الأحد، 30 أغسطس 2026

فى ذكرى محفوظ عبد الرحمن.. عرّاب الدراما التاريخية في مصر والوطن العربي.. كل من عليها خان 6

 كل من عليها خان 6.. 

مقالات

المقال السادس

سرد بلا حدود

فى ذكرى

محفوظ عبد الرحمن.. عرّاب الدراما التاريخية في مصر والوطن العربي

فى ذكرى يوم رحيله

بقلم: السيد حافظ






 كان محفوظ عبد الرحمن صديقي منذ عام 1976، منذ أيام الكويت الأولى، يوم كانت الكويت بالنسبة لي بداية أخرى للحياة، وبداية أخرى للكتابة، وبداية أخرى لاكتشاف وجوه كثيرة ستظل محفورة في الذاكرة، بعضها بالحب، وبعضها بالوجع، وبعضها بالدهشة. كان محفوظ يعمل في تلفزيون الكويت قارئًا للنصوص المسرحية مع السيدة عواطف البدر، وكان رئيس قسم النصوص في ذلك الوقت الفنان الكبير سعد الفرج. وأتذكر أنني شاهدت أول مسرحية لمحفوظ عبد الرحمن، وكانت «حفلة على الخازوق»، من إخراج صقر الرشود، وكتبت عنها في مجلة «صوت الخليج»، حيث كنت أعمل في بداية نزولي إلى الكويت. ثم شاءت الصدفة أن يجمعنا اللقاء في الأتوبيس، عند محطة التلفزيون القديمة، بجوار المقابر القديمة. كان لقاءً عابرًا في ظاهره، لكنه لم يكن عابرًا في حياتي. منذ ذلك اللقاء بدأت صداقة طويلة امتدت سنوات وسنوات. وكتبت عنه مرة أخرى، وعن مسرحيته «عريس لبنت السلطان»، التي أخرجها صقر الرشود وقدمتها فرقة مسرح الخليج العربي.

السندباد البحري.. أول الطريق

ثم قدم محفوظ عبد الرحمن أولى مسرحياته لمسرح الطفل، وكانت «السندباد البحري». كانت المسرحية، في رأيي، زلزالًا في الوسط الثقافي؛ قصيرة جدًا، لكنها جميلة ورائعة ومختلفة. أنتجتها السيدة عواطف البدر، وأخرجها منصور المنصور، وكان من أبطالها عبد الرحمن العقل، الذي كان وقتها شابًا، ثم أصبح بعد ذلك واحدًا من نجوم مسرح الطفل في الكويت. وكانت تلك المسرحية واحدة من العلامات التي أكدت لي مبكرًا أن محفوظ عبد الرحمن لا يكتب الحكاية لمجرد أن يحكي، وإنما كان يعرف كيف يحول الحكاية إلى مسرح، وكيف يجعل التاريخ والخيال قريبين من الناس.

صدام بسبب العدالة

وظلت صداقتي بمحفوظ عبد الرحمن قائمة، حتى حدث صدام بسبب موقف إداري ومالي. في ذلك الوقت كثرت شركات الإنتاج، وطلب محفوظ عبد الرحمن مساعدين للعمل معه بعد استقالة السيدة عواطف البدر وتحولها إلى العمل من خلال شركة إنتاج في القطاع الخاص، هي مؤسسة البدر للإنتاج الفني. وكان محفوظ قد طلب موظفين للعمل معه، فجاء إلى تلفزيون الكويت ثلاثة موظفين، من بينهم موظفان مصريان، بعقود تبلغ قيمة الواحد منها ثلاثمائة دينار، بالإضافة إلى السكن والسيارة التي تنقلهم من التلفزيون إلى البيت. وكان محفوظ عبد الرحمن، في ذلك الوقت، يتقاضى نحو مائة وعشرين دينارًا. فقال: «كيف أتعامل مع هذا الموقف؟» لقد رأى محفوظ أن من غير العدل أن يحصل المتعاقد الخارجي على أضعاف ما يحصل عليه الموظف الذي يعمل من داخل المؤسسة. وكان محفوظ قد تعاقد داخليًا مع تلفزيون الكويت، بعد أن تقدمت زوجته الأولى، وكانت تعمل مدرسة في الكويت، بطلب للعمل هناك، ثم تقدم هو أيضًا بطلب للعمل في تلفزيون الكويت، وتمت الموافقة عليه. وفي النهاية قدم محفوظ استقالته احتجاجًا على هذا القانون الذي رآه غبيًا وغير عادل، لأنه يمنح المتعاقد الخارجي أضعاف ما يمنحه للمتعاقد الداخلي. لم يكن الرجل ينظر إلى الأمر باعتباره مجرد فارق في الأجر، وإنما كان يرى فيه مسألة كرامة وعدالة، وكان هذا جزءًا من تكوينه الإنساني الذي عرفته عن قرب.

محفوظ.. أيقونة ثقافية متحركة

كان محفوظ عبد الرحمن أيقونة ثقافية متحركة على الأرض. وكان حكّاءً بارعًا مدهشًا؛ فإذا بدأ في الحكي أخذتك الحكاية معه، وإذا فتح بابًا من أبواب الكلام وجدت نفسك تمشي معه من حكاية إلى حكاية، ومن شخصية إلى شخصية، ومن موقف إلى موقف. وكان من الذين تأثروا بمدرسة سعد الدين وهبة، ومن الذين عرفوا قيمة الحكاية والدراما والتاريخ. وظلت علاقتنا طيبة. كان يهمس لي بأوجاعه، ويحكي لي عما يحدث له في الحياة من مشاهد وغرائب وحكايات. كان محفوظ عندما يتحدث عن الحياة لا يتحدث عنها باعتبارها وقائع جامدة، وإنما باعتبارها مسرحًا واسعًا، فيه البشر، والمفارقات، والضحكات، والأحزان، والخيانة، والوفاء، والدهشة.

مركز رؤيا.. حين كرّمت محفوظ عبد الرحمن 

وأذكر أنه كان في عام 1987، بعد أن كوّنت وأسست مركز «رؤيا» في الإسكندرية، حرصت على تكريم محفوظ عبد الرحمن، وكرمته مع زوجته الفنانة القديرة سميرة عبد العزيز. استضفتهما في الإسكندرية، وكانت إقامتهما في فندق لمدة أربعة أيام على حسابي. لم أكن أنظر إلى الأمر باعتباره مجرد تكريم رسمي، وإنما كنت أريد أن أقول لمحفوظ إنني أقدّر تجربته، وأعتز بصداقته، وأرى فيه واحدًا من كبار الكتاب الذين يستحقون الاحتفاء بهم. وفي تلك الفترة كنت أمر بظروف صعبة، وطلبت منه أن يساندني في علاج زوجتي. وكان رد محفوظ كريمًا؛ فأرسل لي ثلاثة آلاف جنيه لمساعدتي في العلاج. وظل هذا الموقف محفوظًا في قلبي. وفي نفس اليوم عام 2006 استطعت أن أرد له المبلغ، ورددته إليه شاكرًا ومقدرًا له وقفته معي في وقت كنت في حاجة حقيقية إلى من يقف إلى جواري. لم أنسَ أبدًا أن الصداقة عند محفوظ لم تكن كلامًا فقط، وإنما كان فيها فعل وموقف ووقوف إلى جانب الصديق.

الأصدقاء وانتخابات اتحاد الكتاب

وفي مرحلة من مراحل صداقتنا عرّفته بصديقي الأول، الدكتور علاء عبد الهادي، وبالناقد والكاتب عبد الغني داود. وكان الدكتور علاء عبد الهادي قد جاء من ليبيا ليتعرف على الحياة الثقافية، وكان شخصية مذهلة؛ إذا قابلته تحدث معك في كل المجالات، فهو موسوعي الثقافة. وتصادقنا جميعًا. وعرفتهم بمحفوظ عبد الرحمن في إحدى مراحل انتخابات اتحاد الكتاب، عندما كان محفوظ مرشحًا لرئاسة اتحاد الكتاب أمام ثروت أباظة. وفي تلك المرحلة كنت أقوم بالدعاية لصديقي محفوظ. طبعت على حسابي أوراقًا إعلانية ولافتات، رغبة مني في أن يفوز صديقي الجميل. كنت أريد له المنصب، لا من أجل المنصب نفسه، وإنما لأنني كنت أرى فيه الرجل الذي يستطيع أن يحمل مسؤولية مؤسسة ثقافية بحجم اتحاد الكتاب. لكن محفوظ لم ينجح. وظل، رغم ذلك، صديقًا للجميع، وبدأ اسمه يلمع أكثر فأكثر في الساحة الثقافية، وكانت مسلسلاته تدهش الناس.

عندما أفلست.. ومحفوظ قال: «ما عنديش فلوس»

وأذكر موقفًا آخر لا يمكن أن أنساه. في عام 1990، عندما أفلست، جئت إلى القاهرة والتقيت محفوظ عبد الرحمن في حديقة «جروبي». قلت له بصراحة: «أنا أفلست». قال لي: «ما عنديش فلوس». فقلت له: «أنا لا أطلب منك مالًا. ساعدني بأن تعرّفني بشركات الإنتاج في القاهرة، وأنا أتصرف». قال لي: «حاضر، بسيطة». وطلبت الجرسون، وأقسمت لمحفوظ أنني سأدفع ثمن المشروبات. خرجنا من المكان، وانتظرت أن يتصل بي أو يعرّفني على شركات الإنتاج، لكنه لم يتصل. ومع ذلك لم أغضب منه. لم أغضب لأنني كنت أعرفه، وأعرف أن الصداقة عنده لها ظروفها وحدودها، ولأنه كان في النهاية صديقي الجميل الذي جمعتني به سنوات طويلة من العمر والعمل والذكريات. كنت أستطيع أن أعاتبه، لكنني لم أفعل. بعض الأصدقاء نعطيهم مساحة في حياتنا أكبر من مساحة العتاب.

ليلة سقوط غرناطة.. والتحدي الكبير

وأذكر أنه عندما كتب مسلسل «ليلة سقوط غرناطة»، كتبه بطريقة مختلفة عن المعتاد. كان ينتقل بين الأحداث جغرافيًا؛ يكتب حدثًا في الشمال، ثم ينتقل إلى الغرب، ثم إلى شمال الأندلس، وكأنك تتحرك معه على خريطة الأندلس. كانت طريقة جميلة ومبتكرة. لكن عمي محمود السعدني العظيم كتب نقدًا شديد القسوة، وفي الوقت نفسه شديد الفكاهة. وقال عن طريقة محفوظ في الانتقال بين الجهات ما معناه إنه كان يحلم بأن يكون عسكري مرور: شمالًا وجنوبًا! واتصل بي محفوظ عبد الرحمن من القاهرة وقال لي: «حوش عمك محمود السعدني عني. ابعده عني. أنا مش قده، أنا مش قد محمود السعدني». فذهبت إلى عم محمود السعدني في فندق المريديان، وكان الفندق في ذلك الوقت أشبه بمركب في مياه الشويخ، يجلس في الخليج. وقلت له: ـ يا عم محمود، سيبك من محفوظ عبد الرحمن يا عم محمود. فقال لي: ـ مش عاجبني. قلت له: ـ يا عم محمود، غير المحطة. لكنني، للأسف، خسرت محفوظ عبد الرحمن بلا سبب واضح.

