إينو
اعترافات الكاتب السيد حافظ مع الأصدقاء والتاريخ والذكاء الاصطناعي
21
هل شاهدتُ إينو في «مسافر ليل»؟
في عام 1968 صدرت مسرحية «مسافر ليل» للعبقري صلاح عبد الصبور. نصٌّ يمزج العبث بالرمزية السياسية، كُتب بعد هزيمة 1967، كأنه صفعة شعرية على وجه السلطة.
ثلاثة أشخاص فقط:
الراكب: المواطن الأعزل.
الكمساري: السلطة الغامضة القامعة.
الراوي: المثقف الذي يرى ولا يتدخل.
مسرحية قصيرة، لكنها كانت بحجم وطن مهزوم.
في صيف 1970، كنتُ قد عُيِّنت مدربًا لفريق التمثيل بمركز شباب الحرية في شارع الإسكندراني بمحرم بك في الإسكندرية، بجوار بيت العائلة، مقابل ثلاثة جنيهات في الشهر. ثلاثة جنيهات فقط… لكنها كانت تعني أن القاهرة — بكل مصاريفها الباهظة — لن تبتلع حلمي في كلية دار العلوم.
القاهرة عاصمة، والعواصم دائمًا تصنع نجوم الأدب والفن والثقافة. أما نحن… فكنا نحاول أن نصنع نجمة صغيرة في شارع جانبي، في مدينة الملح؛ الإسكندرية.
كان هناك الأستاذ كمال عز الذي يدرب الفريق، وكان مدير المركز الأستاذ وسيم، ونائبه صبري سالم — جارنا — الذي توسط لي في الحصول على هذا العمل. كنت أحتاج إلى العمل كي أواصل الدراسة، وكنت أحتاج إلى المسرح كي أواصل الحياة.
كنت قد أصدرت أول كتاب لي، أعلنتُ فيه ميلاد المسرح التجريبي في داخلي: «كبرياء التفاهة في بلاد اللامعنى»، وفكرت أن أخرج «مسافر ليل» بأسلوب تجريبي. جمعتُ فرقة مركز الشباب؛ فرقة شباب وعمال من سن العشرين إلى الخامسة والعشرين. قرأتُ النص لهم، فنظروا إليّ ببراءة صادمة:
— «إحنا مش فاهمين حاجة من المسرحية.»
ورفضوا النص… برفض مهذب.
خرجت من صالة البروفات، وفي الخارج دوّت صفارة انتهاء مباراة كرة القدم. صرخ المدرب:
— «بكرة الساعة عشرة الصبح!»
ركض الأطفال نحو الباب، كنت أقف على الباب رافضًا هزيمتي. وقفت أمامهم وقلت فجأة:
— «دي صفارة التجمع للمسرح… تعالوا خمس دقائق بس.»
فتحتُ باب صالة المسرح، ودخلوا معي. جلسوا على كراسٍ متحركة، يضحكون، لا يعرفون ماذا ينتظرهم. سألتهم:
— «تحبوا التمثيل؟»
قالوا بصوت واحد:
— «نعم!»
ومن تلك اللحظة… بدأ المشوار. كل يوم كنت أنتزع خمس دقائق من وقت كرة القدم، ثم عشرًا، ثم أزيد عشر دقائق، حتى أصبحت هناك بروفات صباحية ومسائية؛ بدلاً من الجري خلف الكرة… الجري خلف الحلم.
إلى أن ظهر أمامي «إينو»؛ طفل في الثانية عشرة، صبي سبّاك — أدوات صحية. يداه متسختان، وشعره كثيف ناعم لا يهتم به كما يفعل نجوم السينما المصرية في ذلك الزمن. كان يقف بجوار عم جمال… الفراش وصاحب البوفيه؛ الرجل الطويل ذو الصوت الأجش، كأنه خارج من مسرح شعبي قديم.
وقتها سألت نفسي: هل يمكن أن يخرج «الراكب» من يدٍ متسخة بالشحم؟ هل يمكن أن يمثل «الكمساري» طفل لم يعرف بعد ثمن التذكرة؟ وهل كنت أبحث عن ممثلين… أم كنت أبحث عن وطن صغير يفهم «مسافر ليل»؟
كان إينو يخرج من حارة ضيقة كأنها صفحة من روايات تشارلز ديكنز (Charles Dickens)؛ شعرٌ ناعم كثيف يلمع رغم الفقر، وجهٌ تغطيه طبقة من تراب النهار، يدان متعبتان من عمله صبيَّ سبّاك، وملابس لا تعرف الأناقة لكنها تعرف الكفاح. كان يحمل على جسده آثار المهنة، وفي عينيه آثار الحلم.
سمحت له بحضور البروفات. كان يدخل الخشبة بحذرٍ أول الأمر، ثم يتحول فجأة إلى طاقة مشتعلة. كان يتنمّر أحيانًا على بعض الأطفال ذوي الملابس النظيفة، وكانوا يتنمّرون عليه بدورهم. لم يكن الأمر شرًّا، بل كان ارتباكًا اجتماعيًا مبكرًا؛ طفلٌ يكتشف أن العالم مقسوم إلى درجات، فيحاول أن يقفز درجةً بالصوت العالي أو بالمشاكسة. كان يتنمّر كمن يدافع عن حقه في الوجود. كنت أوقفهم جميعًا وأقول: «لا شجار، الفنان لا يتنمّر، الفنان يرتقي. الفنان رسالة، ومن يحمل رسالة يجب أن يكون قدوة».
