الهجرة من الوطن فشلت مرتين
اعترافات الكاتب السيد حافظ مع الأصدقاء والتاريخ والذكاء الاصطناعي
22
الهجرة مرتين… وطن يضيق وحلم يتسع
لم تكن الهجرة عندي انتقالًا جغرافيًا، بل كانت محاولة نجاة.
وكانت مرتين.
الهجرة الأولى: الكويت…١٩٧٦ حين ظننت أنني وجدت هجرة الى الأبد
عندما قررت السفر إلى الكويت، لم أكن مسافرًا بعقد عمل، بل كنت مهاجرًا بنيّة البقاء. كنت أريد أن أعيش هناك إلى الأبد. لم يكن في قلبي مشروع عودة.
نجحت مسرحياتي للأطفال هناك نجاحًا لافتًا. وارتفع أجري حتى أصبحت الأعلى أجرًا في تاريخ المسرح الكويتي آنذاك في الثمانينيات. لم يكن الأمر مجرد مال، بل اعترافًا بقيمة ما أكتب. غير أن النجاح، في عالمنا العربي، لا يمرّ هادئًا.
شعرت أن أكثر من جهة تحاربني بلا سبب واضح. حسدٌ يتخفّى في ثياب الزمالة. غيرةٌ تنطق بابتسامات باردة. بعض المصريين هناك — ممن قبلوا الفتات وانحنوا طويلاً — لم يحتملوا أن يأتي مصري لا ينحني. بعضهم أساتذة في المعهد العالي للفنون المسرحية، وبعضهم محسوبون على الوسط الثقافي. وكثيرون ادّعوا الفن والكتابة، بينما كانوا يمارسون الجباية الرمزية من موائد السلطة.
تواترت الإشارات. فهمت الرسالة.
كان لا بد أن أُحصّن نفسي.
كنت في مصر أعمل بقصر ثقافة الحرية بعقدٍ هزيل: عشرة جنيهات شهريًا بوظيفة محاضر. عشرة جنيهات فى الشهر لا تكفي لشراء كرامة، ولا حتى وهم كرامة.
ذهبت إلى اللواء مصطفى سمك، قريبي من قرية الضهرية بالبحيرة. لم أذهب إليه خائفًا، بل حذرًا. سألته: هل يمكن أن يُمنع اسمي في المطار؟ اريد ان اهاجر الى الخليج.
قال لي مطمئنًا: لا توجد ممانعة. لكن نصيحتي ألا تعود إلا وأنت محصّن بالمال. المال هنا درع.
ثم كانت الخطوة التالية الجيش.
ذهبت إلى اللواء شريف أباظة، القريب من الشاعر الكبير عزيز أباظة. رجل يحمل ملامح البشوات، لكن في قلبه حب حقيقي للمسرح. كان رئيس اللجنة الثقافية في نادي سبورتنج. كتب لي توصية إلى منطقة التجنيد بالعباسية. لم يسألني: لماذا تريد السفر؟ بل قال ببساطة: حاضر.
ذهب أخي أحمد، وأخي الدكتور رمضان — رحمه الله — بالكارت إلى اللواء المختص، وعادا بالتأجيل واصبح في يدي كجواز عبور مؤقت من قبضة الدولة.
بقي «الكارت الأصفر».
ذهبت إلى الكاتب الكبير سعد الدين وهبة. فى القاهرة كان الكارت الأصفر في ذلك الزمن تصريح حياة أو منع حياة. وساعدني الروائي سمير ندا، مدير عام العلاقات العامة للثقافة الجماهيرية، صاحب رواية «الشفق»، صديقي الذي كان يجيء إلى الإسكندرية ليرى ماذا يفعل هذا المجنون بالمسرح. وقال له سعد وهبه خلص الكارت الأصفر لسيد حافظ ياسمير
بهؤلاء جميعًا — وبعناية خفية لا أستطيع إنكارها — عناية الله خرجت من مصر .
سافرت إلى الكويت، إلى حلمي الأول.
لكن الحلم الذي لا يحميه وطن، يظل هشًا.
عدت.
.الهجرة الثانية: أريزونا…
حين ضاق الوطن واتسعت الشاشة
الدعوة جاءت من جامعة أريزونا. مؤتمر لمسرح الطفل. الجامعة تبنّت نشر أعمالي المترجمة إلى الإنجليزية على موقعها. ترجم المسرحيات الشاعر المبدع خميس عز العرب، وكان يؤمن بما أكتب كما أؤمن به.
كنت هذه المرة أكثر وضوحًا مع نفسي: سأذهب ولا أعود.
لم يعد الوطن يحتملني، أو لم أعد أحتمله. كل باب أطرقه يُغلق. كل مساحة أفتحها تُحاصر.
كان يقول لي الكاتب الكبير محفوظ عبد الرحمن:
إذا أُغلقت الإذاعة، فاذهب إلى التلفزيون.
إذا أُغلق التلفزيون، فاذهب إلى المسرح.
إذا أُغلق المسرح، فاذهب إلى الصحافة.
وكنت أذهب. أتنقل كالماء. لكن حتى الماء يحتاج مجرى.
قدّمت طلبًا إلى الفنان يوسف شعبان، نقيب المهن التمثيلية آنذاك، ليساعدني في الحصول على تذكرة السفر. بناء على دعوة جامعة الاريزونا فى امريكا حوّل يوسف شعبان الطلب إلى محمد غنيم، الإداري القوي، مدير قصر ثقافة الإسكندرية السابق، ثم وكيل وزارة الثقافة للشؤون الخارجية.
بيننا تاريخ من الحوار والاشتباك والاحترام الحذر. كنت أعرف — من خلال ما قاله لي اللواء مصطفى سمك — أنه كتب عني تقارير. وكنت أعلم ذلك دون أن يخبرني أحد. كان يتعامل مع الأجهزة كما يتعامل مع الملفات: ببرود إداري.
انتظرت شهرًا. ثم شهرين. ثم ثلاثة.
مرّ المؤتمر. مرّ الحلم.
قابلته في نادي نقابة المهن التمثيلية بشارع البحر الأعظم. سألته: لماذا لم تُصرف لي التذكرة والتأشيرة؟
قال بهدوء إداري قاتل: لم نجد تليفونك ولا عنوانك.
وكان هاتفي مع كل مثقفي مصر.
وكان عنواني معروفًا حتى لساعي البريد.
في تلك اللحظة فهمت أن الحصار لا يحتاج إلى أسوار. يكفيه تأجيل. يكفيه إهمال متعمّد.
ضاع الحلم مرتين.
الكويت… وأريزونا.
وبقيت هنا.
أحمل تهمة غير مكتوبة: أنني لا أنحني.
وأحمل وصفًا قديمًا قرأته في الجزء الرابع من كتاب مروج الذهب، حين نقل عن الرحالة العربي قوله لعمر بن الخطاب في وصف المصريين… أن الفطن منهم يجيب بما ينجو به. لأنهم يخيبون الفطن منهم فى الوطن .
ياليتني لم أكن من الفطنين.
كنت أجيب بما أؤمن به.
وهكذا وجدتني — بين الأصدقاء والتاريخ والذكاء الاصطناعي — أكتب اعترافًا لا أطلب فيه براءة، بل أسجّل واقعة:
حاولت الهجرة مرتين.
وفي المرتين، كان الوطن أسرع من الطائرة.
يحتجزنى ليقهرنى كل لحظة
تمت
السيد حافظ
...
.



3:07 م
sayedhafez



Posted in:
0 comments:
إرسال تعليق