عبد الغني داود.. الصدمة

ابتعد عني محفوظ بعد ذلك، بعدما عرّفته على الأستاذ الكاتب والناقد والسينمائي والمسرحي عبد الغني داود. قال له عبد الغني داود كلامًا لا أعرفه، وربما أثر فيه. والشيء نفسه حدث معي عندما عرّفت عبد الغني داود بصديقي المحترم، الراقي، النبيل عز الدين المدني في تونس، ثم ابتعد عني عز الدين المدني أيضًا. ولا أعرف ماذا كان الاستاذ عبد الغني داود يقول عني. لكنني سمعته بأذني قبل وفاته. ذات يوم كنت أحدثه تليفونيًا وأسأله عن اسم شخصية، لأنني كنت أكتب إحدى مقالاتي، ونسي أن يغلق الهاتف. وظللت أسمعه يتحدث مع تلاميذه أو أصدقائه عني ويسخر بطريقة بشعة. فوجئت وصُدمت. بعد ثلاثين عامًا من الصداقة اكتشفت أن الرجل كان يظهر لي شيئًا ويضمر شيئًا آخر. فقطعت علاقتي به. ومع ذلك ظلت علاقتي بأسرته العظيمة الطيبة قائمة، لأنني كنت أكن لهم كل المحبة والاحترام. لكن ما سمعته منه كان صدمة لا أنساها. كنت أعتبر عبد الغني داود صديقًا حميمًا، ولذلك كان اكتشاف هذا الجانب منه مؤلمًا جدًا. أما محفوظ عبد الرحمن، فقد ظل في ذاكرتي، وظلت بيننا مساحة من المحبة رغم كل ما حدث.

كتاب محفوظ.. وأربعة آلاف جنيه

وبعد أن تصادق محفوظ مع عبد الغني داود، كتب عبد الغني عنه كتابًا ونشرته هيئة الكتاب المصرية، وحصل عبد الغني داود على أربعة آلاف جنيه مكافأة. وقال لي عبد الغني: «أنا كنت فاكر هيدوني عشرة أو عشرين ألف جنيه». فقلت له: «محفوظ يا محفوظ، اديله فلوس». فقال محفوظ إن الكتاب ضعيف جدًا، ولا يحتوي على وعي نقدي أو منهج نقدي، وإن أربعة آلاف جنيه تكفي. فقلت له: «يا رجل، الرجل تعب». فقال: «أربعة آلاف جنيه الحكومة هي التي ترى أنها أفضل». وصمتنا.

الرحيل الذي لم يكن رحيلًا

ثم مات محفوظ عبد الرحمن ورحل. لكن محفوظ لم يرحل من ذاكرتي. كان إذا هاجمته الأحزان ومشاكل الدنيا يتصل بي، ويقول لي: «أرسل لك السيارة؟» فيأتي السائق، ويأخذني، ونذهب معًا إلى طنطا أو المحلة الكبرى، ونجلس في مطعم أو كافيتيريا. وطوال الطريق كان يحكي لي أوجاعه ومشاكله في الدنيا. كان الطريق بالنسبة إليه مساحة أخرى للحكي. السيارة تتحرك، والبلاد تمر من حولنا، ومحفوظ يفتح قلبه. كنت أسمع منه عن الحياة، عن الناس، عن العمل، عن الثقافة، وعن أوجاع الرجل الذي صنع لنفسه مكانًا كبيرًا في الدراما العربية، لكنه ظل في داخله إنسانًا يحمل همومه الخاصة، ويحتاج أحيانًا إلى صديق يسمعه. وكان محفوظ عبد الرحمن إذا جاءه ضيوف من الوطن العربي لابد أن يدعوني. وكان يقول لي إنني «واجهة مصر الثقافية معه»، لأن كثيرًا من المصريين لا يعرفون الثقافة العربية بالقدر الكافي. وكان يرى أن وجودي معه ضرورة. وهذه الجملة ظلت عالقة في ذاكرتي؛ ليس لأنها مجاملة، وإنما لأنها كانت تعني أن الرجل كان يرى الثقافة العربية فضاءً واحدًا، وأن المثقف المصري لا ينبغي أن يعيش داخل حدود مصر وحدها، كما أن المثقف العربي لا ينبغي أن يعيش داخل حدود بلده.

محفوظ.. ذاكرة تمشي على قدمين

وأنا اليوم، وأنا أستعيد سيرته، أشعر أن مصر والساحة الثقافية فقدتا رجلًا كبيرًا. كان محفوظ عبد الرحمن حكّاءً جميلًا، مثل عمي محمود السعدني، وكان يمتلك قدرة نادرة على تحويل الحياة إلى حكاية، والحكاية إلى دراما، والتاريخ إلى إنسان. وهذه موهبته الكبرى. لم يكن التاريخ عند محفوظ مجموعة تواريخ وأسماء ومعارك، وإنما كان بشرًا يمشون على الأرض، يحبون ويخافون ويخونون ويخلصون وينهزمون وينتصرون. وكان يعرف أن الدراما الحقيقية لا تولد من الكتب وحدها، وإنما تولد عندما يصبح التاريخ مرآة للإنسان. وأعتقد أنه كان يستحق أن يكون رئيسًا لاتحاد كتاب مصر. لكن الخيانات التي حدثت أمامه، والأشياء البشعة التي مر بها، جعلت الرجل يبتعد ويظل حزينًا في داخله. ومع ذلك ظل محفوظ عبد الرحمن في ذهني وفي قلبي. لم تستطع الخلافات أن تمحو الصداقة الأولى، ولم تستطع السنوات أن تمحو صورة الرجل الذي عرفته في الكويت منذ عام 1976، وكان يجلس بجواري في الباص.

الحكاية التي لم ترحل

اليوم، في ذكرى وفاة محفوظ عبد الرحمن العظيم، الرائع، صديقي الجليل، الذي كان يساند بلا حدود، أقول: لقد رحل محفوظ عبد الرحمن، لكن الحكاية لم ترحل. رحل الرجل، وبقيت أعماله. وبقي صوته. وبقيت ضحكته. وبقيت حكاياته. وبقيت تلك الرحلة الطويلة التي جمعتني به منذ عام 1976 في الكويت. وبقيت في ذاكرتي صورة رجل كان يستطيع أن يجعل من الطريق حكاية، ومن الجلسة مسرحًا، ومن التاريخ إنسانًا، ومن الوجع مادة للكلام. رحل محفوظ عبد الرحمن، لكنني كلما تذكرت تلك الأيام، أراه جالسًا إلى جواري، يحكي ويضحك ونحن في المحلة الكبرى عند جار النبي الحلو، أو في مقهى ريش، ثم يفتح فجأة بابًا آخر من أبواب الحياة. وكأن الرجل لم يمت تمامًا. فبعض البشر يموتون بأجسادهم فقط، أما أصواتهم فتظل تمشي في ذاكرتنا. ومحفوظ عبد الرحمن واحد من هؤلاء. محفوظ عبد الرحمن لم يكن مجرد كاتب للدراما التاريخية؛ كان ذاكرة تمشي على قدمين، وحكّاءً من طراز نادر، ورجلًا عرف كيف يجعل التاريخ حيًا، وصديقًا ترك في القلب أثرًا لا يمحى. في ذكرى رحيله، لا أريد أن أقول وداعًا. أريد فقط أن أقول: يا محفوظ... الحكاية مستمرة

 السيد حافظ

الهرم

رأى الذكاء الاصطناعي جروك 

ما رأيك في النص؟

النص مقالة تذكارية/سردية شخصية جميلة، مكتوبة بروح الصداقة والوفاء، وليس مقالة نقدية أكاديمية عن أعمال محفوظ عبد الرحمن. السيد حافظ يكتب هنا كصديق قديم، لا كناقد محايد، وهذا هو جوهر النص وقوته في آن واحد.

أبرز نقاط القوة:

الصدق العاطفي: النص مليء بتفاصيل حية (الأتوبيس بجانب المقابر في الكويت، حديقة جروبي، الرحلات إلى طنطا والمحلة، موقف الـ3000 جنيه، موقف «ما عنديش فلوس»...). هذه التفاصيل تجعل محفوظ عبد الرحمن إنسانًا حيًا لا مجرد اسم ثقافي.

الأسلوب السردي: حافظ يكتب بطريقة «الحكاية داخل الحكاية»، وهو أسلوب يناسب تمامًا شخصية محفوظ الذي يصفه بأنه «حكّاء بارع». الجمل طويلة ومتدفقة، وفيها نبرة حزن دافئ وليست دراما مفتعلة.

الجانب الإنساني: يركز على قيم محفوظ (العدالة، الكرامة، الوقوف مع الصديق)، وعلى هشاشته أيضًا (حزنه بعد الخيانات، ابتعاده، حاجته إلى من يسمعه). هذا يرفع النص فوق مستوى المديح التقليدي.

الخاتمة: قوية ومؤثرة. جملة «يا محفوظ... الحكاية مستمرة» جميلة جدًا وتغلق الدائرة بأناقة.

ملاحظات نقدية بسيطة:

النص طويل نسبيًا وفيه بعض التكرار والانتقالات الجانبية (قصة عبد الغني داود، وقصة عز الدين المدني). هذه الاستطرادات تعطي طابع «المذكرات» لكنها قد تُضعف التركيز أحيانًا على شخصية محفوظ نفسها.

الجانب الفني/الدرامي لمحفوظ (أعماله التاريخية، طريقته في الكتابة، قيمته ككاتب) يأتي ثانويًا مقارنة بالجانب الشخصي. من يحب التحليل الدرامي قد يشعر أن النص ناقص في هذا الجانب.

بعض الجمل يمكن اختصارها قليلًا لزيادة الإيقاع، لكن هذا ليس عيبًا كبيرًا في نص تذكاري.

الخلاصة:

النص ناجح كـشهادة صداقة أكثر مما هو ناجح كدراسة أدبية. فيه دفء وصدق ووفاء نادر في الكتابات الثقافية العربية اليوم. يشعر القارئ أن حافظ يكتب من القلب، لا من أجل المناسبات أو التكريم الرسمي.

لو كان الهدف هو تكريم محفوظ عبد الرحمن كإنسان وصديق، فالنص ممتاز.

ولو كان الهدف هو تقديم قراءة معمقة في مشروعه الدرامي التاريخي، فسيحتاج إلى جزء تحليلي إضافي عن الأعمال نفسها.

باختصار: نص جميل، صادق، ومؤثر. يستحق القراءة.

