيات يحملون أقلامهم أكثر مما يحملون حساباتهم البنكية.
5. الطبقة الأعمق: الـ«ماذا لو»
كل النص مبني على سؤال واحد لا إجابة له: ماذا لو قال الجملة؟
وهنا يكمن العمق الفلسفي. الإنسان يعيش معظم حياته وهو يلاحق لحظات لم يعشها. اللحظة التي لم يقل فيها ما كان يجب أن يقوله تظل أكثر حضوراً من كل اللحظات التي عاشها فعلاً. النص لا يدّعي أن حياته كانت ستتغير حتماً لو قال «خذني معك». هو يعترف بأننا لن نعرف أبداً. وهذا الاعتراف أكثر نضجاً من أي تمنٍّ رومانسي.
الخلاصة العميقة:
هذا النص ليس عن خيانة الناس، بل عن خيانة اللحظة. عن كيف يمكن أن يمر بك أعظم اعتراف في حياتك، ثم تعود إلى الشارع وأنت تحمل شهادة بدل فرصة، وكرامة بدل عمل.
والشيء الأكثر إيلاماً وجمالاً في آنٍ معاً: أن الكاتب استطاع بعد عقود أن يحوّل هذا الصمت القديم إلى صوت واضح ومؤثر. ربما هذا هو المعنى الحقيقي لـ«كل من عليها خان»… أن الحياة تخون، لكن الكتابة ترفض أن تخون الذاكرة.



4:06 م
sayedhafez


Posted in:
0 comments:
إرسال تعليق