السبت، 18 سبتمبر 2021

44لسيد حافظ والتجريب الغاضب بقلم الدكتور عبد الكريم برشيد – المغرب

 

دراسات من كتب د. نجاة صادق الجشعمي

(44)


لسيد حافظ والتجريب الغاضب
بقلم الدكتور عبد الكريم برشيد – المغرب

 

دراسة من كتاب

المسرح التجريبى بين المراوغة واضطراب المعرفة

 

السيد حافظ والتجريب الغاضب
بقلم الدكتور عبد الكريم برشيد – المغرب

 


 

مدخل للتساؤل

في الفعل التجريبي يتم طرح السؤال المركب التالي دائما: ‏

الكاتب فى المسرح ما هو دوره الحقيقي؟ وما المطلوب منه بالتحديد،؟ أن يحاكى ‏العالم - كما هو هذا العالم - أم أنه محكوم بأن يراه أولا، بعين الفنان الرائي والعراف ‏والساحر، وأن يفهمه ثانيا، بوجدان الشاعر وبعقل العالم، وأن بفككه ثالثا، تماما كما يفعل ‏الأطفال بألعابهم، وأن يعيد ـ رابعا ـ خلقه وإنشاءه وتركيبه من جديد؟

وأرى أنه بغير هذا، فإنه لا يمكن أن يكون الفن فنا، ومن الممكن أن يكون شيئا آخر، أي ‏أن يكون في الكتابة الدرامية تقريرا صحفيا، وتكون نسبته إلى النقل أقوى من نسبته إلى ‏الخلق والإبداع. ‏

شيء مؤكد أن الوجود ليس كما ساكناً وثابتا ونهائياً، خصوصا في عين الفنان المجدد ‏والساحر والمتمرد، والأساسي بالنسبة إليه هو التغيير دائما، أي تغيير الكائن والموجود، ‏بحثا عن الممكن الوجود، وبالتكيد فهو لا يحاكى المخلوقات، كما هي هذه المخلوقات في ‏شكلها ولونها ووزنها وكثافتها، ولكنه يحاكي مبدأ الخلق، وبهذا يكون فعله الإبداعي ‏موازيا لما تقوم به الطبيعة في الواقع، وهو لا يستنسخ الزمن والمكان والأحداث والناس ‏والعلاقات والمؤسسات، كما هى، ولكنه يعيد خلقها من جديد، لأنه لا يراها في شكلانيتها ‏الظاهرة، ولكنه يتمثلها في حقيقيتها البعيدة والخفية والمضمرة وهذا ما وجدناه لدى واحد ‏من المسرحيين التجريبيين في المسرح العربي الحديث، والذي عرفناه باسم السيد حافظ.

نعرف أن العالم- كموضوع فى المسرح - شيء لا وجود له إلا من خلال ذات المبدع، ‏وكما تكون هذه الذات يكون موضوعها، والأساس دائما هو روح الذات المبدعة والخلاقة، ‏وهو فكرها وخيالها، وهو فاعليتها، ونحن دائماً أمام موقف ما، موقف المبدع الناقد ‏والرافض والمتمرد بالضرورة، هذا الموقف يتولد عن رؤية غير محايدة بالتأكيد، ومن ‏خلال تجديد الرؤية والموقف، وتجديد الأدوات التعبيرية، يولد المسرح التجريبى ولادة ‏شرعية، وبغير هذا يكون مجرد لعب، أو مجرد فعل تخريبي وعدواني، ولا شيء أكثر من ‏ذلك، لأن فعل التدمير فيه لا يستتبع فعل البناء الفكري والجمالي. ‏

إن التجريب - كتعبير فنى فكرى - هو بالأساس محاكاة للتغير الواقعى اجتماعاً ونفسياً ‏وسياسياً وفكرياً، ومن هنا يكون للتجريب الغربى معنى، لأنه ثورة تسير بمحاذاة ثورات ‏أخرى، ثورات يمكن حصرها فى الثورة السياسية والصناعية والدينية والفكرية، أما ‏بالنسبة للمسرح العربى فماذا يمكن أن نقول عنه؟ هل نقول بأن التجديد حاصل فى ‏المجتمع والفكر والساسة، وبالتالى يمكن أن يكون له امتداده الطبيعى في المسرح وفي ‏سائر الآداب والفنون الأخرى، هذا هو السؤال الذى سنحاول الإجابة عنه، وذلك من خلال ‏دراسة المشروع المسرحي لدى السيد حافظ،‎ ‎والذي هو مسرح تجريبى تأسيسي طموح، ‏مشروع يغني الواقع بالفن والفكر، ولا يفقره بالادعاءات والشعارات الفارغة.‏

‎ ‎التجريب من تجديد الرؤية إلى تجديد العالم

إن الحديث عن التجريب فى المسرح العربى يمكن أن يؤدى بنا إلى الحقيقة التالية، وهى أن ‏التجريب الفنى والفكرى بابه موصود في بعض التجارب المسرحية العربية، وذلكك لأنه ‏حوار بصوت واحد، ولأنه غير موصول بين المبدع والمتلقي والواقع والتاريخ، إنه رؤية ‏مغايرة بكل تأكيد، وهو مفردات وأدوات فنية جديدة أيضا، وهو مقاربة جديدة لواقع لا ‏يريد أن يكون جديداً أو مغايرا، وتلك هي المسألة، ‏فعلى مستوى الخلق الفنى سنجد أن التجريب ينسى أو يتناسى الجمهور - بكل ما يحمله ‏هذا الجمهور من ترسبات الماضى واحباطات الحاضر - ومن هنا، يبقى الإبداع، رغم فعل ‏التجديد - تأليفاً وإخراجاً وتمثيلاً وتقنيات – فعلا ناقصا، وذلك لأن الجانب الآخر فى الحوار ‏غائب أو مغيب، ولهذا يكون من الضروري التساؤل بخصوص هذا الجمهور المسرحي، ‏هل له وجود حقيقي؟ وإن كان موجودا، فهل تجددت روحه ورؤيته وثقافته المسرحية؟

هل تغيرت أدواته ومفاهيمه للحياة والمسرح؟ ‏

من هنا تجدنا مضطرين لأن نضيف بعض التساؤلات الأخرى، وذلك حتى ندخل المجال ‏الحقيقى للتجريب الحق:‏