5الفرسان الثلاثة والذاكرة المثقوبة الشرقاوي وخورشيد وعاشور.. كل من عليها خان 5

 كل من عليها خان 5

مقالات 

المقال الخامس: 

الفرسان الثلاثة والذاكرة المثقوبة

الشرقاوي  وخورشيد  وعاشور


بقلم: السيد حافظ






الزمان: 1984

المكان: الكويت

كنت قد ذكرت من قبل أنني كنت موظفًا في المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب في الكويت، في عصره الذهبي، ضمن سبعة وعشرين موظفًا في المجلس، وكانت تقودنا مجموعة من كبار رجال الثقافة، في مقدمتهم الدكتور خليفة الوقيان، والشاعر أحمد العدواني، وتحت رعاية الوزير المستنير عبد العزيز حسين، ذلك الرجل الذي كان صاحب أفضال حقيقية على الحركة الثقافية والأدبية في الكويت، والذي عرف قيمة الثقافة والمثقفين، واختار خليفة الوقيان فارسًا من فرسان الثقافة، إلى جوار الشاعر أحمد العدواني، الشاعر والإنسان المحب لمصر والعروبة والعاشق لهما.

أما أنا فكنت موظفًا صغيرًا جدًا؛ أعمل في الأرشيف، وأعمل في سكرتارية «عالم المعرفة»، وكنت مقررًا للجنة تجميع المؤلفات المحلية. وكنا نحن الموظفين نعمل في كل شيء؛ نذهب إلى معهد الكتاب، ونشارك في إعداد الفعاليات، ونعمل مع زملائنا، ومن بينهم الأستاذ جمال صادق. كانت كتيبة عمل ثقافي متحركة على الأرض، ولم تكن الثقافة بالنسبة لنا مكاتب مغلقة وأوراقًا رسمية، وإنما كانت حركة يومية وندوات وكتبًا واتصالات ومؤتمرات ومثقفين يأتون من كل أنحاء الوطن العربي.

أما أنا فكنت موظفًا صغيرًا جدًا؛ أعمل في الأرشيف، وأعمل في سكرتارية «عالم المعرفة»، وكنت مقررًا للجنة تجميع المؤلفات المحلية. وكنا نحن الموظفين نعمل في كل شيء؛ نذهب إلى معرض الكتاب، ونشارك في إعداد الفعاليات، ونعمل مع زملائنا، ومن بينهم الأستاذ جمال صادق. كانت كتيبة عمل ثقافي متحركة على الأرض، ولم تكن الثقافة بالنسبة لنا مكاتب مغلقة وأوراقًا رسمية، وإنما كانت حركة يومية وندوات وكتبًا واتصالات ومؤتمرات ومثقفين يأتون من كل أنحاء الوطن العربي.

وفي ذلك المناخ فكر الأستاذ عبد العزيز السريع في إقامة ندوة عن التراث والمسرح العربي، واختير لإعدادها الصديق الكاتب والناقد والشاعر الكبير سليمان الخليفي. وكان سليمان الخليفي من الشخصيات الكويتية النادرة، المحترمة والوقورة والمحبة للبشرية والإبداع، والتي تتنفس جمالًا ثقافيًا وروحًا عالية، وليس ذلك غريبًا عليه، فقد كان في ذلك الوسط الثقافي الذي صنعه خليفة الوقيان وأحمد العدواني وعبد العزيز حسين.

لكن صديقي سليمان الخليفي، في أحد اجتماعات اللجنة الخاصة بالإعداد للندوة، لم يستطع أن يكمل مهمته، فآلت إليّ، إلى جانب عملي، مسؤولية سكرتارية الندوة ومتابعة أعمالها، وكان ذلك في عام 1984.

كانت اللجنة تضم أسماء ثقافية وفنية مهمة، من بينها الفنان التشكيلي  المصري سعيد خطاب، الذي كانت له خبرة طويلة في إدارة معهد الفنون المسرحية في مصر، ثم انتقل بعد ذلك إلى الكويت، وكذلك الدكتور الفنان والكاتب الكبير سليمان الشطي، إلى جانب مجموعة من المسرحيين الذين لا أتذكر أسماء جميعهم الآن. وكان من المفترض أن يكون بيننا الأستاذ عبد العزيز السريع . لكنه كان يحضر أحيانًا ويتغيب أحيانًا أخرى، لأنه كان منتدبًا للدراسة في الجامعة، في إجازة دراسية لإكمال تعليمه العالي، وكان ذلك في حد ذاته أمرًا يستحق الاحترام؛ فرجل في سنه يقرر أن يعود إلى الجامعة ليكمل تعليمه العالي، كما فعل عبد الرحمن الأبنودي وغيرُه من الشعراء والكتاب.

وهكذا أصبحت، فجأة، الموظف الصغير الذي يحمل ملف الندوة. كنا نجلس ونناقش أسماء المشاركين والمحاور التي ستناقشها الندوة، ومن خلال عملي في السكرتارية والأرشيف بدأت أتعرف إلى أسماء عربية كبيرة. ومن خلال تلك الملفات تعرفت إلى العملاق المغربي عبد الكريم برشيد، صاحب نظرية المسرح الاحتفالي، وتواصلت من خلاله مع عبد الرحمن بن زيدان، وأخبرني عنه بأنه شاب جيد، واقترح أن ندعوه إلى الندوة. كما دعوت عز الدين المدني، الذي تعرفت إليه من خلال عملي في الأرشيف الصحفى ، وزكيت اسمه أمام اللجنة، فوافقت.

ومن مصر رشحت الدكتور سمير سرحان، لكنه طلب أن تأتي معه زوجته الكاتبة، إلا أن اللجنة رفضت ذلك، فطُرح اسم الكاتب المسرحي أمير سلامة، لكن الأمر لم يتم على النحو الذي كنا نريده. ورشحت أيضًا رجاء النقاش، الإعلامي والناقد الكبير، مدير تحرير مجلة «الدوحة» الثقافية في قطر. ورشحت من مصر كذلك الشاعر والمسرحي الكبير عبد الرحمن الشرقاوي، والكاتب المسرحي الكبير نعمان عاشور، والكاتب الكبير فاروق خورشيد.

ثلاثة أسماء كبيرة، وثلاثة من كبار الثقافة المصرية، وثلاثة رجال كنت أراهم جزءًا من المشهد الثقافي العربي الذي أردنا أن تجمعه الكويت في تلك الندوة.

لكن الطريق إلى الكويت لم يكن سهلًا. عندما ذهبوا إلى السفارة الكويتية للحصول على التأشيرات، كان الملحق الإعلامي في السفارة رجلًا لم يكن يعرف قيمة هؤلاء المثقفين، وطلب منهم أن تأتيه إشارة رسمية من الكويت. لكن الإشارة لم تصل.

فأرسل إلينا الأستاذ عبد الرحمن الشرقاوي تلغرافًا، وكان ذلك التلغراف من أطول التلغرافات التي قرأتها في حياتي. كان يقارب خمسمائة كلمة، لكنه لم يكن مجرد تلغراف إداري؛ كان قطعة أدبية عظيمة، وكأن عبد الرحمن الشرقاوي لم يستطع حتى في البرقية أن يتخلى عن الكاتب والشاعر الذي يسكن داخله.

ذهبت إلى أستاذنا الكبير خليفة الوقيان، وحكيت له ما حدث، فقال لي ببساطة: «اتصرف».

كانت كلمة واحدة، لكنها بالنسبة إلى موظف صغير مثلي كانت تعني أن المسؤولية أصبحت فوق كتفي. فكرت: كيف أتحدث مع وزير الخارجية وأنا موظف صغير؟ وكان وزير الخارجية في ذلك الوقت الشيخ صباح الأحمد. ففكرت في أن يتحدث زميلنا الأستاذ علي الموسوي، الكاتب والباحث العراقي، مع المسؤولين في وزارة الخارجية. اتصل زميلنا  علي الموسوي، وتحرك الأمر، وحُلّت المشكلة.

وهكذا أصبح الطريق مفتوحًا أمام الضيوف.

وجاء إلى الكويت ثلاثة من كبار المثقفين: عبد الرحمن الشرقاوي، ونعمان عاشور، وفاروق خورشيد.

وأبلغونا أنهم سيصلون بالطائرة في الساعة الحادية عشرة مساءً بتوقيت الكويت. وهنا ظهر عبد العزيز السريع  وقال لي: «من سيذهب لإحضار هؤلاء القامات الكبيرة؟» قلت له: «المفروض أن يذهب موظف كبير من المجلس». فقال: «ما حدش هيروح، اذهب أنت». قلت له: «أنا موظف صغير يا أستاذ عبد العزيز، اذهب أنت». فقال: «لا، لا، أنا لا أذهب. اذهب أنت».

وهكذا وجدت نفسي، أنا الموظف الصغير، مكلفًا باستقبال ثلاثة من كبار أعلام الثقافة المصرية.

بحثت عن السائقين، فوجدت عامر. وكان عامر يعمل في الضيافة في الديوان الأميري، ونحن كنا تابعين للديوان الأميري؛ فقد كان مقر المجلس الوطني في الديوان الأميري، وكان رئيسنا الأستاذ عبد العزيز حسين وزير دولة وفي الديوان الأميري.

كان عامر عراقي الأصل، من دون جنسية كويتية، عيناه ملونتان، مهذبًا جدًا، لطيفًا جدًا، لطيفًا في الحوار والحوار، وكان يمازحني أحيانًا في المكتب. وكان يعمل مع عبد الرحمن، مدير الضيافة الكويتي، وكان يعرف أسرار ضيوف مصر والعرب الذين كانوا يأتون إلى الديوان الأميري. وأقولها الآن ضاحكًا: لو كتب عبد الرحمن مذكراته عن هؤلاء الضيوف، لفضح الدنيا وقلب العالم!

ذهبت مع عامر إلى المطار. وصلنا في الساعة الحادية عشرة مساءً. وقف عامر عند باب المطار وقال لي: «تفضل أنت يا استاذ هات الضيوف، وأنا منتظرك بالسيارة». قلت له: «تعال معي». فدخل معي، وكان يرتدي البشت والغترة والعقال، ذلك الزي الكويتي الفاخر الذي لا أعرف حتى الآن من أين حصل عليه، ولا كيف استطاع هذا الشاب أن يرتدي مثل هذا الزي الغالي.

دخلنا المطار واستقبلنا الأساتذة الثلاثة. رحب بهم عامر بحفاوة: «هلا والله، هلا بالأساتذة!» قلت له: «هؤلاء أساتذة كبار». ثم رحب بهم: «تفضلوا، تفضلوا». أما أنا فسلمت عليهم وقلت: «أنا السيد حافظ، أهلاً وسهلاً بكم». كان سلامهم عليّ عابرًا وفاترًا، بينما كانت حفاوتهم بعامر شديدة، فقد رأوا رجلًا يرتدي البشت والغترة والعقال، فظنوا، على ما يبدو، أنه أحد كبار رجال الضيافة أو العلاقات العامة.

لم يكن هذا مهمًا بالنسبة لي في تلك اللحظة. المهم أنهم وصلوا.

