الخميس، 26 فبراير 2026

عبد الإله عبد القادر... وما تبخر من مشاريع ثقافية اعترافات الكاتب السيد حافظ مع اللقاء والتاريخ والذكاء 19

 عبد الإله عبد القادر... وما تبخر من مشاريع ثقافية

اعترافات الكاتب السيد حافظ مع اللقاء والتاريخ والذكاء 

19




في المشاريع التي تبخرت بفعل خيانة المثقفين

عندما سمعتُ أن الشارقة تقوم بنشاط ثقافي متميز عام 1981، وأن الرجل العظيم الفنان صاحب السمو الشيخ سلطان بن محمد القاسمي قد أسّس الدائرة الثقافية لتكون المؤسسة التي تعمل على النهوض بالبلاد ثقافيًّا، وعيَّن الشيخ أحمد بن محمد بن سلطان القاسمي مسؤولًا عن الدائرة الثقافية بوصفه أول مسؤول ثقافي رسمي، كتبتُ في عام 1983 رسالةً إلى الدائرة الثقافية.

كنتُ أعمل في الكويت، في جريدة السياسة، وكنتُ أنوي كتابة كتاب عن المسرح في الإمارات، خاصة أن المسرح هناك بدأ يتردد اسمه بقوة عندما هاجر صقر الرشود غاضبًا من الكويت؛ لأنه لم تعطه المؤسسات الحكومية ما يريد، ولم يُعطه المجتمع قدره، فذهب ليؤسس في الإمارات مسرحًا، ومات هناك غريبًا في حادث سيارة، في حادثٍ دراميٍّ مأساوي.

ثم جاء بعده صديقي العظيم المخرج المنصف السويسي.

فقلتُ: سأذهب لأجمع ما تيسر من مادة عن المسرح هناك.

وكنتُ، في ذلك الوقت، لا أعرف معنى «الإمارات السبع»، ولا أن دولة الإمارات مكوَّنة من سبع إمارات، لكل إمارة حاكم مستقل مختلف. كنتُ لا أفهم البعد الجيوسياسي، ولم أكن أعي التفاصيل والفروقات.

ذهبتُ إلى الشارقة، فوجدتُ نفسي أنزل في مطار دبي. قلتُ للمسؤول في المطار: «أنا رايح الشارقة مش دبي»، فجاءني أحدهم، مندوب العلاقات العامة في الشارقة، الفنان علي خميس، الذي جاء متأخرًا إلى المطار (كنا في الثمانينيات)، وأخذني الفنان القدير علي خميس من مطار دبي إلى فندق هوليدي إن في الشارقة. وقال لي: «الشيخ أحمد حيشوفك إن شاء الله ونلتقي».

ثم جاءني بعد ذلك رجل كبير في السن، يكبرني بعشر سنوات، مهذب المظهر، يدل على أنه مدير أو وزير، شخصية عراقية؛ هو الأستاذ عبد الإله عبد القادر، أو كما يُلقَّب الآن: الدكتور عبد الإله عبد القادر، فقد حصل على الدكتوراه مؤخرًا من قزاخستان. كان رجلًا مهذبًا لطيفًا. تعرفتُ عليه، فقال: «أهلًا وسهلًا، مرحبًا بك في الشارقة. أنا مسؤول أن أجمع لك ما تريد من مواد خاصة بالمسرح في الإمارات».

قلتُ له: «شيء عظيم».

قال: «ستقابل الشيخ أحمد إن شاء الله».

قلتُ: «إن شاء الله سأقابله».

ثم ذهبتُ فاتصلتُ بأصدقائي في الإمارات، في أبوظبي ودبي. كان صديقي العزيز، الصحفي العظيم سيد شحم موجودًا في دبي، فقال لي: «تعالَ نتغدَّى معنا». فذهبتُ إلى دبي، فقابلته في جريدة البيان. وكان الأستاذ فتحي البرقاوي، الناقد السينمائي وصديقي من أيام الكويت، مسؤولًا عن الصفحة الفنية والثقافية في جريدة البيان. وكانت زميلتنا فاطمة فقيه، الصحفية اللبنانية أو الفلسطينية المرموقة، التي كنت أعرفها من أيام الكويت، هناك أيضًا.

أجروا معي حوارًا، واحتفلوا بي ككاتب مسرحي وتلفزيوني، وتناولنا القهوة، ودار الحوار حول مسرح الطفل، والدراما التي أقدّمها في التلفزيون.

في نفس اليوم تناولتُ الغذاء مع العظيم سيد شحم وزوجته نجوى فؤاد، وقابلت فتحي البرقاوي، وقابلت فاطمة فقيه، وزرت جريدة البيان، ثم عدتُ إلى الشارقة.

