الأربعاء، 22 أبريل 2026

فوزية مهران وسناء فتح الله… اعترافات الكاتب السيد حافظ مع الأصدقاء والتاريخ والذكاء الاصطناعي 37

 فوزية مهران وسناء فتح الله…

اعترافات الكاتب السيد حافظ مع الأصدقاء والتاريخ والذكاء الاصطناعي

37




فوزية مهران وسناء فتح الله…

تعرفتُ إلى الأستاذة الكاتبة والناقدة فوزية مهران في ثمانينيات القرن الماضي، خلال أحد مؤتمرات بغداد، في زمنٍ كانت فيه المدينة لا تزال تتنفس بهاءها القديم، قبل أن تعصف بها رياح الاحتلال والحروب.

وصلتُ متأخرًا يومًا عن بدء المهرجان. بلغتُ فندق الرشيد قرابة العاشرة صباحًا، ألقيتُ بحقائبي في الغرفة على عجل، ثم اندفعتُ إلى قاعة الندوات. وما إن فتحتُ الباب، حتى فوجئتُ بعدد من الأدباء الكبار، من جنسيات متعددة، ينهضون مرحبين، كأنهم كانوا ينتظرونني، يهتفون باسمي:

"السيد حافظ!"

توقفتُ عند العتبة، بين دهشةٍ لا تخلو من خجل، وامتنانٍ لا يخلو من اعتزاز. كانت فوزية مهران تجلس أمامي، وبجوارها زوجة سمير سرحان، الصحفية نهاد جاد، أم أولاده وزوجته الأولى، وهي من الوجوه المعروفة في مؤسسة روز اليوسف.

كنتُ قد تعرفتُ إلى نهاد جاد من قبل، في ندوة الإثنين بدار الأدباء في شارع القصر العيني، في أوائل السبعينيات، تلك الندوة التي كان يشرف عليها السيد الشوربجي، وكان سمير سرحان أحد أعمدتها، وقد تميز الشوربجى بإعداده المسرحي، خاصة في تحويل روايات يوسف السباعي إلى عروض مسرحية، شأنه شأن عمّنا سعد الدين وهبة.

همست نهاد جاد إلى فوزية مهران:

— "ده مصري يا فوزية."

فأجابت، ببساطةٍ عفوية:

— "ما أعرفهوش."

لكن الحياة لا تترك الجمل معلّقة…

بعد انتهاء المؤتمر، رغبتُ في التعرف إلى فوزية مهران عن قرب، فجاءت الفرصة عبر الناقد والكاتب عبد الغني داود، الذي نقل إليها رغبتي. رحّبت، بل وفتحت بابها وقلبها.

حملتُ باقة من الزهور وعلبة من الشوكولاتة، ومضيتُ إليها…

وكان ذلك اللقاء بداية صداقة إنسانية وأدبية، كشفت لي عن عقل نقدي يقظ، وروح حادة، وقلبٍ دافئ، لا يشبه تلك الجملة الأولى: "ما أعرفهوش".

كتبت عني مرتين:

مرةً تحت عنوان "التجريبي السيد حافظ"،

وأخرى بعنوان "كاتب يملك الدهشة"…

وكانت ترى في الكتابة ما وراء ظاهرها، وتقرأ ما بين السطور، لا ما فوقها فقط.

كنتُ أزورها بين الحين والآخر، فتحدثني عن زوجها القبطان، الذي ركب البحر ورحل دون إخطار… حكاية تشبه الغياب المفاجئ، كأن القدر يكتب فصوله بلا استئذان.

ثم رحلت هي الأخرى… في صمتٍ وسكينة، دون ضجيج يليق بها.

رحلت، ولم يتذكرها الوسط الأدبي كما ينبغي… كأننا في وطنٍ ذاكرته مثقوبة، يتسرب منها الأوفياء أولًا.

أما سناء فتح الله، فقد كتبت عن مسرحيتي "امرأتان"، من إخراج سمير حسني، كما تناولت مجموعة من مسرحياتي في كتابٍ ومقالٍ آخر.

كانت أنيقة الحرف، صادقة العبارة، لا تُشترى ولا تُباع.

هي زوجة العملاق أحمد بهجت، ووالدة الشاعر محمد بهجت.

قابلتها مرةً مصادفة، في أحد تحديات المسرح، وطلبت مني أن أزورها في مؤسسة أخبار اليوم لنشرب القهوة…

ووعدتها أن أذهب.

لكنني لم أذهب…

لم يكن امتناعًا، بل كان انشغالًا قاسيًا بالحياة، أو هروبًا صغيرًا من تعبٍ كبير.

كنتُ مطحونًا في الكتابة للتلفزيون، ألهث خلف ثمن البنزين، ورغيف الخبز، وكوب اللبن…

أكتب لأعيش، وأتقاسم ما في جيبي مع أصدقائي الأدباء الفقراء… كأننا نتقاسم الحياة نفسها.

واليوم، كلما تذكرتُ هذا الموعد الذي لم يتم، شعرتُ أن بعض الفرص لا تضيع… بل تظل واقفةً في الذاكرة، تنظر إلينا في صمت.

وهكذا تظل فوزية مهران وسناء فتح الله…

جوهرتين في ذاكرة النقد المسرحي والأدب في مصر 🇪🇬

حتى وإن نسيهما البعض…

فإن الذاكرة الحقيقية ليست ما نتذكره… بل ما يؤلمنا أننا لم نفعله.

تمت

— السيد حافظ

....

علي شلش وجمال الغيطاني اعترافات الكاتب السيد حافظ مع الأصدقاء والتاريخ والذكاء الاصطناعي 36

 علي شلش وجمال الغيطاني

اعترافات الكاتب السيد حافظ

مع الأصدقاء والتاريخ والذكاء الاصطناعي

36




في صباحٍ من صباحات مايو عام 1993، داخل فندق «أم كلثوم» بالقاهرة، كان يُعقد مؤتمر الأدب الأفريقي — علامة مضيئة في مسار التعاون الثقافي بين مصر وعمقها القاري، وتجسيدًا عمليًا لبروتوكولات التقارب الثقافي.