حين بدأتُ إعداد مسرحية «مسافر ليل»، اخترت ثلاثين أو أربعين طفلًا؛ عشرين على الخشبة، وعشرين للكورال يحيطون بالمشهد كأنهم ضمير النص. استدعيت حمدي رؤوف، الشاب المتوهج موهبةً، الذي كنت أراه بليغ حمدي الثاني لو أُتيحت له الفرصة؛ كان نهر ألحان لا ينضب، وموجة موسيقى لا تهدأ.
انضمّت إلينا طفلة جميلة أصبحت اليوم زوجة الفنان الكبير النجم أحمد آدم؛ السيدة آمال. وكان معنا العميد مبابي علي أبو يزيد، ابن خالي — أطال الله عمره — وهو يومها كان طفلاً بين هؤلاء الأطفال.
وفي ليلة العرض على مسرح الأنفوشي، جعلت الشخصيات الثلاث — السائق، والكمساري، وعشري السُّترة — تتكاثر؛ كل شخصية يؤديها عشرة أطفال. كنت أفتت الفرد إلى جماعة، وأحوّل الرمز إلى جسد متعدد. كان المشهد يتحرك كأن المدينة كلها تتكلم. تحاورت مع حمدي حول مقاطع للتلحين، واستخدمنا ألحانًا تشبه النبض الخفي للنص. كانت تجربة مسرحية تستحق أن تُكتب في التاريخ لا أن تُنسى.
لكن الشكوى جاءت من مركز شباب "إمبروزو"؛ قُدمت ضدي بلاغات. صديقي العزيز المخرج المبدع ناجي أحمد ناجي، والصديق مرسي إبراهيم، والقدير محمد مرسي — رحم الله من رحل وأطال عمر من بقي — رأوا في النص تجاوزًا وألفاظًا ملحدة أو كافرة. لم أرَ في النص إلا سؤالًا وجوديًا كما أراده صلاح عبد الصبور، لكن الفن حين يقترب من الأسئلة الكبرى يُتَّهم.
عام 1976 تركت المركز وغادرت مصر إلى الكويت. كان إينو قد شارك معنا في أمسيات شعرية عن محمود درويش وسميح القاسم، وقدمنا أشعار عبد الرحمن الأبنودي ومجدي نجيب وإبراهيم رضوان ززكى عمر وسيد حجاب والابنودى وغيرهم، في أمسيات مسرحية شعرية كان الأطفال فيها ينطقون اللغة العربية بكرامة نادرة.
عدت في زيارة عام 1983 إلى ساحة الحرية. قابلت عم جمال، الحارس والفراش الوحيد الذي كان يفتح "الكانتين" ويصنع لي الشاي كل يوم. كنت أدفع له ثلاثة جنيهات للشاي في الشهر مقدمًا، ونصف جنيه إضافيًا كأنها ضريبة وفاء. (في هذه البروفات شاهد فاروق حسني بروفة عندما عاد من باريس في أول إجازة له وكان يبحث عني).
سألت عم جمال عن إينو، فقال إنه يسأل عني دائمًا. وبعد يومين جاءني إلى البيت. صافحته، كان قد صار فتى في الخامسة عشرة أو السادسة عشرة. قال لي:
— «ليه سافرت يا أستاذ؟ ليه ما قعدتش معانا في مصر؟»
لم أستطع أن أقول له إن مصر هي التي دفعتني إلى الرحيل. لن يفهم السياسة، ولن يفهم المنفى. قلت فقط: «إن شاء الله نكون هنا».
وعندما عدت نهائيًا سنة 1986، علمت أن عم جمال خرج إلى المعاش وسكن في وادي القمر. وسألت عن إينو، فقالوا لي: مات في حادث. هكذا ببساطة… حلمٌ ينطفئ بجملة.
وأذكر أنه قال لي في زيارته:
«الفرقة بتاعت المركز مع كمال عز بتعمل مسرحيات كلام فاضي… مش زي مسافر ليل والقتيل 48. ما يعرفوش يتكلموا عربي.»
لقد درس إينو معي اللغة العربية، وكان يقيس الفن بالمعنى لا بالصوت العالي. واليوم، بعد كل هذه السنوات، أسأل نفسي: هل أخذت طفلًا من الحارة إلى سماء أعلى من احتماله؟ أم أعطيته جناحين ولو لسنوات قليلة؟ هل كان تنمّره صرخة طبقية، أم محاولة مبكرة لصناعة ذات؟ وهل كنت أُعلّمه المسرح… أم كنت أُعلّمه الحلم؟
لا أعرف. لكنني أعرف أن طفلاً يشبه أبطال ديكنز وقف يوماً على خشبة مسرح، وتكلم العربية بفصاحة، وحلم بأن يكون جزءاً من معنى أكبر من الحارة. ربما لم أكتب تاريخ تلك «التكة» بعد… لكنها مكتوبة في داخلي كجرحٍ مضيء.
تمت
السيد حافظ
...



3:08 م
sayedhafez






0 comments:
إرسال تعليق