على حافة الهاوية
اعترافات الكاتب السيد حافظ مع الأصدقاء والتاريخ والذكاء الاصطناعي
23
كاتب على حافة الهاوية
بيان وجودي
لم يكن الفقر وصمة عار في تاريخ الإبداع. كان الانتماء السري للعظماء.
تشيخوف أنهى حياته مفلسًا، يحوّل بيته إلى عيادة للفقراء، كأن الإنسانية كانت مشروعه الأخير. دوستويفسكي كتب روائعه الخالدة تحت وطأة الديون، لكنه ظل يوزع قلبه كما يوزع كلماته. وتولستوي، عملاق الأدب، هرب من قصره ليموت في غرفة انتظار بمحطة قطار؛ وكأنه أراد أن يقول لنا: في اللحظة الأخيرة، نحن جميعًا بلا مقاعد.
على ضفافنا العربية، الجحيم له نكهة أخرى. السياب مات غريبًا في الكويت، يلفه النسيان إلا من قلة. فهد العسكر عاش معزولًا، وكأن الشعر كان خطيئته الوحيدة. وفي مصر... نجيب سرور احترق بناره، يحيى الطاهر رحل كأنه استعجل الموت لأنه عرف أن الزمن ليس زمنه. وبيرم التونسي تنقل في منفاه حاملاً رباعياته، أكثر مما تنقل في صالات التكريم.
أما أنا؟
كنت مليونيرًا في عام 1986. أغرقتني نشوتي. فتحت بيتي وقلبي وجيبي في الإسكندرية، ووزعت أموالي كأنها وعاء لا ينضب. لم يعد إليّ شيء من المديونين. إلا الفنان أحمد العطار. كان الاستثناء الذي يؤكد القاعدة: في لحظة سقوطك، لا تنتظر. ثم سقطتُ.
في 1990 فى القاهرة ، بدأت من الصفر، أتأرجح بين الإذاعة والتلفزيون، بين الضوء والعتمة. اليوم، أنا رهن ديون لبنك في دولة عربية، وملتزم تجاه
اصدقاء فقراء مثلي.
كلما طرقت أبواب الإبداع، خرجت لي من حارة. الابداع أشباه مبدعين، و ناشرون يبيعون الوهم، ومخرجون يصرخون ليغطوا على خواء الداخل. وجمهور ابله يصفق لما يخيفه، لا لما ينيره.
أسأل نفسي كل صباح:
هل الموهبة حكم بالإعدام المؤجل؟
هل الإبداع هو الطريق السريع إلى حافة الفقر؟
هل كُتب على المجنون بالكتابة أن يعيش معلقًا بين خط الستر وخط الخطر، بين قلق اجتماعي وجسد ينهشه المرض؟
لكنني، رغم كل شيء، لا أندم.
لأنني اخترت. اخترت أن أكون كاتبًا لا موظفًا ناجحًا. اخترت الحرية على الاستئناس. اخترت أن أتنفس بالكلمات لا بالهواء. بيني وبين الله عهد قديم: أكتب. لا لأربح، بل لأثبت أنني ما زلت حيًا.
تبًا لأيام لا تنصف المبدعين إلا في غيابهم. تبًا لوطن لا يرى أبناءه إلا بعد أن يصبحوا تماثيل.
ومع ذلك... سأظل أكتب.
لأن الكتابة ليست مهنة. إنها قدر.
وكما قال حكيم مصري قديم: "هنيئًا لمن يعيش على أرض مصر... ويرى العدالة تتحقق."
لعلي أراها قبل الرحيل.
السيد حافظ
....



3:05 م
sayedhafez






Posted in:
0 comments:
إرسال تعليق