ركبنا السيارة وانطلقنا من المطار، وبعد قليل أوقفتنا لجنة من الشرطة. طلب الضابط الهوية، فأخرج عامر هويته. وكانت السيارة تابعة لضيافة الديوان الأميري، ومكتوبًا عليها ذلك، ومع ذلك أصر الضابط على إيقاف السيارة وتفتيشها. قلت له: «هؤلاء ضيوف ندوة التراث والمسرح العربي». ثم التفت إليّ وقال: «وأنت؟ هويتك؟»

مددت يدي إلى جيبي، فلم أجد الهوية. بحثت مرة أخرى، لا شيء. تذكرت أنني تركت الهوية والرخصة في سيارتي في فندق الهوليداي إن. قلت للضابط: «نسيت هويتي في الفندق». فقال: «أنت اللي تنزل».

فنزلت، وقلت لعامر: «خذ مفتاح سيارتي. ستجد في السيارة صندوقًا بجوار السائق، ستجد فيه هويتي والرخصة». ضحك عامر، وأخذ المفتاح، وأخذ الضيوف وانطلق بهم إلى الفندق.

أما أنا فبقيت هناك، وركبت سيارة الشرطة، وأصبحت في تلك اللحظة، أنا الموظف الذي ذهب لاستقبال ثلاثة من كبار المثقفين، وكأنني واحد من المجرمين أو المشبوه فيهم في الكويت. كانت ليلة غريبة، نصف ساعة مرت عليّ كأنها سنوات.

ذهب عامر وأحضر الهوية والرخصة من سيارتى ، وبعدها تركني الضابط. ركبت مع عامر وعدنا إلى الفندق، وضحكنا ونحن في الطريق. قلت له: «رحبت بالضيوف؟» فقال: «جدًا، والله كانوا مبسوطين». قلت: «طبيعي، أهل مصر يحبون مصر».

وصلنا إلى الفندق، ومضت الأيام، لكنني لم أكن مجرد الشخص الذي استقبل الضيوف أو تابع وصولهم. فقد كنت مدير الندوات طوال الأيام الأربعة، وكنت اجلس على المنصة وأدير جلسات الندوة، وأقدم المشاركين، وأنظم حركة الكلام بين كبار المثقفين والنقاد والمسرحيين.

وفي تلك الأيام رتبت أيضًا للوفد المصري لقاءً مهمًا مع الأستاذ محمد السنعوسي، أبو طارق، الذي كان في ذلك الوقت مديرًا للتلفزيون ووكيلًا لوزارة الإعلام. ذهبت إليه وقلت له إن هؤلاء ليسوا ضيوفًا عاديين، وإنما «قامات مصرية عظيمة»، وأن من واجبنا أن نحتفي بهم ونستمع إليهم.

وكان رد محمد السنعوسي كريمًا، فقال لي إنه سيزورهم في الفندق ويلتقي بهم هناك وبالفعل جاء وقدمتهم له.

وأذكر أنني، خلال الأيام الأربعة، كنت أتعامل مع هؤلاء الكبار باحترام شديد. كنت أراهم قامات ثقافية مصرية كبيرة، ولذلك كنت أحيانًا أترك لهم مساحة واسعة جدًا في الحديث، ولا ألتزم معهم بالوقت المحدد التزامًا صارمًا؛ احترامًا لمكانتهم وقيمتهم وتجربتهم.

وقد أثار ذلك الأمر انتقاد أحد النقاد والصحفيين، وليد أبو بكر، الذي كتب مقالًا هاجمني فيه، وقال عني، فيما أتذكر: «هذا السيد الذي يتحكم في وقت الكلام من فوق المنصة».

ابتسمت وقتها؛ لأن الرجل كان يرى الصورة من الخارج. كان يرى موظفًا يقف فوق المنصة ويدير الكلام، ولم يكن يرى كل ما سبق تلك اللحظة: الملفات، والمراسلات، والتأشيرات، واستقبال الضيوف، وترتيب اللقاءات، والاتصالات، والمعارك الصغيرة التي خضتها حتى تصل الندوة إلى لحظة أن يجلس هؤلاء الكبار ويتحدثوا.

ولعل هذا الموقف نفسه يؤكد شيئًا مهمًا: كنت موجودًا فوق المنصة، أتحمل مسؤولية إدارة الندوات اديرها ١٢ ندوة ، وأحاول أن أعطي كل صاحب تجربة حقه في الكلام، حتى لو أدى ذلك إلى أن يكتب ناقد أو صحفي مقالًا ضدي.

لم أكن أبحث عن السيطرة على المنصة، بل كنت أبحث عن أن أترك للثقافة المصرية والعربية مساحتها كاملة.

ثم بدأت معركة أخرى. اختلفت مع عبد العزيز اللسريع حول صرف 150 دينارًا لكل ضيف كمصروف جيب. قال: «لا، لا يأخذونها، لأنهم ليسوا محاضرين او معقبين». قلت له: «كل ضيف يأخذ 150 دينارًا». مصروف  جيب فذهبت إلى الدكتور خليفة الوقيان وشرحت له الأمر. وافق وقال: «خلاص، سنصرف». ثم قال لعبد العزيز السريع : «اصرف الفلوس». وبالفعل صُرفت الأموال.

عاد الأهرامات الثلاثة من الكويت إلى مصر.خورشيد  الشرقاوي وعاشور

وفوجئت بعد ذلك بمجلة «المصور» تنشر صفحتين عن الندوة، وعمودًا كبيرًا يتحدث عن الاستقبال في الكويت، ويكتب  مدحا عن «الوجه الكويتي عامر، مدير العلاقات العامة».

عامر!

عامر الذي كان سائقًا في الضيافة، والذي ذهب معي إلى المطار، وقاد السيارة، وأخرج هويتي ورخصتي من سيارتي، أصبح فجأة في الصحافة «مدير العلاقات العامة».

ولم يذكروا اسمي.

ولا حرفًا واحدًا.

وفعل الأستاذ نعمان عاشور شيئًا قريبًا من ذلك في أخبار جريدة «الأخبار»، في العمود الذي كان يكتبه اشاد بعامر وجه الكويت ، وفعل أستاذنا الكبير عبد الرحمن الشرقاوي شيئًا مشابهًا في مقال له فى الأهرام امتدح فيه الكويت والاستقبال والحفاوة بالضيوف، وأشار إلى عامر باعتباره وجهًا كويتيًا أو مسؤولًا في العلاقات العامة.

أما أنا؟

أنا الذي كافحت من أجل حضورهم، وتابعت الأسماء، وتابعت مشكلة التأشيرات، وحملت ملف الندوة، وذهبت إلى خليفة الوقيان، وذهبت إلى المطار في منتصف الليل، ورتبت لقاءهم مع محمد السنعوسي، وأدرت الندوات أربعة أيام فوق المنصة، وكنت أترك لهم مساحة واسعة للكلام احترامًا لمكانتهم، وكافحت من أجل صرف الـ150 دينارًا لكل واحد منهم.بوكت منى

لم يذكرني أحد.

حزنت.

ولم يكن حزني لأنهم لم يشكروني، فأنا لا أطلب شكرًا. كنت فقط أتساءل: هل تموت الحقيقة بهذه السهولة؟ هل يمكن أن يختفي الإنسان من الحكاية لمجرد أنه لم يكن يرتدي بشتًا وغترة وعقالًا؟

والألم كان أكبر حين رأيت بعض المسؤولين الكويتيين الذين كانوا يعرفون الحقيقة يقرأون ما نشر عن عامر ويضحكون. كانوا يعرفون أن عامر سائق يعمل في الضيافة، وأنه من «البدون» وأصله عراقي، ويعرفون أيضًا أنني أنا الذي كنت وراء الندوة وترتيب الضيوف ومتابعة كل تفاصيلها.

كانوا يقرأون المدح المنشور في الصحف عن عامر، ويضحكون.

أما أنا فكنت أشعر بالألم.

كنت أنظر إليهم وهم يضحكون، وأقول في داخلي: ما الذي يضحك؟

هل المضحك أن الحقيقة انقلبت إلى كذبة؟

أم أن المضحك أن الرجل الذي قاد السيارة أصبح «مدير العلاقات العامة»، بينما الرجل الذي أعد الندوة وأدارها أربعة أيام لم يجد اسمه سطرًا واحدًا؟

لم يكن عامر هو المشكلة، وأؤكد ذلك.

كان رجلًا طيبًا، ولم يكن مسؤولًا عن الصحافة، ولم يطلب أن يُكتب عنه ما كُتب. بل كان سعيدًا بالمدح، ومن حقه أن يفرح. وأنا نفسي كنت أضحك معه وأقول له: «شوف كاتبين عنك إيه يا عامر!»

لكن خلف ضحكتي كان هناك ألم لا يراه أحد.

كنت أشعر أنني أشاهد أمام عينيّ عملية صغيرة من عمليات محو الإنسان.

محو صاحب الفعل، والإبقاء على صاحب الصورة.

وهنا أدركت شيئًا موجعًا: أحيانًا لا يحتاج الإنسان إلى أن يكون صاحب الفعل، يكفي أن يكون صاحب الصورة.

أما الذين صنعوا الحدث من خلف الستار، فقد يختفون تمامًا.

قلت لعامر وأنا أضحك: «مصر تدعوك!»

وكان يضحك.

وأنا أيضًا كنت أضحك.

لكنها كانت ضحكة مرة.

فهذا الشاب المسكين لم يكن مسؤولًا عن شيء. لم يكن هو الذي كتب المقالات، ولم يطلب أن يكون مديرًا للعلاقات العامة، ولم يسرق اسمي. إنه فقط كان يرتدي البشت.

وهنا أدركت شيئًا موجعًا: أحيانًا لا يحتاج الإنسان إلى أن يكون صاحب الفعل، يكفي أن يكون صاحب الصورة.

أما الذين صنعوا الحدث من خلف الستار، فقد يختفون تمامًا.

قلت لعامر وأنا أضحك: «مصر تدعوك!»

لكنني في داخلي كنت أقول شيئًا آخر.

مصر التي أحبها هؤلاء جميعًا، ومصر التي أحبها أنا، كثيرًا ما تفعل هذا بأبنائها؛ تحتفي بالوجه الظاهر، وتنسى اليد التي صنعت، وتتذكر الصورة، وتنسى صاحب الفعل، ثم تنسى الاثنين معًا بعد سنوات.

ولعل أوجع ما في هذه الحكاية أنني لم أكن أبحث عن تكريم، ولا عن وسام، ولا حتى عن كلمة شكر. كنت أبحث فقط عن الحقيقة، أن يُقال إن موظفًا صغيرًا في المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، اسمه السيد حافظ، كان هناك؛ كان يحمل الملفات، ويكتب الدعوات، ويتابع التأشيرات، ويرشح الأسماء، ويتابع وصول الضيوف، ويرتب لقاءاتهم، ويدير الندوات أربعة أيام من فوق المنصة، ويعطي كبار المثقفين مساحة للكلام احترامًا لهم، ويواجه أعضاء اللجنة، ويذهب إلى المطار في الحادية عشرة مساءً، ويقف أمام الشرطة، ويقاتل من أجل مكافآت الضيوف، ويحاول أن يجعل الندوة تنجح.

