السبت، 18 سبتمبر 2021

36 مكانة السيد حافظ في التجربة المسرحية العربية بقلم د. ليلى ‏بن عائشة- الجزائر

 

 

دراسات من كتب د. نجاة صادق الجشعمي

(36)

 

مكانة السيد حافظ
في التجربة المسرحية العربية
بقلم د. ليلى
‏بن عائشة- الجزائر

دراسة من كتاب

المسرح التجريبى بين المراوغة واضطراب المعرفة

 

مكانة السيد حافظ
في التجربة المسرحية العربية
بقلم د. ليلى
‏بن عائشة- الجزائر


‏


 

لفترة طويلة من الزمن كان المسرح العربي عموما والمسرح ‏المصري بشكل خاص " حبيس المستوى التقليدي من حيث المسرحيات التقليدية ‏حتى أوائل السبعينات إلى أن ظهرت بوادر طيبة تبشر بمحاولات جديدة للنهوض ‏بالمسرح المصري بعد طول رقاد، فظهر السيد حافظ وأصدر أولى ‏مسرحياته.. "([1])، فقد كانت هناك حقيقة - لا يمكن تجاهلها- في الواقع ‏المسرحي وهي افتقار الساحة الأدبية المسرحية في تلك الفترة إلى كتاب ‏يستطيعون أن يطعّموا الدراما المسرحية بإنتاجات مناسبة تهيئ للمسرح العربي ‏جوا من الإستقلالية وتمنحه مزيدا من الملامح القومية أو الملامح العالمية، فمع ‏صدور مسرحيات "السيد حافظ" كانت هنالك نقلة نوعية جد مهمة لها أثرها ‏البارز في المسرح العربي والتي تعد بحق "…من المعالم البارزة في أدبنا ‏الحديث ذلك أنها تقف وحدها في قمة الريادة في ميدان المسرح التجريبي في ‏الساحة العربية.والسيد حافظ ليس مجرد كاتب مسرحي يحكي لنا حدثا في قالب ‏درامي مسرحي، بل يعتبر بإنتاجه الفكري الناضج خالقا مبدعا له عالمه الخاص ‏وفلسفته وهو يغوص في أعماق النفس الإنسانية محاولا الكشف والوصول إلى ‏أرض المثالية التي فقدناها.. محاولا الكشف عن كل ما يقابله إنسان ذلك العصر ‏من صـراعات مادية ونفسية وحضارية"([2]).

وتتفق الدراسات النقدية الدرامية ‏‏العربية على تميز الإبداع الدرامي لدى "السيد حافظ" وتفرده عن غيره من ‏البناءات الدرامية المعاصرة. ويبدو ذلك جليا في أعماله التي تكشف لنا عن ‏‏" مؤلّف مقتدر، يمتلك أدق الأدوات المسرحية وأكثرها فاعلية في عملية الخلق ‏المسرحي. مؤكد أن هذه الأعمال ستفتح الآفاق المغلقة، لأنها كتابات ‏جادة وجريئة، كتابات لا تقف عند حدود الشائع المعروف ولكنها تتعداه لتصل ‏إلى مشارف كتابة مستقبلية جديدة، وهي تتوسل إلى ذلك من خلال التجريب ‏الواعي والرصين "([3]).

ويعد مسرح "السيد حافظ" مسرحاً ثرياً على المستوى الفني، الفكري، ‏الفلسفي، الاجتماعي، والسياسي، وهو يمثل بحق المسرح الذي يحتاجه إنسان هذا ‏العصر، ذلك أنه "مسرح مليء بلغة التعبير. مسرح يتحدث بلسان الحياة ضد ‏الموت، وقد قام ليتضمن في ثناياه القيم الاجتماعية والثورية ليحملها في ثوب ‏جديد "([4]).‏