‏1 - هل يمكن للتواصل المسرحي، من خلال العرض المسرحي، أن يكون حقيقياً بين إبداع ‏تجريبى متقدم وجمهور مسرحى متخلف؟

‏2 - كيف نسعى إلى خلق خطابات فكرية وفنية مغايرة، ثم نعمل على إيصالها إلى الآخر ‏المتلقي، فى الوقت الذى لا وجود فيه لهذا الآخر الخالف والمختلف والمغاير؟ ‏

إن الكتابة التجريبية الأخرى لا تكتمل إلا بالقراءة التجريبية أيضا، ومن طبيعة الكتابة ‏الإبداعية الجديدة ألا تكون فاعلة وحقيقية إلا بوجود قراءة جديدة، وهذا هو ما جعل ‏كثيرا من المسرحيين التجريبيين غير (مفهومين)‏

‏3 - التجريب بالأساس ضرورة، فالواقع عندما يزداد الواقع اليومي والتاريخي تركيباً ‏وتعقيداً، فإنه يصبح فى حاجة إلى أدوات مركبة ومعقدة أيضاً، وذلك حتى تستوعب التقنية ‏الجديدة الموضوع الجديد، وحتى تكون قريبة من المضمون الفكري الجديد أيضاً، وحتى ‏تكون أقرب إلى التعقيد الذهنى والنفسى للجمهور، ولهذا يكون من الضروري ن نتساءل: ‏ــ هل وصل الواقع العربى إلى مرحلة دقيقة ومركبة ومعقدة حتى نبحث له عن لغات ‏فنية وتقنية تكون أكثر تعقيداً وأكثر دقة؟

‏4 ـ ونعرف أن الإبداع الحقيقى يقف دائماً فى مواجهة السلطة، هذه السلطة التى لها أكثر ‏من وجه، ولها أكثر من قناع، وإن أخطر سلطتين يواجههما الإبداع العربى اليوم هما ‏سلطة الدولة وسلطة الجمهور، فالدولة تفرض مغازاتها والدوران فى أفلاكها، أما السلطة ‏الثانية فتعبر عن ذاتها مسرحياً من خلال الشباك الغاشم الذى يرضى عن العادى والمبتذل ‏والبسيط والسطحي والمفهوم والساقط، ولكنه يعادى الجديد والحقيقى، ويخاصم الغريب ‏والغني والموحى‎.‎

إن الإبداع فى المجتمع العربى مطالب بأن يكون تابعاً للسلطة - فى جميع تجلياتها - ‏عوض أن يكون سابقاً لها، والمطلوب من المبدع ألا يبدع، وأن يكتفي بأن يكون ساكناً ‏وثابتاً وتابعا ومتخلفاً ومعادياً للتجريب وللاجتهاد، وأن يكون قانعاً باجترار المفاهيم البالية ‏والقديمة، وأن يحذر السقوط في (البدعة)‏

إن الإبداع الحق يقوم أساساً على الحرية، أي حرية المبدع فى الخلق، وحرية الجمهور فى ‏التجمع وفي التجمهر وفي الفهم، وهذا ما ليس له وجود مع وجود السلطة المستبدة ‏والمتسلطة. يقول أبوللينر عن الكاتب المسرحى:

‏(من العدل أن يجعل الجموع والأشياء الجامدة تتكلم إذا راق له‏

وأن يغفل الزمان

وكذا المكان

إن عالمه هو مسرحيته

وفى داخلها هو الإله الخلق

الذى يرتب كما يشاء

الأصوات والإيماءات والحركات والكتل والألوان)‏

وهذا ما سنجده فى مسرح السيد حافظ، هذا المسرح الذى هو عالم آخر، له أزمانه ‏المغايرة وأشخاصه وطقسه، والذى هو عالم سحرى يختلط فيه الواقعى بالحلمى والتاريخى ‏بالاسطورى، والمحسوس بالمجرد، والمشخص بالمعنوى. هذا العالم له بنية الخاصة، ‏سواء فى التركيب الذهنى والنفسى للشخصيات أو فى اللغة والحدث والمواقف، وهذا ما ‏سوف نراه فى هذه المقاربة.‏

السيد حافظ : لسان حال جيل النكسة

من يكون السيد حافظ؟

من هنا التساؤل أبدأ من جديد، إنه أساسا مؤلف ومخرج مصرى من جيل النكسة، أى من ‏جيل العنف والغضب والشعور بالإحباط، ومن هنا كان القلق ميزته الأساسية فى الكتابة، ‏وهو في حياته وفي حياة مسرحه قلق وجودى واجتماعى معاً، لأنه يتردد بين رفض ‏الشرط الإنسانى ككل ورفض الواقع المصرى ـ العربي المعاصر، والذي هو واقع تاريخى ‏ساقته عوامل عديدة ـ ذاتية وموضوعية - إلى عنق الزجاجة، وبذلك كانت النكسة نتيجة ‏طبيعية لكل ما سبقها وأوجدها، يقدمه لنا (محمد يوسف) كالتالى: ‏

‏(ينتمى السيد حافظ إلى رعيل من جيلنا، شارك فى المظاهرات الطلابية التى انفجرت فى ‏مدينة الإسكندرية عام 1968 أى بعد مرور عام الهزيمة الفاجعة فى عام 1976. وكان ‏واحداً من هؤلاء المتظاهرين الذين خرجوا يتحدون الحكومة والنظام، ويطالبون بمحاكمة ‏الجنرالات والضباط الكبار الذين انشغلوا بالكرة والأندية الرياضية عن الاستعداد العسكرى)