في اليوم التالي فوجئتُ بالأستاذ عبد الإله عبد القادر يأتي صارخًا في وجهي في غرفتي في الفندق:

«شو سويت؟ شو عملت؟ إيش سويت؟ ما الذي حدث؟!»

قلتُ: «ماذا؟»

قال: «أنت نازل لك حوار صفحة اليوم في جريدة البيان!»

قلتُ: «نعم».

قال: «أنت ضيف على الشارقة، مش ضيف على دبي!»

قلتُ له: «وما الفرق بين دبي والشارقة؟ كلها دولة الإمارات».

قال: «لا، لا! أنت ضيف هنا. كان يجب أن تجري لقاءً مع جريدة الخليج».

قلتُ: «لم يأتني أحد من الخليج. أنا كنت ذاهبًا لتناول الغذاء مع صديقي سيد شحم الذي يعمل في البيان، ووجدتُ فتحي البرقاوي هناك».

لكنه لم يسمعني. ظل يبرطم ويعلن غضبه، وكأنني كسرتُ شيئًا مقدسًا لا أعرفه، أو عملتُ جريمة.

فصمتُّ.

بعد ساعة جاءني اتصال هاتفي في الفندق من فنان ومخرج عراقي لا أعرفه من قبل، وكان يعرفني، وهو يعمل في أبوظبي، كان مساعدًا للمنصف السويسي قبل أن يترك أبوظبي ويعود إلى تونس. قال لي الرجل المهذب: «يا أستاذ، ماذا حدث؟»

فحكيتُ له ما جرى. سألته: «من هو الأستاذ عبد القادر؟»

قال: «هو رجل يعمل على الإيقاع في فرقة الفنون الشعبية العراقية، وليس رجل مسرح».

قلتُ: «يا رجل؟»

قال: «نعم».

قلتُ: «إذًا هو فنان أيضًا! له علاقة بالمسرح؟»

قال: «هو مسؤول إداري».

وفي اليوم التالي جاءتني فرقة من الشباب، ومعهم المخرج الكبير النبيل يحيى الحاج، رجل مهذب ولطيف ومحترم. كانت فرقة يحيى الحاج الوحيدة التي التقيتُ بها. قال لي: «أنا أعرفك وقرأت لك». وجلس معي هو وشباب فرقته المسرحية في الفندق. كانوا حوالي عشرة شباب.

طلبتُ لهم شايًا أو قهوة.

فوجئتُ بالفندق يطلب مني أن أدفع الحساب، وحتى ثمن زجاجة الماء؛ لأنني طلبتُ ماءً إضافيًّا.

قلتُ: «ما هذا الأسلوب؟»

قالوا لي: «هذه تعليمات من الأستاذ عبد الإله عبد القادر: لك وجبات محددة، وأي شاي أو قهوة أو ماء زائد تدفع حسابه».

دهشتُ. دفعتُ الحساب.

والمشكلة حلَّها الشيخ أحمد بن محمد بن سلطان القاسمي.

عندما قابلته وقلتُ له ضاحكًا: «أخاف أن أطلب شايًا أو قهوة لأولادكم إذا زاروني».

فضحك وقال: «لا، لا، هذا كلام فارغ. ولا يهمك. اشرب شاي وقهوة أنت وزوارك».

جاءني عبد الإله عبد القادر بعد ذلك، فقلتُ له: «يا رجل، أنت زميلي. أنت تعمل في الفنون الشعبية».

قال: «نعم».

وامتقع لونه.

عبد الإله عبد القادر، شخصية تتسم بهيبة الوزراء في صورهم الفوتوغرافية الرسمية؛ يرتدي الكرافتة بأناقة تامة، ويملك حضورًا مهيبًا يفرض نفسه. عندما يحدثك، ينظر مباشرة في عينيك بقوة وثبات، كأنه يؤكد كل كلمة ينطق بها، أو يسعى لإقناعك، أو يبهرك، أو حتى يخدعك أحيانًا ببراعة في صياغة المفاهيم التي يريد إيصالها.

لقد التقيتُ الشيخ أحمد للمرة الثانية. في تلك الفترة، كنت أنتظر مقابلة الفرق المسرحية الموجودة هناك، فكانت الفرقة الوحيدة التي تمكنت من لقائها هي فرقة أبوظبي، عند صديقنا محمد العكش. بدأت الأمور في غموض وشبه ضباب، فتحدثت مع الشيخ أحمد، فقال لي ضاحكًا: «إننا انشغلنا عنك بسبب أن يوسف إدريس لا يزال مسافرًا، وكان عندنا. والرجل – والله – رجل عظيم ومحترم جدًّا. أنت أخبارك إيه؟ وما طلباتك؟»

ثم أضاف مازحًا أن يوسف إدريس طلب سيارة «بي إم دبليو» مدفوعة الضرائب. فضحك الجميع من حوله من الموظفين. فقلتُ له: «والله يا صاحب الفخامة، إذا طلب يوسف إدريس سيارة واحدة، فأعطوه سيارتين، فهو يستحق أكثر». إنه يوسف إدريس الكبير حقًّا.