إن ما يقدمه "السيد حافظ" من خلال مسرحه يقصد به الكثير، من بين ما ‏يقصده هو أن يستفزنا وأن يحرك فينا ذلك الشعور بالأسف على ما هو قائم في ‏الواقع المعيش، ومحاولة تغييره ومن هنا فهو يبحث عن الإستجابة التي ‏تستدعيها مشاهدة المسرح التجريبي، والتي تتعدى مجرد التعاطف مع الشخصية ‏الممثلة، وتتعدى مجرد البكاء أو الضحك، تبعا للموقف المأساوي أو ‏الكوميدي" إلى إثارة قضية تهم الإنسان ويعاني منها"([5]) ويصبح أثناء ‏مشاهدته للعمل التجريبي المسرحي لا يفرق بين ما يرى وما يعانيه. ومن هنا ‏‏" يرقى المشاهد من رؤية المسرح الهزلي إلى رؤية المسرح الجاد بالرغم مما ‏قد يكون من تجريب في الشكل أو المضمون "([6])..‏

وقد أثارت مسرحيات هذا الكاتب الكثير من المناقشات والمجادلات، لأنه ‏اقتحم من خلالها عوالم كثيرة ومس في كتاباته المفاهيم المستقرة في أذهاننا ‏سواء أكانت فنية أم اجتماعية أو فكرية أو سياسية بصورة قوية مباشرة . ومن ‏هنا كان لابد أن يثير مسرحه عاصفة من الآراء المؤيدة والآراء المعارضة على ‏السواء ، بيد أن جهد هذا الكاتب في حقيقة الأمر هو جهد فيه كثيرا من العمق ‏والأصالة والحضارة، وهذا ما دعا "مازن الماحي" أن يقول عن هذا الكاتب إنه ‏‏"… يؤكد بإنتاجه الفكري المسرحي يوما بعد يوم أنه من أوائل كتاب المسرح ‏العربي بل يعتبر بحق رائد اتجاه جديد في الفكر المسرحي المعاصر"([7])، بل إنه ‏من المجددين في هذا المسرح بما يحمله من حساسية فنية، وتفكير أو فكر ‏عميق ، وفلسفة خاصة  وإيديولوجية إسلامية برزت بشكل كبير في كتاباته ‏المسرحية كمسرحية (ظهور واختفاء أبو ذر الغفاري)، و(حكاية الفلاح عبد ‏المطيع) و(مدينة الزعفران) ومسرحية (علمونا أن نموت وتعلمنا أن نحيا)‏‏.

" وتـدور كتابات هذا المبدع دائما حول الإنسان المعاصر.. الإنسان المطحون ‏بين الأمل والاكتراث لذلك فهو يهتم اهتماما كليا بمشكلة الإنسان المعاصر ‏والضغوط الاجتماعية والسياسية والاقتصادية الملقاة عليه. ويحاول أن يقتحم هذه ‏العوالم في داخل الإنسان"([8])

ويبرز هذا من خلال مسرحياته التي ما فتئ يبذل ‏جهدا لا نظير له في البحث والتنقيب للكشف عن معاناته أكثر فأكثر.‏

إن المسرح التجريبي بالنسبة "للسيد حافظ" ضرورة ملحة ، وهو الملاذ ‏الوحيد الذي يمنح للإنسان فرصة المواجهة مع الذات الواقع ومع الذات المجتمع ‏ومع الذات الإنسان " . المسرح التجريبي ضرورة لأنه يعني هدما وبناءا، تراثا ‏ومستقبلا ورؤى وفكرا وفنا [المسرح التجريبي كما يراه السيد حافظ هو ‏أيضا‎ ] ضرورة لإنقاذ المتفرج العربي المريض فكريا و فنيا ونفسيا"([9])