هذا الغضب على الواقع التاريخى - بكل مظاهره ومكوناته المختلفة – نجد له امتدادات ‏تصل إلى الكتابة الدرامية عند السيد حافظ، هذه الكتابة الغاضبة والمتمردة، والتى يمتد ‏رفضها إلى كل القوالب البالية المسرحية، فنجدها تحطم كل شئ، ولا تبقي على اي شيء، ‏تحطم اللغة، وتحطم الشخصيات، وتحطم الحوار الساكن والمهادن، وتحطم البنية المسرحية ‏التي تنتهي عادة إلى البنية السعيدة، وتحطم الرؤية السطحية والاختزالية التي لا تستحضر ‏عمق القضايا وخطورتها، وتحطم كل المفاهيم المدرسية والعتيقة، والتجريب بالنسبة إلديه ‏ليس ترفا، ولييس حادثا طارئا في مساره الإبداعي، ولكنه ضرورة وجودية وتاريخية، لأنه ‏متولد عن حاجة نفسية داخلية للتغيير، أي تغيير الرؤية، وتغيير موضوع الرؤية، وتغيير ‏أدوات الرؤية، وذلك من أجل ايجاد فن جديد لعالم جديد، عالم يقفز على قبح الحاضر ‏المحمل بتداعيات الهزيمة الحضارية قبل الهزيمة العسكرية، والمثقل بكل عوامل ومقدمات ‏النكسة‎.‎

يقول السيد حافظ فى استجواب صحفى:‏

‏(جيلنا من الكتاب الذى لم يظهر إلى الآن.. جيل رائع مليء بأشياء خفية مضيئة مكتوب ‏عليها ممنوع الاقتراب من هيئة المسرح والثقافة الجماهيرية مرتع للفوارغ من كل شيء ‏فى الأقلام) ‏

هذا الغضب ناتج عن إحساس باطنى بالغبن والظلم والقهر؛ فالمؤلف - من جهة - لا ‏ينتمى لجيل الستينات - الذى كانت هيئة المسرح والثقافة الجماهيرية مفتوحة فى وجهه. ‏ثم إنه - من جهة أخرى - ينتمى جغرافياً إلى مدينة الإسكندرية، هذا الانتماء الذى يعنى ‏إبعاده عن المركز، أى القاهرة، والتى هى السلطة الثقافية الواحدة والوحيدة والكلية، إنها ‏الكل في الكل، وخارجها لا وجود إلا للفراغ. ومن هنا جاءت ثورته على الاستبداد السياسى ‏موازية لثورته وغضبه على الاستبداد الجغرافى أيضا. ففى مسرحية (حدث كما حدث ولكن ‏لم يحدث أى حدث) نقرأ هذا الإهداء‎ :‎

‏(إلى جيلنا الرائع فى غلاف التكوين.. إلى أدباء الأقاليم)‏

إنه الحصار إذن؛ حصار جيل كتبت عليه الهزيمة فرضا، وفرض عليه أن يتحمل وحده ‏تبعاتها، وهو أيضاً حصار أقاليم ليس لها من ذهب سوى أنها تقع خارج المركز الذي تمثله ‏القاهرة، أى بعيداً عن مصدر السلطة السياسية والثقافية والفنية، يقول إبراهيم عبد المجيد ‏عن المؤلف‎ :‎

‏(وهو يعيش بالإسكندرية بعيداً عن القاهرة، والبعد عن القاهرة كثيراً ما يكون غنيمة ولكنه ‏فى مجتمعنا - وخاصة فى مجال الأدب – مصيبة؛ فالكتاب والفنانون جميعاً مدعوون ‏لهجرة الأقاليم والمدن من أجل هذا المرض الخطير المسمى "بالمركزية" مركزية مادية ‏وروحية أيضاً) ‏

وبهذا كان لتمرد السيد حافظ أبعاداه المتعددة والمتنوعة، فهو تمرد على السلطة وعلى ‏تمركزها فى مدينة واحدة، وفى شخص واحد، وفى جمهور واحد له بُعد نفسى وذهنى ‏وذوقى واحد، لأجل هذا كان دخوله المسرح التجريبى دخولاً شرعياً، لأنه دخول يهدف إلى ‏تحطيم الأوثان وإلى هدم الوثنية، هذه الوثنية اللائكية التى تتجلى فى عبادة المدينة/ ‏الصنم، وفي عبادة الشخص الوثن، والذي هو الزعيم السياسي في الوطن العربي.

إن فعل التجريب مرادف للتغيير، فهو يظهر دائماً فى المراحل الانتقالية؛ ففى فرنسا ظهر ‏مسرح العبث مباشرة بعد الحرب العالمية الثانية، وقد جاء ذلك كفراً بكل الشعارات فى العلم ‏والتقدم والعقلانية والحرية والتفاهم والتعايش، أما فى العالم العربى فقد جاء التجريب ‏مباشرة بعد النكسة، أي نكسة العرب فى 1967، لقد جاء فى الزمن الصعب ارتجالاً لواقع ‏آخر، وكان محاولة لإيجاد وعي مغاير وفكر مغاير وفن مغاير ومسرح مغاير، جاء كفراً ‏بعد إيمان، لحد السذاجة، وجاء تمرداً بعد خنوع، وجاء حركة بعد سكون، وجاء بحثاً بعد ‏انتظار، وجاء صراخاً حاداً بعد صمت تاريخي طويل جدا. لقد كتب السيد حافظ مسرحيات لا ‏تمت للمسرح التقليدي بشيء، وصور واقعاً عربياً متعدد الأبعاد والزوايا والمستويات؛ فبدا ‏هذا الواقع غامضا وغريباً وملتبسا، وبدت مسرحياته أكثر غموضا وغرابة؛ فالشخصيات ‏قد تكون رموزاً، وقد تكون أصواتا،ً وقد تكون حيوانات بشرية، وتبدأ الغرابة لديه فى ‏أسماء مسرحياته‎:‎

‏1- حدث كما حدث ولكن لم يحدث أى حدث‎.‎

‏2- الطبول الخرساء فى الأدوية الزرقاء‎.‎

‏3- قرية المفروض فى مدينة الرفض ترفض رفض الأشياء‎.‎

‏4- الحانة الشاحبة تنتظر الطفل العجوز الغاضب‎.‎

‏5- هم كما هم ولكن ليس هم الزعاليك‎.‎

‏6- كبرياء التفاهة فى بلاد اللا معنى‎.‎

‏7- ست رجال فى معتقل - ب شمال حيفا‎.‎

‏8- حكاية مدينة الزعفران

‏9- حبيبتى أميرة السينما‎.‎

هذه الأسماء هل لها معنى؟.. أكيد لها معنى، ولكن يبقى بعد هذا، هل يصل إلى القارئ ‏المتفرج هذا المعنى؟ مرة أخرى نتساءل. أى قارئ وأى متفرج نعنى؟ شئ مؤكد أن هذه ‏الكتابة الغاضبة الرافضة تتجه أساساً إلى جيل غاضب ورافض، وأكيد أيضا أن فعل تفجير ‏الكتابة الدرامية التقليدية، جزء من تفجير هذا العالم، ومن تدير هذا الواقع، وذلك لإعادة ‏بنائهما بصيغة أخرى مختلفة ومغايرة‎.‎

