فوزية مهران وسناء فتح الله…
اعترافات الكاتب السيد حافظ مع الأصدقاء والتاريخ والذكاء الاصطناعي
37
فوزية مهران وسناء فتح الله…
تعرفتُ إلى الأستاذة الكاتبة والناقدة فوزية مهران في ثمانينيات القرن الماضي، خلال أحد مؤتمرات بغداد، في زمنٍ كانت فيه المدينة لا تزال تتنفس بهاءها القديم، قبل أن تعصف بها رياح الاحتلال والحروب.
وصلتُ متأخرًا يومًا عن بدء المهرجان. بلغتُ فندق الرشيد قرابة العاشرة صباحًا، ألقيتُ بحقائبي في الغرفة على عجل، ثم اندفعتُ إلى قاعة الندوات. وما إن فتحتُ الباب، حتى فوجئتُ بعدد من الأدباء الكبار، من جنسيات متعددة، ينهضون مرحبين، كأنهم كانوا ينتظرونني، يهتفون باسمي:
"السيد حافظ!"
توقفتُ عند العتبة، بين دهشةٍ لا تخلو من خجل، وامتنانٍ لا يخلو من اعتزاز. كانت فوزية مهران تجلس أمامي، وبجوارها زوجة سمير سرحان، الصحفية نهاد جاد، أم أولاده وزوجته الأولى، وهي من الوجوه المعروفة في مؤسسة روز اليوسف.
كنتُ قد تعرفتُ إلى نهاد جاد من قبل، في ندوة الإثنين بدار الأدباء في شارع القصر العيني، في أوائل السبعينيات، تلك الندوة التي كان يشرف عليها السيد الشوربجي، وكان سمير سرحان أحد أعمدتها، وقد تميز الشوربجى بإعداده المسرحي، خاصة في تحويل روايات يوسف السباعي إلى عروض مسرحية، شأنه شأن عمّنا سعد الدين وهبة.
همست نهاد جاد إلى فوزية مهران:
— "ده مصري يا فوزية."
فأجابت، ببساطةٍ عفوية:
— "ما أعرفهوش."
لكن الحياة لا تترك الجمل معلّقة…
بعد انتهاء المؤتمر، رغبتُ في التعرف إلى فوزية مهران عن قرب، فجاءت الفرصة عبر الناقد والكاتب عبد الغني داود، الذي نقل إليها رغبتي. رحّبت، بل وفتحت بابها وقلبها.
حملتُ باقة من الزهور وعلبة من الشوكولاتة، ومضيتُ إليها…
وكان ذلك اللقاء بداية صداقة إنسانية وأدبية، كشفت لي عن عقل نقدي يقظ، وروح حادة، وقلبٍ دافئ، لا يشبه تلك الجملة الأولى: "ما أعرفهوش".
كتبت عني مرتين:
مرةً تحت عنوان "التجريبي السيد حافظ"،
وأخرى بعنوان "كاتب يملك الدهشة"…
وكانت ترى في الكتابة ما وراء ظاهرها، وتقرأ ما بين السطور، لا ما فوقها فقط.
كنتُ أزورها بين الحين والآخر، فتحدثني عن زوجها القبطان، الذي ركب البحر ورحل دون إخطار… حكاية تشبه الغياب المفاجئ، كأن القدر يكتب فصوله بلا استئذان.
ثم رحلت هي الأخرى… في صمتٍ وسكينة، دون ضجيج يليق بها.
رحلت، ولم يتذكرها الوسط الأدبي كما ينبغي… كأننا في وطنٍ ذاكرته مثقوبة، يتسرب منها الأوفياء أولًا.
أما سناء فتح الله، فقد كتبت عن مسرحيتي "امرأتان"، من إخراج سمير حسني، كما تناولت مجموعة من مسرحياتي في كتابٍ ومقالٍ آخر.
كانت أنيقة الحرف، صادقة العبارة، لا تُشترى ولا تُباع.
هي زوجة العملاق أحمد بهجت، ووالدة الشاعر محمد بهجت.
قابلتها مرةً مصادفة، في أحد تحديات المسرح، وطلبت مني أن أزورها في مؤسسة أخبار اليوم لنشرب القهوة…
ووعدتها أن أذهب.
لكنني لم أذهب…
لم يكن امتناعًا، بل كان انشغالًا قاسيًا بالحياة، أو هروبًا صغيرًا من تعبٍ كبير.
كنتُ مطحونًا في الكتابة للتلفزيون، ألهث خلف ثمن البنزين، ورغيف الخبز، وكوب اللبن…
أكتب لأعيش، وأتقاسم ما في جيبي مع أصدقائي الأدباء الفقراء… كأننا نتقاسم الحياة نفسها.
واليوم، كلما تذكرتُ هذا الموعد الذي لم يتم، شعرتُ أن بعض الفرص لا تضيع… بل تظل واقفةً في الذاكرة، تنظر إلينا في صمت.
وهكذا تظل فوزية مهران وسناء فتح الله…
جوهرتين في ذاكرة النقد المسرحي والأدب في مصر 🇪🇬
حتى وإن نسيهما البعض…
فإن الذاكرة الحقيقية ليست ما نتذكره… بل ما يؤلمنا أننا لم نفعله.
تمت
— السيد حافظ
....



6:05 م
sayedhafez