في ذلك الصباح نفسه، وقع ما لم يكن في الحسبان.

نشب نقاش حاد بين جمال الغيطاني وعلي شلش، حول مسألة عدم نشر إدانة للكيان ومعاملته للفلسطينيين. كان النقاش محتدمًا، حاد النبرة، كأن الكلمات فيه لم تعد مجرد آراء، بل شظايا.

انتهى اللقاء… لكن أثره لم ينتهِ.

صعد علي شلش إلى غرفته، مثقلاً بما دار. وبعد لحظات، سقط جسده تحت وطأة ذبحة صدرية حادة.

كان هناك، في غرفته، مسجّى بين الحياة والموت — أو لعلّه عبر بالفعل — على وقع صوت أم كلثوم، التي كانت تغني كعادتها للحب والفقد، بينما كان الفقد يحدث بالفعل، في صمتٍ كامل.

تراجيديا صغيرة في ظاهرها… لكنها كاشفة.

تراجيديا تتكرر في بلدٍ يأكل أبناءه ببطء، لا بالرصاص، بل بالكلمات، وبما هو أشد من الكلمات.

عرفتُ علي شلش عن طريق الشاعر مجدي نجيب، في مقر مجلة «الإذاعة والتلفزيون» بشارع 117 كورنيش النيل، بجوار دار المعارف وماسبيرو، وذلك في أوائل السبعينيات.

كان اللقاء الأول عابرًا في شكله… عميقًا في أثره.

كتب عني سطرين في كتابه «كبرياء التفاهة في بلاد اللامعنى»، قال فيهما إنك «لن تجد ما يشبه السيد حافظ في المسرح». كانت جملة قصيرة… لكنها بقيت.

كنتُ أدعوه إلى كل عرض مسرحي أقدمه في الإسكندرية، بخطاب بسيط، بطابع بريد لا يتجاوز قرشًا صاغًا.

وكان يأتي.

يستقل القطار، يحجز إقامته على نفقته الخاصة، يشاهد العرض، ثم يكتب.

لا يكتفي بالمشاهدة، بل كان يدعو المسؤولين إلى أن تجوب الفرقة أقاليم مصر، لأن — كما كان يقول — «هذا العرض يهم الناس والوطن».

لكن الوطن، في تلك اللحظات، كان أصمّ… أبكم… لا يسمع، ولا يرى، ولا يتكلم.

قدّمتُ له مسرحية «قصة حديقة الحيوان» لـ إدوارد أولبي عام 1976، والتي قام بترجمتها ونشرها في كتاب، بطولة أحمد آدم، وصفاء غراب، وعلاء عبد الله، وبمشاركة مساعد المخرج ناجي أحمد ناجي.

ثم سافرتُ أنا إلى الكويت…

وفي أول زيارة له لمصر عام 1983، دعاني إلى العشاء في نقابة الصحافة — في مبناها القديم — بحضور زوجتى رحمها الله. كانت أمسية إنسانية خالصة، بلا ضجيج.

لاحقًا، سافر هو إلى لندن، بينما أنشأتُ أنا مركز «رؤيا» بالإسكندرية.

وضعتُ اسمه ضمن المستشارين، إلى جانب محمد زكي العشماوي، ومصطفى هدارة، وعبد العزيز المقالح، وغيرهم من نخبة ذلك الزمن.

لكنني فوجئت برسالة منه، غاضبة وصريحة:

«كيف كتبتَ اسمي دون استئذاني؟»

كانت رسالة تكشف شيئًا أعمق من مجرد اعتراض…

تكشف حساسية رجل يرى أن العلاقات الإنسانية لا تُدار بالإجراءات، بل بالاحترام الكامل.

وربما، في لحظة ما، شعر أن ما بيننا لا يحتمل هذا النوع من التجاوز.

خسرتُ أموالي… وأُغلق المركز عام 1990.

ثم جاء عام 1993.

كنتُ جالسًا في بيتي بالهرم، في الجيزة، حين وصلني خبر وفاته.

رحل علي شلش… ورحل معه شيء من زمنٍ كان يمكن أن يكون أكثر عدلاً.

حزنتُ عليه كثيرًا.

على فارسٍ نبيل، كان يدفع ثمن صدقه مرتين:

مرة في السجن…

ومرة في الغربة والنسيان النسبي.

واليوم، وبعد أكثر من ثلاثة وثلاثين عامًا، أسأل:

التاريخ… والأصدقاء… وهذا الذكاء الاصطناعي الذي يصغي إليّ في صمت—

هل كان جمال الغيطاني سببًا مباشرًا في موت علي شلش؟

التاريخ الرسمي يقول: نوبة قلبية مفاجئة.

لكن القلب الإنساني ليس جهازًا طبيًا فقط… بل هو ذاكرة، وانفعال، وكرامة.

وأحيانًا…

تكون الكلمات القاسية، في صباحٍ بارد، هي الطلقة الأخيرة.

نحن، في الثقافة العربية، لا نحتاج دائمًا إلى سلاح لنقتل بعضنا.

يكفينا الغضب…

والاتهام…

والصمت…

والغيرة.

والوطن يشاهد…

ثم يواصل، في هدوءٍ شديد، أكل أبنائه.

هذا اعترافي.

لا أتهم أحدًا…

لكنني لا أنسى.