فلو تأملنا جيداً أسماء مسرحياته فماذا سنجد؟ سنجد أنها تتركب من المفردات التالية: ‏‏(الكبرياء - التفاهة - اللامعنى - الخرساء - الرفض - الشاحبة - تنتظر - الطفل ‏العجوز - الغاضب معتقل).. هذه الكلمات القليلة تختصر كل رؤية المؤلف للعالم، وهى ‏رؤية مأساوية لحد العبث، كما تختصر شعوره القائم على الغضب وعلى رفض التفاهة ‏واللامعنى من اجل تجاوز حالة الانتظار، ومن أجل رفض زمن الشيخوخة، ورفض حالة ‏العجز والاعتقال.

‏يقول على شلش عن المؤلف‎ :‎

‏(إنه شاب جريء جداً، وطموح جداً، حطم بطموحه وجرأته قواعد المسرح من أرسطو إلى ‏بريخت) وهل هناك فعل تجريبي بدون طموح؟ وهل يمكن بناء الآتي الممكن الوجود، إلا ‏بتدير وهدم هذا الكائن السائد والمتسيد؟

عن الطليعة فى منظورها العربى

أعمال السيد حافظ المسرحية تحدق فى الناس والأشياء بعينين اثنتين وليس بعين واحدة: ‏العين الأولى مصرية ـ عربية، وهى مفتوحة على الـ "نحن" وعلى "الآن" والـ "هنا" أما ‏الثانية فهى عين غربية ـ عالمية وكونية مفتوحة على المسرح الأوروبى كتجارب جريئة ‏وجديدة ومثيرة ومدهشة، هذا الازدواج فى الرؤية والتعبير عنها هو ما حرر مسرحه من ‏التبعية للمسرح التجريبى الغربى، وهو ما جعله يبدع فعلا تجريبيا فيه أشياء كثيرة من ‏خصوصية المكان المصري، وفيه أشياء كثيرة من عبق الزمان العربي، وفيه شياء كثيرة ‏من عبقرية الإنسان المصري والعربي. ‏

ورغم غرائبية الأحداث والشخصيات والحوارات في مسرحه، فإنه لم يسقط فى اللا معقول، ‏لأنه اكتفى بمحاورة الشكل العبثى، من غير أن يغوص فى مضمونه الفكرى، والذي هو ‏مضمون وجودى محض، مضمون قائم على نظرة عدمية ترتكز على النفى، نفى المعنى، ‏ونفى الحوار، ونفي اللقاء، ونفي وحدة الهوية، ونفي إمكانية أن يحدث شيء جديد في ‏هذا العالم القديم، وأن يكون له معنى، فلا شيء في مسرح العبث إلا الخواء، ولا وجود إلا ‏ل(شخصيات) بلا هوية، وبلا عمق، وبلا ملامح، شخصيات خاوية تقول أى كلام، ‏وتتصرف أى تصرف، وكأنها من عالم مسرح الدمى، وهي لا تختلف عن غيرها، ولا ‏يختلف غيرها عنها. هذا المسرح العبثى ليس هو مسرح السيد حافظ بالتأكيد، لأنه - حتى ‏فى هلوساته المحمومة وفي تحليقاته وشطحاته - فهو لا يفقد الصلة بالأرض التى يقف ‏عليها، ولا ينسى المكان والزمان والناس والقضايا. إنه يبتعد - شكلياً - ليقترب مضمونياً. ‏فقد نجد أن مسرحياته بعيدة عن جزيئات الواقع، ولكنها قريبة من روح وجوهر هذا ‏الواقع، وهي قريبة منه من لحد الانصهار والتماهي فيه‎.‎

عندما نقرأ كتاباته الأولى نجد أن السيد حافظ كان عضوا سابقا فى جماعة المسرح ‏الطليعى، الشيء الذى يجعلنا نتوقف قليلاً لنتساءل : الطليعة - كمصطلح فنى، له أصل ‏عسكري - ماذا تعنى؟

‏يقول بيرناردورت: (كل طليعة هى أولاً انقطاع عن باقى الجيش، وهى كذلك رفض للنظام ‏والسلوم المشترك) ‏

فالأساس إذن هو القطيعة والانقطاع، أي الانقطاع عن الماضى والحاضر وعن كل المكونات ‏التى صنعت هذا الحاضر، بكل سلبياته وتمظهراته المختلفة والمتخلفة. الانقطاع عن شروط ‏الهزيمة، والتي هى شروط مادية ورمزية لها وجود فى الإنسان وفى الرؤية المتخلفة ‏للوجود، ولها حضور فى الفكر والفن والعلم، وفي المؤسسات والعلاقات، وفي السلوك ‏اليومي، وفى اللغة اللفظية وكل اللغات الأخرى.

ويبقى أن نتساءل عن حقيقة هذه الطليعة، هل هناك فرق بين مفهومها - فى الغرب ـ ‏ومفهومها لدى السيد حافظ وجماعته؟.. أكيد هناك أكثر من فرق، لأن الانهزام العربى هو ‏انهزام عسكرى سياسى حضارى تاريخى اجتماعى، انهزام يمكن تفسيره وتعليله، لأنه ‏نتيجة حتمية لشروط ثقافية وسياسية واجتماعية موضوعية، أما الانهزام الغربى فهو ‏انهزام وجودى ميتافيزيقى، انهزام الإنسان أمام صمت الكون وانغلاقه وعبثه، ومن هنا فلا ‏مجال للتفسير والتغيير، فلا شيء حقيقى إلا العبث والخواء والعدم والفوضى، هذا العبث ‏الذى اتخذه الإنسان الغربى (موقفاً وجدانياً من الحياة قبل أن يكون موقفاً فكرياً من ‏الوجود) وهذا العبث - فى بعديه الوجدانى والفكرى - هل نجد له صدى فى مسرح السيد ‏حافظ، هناك إشارة إلى العبث جاءت فى مسرحيته (الطبول الخرساء فى الأودية الزرقاء)، ‏ولكن ذلك لا يكفى، لأن المضمون لا يعرف أن العبث ليس مذهباً حديثاً، وأن أوديب قمة ‏العبث وأن الأساطير والتراث تأكيداً والتغريب فى عدة وجوه ومراحل.. ‏

