يوسف عبد الحميد… كيف اصبح مخرجًا
من اعترافات الكاتب السيد حافظ مع الأصدقاء والتاريخ والذكاء الاصطناعي
17
في البدء كان المسرح.
وكنتُ مجنونًا به. وكان عليَّ أن أبحث عن تكوين فرقة مسرحية؛ لأن المسرح عملٌ جماعي، وهذا هو سرُّ وجعه وسرُّ جماله معًا. تكوين أي فرقة هو، في جوهره، تجنيدٌ لمجموعة فنية تؤمن بالحلم نفسه.
أتحدث اليوم عن ذكرياتي مع يوسف عبد الحميد.
من مذكّراتي:
المبدع يوسف عبد الحميد، الذي أرهقني في تطويره الفكري، ومحاولة تحويله من منولوجست في اللجنة الفنية بالمعهد الفني التجاري إلى مخرج مسرحي مهم. التقينا عام 1968 أثناء إعداد حفل الدفعة الجديدة. قدَّم منولوجًا غنائيًا مع مسعد النجار، وكنتُ أنا مخرج الفريق، ومعي لجنة المشاهدة برئاسة حامد حسيب، مقرر اللجنة الفنية، لاكتشاف المواهب وإعداد الحفل في المعهد التجاري.
كان حامد يعرفني من مركز شباب الشلالات، بينما كان هو في مركز أمبروزو؛ كنا متنافسين في فرقتين. وعندما وقف أمامنا مجدي مختار وقدم منولوجًا، انبهرنا به، وصار بعد ذلك نجمًا كبيرًا في الإسكندرية. اخترناه للحفل، لكن شخصية يوسف عبد الحميد ومسعد خميس النجار ظلّت عالقة في ذاكرتي.
أخرجتُ للمعهد مسرحيتين: «الحبل» لـ يوجين أونيل، ومسرحية «الزعاليك». وكان يوسف عبد الحميد يعمل مديرًا للمسرح. وكنتُ أصغر مخرج يقف على خشبة مسرح سيد درويش، وعمري عشرون عامًا، عام 1968. هناك، على تلك الخشبة المهيبة، كان عم عبده – والد يوسف – كبير الفنيين بالمسرح، وقد ساعدني في لحظة خوفي الأولى من رهبة المكان.
أعدتُ امتحانات الثانوية العامة، ونجحت، وسافرتُ إلى كلية دار العلوم في القاهرة. وهناك بدأت أفكر في «تجنيده ثقافيًا» هو ومسعد خميس النجار ونازك ناز محمد عباس، التي أصبحت ممثلة وعضوًا معنا. كما جندتُ محمد نوار من كلية الفنون الجميلة لصالح المسرح التجريبي.
كان أول كتاب أهديته إلى يوسف عبد الحميد هو «واقعية بلا ضفاف»، ثم «معنى الفن». كنتُ أطارد قراءته كما يطارد المخرج ممثله ليصل إلى نبرة صحيحة. ثم أهديته ديوان رامبو، إذ كنت أستعد لإخراج أول مسرحية تجريبية لي: «كبرياء التفاهة في بلاد اللامعنى» عام 1971.
التقيتُ بالأب بيتر، مسؤول مركز الجزويت وقِسِّه، وحددتُ موعدًا، وذهبتُ ومعي يوسف عبد الحميد ومسعد خميس النجار. كنتُ أؤمن أنني أحمل رسالة لتجديد المسرح، وأن الفكرة لا تعيش وحدها، بل تحتاج إلى من يؤمن بها ويحملها وينشرها. اخترته، واخترت معه مسعد خميس النجار، رفيقه الأنتيم، ذلك الفيلسوف الهادئ العبقري، ليساعدني في تحويل يوسف إلى مخرج ملتزم.