فقال لي: «لماذا؟» فأجبته برواية قصة معاوية بن أبي سفيان، حين زار أحد العلماء في بيته ليستفتيه، فوجده في حالة تواضع شديد كسائر العلماء والأدباء والحكماء. فقال له معاوية: «أمرت لك بحمار تركبه لتصعد الجبل، وحصان تركبه إذا استعجلت في أمر ما، وناقة تركبها حين تسافر من بلد إلى بلد، وجارية جميلة تخدمك وتتزوجها حتى لا تعيش أعزبًا ولا وحيدًا. ووالله لو أمر الله بشيء آخر يُركب، لأمرت لك به. وسيأتيك كل شهر من بيت المال ما يكفيك».

فضحك الشيخ أحمد وقال: «يا سيدي، تؤمر بإيه؟» فأجبته: «عندما أنتهي من الكتاب – إن شاء الله – سآتي وآخذ ما أريد».

خرجتُ من الجلسة، ثم تحدثتُ بالهاتف مع صفاء غراب، تلميذي الذي شاركني التمثيل في مسرحية «حديقة الحيوان» للكاتب إدوارد أولبي مع علاء عبد الله والنجم الكبير أحمد آدم، وطلب منه سلف ألفي درهم عشان الفلوس خلّصت، وسوف أرسلها له فور عودتي إلى الكويت، وحدث ذلك.

عدتُ من الإمارات بحقيبة بها عشرات البرامج للمسرحيات، لا وثائق لا، واندهشتُ: أين التوثيق لما أنجزه المبدعون هناك من إماراتيين وعرب؟

بعد عامين وجدتُ كتابًا صدر بعنوان «المسرح في الإمارات 1984» للأستاذ عبد الإله عبد القادر، ثم صدرت له مجموعة «خصوصية». والحقيقة أنني لا أعرف لماذا حجب عني المعلومات حتى يطبعها باسمه، مع أنه ليس متخصصًا أصلاً في الكتابة، لكنه دخل عالم الكتابة، وله الحق في ذلك. يحق له أن يبدأ قصصًا أو يجتهد في كتابة قصة مبدعة – وأنا لم أقرأها بعد – أو يجمع كتبًا، أو أن يكتب كتبًا نقدية تسجيلية توثيقية، يحكم عليها النقاد الكبار. أما أنا فلست مؤهلًا للحكم على عمل تجميعي توثيقي، فأنا أقدر على تقييم العمل الإبداعي، لكن ليس التوثيقي.

ظل الرجل محتقنًا مني دون سبب واضح لي، ولا أدري لماذا جعلني أغادر الإمارات محاطًا بالحنين والأسئلة. لماذا أصر على إحاطتي بنفسه، وأخرج كتابه عن المسرح الإماراتي؟ ظل ينتقل من مؤسسة إلى أخرى، إلى جائزة سلطان العويس، وحكى لي حبيب الصايغ أنه ذهب لمقر الجائزة وقال: سأقتل نفسي، أنا أستحقها. ترى كم شخص منع عنه عبد الإله عبد القادر الجائزة؟ وعاش حياته هناك، حصل على الدكتوراه من قزاخستان، وأصبح الرجل الثاني الذي يعمل في الظل، يحرك الأمور في كثير من القضايا المتعلقة بالثقافة والثقافة العربية.

ولا ألومه، فالرجل يريد أن يعيش، وكم من فنانين في الدول العربية غيّروا مجالاتهم؛ شاهدت في الكويت مدرسين تحولوا إلى صحفيين، وعازفين أصبحوا ملحنين. وهكذا عبد الإله عبد القادر – الرجل الطيب على ما أظن، والجيد على ما أظن، والرائع على ما أظن – تحول من ضابط إيقاع إلى دكتور ومؤلف. إنها رحلة كفاح تستحق الاحترام والتقدير والثناء. أنا أثمن كل إنسان يجتهد في تغيير مسار حياته نحو الأفضل.

تمت

السيد حافظ

....


0 comments:

إرسال تعليق

 
Design by Free WordPress Themes | Bloggerized by Lasantha - Premium Blogger Themes | cheap international voip calls ta3rib : Abed