هذا إقرار بأن العبث قديم جداً، وأن له جذوره فى الماضى البعيد وامتداد فى الحاضر وما ‏بعده، ويبقى أن العبث - كإحساس باطنى أو كمفهوم أخلاقى - شيء والعبث كمذهب ‏فكرى متكامل شيء آخر، ويبقى أن نؤكد أيضا على الحقيقة التالية، وهي أن العبث الغربى ‏هو نوع من الترف الفكرى والحضارى، إنه القفز على القضايا الاجتماعية والسياسية ‏لمعانقة القضايا الميتافيزيقية المجردة، إنه تساؤلات ما ورائية تتخطى الخبز والكرامة ‏والعمل والحرية والعدالة الاجتماعية والاعتقال والاستغلال والاضطهاد والقهر النفسى ‏والجسدى والغربة والمنفى والتمرد السياسي للبحث عن معنى الوجود‎.‎، وما أظن أن هذا ‏هو نفس ما كان السيد حافظ يسعى إليه.‏

إن (عبثية) السيد حافظ يمكن ردها إلى أصولها المصرية والعربية الحقيقية، وهي مرتبطة ‏أساسا بالوضع الاجتماعى والسياسي المحدد، مكانياً وزمانياً، وليست عبثية مطلقة، إنها ‏الكشف عن اللامنطق واللامعقول فى المجتمع، أى فى العلاقات وفي المؤسسات، وفي ‏العقليات والنفسيات، وبهذا فقد كان تمرده تمردا ثورياً، وبهذا فهو فعل معقول جدا، وذلك ‏في مواجهة واقع تاريخي لا معقول، وغير مقبول، إنه فعل واقعي وحقيقي، يمكن أن يثمر ‏التجديد والتغيير مستقبلا، أي تغيير الإنسان، وتغيير الدولة، وتغير الأمة، وتغيير النظام ‏العام، وتغيير الوعي العام، وتغيير الذوق العام.‏

عن البطل المسرحى والأقنعة المسرحية

وعندما نسأل، أو نتساءل: عن أى شيء يبحث أبطال السيد حافظ في مسرحياته، فإن ‏الجواب يأتينا كالتالى، إنهم يبحثون عن الممكن، وليس عن المحال، يبحثون عن مدينة ‏يغيب فيها (ممارسة القهر على المواطن، وطمس كيانه ومسخه بتمريره على أجهزة القهر ‏والعجز والتخلف‎(‎
وإذا كان هؤلاء الأبطال يقفون بين حدى الإيجاب والسلب، فإننا نجد على رأسهم شخصية ‏أبى ذر الغفارى، ذلك (الصحابى الجليل الممسك بسيف الحق القابض على الجمر) إنه رمز ‏التمرد عنده، وهو تمرد اجتماعى سياسى يقرن الفعل النظرى بالفعل العملى ويزاوج بين ‏كلمة الحق والسيف الذى يحمى الحق وينصره، هذا البطل الملتحم بالناس وبقضاياهم ‏اليومية يعيش النفى والغربة، وذلك شيء طبيعى ما دام أنه يحمل فكراً مغايراً وأخلاقاً ‏مغايرة وتصورات حقيقية للعلاقة بين المواطن والمواطن، وبين الرعية والراعى. ولأنه ‏يرفض الواقع المزيف فقد كتب عليه أن يعيش غربته النفسية والاجتماعية والفكرية‎.‎

‏(وتموت غريباً فى أرض الله الواسعة‏

وتموت غريباً بين خلق الله الجائعة

وتموت بعيداً ولم تحسم القضايا

بين أغنياء البلاد والفقراء العرايا)‏

تتكرر كلمة الموت ثلاث مرات، وتتكرر كلمة (غريباً) مرتين وتبقى الكلمات الأخرى هى ‏أرض الله الواسعة وخلق الله الجائعة والفقراء العرايا وأغنياء البلاد مما يؤكد نية التمرد ‏لديه، وذلك لأنه فى حقيقته تمرد على الظلم والقهر وعلى التفاوت الطبقى الفاحش. ‏

‏(وبين قصور السلاطين والأمراء بيوت الفقراء‏

بلا طعام

والموائد تمتد فى حدائق القصور الغناء

بأطيب الطعام

وأنت هنا.. تشرب رملاً وتأكل رملاً هنا..) ‏

كما أنه تمرد على السلطة القائمة على القمع وعلى التجسس على أنفاس الناس ‏(بين كل رجل ورجل رجل من الشرطة السرية وبين صوتك وصوت الناس التضليل ‏والضلال المبين) ‏

وإذا كان كتاب اللا معقول يؤكدون على غياب المعنى فى الوجود، فإن السيد حافظ يشير ‏إلى وجود المعنى وإلى وجود الحق والحقيقة، ولكن هناك من لا يريدهما فيعمد إلى ‏التضليل والتجهيل، حتى يغيب الوعى، ويسود الجهل، وتبقى الدنيا كما هى الدنيا ساكنة ‏من غير تقدم، وجامدة من غير تغير ولا تحول. ‏

هذا هو القناع الأول للبطل فى مسرح السيد حافظ، أما القناع الثانى فيمثله (سيزيف) ‏وسيزيف والواقع هو رمز العبث الوجودى، إنه لا يحقق هدفاً معيناً ولا يصل عند حد ما. ‏هذا البطل العبثى يتسرب إلى مسرح السيد حافظ فنجده فى المسرحية التى تحمل اسم ‏‏(سيزيف القرن العشرين) ونتساءل. لماذا سيزيف بالذات؟ ولعل السؤال الأكثر أهمية هو ‏كيف قرأ - المؤلف الجديد الأسطورة القديمة؟ هل استنسخها - كما هى، أم أنه أعاد ‏كتابتها من جديد بوعي جديد؟ ‏