أصيب يوسف عبد الحميد في تلك الفترة بحماسة فكرية زائدة، واندفاع غير محسوب. طلبتُ مساعدة مسعد خميس النجار لتهدئته، فكان الصوت العاقل الذي يعينني على الصبر، وعلى ترويض الأفكار لا كسرها. كما اخترتُ عادل شاهين، الشاعر المطرب، ليكون ممثلًا في العرض.
جاء فاروق حسني وشاهد العرض في مركز الجزويت، فانبهر به، وطلب منا الانتقال إلى قصر الإنفوشي وإعادة العرض هناك. وعُيِّن إيمَن صلاح شقوير مسؤولًا عن أمن صالة مسرح الإنفوشي في تلك الفترة.
في أول ندوة بعد عرض «كبرياء التفاهة»، حضر عدد من التشكيليين التجريبيين: د. مصطفى عبد المعطي، د. سعيد العدوي، ود. محمود عبد الله. جلس يوسف عبد الحميد على المنصة، وبدأت الأسئلة حول معنى التجريب وجماعة الاجتياز. قال مسعد خميس النجار إن يوسف هو صاحب اقتراح الاسم.
في تلك المرحلة، كان يوسف ما يزال في عتبات التكوين الفكري الأولى. وعندما حضر عادل النحاس – صديقي الماركسي، زميلي في المدرسة الثانوية، المثقف الخطير المؤمن بالواقعية الاشتراكية، والذي كان يختلف معي ويخاصمني فكريًا – ليهاجمنا، كادت الحماسة تدفع يوسف إلى الانفعال والصياح. همستُ له: المعركة فكر لا عضلات. وعندما حاول عادل النحاس إيقاعه في مصطلحات سياسية معقدة، تماسَكَ. وفي تلك الندوة كسبنا الدكتور مصطفى عبد المعطي، وصادقتُ الدكتور سعيد العدوي، وكتبتُ عنه في صحيفة كويتية.
أما التجربة الثانية مع يوسف عبد الحميد فكانت مسرحية «سيزيف»، التي أخرجها بنفسه. وأقنعتُ الصديق المبدع الكبير علي الجندي أن يقوم بالبطولة، فنجح نجاحًا مبهرًا. وبعد العرض اختلفنا أنا ويوسف ومسعد خميس النجار لأسباب غير فنية؛ إذ كنتُ لا أؤمن بالارتباط العاطفي داخل الفرقة بين أعضائها، حتى تبقى الجماعة متماسكة بلا غيرة أو تشظٍ. كنتُ قد تعلمتُ من تجربة منظمة الشباب الاشتراكي كيف تُجند الطاقات وتوجهها، فجندته – نعم – ضمن من جندت لخدمة المسرح التجريبي.
نجحت التجربة. وقدم يوسف عبد الحميد بعد ذلك عروضًا ناجحة ومتميزة، ونسي المونولوجات والغناء. وكسبنا مسعد خميس النجار ممثلًا من طراز رفيع، ومؤلفًا مسرحيًا وقاصًا، وقدم أعمالًا في إيطاليا.
صار يوسف عبد الحميد مخرجًا أكثر من رائع، ومترجمًا أيضًا. قال لي أحدهم يومًا: أنت سبب بلاء يوسف عبد الحميد، هو ضحية أفكارك وجنونك. تزوج يوسف من فنانة رائعة أنجبت له ولدين رائعين، ثم مات أعزب الروح، وحيدًا، في بيته القديم في كوم الدكة، أمام بيت سيد درويش.
في ليلة العزاء، جلستُ مع الفنان التشكيلي الكبير ماهر جرجس، ومع أخي عادل حافظ – رحمه الله – على مقهى عند ناصية شارعهم في كوم الدكة، نستعيد الذكريات.
عاش يوسف عبد الحميد على المسرح، ومات وهو يتحدث مسرحًا.
رحمه الله.
السيد حافظ.



3:59 م
sayedhafez



Posted in:
0 comments:
إرسال تعليق