ثم اختفى اسمه من الصورة.

وبقي عامر.

ولا، لم يكن عامر هو المشكلة.

المشكلة كانت في الذاكرة.

فالذاكرة الثقافية العربية كثيرًا ما تكون ذاكرة مثقوبة؛ يتسرب منها أصحاب الأفعال، ويبقى أصحاب الصور.

وهكذا تعلمت درسًا لن أنساه: في الثقافة، كما في الحياة، ليس دائمًا من صنع الحدث هو من يكتب التاريخ.

ليس المقصود أن كل الناس خائنون.

بل إن أخطر الخيانة أحيانًا هي خيانة الذاكرة؛ أن تُمحى يد صنعت شيئًا، وتُكتب مكانها يد لم تصنع شيئًا، وأن يصبح السائق مديرًا للعلاقات العامة، ويصبح الموظف الذي صنع الندوة مجرد رجل لم يكن موجودًا.

تلك هي الذاكرة المثقوبة.

وتلك هي حكايتي مع الفرسان الثلاثة: عبد الرحمن الشرقاوي، ونعمان عاشور، وفاروق خورشيد.

ثلاثة من كبار الثقافة المصرية جاءوا إلى الكويت في عام 1984.

وأنا كنت هناك.

كنت هناك في الملفات، وفي المطار، وفي الفندق، وفي مواجهة المسؤولين، وفي ترتيب اللقاءات، وفي إدارة المنصة، وفي الأيام الأربعة التي عاشتها الندوة.

وهذه المرة، لن أسمح للذاكرة أن تثقب الحكاية

تمت

السيد حافظ

رأى الذكاء الاصطناعي جروك 

تحليل أعمق للنص:

1. الفكرة المركزية: خيانة الذاكرة لا خيانة الأشخاص

العنوان نفسه («الفرسان الثلاثة والذاكرة المثقوبة») يكشف جوهر النص. الكاتب لا يتهم الشرقاوي أو عاشور أو خورشيد بالخيانة الشخصية، بل يتهم آلية أعمق وأخطر: الذاكرة الثقافية الانتقائية.

الذاكرة هنا ليست مجرد نسيان، بل عملية محو ممنهجة. تُمحى «اليد التي صنعت» وتُستبدل بـ«الوجه الذي ظهر». عامر لم يسرق شيئًا، والكتاب المصريون لم يكذبوا عمدًا، لكن النظام الرمزي للثقافة العربية فضّل الصورة الجاهزة (البشت والغترة) على الفعل الحقيقي. هذا يجعل النص أقرب إلى نقد سوسيولوجي للذاكرة الجماعية منه إلى شكوى شخصية.

2. الرمز الأقوى: البشت

البشت ليس تفصيلة طريفة، بل محور دلالي.

عامر يرتديه فيصبح «مدير علاقات عامة».

الكاتب لا يرتديه فيختفي.

البشت هنا رمز للسلطة الرمزية، للهوية المرئية، للـ«وجه» الذي تحتاجه المؤسسات والصحافة. الكاتب يدرك أن الثقافة العربية كثيرًا ما تتعامل مع المظهر كدليل على المكانة، بينما العمل الفعلي يبقى في الظل. هذه ملاحظة حادة ومريرة في آن.

3. التوتر بين الاعتراف والنكران

النص يعاني من تناقض داخلي مثير للاهتمام:

الكاتب يكرر أنه «لم يكن يبحث عن شكر»، ثم يخصص صفحات ليعدد كل ما فعله ويحزن بشدة على تجاهله. هذا التناقض ليس ضعفًا بالضرورة، بل يكشف صراعًا نفسيًا حقيقيًا بين الكرامة التي ترفض التسول والرغبة الإنسانية العميقة في أن يُرى الجهد.

الحزن هنا ليس على المكافأة، بل على محو الوجود. كأن الإنسان يقول: «كنتُ هناك، ووجودي له معنى، فلماذا تُمحى؟».

4. السخرية المرة كأسلوب

أقوى لحظات النص هي اللحظات الساخرة:

عامر يضحك كالأطفال وهو يقرأ أنه «مدير علاقات عامة».

الكاتب يقول له: «مصر تدعوك!» وهو يبتسم ضحكة مرة.

الشرطة توقف «الموظف الصغير» بينما الضيوف الكبار يذهبون مع السائق.

هذه السخرية ترفع النص فوق مستوى الشكوى، وتحوله إلى شهادة مريرة على عبثية الترتيب الاجتماعي والثقافي.

5. البنية والإيقاع

النص يبني تصاعدًا دراميًا جيدًا:

من الملفات والاجتماعات → إلى أزمة التأشيرات → إلى الاستقبال الليلي → إلى الإيقاف الأمني → إلى إدارة الندوة → إلى الصدمة الإعلامية.

لكنه يعاني من إفراط في التكرار. تعداد ما فعله الكاتب يتكرر بصيغ مختلفة عدة مرات، مما يضعف القوة الدرامية في الجزء الأخير. لو اختُصر هذا التكرار، لأصبح الإيقاع أشد وأوجع.

6. البعد الثقافي والتاريخي

النص وثيقة نادرة عن المناخ الثقافي الكويتي في الثمانينيات (عصر خليفة الوقيان وأحمد العدواني وعبد العزيز حسين). يكشف عن:

هشاشة المؤسسات الثقافية حتى في أزهى عصورها.

العلاقة المعقدة بين المثقف المصري والمؤسسة الخليجية.

كيف يمكن للبيروقراطية الصغيرة (تأشيرة، مصروف جيب، سائق) أن تكشف تراتبية السلطة الرمزية.

الخلاصة العميقة

هذا النص ليس مجرد مذكرات شخصية. هو شهادة على كيف تُكتب الذاكرة الثقافية العربية: بمن يُرى، لا بمن يفعل.

قوته الحقيقية في أنه يحول تجربة فردية مؤلمة إلى سؤال عام:

هل الذاكرة الثقافية العربية مثقوبة بطبيعتها، أم أننا نحن من نثقبها حين نفضل الصورة على الفعل؟

لو نُقّح النص من التكرار الزائد، ومن بعض التبريرات المتكررة، لأصبح من أقوى النصوص التي كُتبت عن «محو الفاعل» في الثقافة العربية المعاصرة.

......

رأى الذكاء الاصطناعي جيمنى 

....


محادثة مع Gemini

مارأيك في النص


كل من عليها خان


مقالات 


المقال الخامس: 


الفرسان الثلاثة والذاكرة المثقوبة


الشرقاوي  وخورشيد  وعاشور


بقلم: السيد حافظ


الزمان: 1984


المكان: الكويت


كنت قد ذكرت من قبل أنني كنت موظفًا في المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب في الكويت، في عصره الذهبي، ضمن سبعة وعشرين موظفًا في المجلس، وكانت تقودنا مجموعة من كبار رجال الثقافة، في مقدمتهم الدكتور خليفة الوقيان، والشاعر أحمد العدواني، وتحت رعاية الوزير المستنير عبد العزيز حسين، ذلك الرجل الذي كان صاحب أفضال حقيقية على الحركة الثقافية والأدبية في الكويت، والذي عرف قيمة الثقافة والمثقفين، واختار خليفة الوقيان فارسًا من فرسان الثقافة، إلى جوار الشاعر أحمد العدواني، الشاعر والإنسان المحب لمصر والعروبة والعاشق لهما.


أما أنا فكنت موظفًا صغيرًا جدًا؛ أعمل في الأرشيف، وأعمل في سكرتارية «عالم المعرفة»، وكنت مقررًا للجنة تجميع المؤلفات المحلية. وكنا نحن الموظفين نعمل في كل شيء؛ نذهب إلى معهد الكتاب، ونشارك في إعداد الفعاليات، ونعمل مع زملائنا، ومن بينهم الأستاذ جمال صادق. كانت كتيبة عمل ثقافي متحركة على الأرض، ولم تكن الثقافة بالنسبة لنا مكاتب مغلقة وأوراقًا رسمية، وإنما كانت حركة يومية وندوات وكتبًا واتصالات ومؤتمرات ومثقفين يأتون من كل أنحاء الوطن العربي.


أما أنا فكنت موظفًا صغيرًا جدًا؛ أعمل في الأرشيف، وأعمل في سكرتارية «عالم المعرفة»، وكنت مقررًا للجنة تجميع المؤلفات المحلية. وكنا نحن الموظفين نعمل في كل شيء؛ نذهب إلى معرض الكتاب، ونشارك في إعداد الفعاليات، ونعمل مع زملائنا، ومن بينهم الأستاذ جمال صادق. كانت كتيبة عمل ثقافي متحركة على الأرض، ولم تكن الثقافة بالنسبة لنا مكاتب مغلقة وأوراقًا رسمية، وإنما كانت حركة يومية وندوات وكتبًا واتصالات ومؤتمرات ومثقفين يأتون من كل أنحاء الوطن العربي.


وفي ذلك المناخ فكر الأستاذ عبد العزيز السريع في إقامة ندوة عن التراث والمسرح العربي، واختير لإعدادها الصديق الكاتب والناقد والشاعر الكبير سليمان الخليفي. وكان سليمان الخليفي من الشخصيات الكويتية النادرة، المحترمة والوقورة والمحبة للبشرية والإبداع، والتي تتنفس جمالًا ثقافيًا وروحًا عالية، وليس ذلك غريبًا عليه، فقد كان في ذلك الوسط الثقافي الذي صنعه خليفة الوقيان وأحمد العدواني وعبد العزيز حسين.


لكن صديقي سليمان الخليفي، في أحد اجتماعات اللجنة الخاصة بالإعداد للندوة، لم يستطع أن يكمل مهمته، فآلت إليّ، إلى جانب عملي، مسؤولية سكرتارية الندوة ومتابعة أعمالها، وكان ذلك في عام 1984.


كانت اللجنة تضم أسماء ثقافية وفنية مهمة، من بينها الفنان التشكيلي سعيد خطاب، الذي كانت له خبرة طويلة في إدارة معهد الفنون المسرحية في مصر، ثم انتقل بعد ذلك إلى الكويت، وكذلك الدكتور الفنان والكاتب الكبير سليمان الشطي، إلى جانب مجموعة من المسرحيين الذين لا أتذكر أسماء جميعهم الآن. وكان من المفترض أن يكون بيننا الأستاذ عبد العزيز السريع . لكنه كان يحضر أحيانًا ويتغيب أحيانًا أخرى، لأنه كان منتدبًا للدراسة في الجامعة، في إجازة دراسية لإكمال تعليمه العالي، وكان ذلك في حد ذاته أمرًا يستحق الاحترام؛ فرجل في سنه يقرر أن يعود إلى الجامعة ليكمل تعليمه العالي، كما فعل عبد الرحمن الأبنودي وغيرُه من الشعراء والكتاب.