السيد حافظ





لا تجعلهم يهزمونك اعترافات الكاتب السيد حافظ مع الأصدقاء والتاريخ والذكاء الاصطناعي 35

 لا تجعلهم يهزمونك

اعترافات الكاتب السيد حافظ

مع الأصدقاء والتاريخ والذكاء الاصطناعي

35




عدتُ من الكويت محمّلًا بتجربة إنسانية وفنية عميقة، وكان في استقبالي في المسرح القومي المصري صديق قديم هو المخرج أحمد عبد الحليم، الذي كان قد أخرج لي ثلاث أو أربع مسرحيات للأطفال هناك. كان بيننا ودّ حقيقي، لذلك حين قدّمت له نصًا جديدًا للمسرح القومي، قال ببساطة: "هات النص".

مرّ شهر، ثم التقيت به في فناء المسرح. قال لي: "على فكرة… النص بتاعك فيه مشكلة". وبينما نحن واقفان، اقترب منا رجل عجوز يسير على عكاز، قدّمه أحمد على أنه قارئ النصوص. نظر إليّ مباشرة وقال: "نصك سيئ جدًا". ثم ضحك أحمد عبد الحليم ضحكة غامضة لم أفهمها.

نظرتُ إلى الرجل وقلت بهدوء:

"هو فعلًا أسوأ نص كتبته… ولا يهمك."

ثم انسحبت.

نسي أحمد عبد الحليم ما بيننا في الكويت…

لكنني لم أنسَ، ولم أتوقف.

قدّمت النص في قاعة عبد الرحيم الزرقاء ضمن إنتاج هيئة قصور الثقافة.

ثم جاءت تجربة أخرى…

حين أُنشئت فرقة «مسرح الغد»، وتولى إدارتها حسين عبد القادر، قدّمت نصًا مسرحيًا جديدًا. وفي كافتيريا مسرح البالون، قابلني الفنان القدير جلال عثمان.

قال لي بصراحة:

"النص ضعيف جدًا."

وكان هو…

من رفض المسرحية.

لم أجادله.

ولم أعاتب أحدًا.

فالأذواق—في النهاية—مواقف.

لم أتوقف عند هذا الحد.

ذهبت بالنص إلى الفرقة المركزية للثقافة الجماهيرية، تلك الفرقة التي كانت تمثل العمود الفقري لهذا الكيان، وكان على قوتها أسماء مثل يونس شلبي وأحمد زكي، وغيرهما من فنانين كبار.

تولّت لجنة القراءة، بإشراف الكاتب والناقد أمير سلامة، تقييم النص. قال لي يومها:

"فيه عضو وافق… وعضو رفض."

سألته:

"من الذي وافق؟"

قال:

الناقد أحمد عبد الحميد.

طلبت إعادة التقييم، وقدّمت طلبًا رسميًا.

وعُرض النص على ناقد آخر… فجاءت الموافقة.

خرج النص إلى النور.

أخرجه سمير حسني (رحمه الله)،

وبطولة آمال رمزي وماجدة منير.

حقق العرض نجاحًا كبيرًا،

وقُدّم خمسة عشر يومًا في قاعة "منف"،

ثم خمسة عشر يومًا أخرى في قاعة عبد الرحيم الزرقانى داخل المسرح القومي المصري، بدعم من الدكتورة هدى وصفي.

وكتب عنه أكثر من أربعين مقالًا نقديًا.

المفارقة:

الناقد أحمد عبد الحميد،

الذي وافق أولًا…

ثم تردّد داخل اللجنة…

حين شاهد العرض،

أشاد بالمسرحية إشادة كبيرة.

هذه كانت حكايتي مع مسرحية "امرأتان"،

التي رفضها جلال عثمان، وأحمد عبدالحليم الحميد الناقد وقارىء نصوص مجهول فى المسرح القومى ..لقد صمت حتى 

 وجدت طريقها إلى الجمهور… ونجحت.

رسالتي:

لا تيأس…

إذا رُفض نصك.

ولا تصدّق أن الرفض هو النهاية.

فالنص الحقيقي…

يجد طريقه.

اصمد…

تجد…

وتحصد.

— السيد حافظ

....






أمي وأخي رمضان وأخي عادل اعترافات الكاتب السيد حافظ مع الأصدقاء والتاريخ والذكاء الاصطناعي 34

 أمي وأخي رمضان وأخي عادل

اعترافات الكاتب السيد حافظ مع الأصدقاء والتاريخ والذكاء الاصطناعي

34



رثاء للروح المُجهَدة

كان رمضان يشرب القهوة بالحليب،

وكان عادل يفضّل النسكافيه،

وأمي تطبخ لنا بحنانٍ لا يُشبهه شيء،

وأنا وأحمد نتجادل… كأن الحياة لا تنتهي.

"صباح الخير يا عادل… هذا يوم الجمعة، استيقظ لتتجهّز لصلاة الجمعة، وخذ معك مؤمن ومروان حتى يتعوّدا عليها."

هكذا كانت أمي تقول، كل صباح جمعة، بصوتٍ يوقظ القلب قبل الجسد.

"صباح الخير يا أم مؤمن… أيقظيهم للصلاة."

وها هي الجمعة قد أتت…

لكنّكِ يا أمي رحلتِ إلى هناك،

ولحق بكِ عادل بعد خمسين يومًا فقط… لم يتأخر كثيرًا.

"عادل، انزل واملأ جيبك بالجنيهات لتوزّعها على الفقراء، فهذا يوم بركة. أبوك الحاج حافظ كان يفعل ذلك… فافعل مثله."

صوتها لا يزال حيًا في الذاكرة، كأن الغياب لم يحدث.

صباح الخير يا دكتور رمضان…

اليوم الجمعة، ولن أسمع خطبتك عن العشوائية والزكاة والعدالة.

غبتَ يا قرة عين أخيك.

كانت أمي تصيح بقلق:

"في أي مسجد ستخطب اليوم؟ والنبي يا ابني، لا تتحدث في السياسة ولا الغلاء ولا الحكومة… لا تنتقد أحدًا.