لا شك أن السيد حافظ، باعتباره كاتبا مسرحيا، لم يختر التملص التام من جاذبية الفكر ‏الأدبى الغربى، خصوصاً وأنه كان يعيش مرحلته الإبداعية الأولى، ومع ذلك يمكن أن نقول ‏بأن سيزيف الجديد هذا، قد جاء وهو يحمل على ظهره هموم الإنسان المصري ـ العربى، ‏فهو لا يعانى من أزمة وجودية تتجسد فى حضور السؤال وغياب الجواب وفى البحث ‏العبثي عن معنى للوجود وعن غياب هذا المعنى. ‏

سيزيف عند السيد حافظ يزاوج بين الهمين الوجودى ـ الميتافيزيقى والهم الاجتماعى ‏المادى حيث نتلمس (مقالب السلطة والبيروقراطية) أن التمرد على العبث الوجودى هو فى ‏جوهره عبث لأنه (ثورة) على اللا متغير، إنه العبث الذى يواجه العبث فلا يثمر شيئاً غير ‏العبث، وليس هذا هو مطلب كاتب مسرحي من جيل النكسة، كاتب يسعى لأن يتغير كل ‏شيء نحو ما يخدم إنسانية الإنسان، ونحو ما يؤكد مواطنة المواطن في وطنه، ونحو ما ‏يجعل مدينته مدينة مدنية بشكل حقيقي .

إن مسرحية السيد حافظ تختفى أساسا (بالإنسان المتمرد على المواصفات الاجتماعية ‏والحضارية) أى أنها تتجاوز المطلق إلى ما هو نسبى، وتركز على الاجتماعى المحسوس ‏عوض، أن تغوص فى الميتافيزيقا وفى المجردات الذهنية‎.‎

أما القناع الثالث للبطل فهو الذى يمثله الفلاح عبد المطيع، وهو رجل بسيط، يعانى الفقر ‏والتسلط، مطالبه محدودة ومتواضعة وبسيطة جدا، ولكنه مع ذاك يجد نفسه محاصراً بين ‏سلطتين ظالمتين، سلطة الزوجة فى البيت، وسلطة الحكم خارج البيت، وهو بينهما يعانى ‏الكبت الاجتماعى والسياسى، يفرح من غير فرح ويحزن من غير حزن، ويتزوج من غير ‏حب، ويفعل من غير اقتناع. إنه يعيش داخل آلة جهنمية تسمى المجتمع، وهذا المجتمع ‏قائم على اللامنطق، فلا شئ فيه معقول، ولا شيء له ما يبرره. وهو مطالب بأن يسمع ‏أوامر الحكم، وان يطبقها حرفياً، من غير أن يسأل عن معناها ومعزاها، حسبه أن يطيع فى ‏البيت وخارج البيت، حتى يكون أهلاً للاسم الذى يحمله، عبد المطيع، والذي يفيد الطاعة ‏العمياء والخرساء.

هذا البطل إذن، هو الحلقة الثالثة فى مسرح السيد حافظ، وهو شخصية واقعية حقيقية ‏بسيطة، وهو يختلف بالتأكيد عن (سيزيف) المتمرد الوجودي والأسطوري، وعن ‏‏(المناضل) الثوري أبى ذر الغفارى، الثائر الطوباوى، وهو بهذا أقرب إلى المواطن الشعبي ‏المقهور، منه لى الشخصية التاريخية أو الأسطورية.‏

ملامح الكتابة/ الضد عند السيد حافظ:‏

إن الكتابة الدرامية لدى السيد حافظ تتمرد على كل الأصول التقليدية. إنها الكتابة/ الضد ‏التى تقف داخل وخارج الفن المسرحى؛ فهى كتابة تؤمن بالمسرح - كمظاهرة شعبية ‏وإبداع فنى وفكرى - ولكنها تكفر بقواعده البالية، والتي هى ـ في أغلبها ـ قواعد ‏مدرسية مستهلكة، وهي قوانين جائرة ومستبدة، لا تختلف كثيرا عن القوانين الاجتماعية ‏والسياسية، وماذا يمكن أن يكون موقف كاتب متمرد وثائر من الاستبداد سوى أن يرفض ‏كل القيود - داخل وخارج الفن المسرحى؟ وكذلك كان.

(فعندما نشر مسرحيته الأولى ‏عام 1970 "كبرياء التفاهة فى بلاد اللا معنى" أثارت أثناء مناقشتها فى جمعية الأدباء ‏بالقاهرة جدلاً لا حد لغلوائه وعدم تعقله.. أطلق البعض يرجمها بدون هوادة وبغير رحمة ‏لأن هذا البعض صدمته غرابتها لما هو مألوف لديه) ‏

هذا الهدم هو فى جوهره هدم للصيغة الغربية للمسرح، هذه الصيغة التى تريد أن تكون ‏المسرح كله، فى كل مكان وزمان، وعند كل الشعوب، ولكن، أهذا مطاب ممكن؟ أهو ‏ضرورى أن يكتب كاتب عربى من مصر - يعيش فى النصف الثانى من القرن العشرين - ‏أن يكتب كما كتب موليير وراسين و(كورناى) فى القرن السابع عشر؟ إن إحساس الكاتب ‏بأنه يحمل مضامين مغايرة ألزمه بأن يبحث لها عن أشكال مسرحية مختلفة ومغايرة، وفى ‏انتظار أن يعثر عليها يوما، فلابد أن يبدأ من حيث يجب البدء، أى من هدم المسرح فى ‏شكله التقليدى، وذلك ما هو فعله السيد حافظ في مسرحه، قد يكون ذلك الهدم فوضوياً فى ‏البداية، لأنه لم يعط البديل الفكرى والفنى، ولكنه هدم ضرورى، أولاً لتحطيم قدسية الأوثان ‏المسرحية، وثانياً لتأكيد الشعور بالحاجة إلى مسرح آخر، وثالثا لفتح الباب أمام الأجيال ‏القادمة من أجل أن تؤسس كتابتها المسرحية الجديدة والمجددة. ‏