وهكذا أصبحت، فجأة، الموظف الصغير الذي يحمل ملف الندوة. كنا نجلس ونناقش أسماء المشاركين والمحاور التي ستناقشها الندوة، ومن خلال عملي في السكرتارية والأرشيف بدأت أتعرف إلى أسماء عربية كبيرة. ومن خلال تلك الملفات تعرفت إلى العملاق المغربي عبد الكريم برشيد، صاحب نظرية المسرح الاحتفالي، وتواصلت من خلاله مع عبد الرحمن بن زيدان، وأخبرني عنه بأنه شاب جيد، واقترح أن ندعوه إلى الندوة. كما دعوت عز الدين المدني، الذي تعرفت إليه من خلال عملي في الأرشيف الصحفى ، وزكيت اسمه أمام اللجنة، فوافقت.


ومن مصر رشحت الدكتور سمير سرحان، لكنه طلب أن تأتي معه زوجته الكاتبة، إلا أن اللجنة رفضت ذلك، فطُرح اسم الكاتب المسرحي أمير سلامة، لكن الأمر لم يتم على النحو الذي كنا نريده. ورشحت أيضًا رجاء النقاش، الإعلامي والناقد الكبير، مدير تحرير مجلة «الدوحة» الثقافية في قطر. ورشحت من مصر كذلك الشاعر والمسرحي الكبير عبد الرحمن الشرقاوي، والكاتب المسرحي الكبير نعمان عاشور، والكاتب الكبير فاروق خورشيد.


ثلاثة أسماء كبيرة، وثلاثة من كبار الثقافة المصرية، وثلاثة رجال كنت أراهم جزءًا من المشهد الثقافي العربي الذي أردنا أن تجمعه الكويت في تلك الندوة.


لكن الطريق إلى الكويت لم يكن سهلًا. عندما ذهبوا إلى السفارة الكويتية للحصول على التأشيرات، كان الملحق الإعلامي في السفارة رجلًا لم يكن يعرف قيمة هؤلاء المثقفين، وطلب منهم أن تأتيه إشارة رسمية من الكويت. لكن الإشارة لم تصل.


فأرسل إلينا الأستاذ عبد الرحمن الشرقاوي تلغرافًا، وكان ذلك التلغراف من أطول التلغرافات التي قرأتها في حياتي. كان يقارب خمسمائة كلمة، لكنه لم يكن مجرد تلغراف إداري؛ كان قطعة أدبية عظيمة، وكأن عبد الرحمن الشرقاوي لم يستطع حتى في البرقية أن يتخلى عن الكاتب والشاعر الذي يسكن داخله.


ذهبت إلى أستاذنا الكبير خليفة الوقيان، وحكيت له ما حدث، فقال لي ببساطة: «اتصرف».


كانت كلمة واحدة، لكنها بالنسبة إلى موظف صغير مثلي كانت تعني أن المسؤولية أصبحت فوق كتفي. فكرت: كيف أتحدث مع وزير الخارجية وأنا موظف صغير؟ وكان وزير الخارجية في ذلك الوقت الشيخ صباح الأحمد. ففكرت في أن يتحدث زميلنا الأستاذ علي الموسوي، الكاتب والباحث العراقي، مع المسؤولين في وزارة الخارجية. اتصل زميلنا  علي الموسوي، وتحرك الأمر، وحُلّت المشكلة.


وهكذا أصبح الطريق مفتوحًا أمام الضيوف.


وجاء إلى الكويت ثلاثة من كبار المثقفين: عبد الرحمن الشرقاوي، ونعمان عاشور، وفاروق خورشيد.


وأبلغونا أنهم سيصلون بالطائرة في الساعة الحادية عشرة مساءً بتوقيت الكويت. وهنا ظهر عبد العزيز السريع  وقال لي: «من سيذهب لإحضار هؤلاء القامات الكبيرة؟» قلت له: «المفروض أن يذهب موظف كبير من المجلس». فقال: «ما حدش هيروح، اذهب أنت». قلت له: «أنا موظف صغير يا أستاذ عبد العزيز، اذهب أنت». فقال: «لا، لا، أنا لا أذهب. اذهب أنت».


وهكذا وجدت نفسي، أنا الموظف الصغير، مكلفًا باستقبال ثلاثة من كبار أعلام الثقافة المصرية.


بحثت عن السائقين، فوجدت عامر. وكان عامر يعمل في الضيافة في الديوان الأميري، ونحن كنا تابعين للديوان الأميري؛ فقد كان مقر المجلس الوطني في الديوان الأميري، وكان رئيسنا الأستاذ عبد العزيز حسين وزير دولة وفي الديوان الأميري.


كان عامر عراقي الأصل، من دون جنسية كويتية، عيناه ملونتان، مهذبًا جدًا، لطيفًا جدًا، لطيفًا في الحوار والحوار، وكان يمازحني أحيانًا في المكتب. وكان يعمل مع عبد الرحمن، مدير الضيافة الكويتي، وكان يعرف أسرار ضيوف مصر والعرب الذين كانوا يأتون إلى الديوان الأميري. وأقولها الآن ضاحكًا: لو كتب عبد الرحمن مذكراته عن هؤلاء الضيوف، لفضح الدنيا وقلب العالم!


ذهبت مع عامر إلى المطار. وصلنا في الساعة الحادية عشرة مساءً. وقف عامر عند باب المطار وقال لي: «تفضل أنت يا استاذ هات الضيوف، وأنا منتظرك بالسيارة». قلت له: «تعال معي». فدخل معي، وكان يرتدي البشت والغترة والعقال، ذلك الزي الكويتي الفاخر الذي لا أعرف حتى الآن من أين حصل عليه، ولا كيف استطاع هذا الشاب أن يرتدي مثل هذا الزي الغالي.


دخلنا المطار واستقبلنا الأساتذة الثلاثة. رحب بهم عامر بحفاوة: «هلا والله، هلا بالأساتذة!» قلت له: «هؤلاء أساتذة كبار». ثم رحب بهم: «تفضلوا، تفضلوا». أما أنا فسلمت عليهم وقلت: «أنا السيد حافظ، أهلاً وسهلاً بكم». كان سلامهم عليّ عابرًا وفاترًا، بينما كانت حفاوتهم بعامر شديدة، فقد رأوا رجلًا يرتدي البشت والغترة والعقال، فظنوا، على ما يبدو، أنه أحد كبار رجال الضيافة أو العلاقات العامة.


لم يكن هذا مهمًا بالنسبة لي في تلك اللحظة. المهم أنهم وصلوا.


ركبنا السيارة وانطلقنا من المطار، وبعد قليل أوقفتنا لجنة من الشرطة. طلب الضابط الهوية، فأخرج عامر هويته. وكانت السيارة تابعة لضيافة الديوان الأميري، ومكتوبًا عليها ذلك، ومع ذلك أصر الضابط على إيقاف السيارة وتفتيشها. قلت له: «هؤلاء ضيوف ندوة التراث والمسرح العربي». ثم التفت إليّ وقال: «وأنت؟ هويتك؟»


مددت يدي إلى جيبي، فلم أجد الهوية. بحثت مرة أخرى، لا شيء. تذكرت أنني تركت الهوية والرخصة في سيارتي في فندق الهوليداي إن. قلت للضابط: «نسيت هويتي في الفندق». فقال: «أنت اللي تنزل».


فنزلت، وقلت لعامر: «خذ مفتاح سيارتي. ستجد في السيارة صندوقًا بجوار السائق، ستجد فيه هويتي والرخصة». ضحك عامر، وأخذ المفتاح، وأخذ الضيوف وانطلق بهم إلى الفندق.


أما أنا فبقيت هناك، وركبت سيارة الشرطة، وأصبحت في تلك اللحظة، أنا الموظف الذي ذهب لاستقبال ثلاثة من كبار المثقفين، وكأنني واحد من المجرمين أو المشبوه فيهم في الكويت. كانت ليلة غريبة، نصف ساعة مرت عليّ كأنها سنوات.


ذهب عامر وأحضر الهوية والرخصة من سيارتى ، وبعدها تركني الضابط. ركبت مع عامر وعدنا إلى الفندق، وضحكنا ونحن في الطريق. قلت له: «رحبت بالضيوف؟» فقال: «جدًا، والله كانوا مبسوطين». قلت: «طبيعي، أهل مصر يحبون مصر».


وصلنا إلى الفندق، ومضت الأيام، لكنني لم أكن مجرد الشخص الذي استقبل الضيوف أو تابع وصولهم. فقد كنت مدير الندوات طوال الأيام الأربعة، وكنت اجلس على المنصة وأدير جلسات الندوة، وأقدم المشاركين، وأنظم حركة الكلام بين كبار المثقفين والنقاد والمسرحيين.


وفي تلك الأيام رتبت أيضًا للوفد المصري لقاءً مهمًا مع الأستاذ محمد السنعوسي، أبو طارق، الذي كان في ذلك الوقت مديرًا للتلفزيون ووكيلًا لوزارة الإعلام. ذهبت إليه وقلت له إن هؤلاء ليسوا ضيوفًا عاديين، وإنما «قامات مصرية عظيمة»، وأن من واجبنا أن نحتفي بهم ونستمع إليهم.


وكان رد محمد السنعوسي كريمًا، فقال لي إنه سيزورهم في الفندق ويلتقي بهم هناك وبالفعل جاء وقدمتهم له.


وأذكر أنني، خلال الأيام الأربعة، كنت أتعامل مع هؤلاء الكبار باحترام شديد. كنت أراهم قامات ثقافية مصرية كبيرة، ولذلك كنت أحيانًا أترك لهم مساحة واسعة جدًا في الحديث، ولا ألتزم معهم بالوقت المحدد التزامًا صارمًا؛ احترامًا لمكانتهم وقيمتهم وتجربتهم.


وقد أثار ذلك الأمر انتقاد أحد النقاد والصحفيين، وليد أبو بكر، الذي كتب مقالًا هاجمني فيه، وقال عني، فيما أتذكر: «هذا السيد الذي يتحكم في وقت الكلام من فوق المنصة».


ابتسمت وقتها؛ لأن الرجل كان يرى الصورة من الخارج. كان يرى موظفًا يقف فوق المنصة ويدير الكلام، ولم يكن يرى كل ما سبق تلك اللحظة: الملفات، والمراسلات، والتأشيرات، واستقبال الضيوف، وترتيب اللقاءات، والاتصالات، والمعارك الصغيرة التي خضتها حتى تصل الندوة إلى لحظة أن يجلس هؤلاء الكبار ويتحدثوا.


ولعل هذا الموقف نفسه يؤكد شيئًا مهمًا: كنت موجودًا فوق المنصة، أتحمل مسؤولية إدارة الندوات اديرها ١٢ ندوة ، وأحاول أن أعطي كل صاحب تجربة حقه في الكلام، حتى لو أدى ذلك إلى أن يكتب ناقد أو صحفي مقالًا ضدي.