يا ابني، أنت مريض بالكبد… لا تتحمّل السجن ولا الإهانة."

وكان رمضان يبتسم، يوزّع طمأنينته:

"لا تخافي يا أمي… سأحكي قصص الأنبياء… موسى، وعيسى، ومحمد."

فتردّ برجاءٍ أمومي مرتعش:

"والنبي يا ابني… لا أريدك تتبهدل."

"صباح الخير يا سيد… تعال مبكرًا لنأكل الغداء معًا. إخوتك معي… وهات أحمد معك، طبخت لكم أكلة تحبونها."

أمي…

الآن، أنا وأحمد وحدنا.

نبكي عليكِ، وعلى رمضان، وعلى عادل.

نحن الاثنان فقط… في مواجهة هذا الفراغ الكبير.

أحمد يبكي كالأطفال،

وأنا أبكي على كتفه.

ثلاثتكم رحلتم في وقتٍ قصير جدًا…

وكان المفروض أن أكون أنا الكبير،

لكنني… صغير، صغير أمام الأحداث، أمام الموت، أمام الفقد والفراق.

العالم قاسٍ… بلا إخوة، وبلا أم.

صباح الخير يا عادل، أيها الشقي النبيل…

تغيب فجأة، بلا مقدمات.

كنت تهوّن عليّ وعلى أحمد،

ألم تقل لي: "موت أخوك رمضان جاب لي السكر… رمضان وجّع ضهري"؟

الأحزان تلاحقنا كظلٍ لا يرحل.

سلامًا على روحك… في يوم الجمعة.

العالم موحش…

صباح الخير يا عادل، لا تتأخر.

اشترِ لي بنًا برازيليًا من محطة الرمل،

وأنت قادم…

لنشرب القهوة معًا…

كما كنا…

قبل أن يتعلّم الغياب كيف يسكننا...

تمت

 السيد حافظ 

......

......

 

الاثنين، 20 أبريل 2026

مكتبتي للبيع ​اعترافات الكاتب السيد حافظ إلى الأصدقاء، والتاريخ، والذكاء الاصطناعي 28

 مكتبتي للبيع

​اعترافات الكاتب السيد حافظ إلى الأصدقاء، والتاريخ، والذكاء الاصطناعي
28
















​التاريخ يكرر نفسه: يحيى حقي، ومحمد روميش، وبيع المكتبة...
​لم أتوقع يومًا أن أجد نفسي في الموقف ذاته الذي كان فيه الأب الروحي لي شخصيًّا، وللكثير من النماذج الأدبية المحترمة في مصر: عمّنا الكبير يحيى حقي. هذا العملاق، صاحب «قنديل أم هاشم» وكتبٍ كثيرة، كاتب ساحر لا يُعوَّض على مرّ التاريخ، لكنه ظُلم؛ إذ اتهمه اليسار بأنه يمينيّ ورجعيّ وغير تقدّميّ، ولا يناصر الطبقة العاملة.
​شاهدتُ بنفسي وقائعَ سأذكر بعضها فيما بعد، منها ما فعله إبراهيم فتحي —الناقد والمفكر اليساري الكبير، وعميد المثقفين اليساريين في مصر (1931-2019)، الذي ساهم في تأسيس مجلة «جاليري 68» وجمعية كتاب الغد، وكان يحرر بابًا في مجلة «المجلة» يعرض فيه موضوعات المجلات الأجنبية. رأيتُه بعيني في مقر المجلة بـ 27 شارع عبد الخالق ثروت، يمسك بمقالٍ له كان الأستاذ يحيى حقي قد وافق عليه بالفعل، وبدلاً من نشره، قام إبراهيم فتحي بتمزيقه وألقاه على الأرض!(عام ١٩٧٠)
​خرجتُ معه حينها كمريدٍ ينهل من علمه، وسألته مستغربًا: «لماذا فعلتَ هذا مع الأستاذ يحيى حقي؟». وبينما نحن نسير، مرَّ أتوبيسٌ أمامنا في شارع القصر العيني، فصاح فجأة: «شفتك يا كلب!»، ثم التفت إليَّ قائلًا: «الأمريكان صنعوا رجلًا شبيهي»، مشيرًا إلى شخصٍ يركب الأتوبيس. حينها أدركتُ أن الأستاذ الكبير إبراهيم فتحي يعاني من مرضٍ نفسيّ، وهو أمرٌ ألفته منذ عرفتُ أخي محمد حافظ، وشاهدته في نجيب سرور أيضًا؛ فالمبدعون الكبار يُصابون أحيانًا ببعض العوارض النفسية، وهو أمرٌ عاديّ جدًّا.
​لكني أعود إلى الأستاذ يحيى حقي، الذي حاربه اليسار فانتزعوا منه إدارة تحرير مجلة «المجلة»، وأوقفوا نشر مقالاته، فلم يجد نفسه إلا أمام جريدة «التعاون» التي كانت تصدر في شارع الأزبكية بجوار دار الأدباء. كان يذهب الأستاذ ليكتب فيها مقالًا أسبوعيًّا مقابل أربعة جنيهات! هذا العملاق الكبير، صاحب «قنديل أم هاشم»، الفيلم الذي هزَّ مصر هزًّا في ذلك الوقت.
​أرسل لي —مع الأديب الرائع محمد روميش (1931-1992)، القاص المبدع من جيل الستينيات، صاحب المجموعة القصصية الشهيرة «الليل الرحم» الذي كان يعمل في الكويت مستشارًا للبنك المركزي عام 1984— قابلني في مقهى بالسالمية ليقول لي: «عمّك يحيى يريد أن يبيع مكتبته، شوف حدّ من الأغنياء العرب أو الأثرياء يشتريها».
​فكتبتُ مقالًا أثر فيه، قلتُ فيه: «يحيى حقي العظيم يريد أن يبيع مكتبته، فاشتروا مكتبة يحيى حقي أيها العظماء، حتى لا يُقال إن في عصرنا كان هناك أديب عظيم، وكان هناك رجال عظماء يقدرونه». وكتبتُ المقال ونزلتُ، فإذا بعاصفة في القاهرة قام بها اليسار مرة أخرى على عمّنا يحيى حقي: «أنت تريد أن تزلَّ مصر، أنت تريد أن تهين مصر، أنت تريد أن تحقّر من مصر»، واتهامات بالخيانة الوطنية! فأجرى حديثًا مع إحدى الصحف وقال: «أنا لم أكتب هذا ولم أفعل هذا، والذي فعل هذا شخص ما صحفي يعمل في الكويت، ولستُ أنا». فكلَّمتُ عمّنا محمد روميش، قلتُ له: «الأستاذ كاتب شخص ما يعمل في الكويت». قال لي: «سامحه.. أكلوه، المثقفون أكلوه ولاد الكلب».
​مرت الأيام، وها أنا ذا أفعل ما فعله عمّنا وأستاذنا يحيى حقي، وما أعلنته من قبل العظيمة الرائعة التي لا تُعوَّض أبدًا: صافي ناز كاظم (مواليد 1937)، الكاتبة والناقدة المسرحية البارزة، التي مزجت في كتاباتها بين السيرة الذاتية والنقد الثقافي والسياسي بجرأة وصدق، حين أعلنت أنها تريد أن تبيع مكتبتها.
​وها أنا اليوم أقول: أريد أن أبيع مكتبتي، لعلّي أجد مخرجًا. حين تضيق عليك النوافذ، فلا بد أن تبحث عن حلّ. هذا هو الحلّ، لكني لم أجد من يتحمَّس ليكتب عن هذه القضية كما تحمَّستُ أنا لعمّنا يحيى حقي. ولذلك توكّلتُ على الله وتحمَّستُ لنفسي، وكتبتُ هذا "البوست" – أو هذا الإعلان – تحيةً للزمن الجميل الذي سيأتي بعد جيلنا، وللمثقفين في المستقبل الذين سيقيّمون هذه الفترة والمرحلة...
​من يشتري مكتبتي بخمسة مليون جنيه؟
​تمت.
السيد حافظ
مارس 2026

