وداعا عبد الرحمن نور الدين…
ومجلة «المغامر»
اعترافات الكاتب السيد حافظ مع الأصدقاء والتاريخ والذكاء الاصطناعي
15
في عام 2007، كنت أعمل في دولة الإمارات العربية المتحدة داخل مؤسسة دار الصدى للصحافة والنشر والتوزيع، المؤسسة الصحفية المرموقة التي كان يقودها الشاعر والإعلامي المبدع سيف المري؛ رجل جمع بين الذائقة الأدبية والحضور الإداري، وصنع حالة ثقافية خاصة في المشهد الخليجي.
كنتُ مديرًا لتحرير مجلة «الشاشة»، غير أن طموحي كان يتجاوز إصدارًا فنيًا تقليديًا. اقترحتُ إطلاق مجلة للأطفال بعنوان «المغامر»، تكون مشروعًا ثقافيًا عربيًا جادًا، يخاطب الطفل باحترام العقل والخيال معًا. بدأتُ بتشكيل فريق من أسماء كبيرة في الدراما والكتابة، مثل مصطفى محرم، ومجدي صابر، ومحمود قاسم، ومجدي نجيب، إلى جانب نخبة من المبدعين في الوطن العربي. كما اتفقتُ مع قامات رفيعة مثل زكريا تامر، ومحمود درويش، والطيب صالح، ونبيل سليمان على أن يكتبوا في أعدادها الأولى. كنتُ أؤمن أن الطفل العربي يستحق أدبًا يكتبه الكبار بحق، لا نصوصًا مرتجلة.
وفي سياق تطوير المحتوى البصري، دعوتُ الفنان التشكيلي والكاتب الكبير عبد الرحمن نور الدين إلى المشاركة. كان قامة في فنون الطفل، رسّامًا ومؤلفًا، وصاحب تجربة إدارية وثقافية واسعة؛ شغل مناصب مهمة بوزارة الثقافة، وأسهم في تشكيل وجدان أجيال عبر عشرات الكتب والمجلات. لبّى الدعوة وشارك بالفعل.
عقب صدور العدد الأول من «المغامر»، جاءتنا مؤشرات نجاح غير متوقعة؛ إذ ارتفع الطلب من المملكة العربية السعودية من ألف نسخة متوقعة إلى عشرين ألف نسخة — بحسب ما وصلني آنذاك. لكن النجاح في المؤسسات الكبرى لا يمرّ دائمًا بسلام؛ تحركت الغيرة، وبدأت الحسابات الضيقة، حتى انتهى الأمر بإبعادي عن المؤسسة بحجج واهية. طلب منى عبد الرحمن نور الدين هاتفيا المكافأة قلت له اتصل بالمناسبة وصرفت له ٣٠٠ دولار على ما اذكر
واتصلت بالمناسبة وانا مفصول وتم الصرف
لم يتصل ويقول شكرا عادى
عدتُ إلى مصر عام 2009، ثم جاءت ثورة 25 يناير عام 2011، فدخلت البلاد مرحلة جديدة. في تلك الفترة تولّى عبد الرحمن نور الدين منصبًا قياديًا بوزارة الثقافة. أرسلتُ إليه مقترحًا لمشروع ثقافي يخدم مصر بعد الثورة، فجاءني الرد رسميًا مقتضبًا: «يرجى الاتصال بالسكرتارية لتحديد موعد». دهشتُ؛ فالعلاقة التي كانت مباشرة يومًا ما، أصبحت محكومة ببروتوكول بارد.
ومرت الأيام.
ثم التقينا في صالون الدكتور والناقد الكبير عبد الناصر هلال، ذلك الصالون الذي كان مساحة حقيقية للحوار الحر بين المثقفين. كان عبد الرحمن يجلس بين الحضور، وفجأة دوّى صوت الكاتب الكبير عمار علي حسن وهو يسلّم عليّ بحرارة: «أهلًا يا أستاذ سيد حافظ!» كان صوته واضحًا، قويًا، لا يحتمل اللبس.
نهض عبد الرحمن نور الدين، وتقدّم نحوي، وعرّف نفسه كأننا نلتقي للمرة الأولى.
ابتسمتُ وقلت بهدوء:
«يا أستاذ، نحن أصدقاء.»
كانت لحظة قصيرة، لكنها كاشفة. أدركتُ أن المناصب تغيّر الذاكرة أحيانًا، أو ربما تغيّر طريقة استدعائها. في تلك اللحظة، تذكّرتُ بساطة زمن سعد الدين وهبة، حين كان الردّ يأتي مباشرًا بلا حواجز.
ورغم كل ما جرى، يبقى عبد الرحمن نور الدين — الذي رحل في فبراير 2026 — واحدًا من أبرز من خدموا ثقافة الطفل في مصر والعالم العربي، ويبقى أثره في ذاكرة الأجيال شاهدًا على موهبته وإخلاصه لفنه.
أما أنا، فقد تعلّمت درسًا بسيطًا:
المشروعات قد تُحارَب،
والأحلام قد تُؤجَّل،
لكن المواقف وحدها
هي التي تبقى في سجلّ التاريخ.
وحمدت الله أن لم أكن وكيل وزارة حتى لا أستعلي على الناس.
السيد حافظ
......



3:37 م
sayedhafez


Posted in:
0 comments:
إرسال تعليق