وبعد هذا لا بد أن نسأل: ما هى ملامح الكتابة التجريبية عند السيد حافظ؟
يمكن أن نقول بأن كل مسرحية لديه لها بناؤها الدرامى الخاص، فهو فى كل إبداع جديد ‏يجرب شكلاً جديداً، وهذا البناء المددد والمتجدد، بأى شيء يمكن أن ننعته سوى أنه لا ‏أرسطى، بمعنى أنه لا يلتزم بقواعد أرسطو، سواء من حيث التمييز بين التراجيديا ‏والكوميديا، أو من حيث الوحدات الثلاث، أو من حيث وحدة الحدث، أو من حيث تطوره ‏التصاعدى وتأزمه وانفراجه، أو من حيث طبيعة الشخصيات ومفهوم التراجيديا، فالحدث ‏فى مسرحه فعلا موجود، ولكنه حدث ممهور بالغرابة، وهو غالباً ما يكون ساكناً أودائريا ‏و حلزونيا، ونجده قائماً أساسا على الانتظار، وعلى الترقب، وعلى الترصد، وإذا تحرك هذا ‏الحدث، فإنه لا يتحرك فى خط مستقيم، ولا يصعد إلى الأعلى بالضرورة، ولا يتحرك بين ‏التأزم والانفراج، وقد يبدأ من الخلف أو قد يعود إلى الخلف بشكل سينمائى (فلاش باك) ‏هذا الحدث يبدأ عادة متأزماً، ربما لأن الانفراج ـ في وعي الكاتب ـ نوع من التفاؤل ‏الكاذب، وعليه، فإنه لا مجال للتمويه على النفس والكذب على الجمهور والقراء‎.‎

أما المكان فى مسرح السيد حافظ فهو مكان مسرحى خاص، مكان مرتبط بالمسرحية كعالم ‏جديد وكون جديد، وبذلك فلا مجال للبحث عنه فى خرائط العالم. إنه المكان الذي يقع خارج ‏الجغرافيا، أما الزمن فهو متحرر من الساعة ومن عقاربها، إنه الزمن الحلمى والاسطورى ‏والخرافي والسوريالي. وقد يحدث أن يكون للمسرحية تاريخ محدد، ولكن هذا التاريخ يظل ‏غائباً كوقائع - لها ارتباط بمكان محدد وزمن محدد وأشخاص معينين - لأنه روح قبل كل ‏شيء آخر، وهو بهذا إحساس وظلال نفسية وحالات فكرية قبل أي شيء آخر. ‏

فالزمن فى مسرحية (حدث كما حدث ولكن لم يحدث أى حدث) يدور (أثناء الحرب العالمية ‏الثانية، والمكان، مخبأ عام فى أحد أحياء الإسكندرية) أما فى مسرحية (الحانة الشاحبة ‏العين تنتظر الطفل العجوز الغاضب) فإن المؤلف يحصر الزمن (بعد أحداث خمسة يونيو - ‏الفترة الأخيرة من القرن العشرين الفترة التى تبدأ فيها الشمس فى الاستغراق والظلام ‏يزحف)‏

أما المكان فى نفس المسرحية فهو (جزيرة السمان - فى صحراء رام الله - فى خطوط ‏المواجهة "السويس والإسماعيلية" فى داخل الأرض المحتلة - فى بقاع آخر "من المجتمع") ‏وبرغم هذا التحديد، فإن السيد حافظ لا يمهمه أن يقدم صورة واقعية وطبيعية للمكان ‏والزمان، لأن الأساس لديه هو‎ ‎ألا يكون الديكور واقعياً، وذلك حتى لا يسجن ذهن المتفرج ‏داخل بؤرة واحدة ضيقة (الديكور رمزى - تجريدى - يستخدم أشياء بسيطة فى ديكور ‏هذه المسرحية)‏

وتدور المسرحيات الأخرى فى إطار مكانى/ زمانى غريب؛ فمسرحية (ظهور واختفاء أبو ‏ذر الغفارى) تقع أحداثها فى دولة "فردوس الشورى" (الفردوس الأخضر سابقاً) أى أنها ‏دولة ليس لها موقع جغرافى على خريطة العالم، لأنها دولة تقع على حدود اللازمان ‏واللامكان، بمعنى أنها دولة "معنوية" تظهر فى عصور التخلف والعجز والقهر والهزيمة، ‏قد لا يكون لهذه الدولة وجود على خريطة العالم، ولكنها بالتأكيد لها وجود فى الذهنية ‏العربية، لأن الأسماء قد تتغير، ولكن المسميات تبقى كما هى حاضرة وموجودة وقائمة، ‏فالمهم إذن ليس الدولة، في حد ذاتها، ولكنه ما يقع، أو ما يمكن أن داخل هذه الدولة ‏الغريبة والعجيبة من أحداث وممارسات غريبة وعجيبة. ‏

وإذا كانت التسمية غريبة، فإن الأحداث والمواقف والشخصيات والحالات والمواقف هي ‏غريبة هي أيضاً، فالمؤلف يترك للمتفرج حق القراءة الحرة، والقائمة أساسا على الإسقاط، ‏أي إسقاط مكانه على مكان المسرحية، وإسقاط زمانه على زمانها الخاص، وبهذا يصبح ‏الواقع مرآة للمسرحية، وتكون المسرحية مرآة للواقع، وتكون العلاقة بينهما علاقة ‏جدلية. ‏

ومن أمثلة الأمكنة الفنطازية مدينة الزعفران فى مسرحية (حكاية مدينة الزعفران) هذه ‏‏"المدينة" ليست مدينة واحدة بقدر ما هى مدن متعددة وهي دول كثيرة تتمدد على الخريطة ‏‏- السرية للعالم العربى والعالم الثالث حيث (تبرز صورة الحاكم الفرد المتسلطة الذى ‏يمارس علناً الاستئثار بقوت الشعب وبثروته وإمكاناته بالظلم والإرهاب والقمع ومحاولاته ‏الدائمة للتمسك بمنصبه وسلطته ضد كل القوانين والتشريعات والأعراف، ورغم كل النكبات ‏والهزائم ومظاهر التخلف والفساد والخراب) ‏