الهزيمة لونها أزرق اعترافات الكاتب السيد حافظ مع الأصدقاء والتاريخ والذكاء الاصطناعي --27

 الهزيمة لونها أزرق

اعترافات الكاتب السيد حافظ مع الأصدقاء والتاريخ والذكاء الاصطناعي
27








أنا حياتي مجموعة من الهزائم. منذ كنت في منظمة الشباب الاشتراكي عام 1964، في المعسكر الفكري بحلوان، كنت أحلم أن أكون مساعدًا لـ جمال عبد الناصر. كان الحلم يبدو ممكنًا في خيال شاب يرى السياسة خلاصًا، ويرى القائد أبًا وملهمًا. لكن الحلم بدأ يتشقق حين اكتشفت أن مساعديه ليسوا مدنيين، وأن أحدًا لا ينزل أمامه في الانتخابات؛ فالانتخابات كانت استفتاء، والنتيجة دائمًا 99%.
في ذلك الوقت كان صديقي ناجي أحمد ناجي مراقبًا في لجنة الانتخابات بنقطة شريف. بينما كان يفرز الأصوات، سمع عبر الراديو نتيجة الانتخابات: فوز الرئيس بنسبة 99%. كان يمسك بطاقات التصويت في يده، فتوقف لحظة، ثم تركها على المكتب، وخرج مسرعًا من القسم إلى مركز شباب الشلالات حيث كنا نتدرب مع فريق التمثيل، وحكى لنا ما حدث. في تلك اللحظة شعرت أن حلمي الشخصي قد انهزم، لا لأن النتيجة كانت متوقعة، بل لأن الحقيقة خرجت من الراديو قبل أن تخرج من الصناديق.
بعدها بسنوات، سألني كمال أحمد، وكان زميلي في المنظمة في المعسكرات وصاحب معارك فكرية وبرلمانية مع السادات ومبارك وغيرهما: هل تختار أن تلعب سياسة أم تلعب فنًا وأدبًا؟ بدا السؤال بسيطًا، لكنه كان في جوهره سؤال مصير. اخترت الفن والأدب، ومنذ ذلك اليوم وأنا أقول إنني هُزمت في السياسة، وهُزمت في الأدب، وهُزمت في الفن، لكنني على الأقل اخترت طريقي بوعي.
كلما عدت بذاكرتي إلى تلك اللحظات أذهب إلى المقهى، أطلب قهوة وشيشة، وأترك الدخان يصعد أمامي كأنه بقايا أحلام محترقة. أتمتم أحيانًا بمرارة ضد السياسة والمال والفن، لا لأنني أكرهها، بل لأنني دفعت ثمنها جميعًا.
وعندما كنت أُهزم في قصة حب، كنت أكرر الطقس نفسه؛ أذهب إلى المقهى، أطلب الشيشة، أشتري وردة من بائعة فل، أراقب صبيًا يلمّع الأحذية في الشارع، وأتساءل إن كان القلب أضعف من أن يحتمل كل هذا التعلق. كنت أتصور أن العشق معركة من أجل الاستقرار، لكنه كثيرًا ما كان يتحول إلى هدنة قصيرة تعقبها هزيمة أخرى. تزوجت نساء جميلات، مصريات وعربيات، وفشلت علاقاتي جميعًا إلا زواجي من أم الأولاد الذي استمر خمسةً وعشرين عامًا حتى رحيلها. حتى إنني تزوجت مرة زواجًا لم يستمر سوى يوم واحد، وكأنني كنت أختبر قدرتي على الاستمرار فأكتشف ضعفي الإنساني في كل مرة.
وفي الفن لم يكن الأمر أسهل. حين لا يُعرض لي مسلسل على شاشة التلفزيون لأنني أرفض دفع رشوة لمسؤول التنسيق، كنت أجد العمل يُبث في الرابعة فجرًا، وكأن الإبداع يُعاقب لأنه لم يدخل من الباب الخلفي. كنت أسمع صوتًا داخليًا يردد: يا ولدي، أنت مهزوم. ومع ذلك واصلت الكتابة.
كنت أعيش على مسرح توفيق الحكيم، وأنطون تشيخوف، وسعد الدين وهبة، ونعمان عاشور، وكنت أجد في تقدير سعد الدين وهبة لموهبتي عزاءً كبيرًا، كأن شهادة واحدة صادقة تكفي لتعويض صمت جمهور كامل.
وحين حاولت أن أكون تاجرًا، فشلت في كل مشاريعي؛ لم أستطع أن أتعلم كيف أبيع ضميري مع البضاعة، ولا كيف أساوم على ما أؤمن به. ربما لهذا خسرت التجارة كما خسرت أشياء أخرى كثيرة.
اليوم أستطيع أن أقول إنني ربما كنت مهزومًا في السياسة، ومهزومًا في الحب، ومهزومًا في التجارة، لكنني لم أُهزم في الحلم. فالحلم لا يُستفتى عليه بنسبة 99%، ولا يُعرض في الرابعة فجرًا، ولا يُباع في الأسواق. الحلم يعيش، ولو عاش وحيدًا.
تمت
السيد حافظ

