الكبار وأشباه الكبار
اعترافات الكاتب السيد حافظ
مع الأصدقاء والتاريخ والذكاء الاصطناعي
18
الكبار… وأشباه الكبار
هناك رجال، وأشباه رجال.
وفنانون، وأشباه فنانين.
ومثقفون، وأشباه مثقفين.
وصحفيون، وأشباه صحفيين.
وأشباه… وأشباه… وأشباه.
لكن ما لفت نظري في هذه المحطة من اعترافاتي هو الفارق بين الكبار حقًا وأشباه الكبار.
في حياتي قابلت ثلاثة من الكبار الذين أثروا في تاريخ مصر الثقافي والعربي:
أولهم الأستاذ سعد الدين وهبة.
وعندما أقول “الأستاذ”، فأنا أعنيها كاملة. كان وكيل أول وزارة الثقافة لشؤون الثقافة الجماهيرية، مثقفًا حقيقيًا يعرف قيمة الكلمة وقيمة الكاتب.
وثانيهم الدكتور فوزي فهمي، رئيس أكاديمية الفنون ونائب الوزير، الناقد والكاتب المسرحي الذي كان يعرف كيف يجمع بين السلطة والثقافة دون أن يطغى أحدهما على الآخر.
وثالثهم الدكتور جابر عصفور، وزير الثقافة الأسبق ورئيس المجلس الأعلى للثقافة، والذي عرفته في الكويت عام 1983 حين كان يعمل هناك في الجامعة.
كان كل واحد من هؤلاء الثلاثة في موقع رفيع.
وكلما ذهبت إلى أحدهم، وجدت أمام مكتبه طابورًا من كبار المسؤولين والمثقفين والصحفيين والمخرجين والفنانين، ينتظرون دورهم.
وما إن تُبلَّغ السكرتيرة باسمي — “السيد حافظ” — حتى يدخل الخبر، ثم يخرج الرد:
“اتفضل يا أستاذ سيد.”
كنت أرى الدهشة في عيون المنتظرين.
لكنني حين أدخل، أجد احترامًا حقيقيًا، واستقبالًا كريمًا، وإنجازًا لما أطلبه، لي أو لغيري:
منحة تفرغ، طباعة كتاب، دعوة كاتب عربي للتكريم، توصية عادلة.
كانوا يأخذون الطلب باهتمام، وينفذونه برجولة، وشهامة، ووعي، وأدب.
هؤلاء كانوا كبارًا قبل المنصب، ومع المنصب، وبعد المنصب.
أما أشباه الكبار، فقد تكرر الموقف معهم بصيغ مختلفة.
بعضهم كانوا أصدقاء قدامى منذ الستينيات.
بعضهم عرفته منذ ثلاثين أو أربعين عامًا.
جلسنا معًا، قرأنا الشعر، وتناقشنا في الثقافة والحلم.
ومنهم محمود آدم، الذي كان يشغل موقعًا قياديًا في القطاع الثقافي، وكان بيننا تاريخ طويل من المعرفة والصداقة.
ومنهم محمد السيد عيد، زميل الدراسة في الإسكندرية، الذي كان يأتي إلى بيتنا مع الشاعر الدكتور سعيد نافع، نقرأ الشعر ونتجادل، ونختلف في الرأي.
لكن حين تغيّر الموقع… تغيّر المشهد.
أدخل الورقة باسمي.
تخرج السكرتيرة قائلة:
“الأستاذ بيقول: حضرتك عايز إيه؟”
نفس الحركة.
نفس السؤال.
نفس البرود.
فأكتب ورقة قصيرة:
“أنا السيد حافظ. مررت اليوم على مكتبك لأشرب معك فنجان قهوة، كي تكتب في تاريخك الأدبي والوظيفي أن كاتبًا اسمه السيد حافظ مرّ عليك ذات صباح وشرب معك القهوة. وكان ذلك شرفًا لي.”
وأوقّع باسمي، وأترك رقم هاتفي.
لا غضب.
لا شتيمة.
فقط ورقة… تضع الأمور في مكانها.
أتساءل اليوم:
هل كانوا يظنون أنفسهم كبارًا حقًا؟
أم أن الكرسي هو الذي كان يمنحهم ظله؟
الآن، وقد خرجوا من المناصب، وجلسوا في بيوتهم،
هل ما زالوا كبارًا؟
أم تلاشى الظل، وبقيت الحقيقة؟
لقد حرموا أنفسهم من فنجان قهوة ذات صباح.
كان يمكن أن يكتبوه في مذكراتهم.
تمّت.
السيد حافظ



4:04 م
sayedhafez





Posted in:
0 comments:
إرسال تعليق