لم أكن أبحث عن السيطرة على المنصة، بل كنت أبحث عن أن أترك للثقافة المصرية والعربية مساحتها كاملة.


ثم بدأت معركة أخرى. اختلفت مع عبد العزيز اللسريع حول صرف 150 دينارًا لكل ضيف كمصروف جيب. قال: «لا، لا يأخذونها، لأنهم ليسوا محاضرين او معقبين». قلت له: «كل ضيف يأخذ 150 دينارًا». مصروف  جيب فذهبت إلى الدكتور خليفة الوقيان وشرحت له الأمر. وافق وقال: «خلاص، سنصرف». ثم قال لعبد العزيز السريع : «اصرف الفلوس». وبالفعل صُرفت الأموال.


عاد الأهرامات الثلاثة من الكويت إلى مصر.خورشيد  الشرقاوي وعاشور


وفوجئت بعد ذلك بمجلة «المصور» تنشر صفحتين عن الندوة، وعمودًا كبيرًا يتحدث عن الاستقبال في الكويت، ويكتب  مدحا عن «الوجه الكويتي عامر، مدير العلاقات العامة».


عامر!


عامر الذي كان سائقًا في الضيافة، والذي ذهب معي إلى المطار، وقاد السيارة، وأخرج هويتي ورخصتي من سيارتي، أصبح فجأة في الصحافة «مدير العلاقات العامة».


ولم يذكروا اسمي.


ولا حرفًا واحدًا.


وفعل الأستاذ نعمان عاشور شيئًا قريبًا من ذلك في أخبار جريدة «الأخبار»، في العمود الذي كان يكتبه اشاد بعامر وجه الكويت ، وفعل أستاذنا الكبير عبد الرحمن الشرقاوي شيئًا مشابهًا في مقال له فى الأهرام امتدح فيه الكويت والاستقبال والحفاوة بالضيوف، وأشار إلى عامر باعتباره وجهًا كويتيًا أو مسؤولًا في العلاقات العامة.


أما أنا؟


أنا الذي كافحت من أجل حضورهم، وتابعت الأسماء، وتابعت مشكلة التأشيرات، وحملت ملف الندوة، وذهبت إلى خليفة الوقيان، وذهبت إلى المطار في منتصف الليل، ورتبت لقاءهم مع محمد السنعوسي، وأدرت الندوات أربعة أيام فوق المنصة، وكنت أترك لهم مساحة واسعة للكلام احترامًا لمكانتهم، وكافحت من أجل صرف الـ150 دينارًا لكل واحد منهم.بوكت منى


لم يذكرني أحد.


حزنت.


ولم يكن حزني لأنهم لم يشكروني، فأنا لا أطلب شكرًا. كنت فقط أتساءل: هل تموت الحقيقة بهذه السهولة؟ هل يمكن أن يختفي الإنسان من الحكاية لمجرد أنه لم يكن يرتدي بشتًا وغترة وعقالًا؟


والألم كان أكبر حين رأيت بعض المسؤولين الكويتيين الذين كانوا يعرفون الحقيقة يقرأون ما نشر عن عامر ويضحكون. كانوا يعرفون أن عامر سائق يعمل في الضيافة، وأنه من «البدون» وأصله عراقي، ويعرفون أيضًا أنني أنا الذي كنت وراء الندوة وترتيب الضيوف ومتابعة كل تفاصيلها.


كانوا يقرأون المدح المنشور في الصحف عن عامر، ويضحكون.


أما أنا فكنت أشعر بالألم.


كنت أنظر إليهم وهم يضحكون، وأقول في داخلي: ما الذي يضحك؟


هل المضحك أن الحقيقة انقلبت إلى كذبة؟


أم أن المضحك أن الرجل الذي قاد السيارة أصبح «مدير العلاقات العامة»، بينما الرجل الذي أعد الندوة وأدارها أربعة أيام لم يجد اسمه سطرًا واحدًا؟


لم يكن عامر هو المشكلة، وأؤكد ذلك.


كان رجلًا طيبًا، ولم يكن مسؤولًا عن الصحافة، ولم يطلب أن يُكتب عنه ما كُتب. بل كان سعيدًا بالمدح، ومن حقه أن يفرح. وأنا نفسي كنت أضحك معه وأقول له: «شوف كاتبين عنك إيه يا عامر!»


لكن خلف ضحكتي كان هناك ألم لا يراه أحد.


كنت أشعر أنني أشاهد أمام عينيّ عملية صغيرة من عمليات محو الإنسان.


محو صاحب الفعل، والإبقاء على صاحب الصورة.


وهنا أدركت شيئًا موجعًا: أحيانًا لا يحتاج الإنسان إلى أن يكون صاحب الفعل، يكفي أن يكون صاحب الصورة.


أما الذين صنعوا الحدث من خلف الستار، فقد يختفون تمامًا.


قلت لعامر وأنا أضحك: «مصر تدعوك!»


وكان يضحك.


وأنا أيضًا كنت أضحك.


لكنها كانت ضحكة مرة.


فهذا الشاب المسكين لم يكن مسؤولًا عن شيء. لم يكن هو الذي كتب المقالات، ولم يطلب أن يكون مديرًا للعلاقات العامة، ولم يسرق اسمي. إنه فقط كان يرتدي البشت.


وهنا أدركت شيئًا موجعًا: أحيانًا لا يحتاج الإنسان إلى أن يكون صاحب الفعل، يكفي أن يكون صاحب الصورة.


أما الذين صنعوا الحدث من خلف الستار، فقد يختفون تمامًا.


قلت لعامر وأنا أضحك: «مصر تدعوك!»


لكنني في داخلي كنت أقول شيئًا آخر.


مصر التي أحبها هؤلاء جميعًا، ومصر التي أحبها أنا، كثيرًا ما تفعل هذا بأبنائها؛ تحتفي بالوجه الظاهر، وتنسى اليد التي صنعت، وتتذكر الصورة، وتنسى صاحب الفعل، ثم تنسى الاثنين معًا بعد سنوات.


ولعل أوجع ما في هذه الحكاية أنني لم أكن أبحث عن تكريم، ولا عن وسام، ولا حتى عن كلمة شكر. كنت أبحث فقط عن الحقيقة، أن يُقال إن موظفًا صغيرًا في المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، اسمه السيد حافظ، كان هناك؛ كان يحمل الملفات، ويكتب الدعوات، ويتابع التأشيرات، ويرشح الأسماء، ويتابع وصول الضيوف، ويرتب لقاءاتهم، ويدير الندوات أربعة أيام من فوق المنصة، ويعطي كبار المثقفين مساحة للكلام احترامًا لهم، ويواجه أعضاء اللجنة، ويذهب إلى المطار في الحادية عشرة مساءً، ويقف أمام الشرطة، ويقاتل من أجل مكافآت الضيوف، ويحاول أن يجعل الندوة تنجح.


ثم اختفى اسمه من الصورة.


وبقي عامر.


ولا، لم يكن عامر هو المشكلة.


المشكلة كانت في الذاكرة.


فالذاكرة الثقافية العربية كثيرًا ما تكون ذاكرة مثقوبة؛ يتسرب منها أصحاب الأفعال، ويبقى أصحاب الصور.


وهكذا تعلمت درسًا لن أنساه: في الثقافة، كما في الحياة، ليس دائمًا من صنع الحدث هو من يكتب التاريخ.


ليس المقصود أن كل الناس خائنون.


بل إن أخطر الخيانة أحيانًا هي خيانة الذاكرة؛ أن تُمحى يد صنعت شيئًا، وتُكتب مكانها يد لم تصنع شيئًا، وأن يصبح السائق مديرًا للعلاقات العامة، ويصبح الموظف الذي صنع الندوة مجرد رجل لم يكن موجودًا.


تلك هي الذاكرة المثقوبة.


وتلك هي حكايتي مع الفرسان الثلاثة: عبد الرحمن الشرقاوي، ونعمان عاشور، وفاروق خورشيد.


ثلاثة من كبار الثقافة المصرية جاءوا إلى الكويت في عام 1984.


وأنا كنت هناك.


كنت هناك في الملفات، وفي المطار، وفي الفندق، وفي مواجهة المسؤولين، وفي ترتيب اللقاءات، وفي إدارة المنصة، وفي الأيام الأربعة التي عاشتها الندوة.


وهذه المرة، لن أسمح للذاكرة أن تثقب الحكاية


تمت


السيد حافظ


رأى الذكاء الاصطناعي جروك 

تحليل أعمق للنص:

1. الفكرة المركزية: خيانة الذاكرة لا خيانة الأشخاص

العنوان نفسه («الفرسان الثلاثة والذاكرة المثقوبة») يكشف جوهر النص. الكاتب لا يتهم الشرقاوي أو عاشور أو خورشيد بالخيانة الشخصية، بل يتهم آلية أعمق وأخطر: الذاكرة الثقافية الانتقائية.

الذاكرة هنا ليست مجرد نسيان، بل عملية محو ممنهجة. تُمحى «اليد التي صنعت» وتُستبدل بـ«الوجه الذي ظهر». عامر لم يسرق شيئًا، والكتاب المصريون لم يكذبوا عمدًا، لكن النظام الرمزي للثقافة العربية فضّل الصورة الجاهزة (البشت والغترة) على الفعل الحقيقي. هذا يجعل النص أقرب إلى نقد سوسيولوجي للذاكرة الجماعية منه إلى شكوى شخصية.

2. الرمز الأقوى: البشت

البشت ليس تفصيلة طريفة، بل محور دلالي.

عامر يرتديه فيصبح «مدير علاقات عامة».


الكاتب لا يرتديه فيختفي.


البشت هنا رمز للسلطة الرمزية، للهوية المرئية، للـ«وجه» الذي تحتاجه المؤسسات والصحافة. الكاتب يدرك أن الثقافة العربية كثيرًا ما تتعامل مع المظهر كدليل على المكانة، بينما العمل الفعلي يبقى في الظل. هذه ملاحظة حادة ومريرة في آن.


3. التوتر بين الاعتراف والنكران


النص يعاني من تناقض داخلي مثير للاهتمام:

الكاتب يكرر أنه «لم يكن يبحث عن شكر»، ثم يخصص صفحات ليعدد كل ما فعله ويحزن بشدة على تجاهله. هذا التناقض ليس ضعفًا بالضرورة، بل يكشف صراعًا نفسيًا حقيقيًا بين الكرامة التي ترفض التسول والرغبة الإنسانية العميقة في أن يُرى الجهد.

الحزن هنا ليس على المكافأة، بل على محو الوجود. كأن الإنسان يقول: «كنتُ هناك، ووجودي له معنى، فلماذا تُمحى؟».

4. السخرية المرة كأسلوب

أقوى لحظات النص هي اللحظات الساخرة:

عامر يضحك كالأطفال وهو يقرأ أنه «مدير علاقات عامة».

الكاتب يقول له: «مصر تدعوك!» وهو يبتسم ضحكة مرة.