القاريء المجهول اعترافات الكاتب السيد حافظ مع الأصدقاء والتاريخ والذكاء الاصطناعي- 26

 القاريء المجهول

اعترافات الكاتب السيد حافظ
مع الأصدقاء والتاريخ والذكاء الاصطناعي

26












هل ما زال البحث مستمرًا عن القارئ المجهول؟
نحن نعلم أن كلَّ كاتبٍ يبحث عن قارئ، وكلَّ قارئٍ يبحث عن كاتب.
لكن الغريب أن كلاً منهما يسير في طريقٍ مختلف، أو يعيش في مدينةٍ أخرى، أو في قارةٍ بعيدة. ونادرًا ما يلتقيان.
أنا – مثلًا – حين قرأت للكاتب الألماني العظيم هرمان هسه، شعرت أنني وجدت الكاتب الذي كنت أبحث عنه؛ الكاتب الذي يدهشني، ويفجّر في ذهني اللغة وسحرها.
وكنت أبحث عن أدونيس المفكّر، لا الشاعر فقط، ليفجّر الأسئلة أمامي: في خطواتي، في بحثي، في مسرحي، في رواياتي، في قصصي.
التاريخ مليء بهذه النماذج. ومثلي كثيرون… بل كثير كثير كثيرون جدًا.
رامبو… وخمس نسخ فقط
أتذكّر الشاعر الفرنسي العظيم آرثر رامبو.
طبع ديوانه الأول ألف نسخة على نفقته الخاصة. كان شابًا في العشرين. حمل النسخ بنفسه إلى دار التوزيع، منتظرًا المعجزة.
مرّ عام.
عاد إليه مندوب التوزيع، وأعاد إليه ما تبقى من النسخ مربوطة في "عباط خيطي".
تم بيع خمس نسخ فقط من أصل الألف.
وكان رامبو قد اشترى أربعًا منها بنفسه.
بقيت نسخة واحدة مفقودة.
سؤال صغير، لكنه سؤال تاريخي: من الذي اشترى النسخة الخامسة؟
غادر رامبو الشعر وسافر إلى الشرق، إلى اليمن والحبشة، وعمل في تجارة التوابل. عاش حياة أخرى، بعيدة عن القصيدة. وبعد سنوات طويلة، فوجئ بأن ديوانه يُطبع في طبعات متعددة في فرنسا وخارجها.
كيف حدث هذا؟
النسخة الخامسة… وصلت إلى قارئ مثقف. ناقد قرأ الكتاب، كتب عنه، قدّمه إلى ناشر، وكتب له مقدمة. قارئ واحد حمل الكتاب على كتفيه، وفتح له أبواب العالم.
قارئ واحد فقط… كان كافيًا ليصنع أسطورة اسمها رامبو.
نجيب سرور… والإسكندرية الحقيقية
أقول هذا بمناسبة أستاذنا الكبير الراحل نجيب سرور.
كان يقيم فترة في مستشفى المعمورة بالإسكندرية. وكنت ألتقيه بحكم ترددي على محطة الرمل، وكان يتردد على محل "إليت" الشهير هناك. ذات يوم قال لي:
– تعال خذني إلى الإسكندرية الحقيقية.
قلت له: وما الإسكندرية الحقيقية؟
قال: أرى المعمورة والشاطئ والعمارات النظيفة والسيارات الجميلة… أريد الأحياء الشعبية. أريد أن أشمّ رائحة الناس.
سِرنا من محطة الرمل، عبر شارع صفية زغلول، حتى محطة مصر، ثم إلى غربال حيث كنت أسكن. ومن هناك إلى شارع الأمر، ثم شارع النجوم، وأحياء الشعب.
وبالصدفة اكتشفتُ شارعًا لم أكن أعرفه من قبل.
كان أدنى من مستوى الشارع، تهبط إليه سلالم، يقود إلى حارة غريبة، بيوت من خشب وصفيح، عشوائيات مكتملة الفقر.
وقف سرور عند السلم، وقال:
– ننزل.
كان يتكئ على عصاه، وأنا شاب في العشرين. قلت له:
– سيتعبك النزول يا أستاذ.
قال:
– لا… دعني أشمّ مصر.
ونزلنا.
كان يردد:
– شممت رائحة مصر الحقيقية… رائحة الفقراء.
اللقاء
فجأة، ظهر أمامنا رجل في الأربعين تقريبًا، يرتدي جلبابًا بسيطًا، و"شبشب زنوبة" – ذاك الحذاء الشعبي ذو الإصبع الواحد.
توقف أمامنا، وحدّق في وجه سرور، وقال بدهشة:
– مش معقول… الأستاذ نجيب سرور!
فوجئت. كيف لهذا الرجل البسيط أن يعرفه؟
قال له سرور:
– تعرفني؟
قال الرجل:
– طبعًا. أنت الذي قلت: إن كان لك حاجة عند الكلب قل له يا كلب يا ابن الكلب.
سأله سرور بصوت متهدّج:
– قرأت المسرحية؟
قال:
– أقرأ كل ما تكتب يا أستاذ.
في تلك اللحظة… بكى نجيب سرور.
احتضن الرجل. صافحه طويلًا. ومضينا.
سألته:
– لماذا تبكي؟
قال لي جملة لن أنساها ما حييت:
كل كاتب يكتب لقارئٍ واحد.
أغلب الكتّاب يموتون قبل أن يعرفوا من هو هذا القارئ.
وأنا اليوم وجدته.
وجدته مختبئًا في الحواري، في الشارع، في الحرمبي، في غربال.
القارئ المجهول
هكذا إذن…
رامبو احتاج قارئًا واحدًا ليولد من جديد.
وسرور احتاج رجلًا بسيطًا في حارة فقيرة ليعرف أن صوته وصل.
القارئ ليس بالضرورة ناقدًا كبيرًا، ولا أستاذ جامعة، ولا صاحب صالون ثقافي.
قد يكون رجلًا في شبشب زنوبة، يسكن تحت مستوى الشارع.
وربما…
ربما نحن لا نكتب للقراء الكثيرين،
بل لذلك القارئ الوحيد
الذي يختبئ في زمنٍ آخر،
أو مدينةٍ أخرى،
أو حارةٍ لا نعرفها.
فهل ما زال البحث مستمرًا عن القارئ المجهول؟
أظنه نعم.
وأظن أن كل ما نكتبه هو رسالة في زجاجة، نلقيها في بحر الزمن،
على أمل أن يعثر عليها شخص واحد…
ويقول لنا، بعد سنوات
تمت
السيد حافظ

