صينية البطاطس
اعترافات الكاتب السيد حافظ مع الأصدقاء والتاريخ والذكاء الاصطناعي
20
صينيّة البطاطس – ملامح من شخصية وليم باسيلي
بعد وفاة الزعيم جمال عبد الناصر في سبتمبر 1970، ومع بداية عام دراسي جديد في كلية دار العلوم جامعة القاهرة، كنتُ أتعلم المسرح كما أتعلم الحياة. وفي تلك الأيام تعرّفت عن قرب إلى واحد من الوجوه المهمة في الكتابة الكوميدية المصرية: وليم باسيلي.
كان وليم باسيلي مؤلفًا مسرحيًا وسينمائيًا معروفًا، كتب عددًا كبيرًا من الأعمال للمسرح والسينما، تجاوز العشرين أو الثلاثين عملًا. لكن ما لا يعرفه كثيرون أنه لم يكن حكرًا على الخشبة فقط، بل امتدت كتابته إلى الأغنية أيضًا.
فهو مؤلف كلمات الأغنية الشهيرة «اعمل معروف يا أبو عود ملفوف» التي غناها محمد عبد المطلب، ولحّنها موسيقار الأجيال محمد عبد الوهاب، وكانت من أشهر أغنيات زمنها، تتردد في الشوارع والمقاهي والأفراح، وتحمل روح الدعابة الشعبية التي تميزت بها كتاباته.
تعرفت إليه أثناء بروفات مسرحية «موزة وثلاث سكاكين»، بطولة عماد حمدي ونجوى سالم، ومعهما الكوميدي الصاعد آنذاك محمد نجم، و مظهر أبو النجا صديقي من الإسكندرية وكان من فريق شركة ستيا أو كابو، ومن إخراج السيد راضي.
حين قدّمني إليه صديقي محمد متولي، لم يتعامل معي بتعالٍ الكاتب الكبير أمام الشاب المبتدئ، بل سألني بهدوء:
«بتكتب مسرح؟»
ثم استمع إلى عنوان مسرحيتي كبرياء التفاهة في بلاد اللامعنى باهتمام، وردده كما لو كان يختبر موسيقاه، تمامًا كما يختبر الشاعر إيقاع كلماته في أغنية.
قال لي إنه كتب كثيرًا للمسرح وللسينما، ولم ينس أن يذكر تجربته في كتابة الأغنية، مؤكدًا أن الكلمة واحدة، سواء وقفت على خشبة المسرح أو ذابت في لحن. ثم ترك لي جملة لا تزال تسكنني:
«المسرح اللي إنت بتكتبه… هيبقى له مكان. صدّقني، هيبقى لك مستقبل».
لم يكن قد قرأ لي نصًا، لكنه قرأ شيئًا آخر: قرأ الرغبة، قرأ الحلم.كنت فى دهشة
وبعد انتهاء البروفة في تلك الليلة( كنا في البروفة بسبب ان محمد متولي يعمل مدير خشبة المسرح ونحن طلبة) ، ذهبنا – أنا ومحمد متولي وسامي عبد الحليم – إلى بيت متولى المتواضع بحثًا عن ما يسد الجوع بعد يوم طويل. كنا ننتظر صينية البطاطس المشوية التي كان يعدّها لنا دائمًا، لكننا لم نجدها. انتهت الصينية، ولم يتبقَ إلا القليل من الفتات المحترق في قاع الطاسة، ما يشبه "دمعة البطاطس" الوحيدة. أخذنا نأكل تلك الدمعة بأصابعنا، والخبز نتقاسمها ونضحك كالأطفال. لم يهزمنا الفقر، ولم نشعر بمرارة الأيام. كنا نحلم بالمستقبل: صار سامي عبد الحليم نجمًا وأستاذًا بالمعهد، وصار متولي أحد نجوم مسلسلات أسامة أنور عكاشة.
من خلال هذا اللقاء وتلك اللحظات البسيطة أدركت أن وليم باسيلي لم يكن مجرد كاتب كوميدي، بل صاحب حس شعبي رفيع، يعرف كيف يكتب الضحكة دون أن يبتذلها، وكيف يجعل الكلمة خفيفة الظل، سواء في مسرحية تُعرض أمام جمهور حي، أو في أغنية يشدو بها صوت مثل محمد عبد المطلب على لحن محمد عبد الوهاب.
هكذا بقي في ذاكرتي:
كاتبًا يربط بين المسرح والأغنية، بين الخشبة والشارع، بين الفن والحياة.
وبين ضحكة نجوى سالم، وحكاية عماد حمدي عن يوم الحداد الكبير، وهو موت الزعيم جمال عبد الناصر واعتذاره للجمهور عن تكملة العرض الماتينية وصينية البطاطس الناقصة في بيت محمد متولي، و"دمعة البطاطس" التي أكلناها وضحكنا عليها… ظل وليم باسيلي علامة مضيئة في بداياتي، وكلمة تشجيع قالها في وقتها كانت، بحق، أشهر وأغلى من أي أغنية
تمت السيدحافظ...
....



3:10 م
sayedhafez




0 comments:
إرسال تعليق