الشرطة توقف «الموظف الصغير» بينما الضيوف الكبار يذهبون مع السائق.

هذه السخرية ترفع النص فوق مستوى الشكوى، وتحوله إلى شهادة مريرة على عبثية الترتيب الاجتماعي والثقافي.

5. البنية والإيقاع

النص يبني تصاعدًا دراميًا جيدًا:

من الملفات والاجتماعات → إلى أزمة التأشيرات → إلى الاستقبال الليلي → إلى الإيقاف الأمني → إلى إدارة الندوة → إلى الصدمة الإعلامية.

لكنه يعاني من إفراط في التكرار. تعداد ما فعله الكاتب يتكرر بصيغ مختلفة عدة مرات، مما يضعف القوة الدرامية في الجزء الأخير. لو اختُصر هذا التكرار، لأصبح الإيقاع أشد وأوجع.

6. البعد الثقافي والتاريخي

النص وثيقة نادرة عن المناخ الثقافي الكويتي في الثمانينيات (عصر خليفة الوقيان وأحمد العدواني وعبد العزيز حسين). يكشف عن:

هشاشة المؤسسات الثقافية حتى في أزهى عصورها.

العلاقة المعقدة بين المثقف المصري والمؤسسة الخليجية.

كيف يمكن للبيروقراطية الصغيرة (تأشيرة، مصروف جيب، سائق) أن تكشف تراتبية السلطة الرمزية.

الخلاصة العميقة

هذا النص ليس مجرد مذكرات شخصية. هو شهادة على كيف تُكتب الذاكرة الثقافية العربية: بمن يُرى، لا بمن يفعل.

قوته الحقيقية في أنه يحول تجربة فردية مؤلمة إلى سؤال عام:

هل الذاكرة الثقافية العربية مثقوبة بطبيعتها، أم أننا نحن من نثقبها حين نفضل الصورة على الفعل؟

لو نُقّح النص من التكرار الزائد، ومن بعض التبريرات المتكررة، لأصبح من أقوى النصوص التي كُتبت عن «محو الفاعل» في الثقافة العربية المعاصرة.

هذا النص شهادة استثنائية تمزج بين التاريخ الثقافي والبوح الإنساني، وتستمد قوتها الحقيقية من كشف المسافة الفاصلة بين «صانع الفعل» و«صاحب الصورة».

مكامن القوة وأبعاد النص الأدبية والفكرية

البعد النظري والفكري (مفهوم الذاكرة المثقوبة):

الإنتقال بالحكاية الشخصية من مجرد عتاب إلى نقد سوسيولوجي وإنساني للذاكرة الثقافية العربية هو ألمع ما في المقال. النص لا يتوقف عند مرارة التجربة، بل يستحضر السؤال الأعمق حول كيفية صياغة التاريخ الثقافي: هل يُكتب التاريخ بجهد من عملوا في الكواليس أم بانطباعات من تصدروا الشاشات وصفحات الجرائد؟

الرمزية المكثفة (البشت والزي):

البشت في هذا النص يتحول من مجرد قطعة قماش إلى «رمز للسلطة الرمزية» والشرعية الممنوحة للمظهر على حساب الجوهر. المشهد الذي يرى فيه الفرسان الثلاثة (الشرقاوي، عاشور، وخورشيد) السائق عامر بزيّه الفاخر فيمنحونه كل الحفاوة، بينما يمر سلامهم على «الموظف الصغير» مروراً عابراً، هو مشهد ذو درامية عالية يختصر واقعاً ثقافياً كاملاً ببراعة شديدة.

المفارقة والسخرية السوداء:

تتجلى السخرية المرة في مشهد احتجاز الموظف الصغير الذي أعد الندوة ويسعى لإنجاحها في سيارة الشرطة لعدم حمل الهوية، بينما ينطلق السائق بالضيوف الكبار إلى الفندق. كذلك جملة «مصر تدعوك!» تحمل كثافة من الضحك المرير الذي يرفع المقال فوق مستوى الشكوى المباشرة إلى مستوى الشهادة الإنسانية الرفيعة.

التوثيق التاريخي للعصر الذهبي:

النص وثيقة ثنائية القيمة؛ فهو يوثق للمناخ الثقافي الكويتي في الثمانينيات (عبد العزيز حسين، خليفة الوقيان، أحمد العدواني)، وفي الوقت نفسه يكشف كواليس وصعوبات الإدارة الثقافية التي يقف خلفها جنود مجهولون يحملون الملفات ويثبتون الأقدام فوق المنصات.

ملاحظات نقدية وشكلية للتطوير

التكرار التلقائي في الفقرات الأولى:

وردت الفقرة التي تبدأ بـ: (أما أنا فكنت موظفًا صغيرًا جدًا؛ أعمل في الأرشيف...) مكررة بالحرف مرتين متتاليتين في بداية المقال. حذف إحدى الفقرتين سيعيد للنص تدفقه الطبيعي.

تكرار الفكرة في الجزء الأخير:

في الثلث الأخير من المقال، تتكرر عبارة (أحياناً لا يحتاج الإنسان إلى أن يكون صاحب الفعل...) وتكرار الحوار مع عامر بنفس الصياغة مرتين متتاليتين. معالجة هذا التكرار الشكلي ستجعل الإيقاع أسرع وأكثر تأثيراً على القارئ.

تنسيق الخاتمة ورد الذكاء الاصطناعي:

يُفضل فصل نص المقال الأصلي بفاصل بصري واضح عن قراءة الذكاء الاصطناعي (جروك) المرفقة في النهاية، حتى لا يختلط صوت الكاتب بسرد التحليل النقدي.

هذا المقال ليس مجرد استعادة لذكريات عام 1984، بل هو انتصار للحق في التوثيق؛ فنصٌّ يرفض أن تُثقب ذاكرته هو بالأساس فعل مقاومة لمحو الفاعل حمايةً للتاريخ الأدبي والإنساني.

أعمق

إذا أردنا أن نغوص إلى الطبقة الأعمق والأكثر تركيبًا في هذا النص، بعيدًا عن السطح السردي وسوء الفهم الصحفي مع «عامر»، فإننا نجد أنفسنا أمام نصّ يُشرّح عقدة الإدارة الثقافية العربية والاشتباك المعقد بين «المركز والمحيط»، و«المؤلف والموظف»، و«المسرح والحياة».

إليك تفكيك الأبعاد العميقة للنص:

1. صراع الهويات: "المؤلف" المقتول في جلباب "الموظف"

العمق التراجيدي الحقيقي في تجربة السيد حافظ عام 1984 يتلخص في ازدواجية الذات:

الذات الأولى (المؤلف/المبدع): كاتب مسرحي وروائي يحمل رؤية تجريبية، يعرف عبد الكريم برشيد وعز الدين المدني، ويقرأ الخريطة المسرحية العربية عن شغف وفهم عميق.

الذات الثانية (الموظف الصغير): العقل المنفّذ، من يحمل الملفات، ويدير 12 ندوة، ويكافح لإستخراج التأشيرات، ويقاتل من أجل مصروف الجيب (150 دينارًا).

المرارة النازفة في النص لا تنبع من أن الصحافة نسيته فحسب، بل من أن المؤسسة الثقافية والضيوف يتعاملون مع "المؤلف" بوصفه مجرد "سكرتير". الشرقاوي وعاشور وخورشيد لم يروا فيه الأديب الموازي لهم، بل رأوا "الموظف الإداري" الذي يسهل إغفاله. لقد سُرقت منه صفته الإبداعية لصالح وظيفته التنفيذية.

2. تفكيك "البشت": ثنائية الرمز والشيء

البشت في النص ليس مجرد لباس فاخر، بل هو أداة تعرية لسيكولوجية المثقف العربي:

الضيوف المصريون (القامات الكبيرة) وقعوا سريعيًا في فخ "الرمز البصري". وبمجرد رؤية البشت والغترة على عامر، منحوه الهيبة والتقدير والاحتفاء، بينما كان الصانع الحقيقي للحظة مجردًا من هذه الرموز.

هذا يُبرز حقيقة نقدية قاسية: المثقف العربي -الذي ينادي بالجوهر والعمق- قد يسقط أحيانًا في السطحية البصرية الصارخة، ويستسلم لتراتبية السلطة والمظهر بنفس السهولة التي يستسلم بها الرجل العادي.

3. ثنائية المركز والمحيط (مصر والكويت)

يعكس النص لحظة تاريخية مفصلية في الثمانينيات:

الكويت: المحيط الصاعد بثراء اقتصادي ورغبة صادقة في بناء مشهد ثقافي عربي فارق (المجلس الوطني، عالم المعرفة، مجلة العربي)، وقيادات مستنيرة (الوقيان، العدواني، عبد العزيز حسين).

مصر: المركز الثقافي التاريخي المتمثل في "الأهرامات الثلاثة" (الشرقاوي، عاشور، خورشيد)، المحمل بالثقل الأدبي والرمزية.

المأساة هنا تكمن في أن المركز (الضيوف) جاء ومعه أدوات التغطية الصحفية والإعلامية (المصور، الأخبار، الأهرام)، لكنه نقل الصورة إلى جمهوره عبر نظارة إدارية/سطحية؛ منح المؤسسة والمظهر (عامر/الديوان الأميري) التقدير، وتجاهل "الجسر" الحقيقي الذي ربط المركز بالمحيط.

4. عبثية المشهد: المسرح داخل المسرح

باعتبار الكاتب مسرحيًا في المقام الأول، جاء المقال مصوغًا كـ مسرحية من مسرح العبث:

البطل: يُحتجز في سيارة الشرطة ليلاً لأنه نسي هويته وهو يسعى لخدمة الندوة.

السائق: يرتدي بشتًا لا يُعرف مصدره، ليتحول بقدرة قادر إلى "مدير العلاقات العامة".

الكوميديا السوداء: المسرحية الحقيقية لم تكن فوق منصة الندوة ذات الـ 12 جلسة، بل كانت في سيارة الخدمة، وفي المطار، وفي أروقة الفندق، وفي الصحافة التي أعادت تشكيل الواقع على هواها.


5. خيانة الذاكرة أم "صناعة الأسطورة"؟

النص يلمس مفهومًا فلسفيًا حول طبيعة التأريخ الثقافي:


التاريخ الأدبي لا يُكتب بناءً على ما حدث بالفعل، بل بناءً على ما كُتب في الصحف.


بمجرد نشر الصفحتين في «المصور» وعمود «الأخبار»، أصبحت "الكذبة" هي الحقيقة التاريخية الموثقة، وأصبح الواقع الفعلي مجرد هامش محكوم عليه بالمحو.

من هنا، يصبح هذا المقال بحد ذاته فعل مقاومة تاريخي؛ إنه المحاولة الأخيرة لمنع الذاكرة من أن "تُثقب"، واستعادة الحق الأدبي والإنساني لصانع الحدث لا لصاحب الصورة

 
Design by Free WordPress Themes | Bloggerized by Lasantha - Premium Blogger Themes | cheap international voip calls ta3rib : Abed