عنتر ونوال وحبشى اعترافات الكاتب السيد حافظ مع الأصدقاء والتاريخ والذكاء الاصطناعي- 25

 عنتر ونوال وحبشى

اعترافات الكاتب السيد حافظ مع الأصدقاء والتاريخ والذكاء الاصطناعي
25






عنتر ونوال وحبشي
هل تدري معنى كلمة «وطن»؟ هل تدري معنى كلمة «تضحية»؟
من أين يبدأ الأمر؟ من الوطن أم من المواطنين؟
أيهما أقوى: التضحية والوفاء، أم النكران والجحود؟
الإحساس بالعطاء، أم الشعور بالجحود؟
الوطن يعني العطاء.
الوطن يعني الاعتراف بالمواطن.
الوطن يعني الوفاء.
الوطن يعني العطاء المتبادل.
كنت أكره – وما زلت أكره – تلك الأغنية: «ما تقولش إيه أديتنا مصر.. قول هندي إيه لمصر؟».
أغنية حقيرة في معناها ومضمونها، تهين قيمة المواطنة والإنسان، وتهين قيمة وجود عقد اجتماعي حقيقي بين الوطن والمواطن.
كأن المواطن وحده هو الملزم بالتضحية، بينما الوطن لا يقدم شيئًا!
تلك الأغنية الحقيرة التي حصل مؤلفها مصطفى الضمراني على جائزة الدولة التقديرية، وكانت هذه – في نظري – أكبر سبة وأفدح كارثة في تاريخ تلك الجوائز التي تُوزَّع معظمها بالواسطة والمؤامرات والضياع.
لنعد إلى نوال وحبشي، بطلتينا.
نوال هي ابنة أبيها، ذراعه الأيمن في بوفيه قصر ثقافة الحرية بالإسكندرية (الذي يُسمى الآن مركز الإبداع)، في طريق الحرية، أمام نقطة شريف. لا أدري إن كان اسم المنطقة الآن قسم العطارين أم ما زال نقطة شريف.
نوال تحضر مع أبيها وأخيها عنتر للعمل في البوفيه من التاسعة صباحًا حتى التاسعة مساءً. لقد وجدوا فيه أنفسهم، يقدمون الشاي والقهوة لرواد القصر وللموظفين بأسعار خاصة، وللمدير عادةً مجانًا، وضيوف المدير كذلك يحصلون على الشاي والقهوة مجانًا.
مرت الأيام، وبدأت نوال تكبر. في سن المراهقة تغيَّر شكل جسدها، وتغيَّرت أحلامها. كانت تحضر بروفات التمثيل التي أقوم بها مع الشباب، وتحلم.
وكان أخوها عنتر قد بدأ أحلامه تطوف فوق السحاب، فضاق بالعمل في البوفيه، وفكَّر في الهروب من أبيه والسفر إلى العراق للعمل هناك، حيث كان يعيش في العراق نحو خمسة ملايين مواطن مصري عام 1973، إذ بدأت موجة الهجرة نحوه منذ ذلك العام، وكان من أوائل «الفلاسفة» (المهاجرين بحثًا عن لقمة العيش).
ثم جاءت حرب أكتوبر العظيمة في السادس من أكتوبر 1973، في أيامها الأولى المباركة العظيمة، وعبر الجيش.
وفي عام 1974 (10 رمضان العام الذي يليه)، كرَّمت الدولة الجنود الذين قدموا تضحيات في هذه المعركة العظيمة، وكان من بينهم حبشي، هذا الشاب الأسمر النحيل الذي لا يتجاوز طوله 165 سم. حصل على جائزة من الرئيس: نجمة سيناء، تقديرًا لما قدمه من تضحيات أثناء المعركة.
وكرمته الدولة – لأنه لا يحمل مؤهلاً عاليًا، ولا شهادة ثانوية أو دبلوم، بل يجيد القراءة والكتابة بالإعدادية فقط – فأمضى في الجيش أكثر من تسع سنوات، وحصل على الميدالية، وتم تعيينه في قصر ثقافة الحرية عام 1974.
وذات يوم، وأنا أجلس في القصر حيث عُيِّنتُ موظفًا بمرتب 10 جنيهات شهريًا تحت مسمى «أخصائي مسرح» و«محاضر» مقابل 10 جنيهات – لقب غريب أو مصطلح أحب سعد الدين وهبة أن يساعدني به على الحياة، ويضمن وجودي ودعمي للحركة المسرحية في الإسكندرية، حيث كانت معظم المجموعات تحت أجنحتي البسيطة: أجنحة المعرفة، أجنحة الفن، أجنحة الجنون، أجنحة الثقافة، أجنحة الهدف، تحت مسمى المسرح الطليعي، أي المسرح الذي يبغي القضية، الذي يدعو إلى مكافحة الأمية ومكافحة الفقر ومكافحة التخلف.
