سليمان الفليح… بدويٌّ يدخل قاعة التحرير على ظهر قصيدة
اعترافات الكاتب السيد حافظ مع الأصدقاء والتاريخ والذكاء الاصطناعي
14
تعرفتُ إلى الشاعر الكويتي السعودى
سليمان الفليح في أواخر السبعينيات، حين كنت أعمل في جريدة السياسة.
كنتُ قد جئتُ إلى الصحافة مؤمنًا بأنها محطة عابرة، سبع سنوات كما قال إرنست همنغواي، قال هى تكفى ثم يترك الكاتب القلم على المكتب ويذهب قال يكفى الكاتب الحقيقي سبع سنوات للعمل فى الصحافة ثم يترك قلمه على مكتبه فى الصحافة ويذهب ليكتب ما يشبهه حقًا. وكنت أعدّ سنواتي هناك بدقة: من 1977 حتى أوائل الثمانينيات، قبل أن أعود إلى المسرح بعد نجاح مسرحيتى «الشاطر حسن»..نعود الى الوراء قليلا
كنا نجلس في صالة التحرير، في مجموعة من الحالمين: السيد عثمان، نبيل سويدان، وفايز كركوتلى ومحمد عبد الحميد و عبدالقادر كراجة، وسليمان الشيخ، وغيرهم من رفاق الكلمة. كانت القاعة تضجّ برائحة الحبر، من كل الاجناس كانت الكويت بلاد العرب وصوت الآلات التى تطبع تشهد على ذلك و نوع الكاتبة، وأخبار السياسة التي تركض قبل الطباعة.
وفجأة… يدخل علينا سليمان الفليح.
كان دخوله مشهدًا مسرحيًا كاملاً.
بغترته وعقاله وكأنه يركب ناقة، بضحكته البدوية، وكأنه جاء من عمق الصحراء لا من شوارع الكويت. يفتح الباب ويقول بصوته الجهوري:
“سلام يا قوم!”
فتنفجر القاعة إما بالضحك… أو بالصمت المندهش.
يجلس أمامي، يخرج من جيبه ورقة مطوية، ويقول( لم يكن له مكتبا يكتب على اى مكتب خال.)..
“هات رأيك يا سيد… هذه قصيدة جديدة.”
كنت أتعجب: كيف لهذا البدوي الأنيق، بملامحه القادمة من الرمل والريح، أن يكتب قصيدة حداثية بهذه الكثافة؟ كيف تمشي الصحراء داخل اللغة بهذه الخفة؟ كان صعلوكًا نبيلاً، يعيش على حافة الشعر، في زمن بدأت فيه الكلمات تُباع كما تُباع السلع.
حين وُلد ابني محمد، ١٩٨٠ جاءني سليمان خجِلاً.فى صالة التحرير
قال:
“كنت أريد أن أقدم لك هدية… لكنني مفلس. سامحني.”
ضحكت وقلت له:
“يا رجل، يكفيني أنك هنا.”
لم يكن الفقر يومها نقصًا… بل كان شرفًا مشتركًا بيننا.
وكان بيننا أيضًا عبد اللطيف الأشمر، رئيس قسم الإخراج الفني، اللبناني الرقيق الذي كان يرى في القصيدة حدثًا بصريًا. هو من ساعد سليمان في نشر بعض قصائده في ملحق الجريدة. واصدرها فى كتاب تابع لجريدة السياسة كنا جميعًا نحاول أن ننقذ الشعر من ضيق الصفحة.
مرت السنوات. غادرتُ الكويت.
ثم جاء الغزو العراقي، وتفرقت الطرق. قيل لي إن سليمان لم يحصل على الجنسية الكويتية، وأنه انتقل إلى السعودية.
وبعد قرابة عشرين عامًا، كنت في زيارة إلى الجريدة، حين قالت لي أم الخير — الصحفية اللبنانية — إن سليمان يتصل من السعودية ويسأل عني.واتصلت به
جاءني صوته عبر الهاتف، كما لو أنه يعبر صحراء كاملة:
“يا سيد يا حافظ… الآن حصلت على الجنسية السعودية. معي مال. أستطيع أن أرسل لك هدية لابنك محمد. معي سبعة آلاف دولار في البنك، وعشرة آلاف ريال. اكتب لي عنوان الفندق. ارسلهم لك”
توقفت لحظة.
لم يكن يعرض مالًا.
كان يريد أن ينتصر على لحظة قديمة، حين لم يستطع أن يهدي طفلًا هدية.
قلت له بهدوء:
“يا صديقي… محمد كبر. وأنا أعمل وأكتب.مسلسلات لا أحتاج شيئًا.”
ضحك وقال:
“إذًا أنت بخير !”
ضحكت نعم انا بخير . وأغلقت المكالمة.
لم يكن سليمان الفليح مجرد شاعر.
كان صورة لجيلٍ كاملٍ عاش بين الحلم والخذلان، بين المنفى والجنسية، بين القصيدة والهوية.
بدويٌّ يدخل قاعة التحرير على ظهر قصيدة،
ويخرج منها ليبحث عن وطنٍ يعترف به.
لكن الحقيقة التي أعرفها — وأشهد بها —
أن الشعر كان وطنه الأول والأخير. ومات هناك فى السعودية وسط قبيلته .لم تحفظ سيرته ف. أدباء الكويت ولا السعودية. مات و ظل يبحث عن وطن وقصيدة.سلاما على روحك ياسليمان
.....
.



3:20 م
sayedhafez


Posted in:
0 comments:
إرسال تعليق