كل هذا يؤكد الحقيقة التالية: وهى أن السيد حافظ - فى تجريبيته - لم يفقد ارتباطه ‏بالأرض التى يقف عليها، والتي يكتوى بحرها وبردها وتخلفها وانهزامها‎ ‎وعذباتها‎.‎

الشعر : من اللفظ إلى الصورة

أما من حيث اللغة، فهناك هذا التداخل بين النثر والشعر و"البناء الشعرى" عند السيد حافظ ‏لا يقوم على موسيقى اللفظ بقدر ما يقوم على الصورة الفكرية التى تنبعث من البناء ‏اللغوى. الشعر هنا شعر المضمون لا شعر اللفظ، وهو نوع من اللغة يبعث فى النفس ذلك ‏الحنين وتلك الوحشية إلى المثل العليا فى الوطنية وفى الأخلاق وفى الدين، وفى التنظيم ‏التى تبعثها الصور التراثية الشعبية من ملاحم وحواديت ومواويل وأشعار؛ فالمؤلف ‏يستنطق الصور التاريخية والتراثية‎.‎

وهذه الصور، في مسرح السيد حافظ، هى الشعر الحى والمحرك.. إنه "الحواديت" فى ‏أغرابها وأجوائها وعجائبيتها، إنه المواويل فى جرسها وأنفاسها وآلامها وتأوهاتها، إنه ‏الملاحم التى تتداخل فيها الصورة والكلمة والمنفعلة بالحيوية والحركة؛ فالسيد حافظ يفهم ‏الكتابة الدرامية على أنها:

(كل واحد لا يتجزأ. فلا شعر ولا نثر، لأنهما معاً يكونان لحظتين متداخلتين من الوجود. فى ‏البدء يختلفان، ولكنهما فى الأخير تنتهيان إلى شيء واحد. فى العمق لا وجود إلا للشعر، ‏أما فى السطح فهما يختلفان بالتأكيد، وما بعد الاختلاف غير الائتلاف، وما وراء الكثافة ‏غير الشفافية، وما نهاية العلم إلا الشعر، وما خلف الشعر إلا الحكم وهناك - عند نقطة ‏معينة - تكف الأشياء أن تناقض بعضها البعض، لأن الشعور بالوجود يصبح لحظتها ‏مرادفاً للعلم بالوجود وذلك هو الشعر/ العلم، والعلم/ الشعر) ‏

فالسيد حافظ فى تجربته الوجودية كثيراً ما يميل إلى هذه النقطة التى ينتقى فيها التناقض ‏بين الأشياء؛ فيتحول النثر إلى شعر، ويتحول الشعر إلى علم والعلم إلى حكمة، ويصبح في ‏فعل إدراك الناس والأشياء والكلمات والعبارات قائما على العقل والقلب وعلى الروح ‏والوجدان معا، وعلى الحس والتخيل، ولعل هذا هو ما يفسر هذه الحرارة الموجودة فى ‏مسرحه، والتي هى حرارة تنم عن التحام الذات بالموضوع، وتعبر عن انصهاره واندغامخ ‏فيه، وهو بهذا كاتب يكتب عن عالم ينهار، من غير أن ينسى أو يتناسى أنه جزء من هذا ‏العالم الذى ينهار، وبذلك فهو يكتب بقلق وبعنف وبغضب وبحزن وبحس مأساوي، إنه ‏يصرخ بصوت عال، ويفكر بصوت مرتفع، حتى أنه فى بعض الأحيان تختفى الشخصيات ‏كلها، ولا تجد أمامك إلا المؤلف الممتليء غضباً وسخطاً وشاعرية. إن المهم لديه هو أن ‏يكتب، وبحسب كثافة الحالات وتنوعها تتغير كتاباته، فتكون نثراً أو شعراً أو كل هذا داخل ‏العمل المسرحى الواحد؛ ففى مسرحية (علمونا أن نموت فتعلمنا أن نحيا) نجد أن الإشارة ‏الأولى - الفصل الأول - بالفصحى أما بالإشارة الثانية فهى بالعامية. ‏

وفى مسرحية (الحانة الشاحبة تنتظر الطفل العجوز الغاضب) نجد أن مجموعة الرجال ‏تتحدث العامية، أما مجموعة النساء فتتحدث العربية الفصحى، وقد يحدث أن تتحرر اللغة ‏من حدودها فتصبح حديثاً مسرحياً فيه شيء من الفصحى وشيء من الحديث اليومى، ففى ‏الفصحى يرسم المؤلف الحقيقى والتاريخى والنظرى، ما في العامية فيرسم اليومي ‏والواقعي، وبالتأكيد، فإن لغة واحدة، لرسم عالمين اثنين لا تكفي .

فالعامية إذن، في مسرح السيد حافظ، لها دورها، وهي شخصية حقيقية مثل كل ‏الشخصيات الأخرى، وبها يرسم اليومى والحسي والواقعى، وذلك انطلاقاً من الأمثال ‏الشعبية، وانطلاقا من الحكايات ومن الحكم ومن التعابير السائرة ومن ألعاب الأطفال اللفظية ‏من مثل:‏

‏(سلام : شوف يا بنى .. حادى بادى (يشير إليه والى نفسه) كرومب زبادى. بنت العسكر.. ‏راجت تسكر.. مين سكرها.. قمح السكر..)‏

ويبقى أن نشير، فى ختام هذه المقاربة، إلى أن التجريب فى مسرح السيد حافظ هو مجرد ‏مرحلة، ويمكن أن نعتبر مسرحية (حكاية الفلاح عبد المطيع) بداية مرحلة مسرحية جديدة، ‏وهى مرحلة التأسيس التى تأتى عادة بعد فوضى الهدم والتجريب؛ ففى هذه المسرحية ‏يعود السيد حافظ إلى التراث العربى وإلى الوجدان الشعبى، وذلك من أجل صياغة لغة ‏مسرحية أخرى، قديمة وجديدة في نفسي الآن، لغة تملك القدرة على التعبير عن الهم ‏العربى وعن فكره وروحه، هذه المرحلة تحتاج بالتأكيد إلى دراسات مفصلة أكثر.

 

Bottom of Form

 

0 comments:

إرسال تعليق

 
Design by Free WordPress Themes | Bloggerized by Lasantha - Premium Blogger Themes | cheap international voip calls ta3rib : Abed