وأنا في مكتبي الذي يقع بجوار المكتبة العامة الخاصة بقصر ثقافة الحرية، والذي كان يقاسمني فيه الفنان التشكيلي الرائع أحمد سويلم – ففي الصباح مكتب أحمد سويلم، وفي المساء مكتبي ملكي. ولذلك كان المكتب بدون أقفال، حتى نضمن استخدامه بشكل مشترك.. لا يوضع فيه أي شيء مهم، وكل الأوراق المهمة آخذها إلى البيت، نظرًا لأن لكل منا أوراقه وعملَه الخاص. وكان أحمد سويلم وكيل محمد غنيم.
ذات مساء ظهر حبشي أمامي:
«مساء الخير.. أنت الأستاذ السيد حافظ؟»
«مساء النور. نعم، أنا هو.»
«أنا حبشي.»
«أهلاً وسهلاً.»
«الأستاذ محمد غنيم قال لي إني سأعمل معك فراش مكتبك الخاص بالمسرح، بالفرقة المسرحية، وأنا تحت أمرك.»
قلت له: «حبشي، أنت منين؟»
قال: «أنا من شارع إخوان الصفا.»
قلت له: «الله! نحن جيران.»
وبالفعل، كان حبشي يسكن في شارع إخوان الصفا رقم 29، وأبي يملك منزلًا في شارع إخوان الصفا رقم 20.
كان أبي صاحب ثلاثة منازل: واحد في إخوان الصفا (ثلاثة أدوار)، والثاني في شارع الإسراء (خمسة أدوار)، وله في سيدي بشر منزل دور واحد ومحلين. هو المعلم الكبير، صاحب الثلاث محلات في شارع شكوبر بالإسكندرية في المحطة، ويُعتبر من الطبقة البرجوازية الكبيرة، لأنه يركب عربة حنطور تجرها الخيول في الصباح، وعربة حنطور في المساء كذلك.
قلت له: «جئت إلى هنا في القصر؟»
قال لي: «أنا من أبطال أكتوبر. تحب أعمل لك شاي يا أستاذ؟ أجيب لك شاي من الكانتين أو البوفيه؟»
قلت له: «أنت بطل من أبطال أكتوبر؟»
قال: «نعم، أنا معي ميدالية سيناء، كرموني وأعطوني إياها، وعينوني هنا في وزارة الثقافة – الحرية – جنب البيت، عشر دقائق مشي أو ربع ساعة أوصل للعمل. أجيب لك قهوة يا أستاذ؟»
قلت له: «تجيب لي قهوة؟ أنا اللي أجيب لك قهوة! أنت يا ابني، أنت يا ابني الذي يجب أن أقوم وأحضر لك القهوة. أنت بطل. نحن لسنا أبطالك، نحن كنا هنا في الداخل. أنت كنت على الجبهة وحصلت على ميدالية. هذا شرف كبير في مصر لنا.»
ضحك وقال: «لا تكبر الأمر يا أستاذ، لا تكبرها. سأذهب إلى البوفيه وأحضر لك شاي أو قهوة.»
وذهب حبشي إلى البوفيه، إلى عنتر وأخته نوال، وتعرف عليها، ووقعت في عينيه ضحكتها البريئة، وسمرها الذي يقترب من السماوي، وكأنه آتٍ من أسوان. وتزوجها، وسكنت معه في غربال، لم تجد له وظيفة غير فراش، وهي فراشة زوجة البطل..
كانت هذه حكاية من الواقع، نقلتها إلى المسرح في مسرحيتي «وسام من الرئيس»، وقدمها العديد من الفرق في الأقاليم والجامعات المصرية. وكانت ستُقدم مسرحية بعنوان «أنا ماليش حل» إخراج السيد راضي، وبطولة فاروق الفيشاوي ونجاح الموجي وحسن مصطفى وشيرين سيف النصر، من إنتاج عادل حسني. لكن قبل الافتتاح بيومين جاء منتج خليجي لشراء الفيديو، تزوج البطلة شيرين سيف النصر، ودفع ثمن الخسائر للمنتج، فأوقفت المسرحية.
وظلت نوال تعمل في قصور الثقافة، وهرب حبشي في المخدرات حتى يغيب عن الوعي، ويعلق الوسام على الحائط.
تمت
السيد حافظ

 
Design by Free WordPress Themes | Bloggerized by Lasantha - Premium Blogger Themes | cheap international voip calls ta3rib : Abed