لقد وجد ‏‏"السيد حافظ" في المسرح التجريبي ما لم يجده في أي لون أدبي آخر، ولم يكتف ‏بالمحاولات التي سبقته في مجال الدراما بل كان يطمح إلى ما هو أفضل وأحسن، إلى مسرح جريء وجاد، لذا فقد كان معتمدا على ‏واقعه ".. ومغامرا جريئا يعطي كل نفسه ويبذل كل طاقاته باحثا في هذا الواقع ‏المتخم بالتكرار عن حياة فريدة وتنفسات جديدة لكن الواقع يرفض المغامرين في ‏زمانهم" ، إلا أن هذا الرفض لم يحل دون مواصلة هذا الكاتب لرسالته مبرزا ‏رؤاه وأفكاره وفلسفته ودون أن يتأثر بالحملة التي شنت ضده من قبل أولئك ‏الذين لم يفقهوا كنه التجارب الجديدة التي جاء بها نظرا لتعصبهم ولضيق ‏نظرتهم، ولتعوّدهم على قوالب جاهزة لا يبغون لها بديلا. " ولا زالت مسرحيات ‏السيد حافظ تتوالى في الظهور تأكيدا لاتجاهه التجريبي الذي يحاول إثباته في ‏المسرح المصري خاصة والمسرح العربي عامة، هذا في الوقت الذي صمت فيه ‏العديد من كتاب المسرح الجادين وغابت فيه العديد من الأقلام الجادة التي ‏أفسحت المجال واسعا للمسرح التجاري "([10])، ولكن وحده رفع شعار التحدي ‏وسار على دربه الذي اختاره دون أن يتأثر بتلك الحملات التي واجهته منذ ‏البداية، لأنها ما كانت لتحد من عزيمته أولتثنيها. فقد تعرض في مسرحه إلى ‏العديد من القضايا منها الاجتماعية والسياسية والاقتصادية والفكرية كما" … ‏أبدى ..موقفه من القضايا الوطنية ودوره فيها، فكان السيد حافظ في مسرحياته ‏الكاشف والمحرض على التغيير والتقدم والرقي … وكانت كتاباته تثبت دوما أنه ‏أحد المناضلين الحقيقيين الذين ساهموا بالكلمة الحقيقية … الكلمة الطلقة وذلك ‏لخدمة القضايا الجماهيرية ورفع المعاناة عن كاهل الشعوب المغلوبة على ‏أمرها "([11]).‏

ويمكننا القول إن "السيد حافظ" يعد الأب الروحي للمسرح التجريبي ‏والطليعي العربي ورائده الذي حمل على عاتقه مهمة الإرتقاء به وإخراجه من ‏الدائرة المغلقة التي كان يدور في ظلها طيلة سنوات عديدة. لقد اضطلع هذا ‏الكاتب بمهمة خطيرة ومهمة في ذات الوقت، وقد تطلب ذلك الكثير من ‏التضحيات والصمود أمام الجمود الفكري لذوي العقول المتحجرة. ولا يزال هذا ‏الكاتب يسير بخطى ثابتة على مساره ودربه الذي رسم حدوده بكل دقة. على ‏الأقل في كتابة السيناريوهات بعد أن أعلن اعتزاله للمسرح عام 1990 ضمن ‏الطبعة الثانية لمسرحيته ) كبرياء التفاهة في بلاد اللامعنى ( وقد جاء في الإعلان ‏على وجه الخصوص مايلي : قررت اعتزال المسرح نادما على أنني أمضيت ‏ثلاثين عاما ممثلا ومخرجا للمسرح في العالم الثالث عامة والوطن العربي خاصة ‏تاركا المسرح لرجال أقدر منّي فنيا وأكبر منّي وظيفيا وألمع منّي إعلاميا" ([12])

وقد اقتفى آثارهذا الكاتب الكثير من تلاميذه الذين حملوا شعارا من أجل ‏مسرح جاد وجريء يخدم الإنسان أينما كان وحيثما وجد، مسرح لا يعترف ‏بحدود المكان والزمان واللغة ، مسرح الإنسان لأجل الإنسان . فما أحوجنا إلى ‏مسرح كهذا وإلى كاتب كهذا الكاتب؛ الذي عانى الكثير من أجل إرساء دعائم ‏مسرح جديد، ولم يتأثر أبدا بتلك المحاولات الفاشلة التي كانت تسعى للحد من ‏نشاطه وتجاربه، لأنه كان يعلم علم اليقين أن " المـؤلف المسرحي التجريبي مثل الجندي في ‏إحدى حروب العصابات، ومهما كانت عقيدة المؤلف السياسية، فإن فنه ليس إلا ‏تعبيرا عن حالة روحية كامنة في وعيه ، وأعتقد [يقول السيد حافظ] أن أبسط ‏مفهوم للكاتب التجريبي في الوطن العربي حالة (الضد) التي تهز المفاهيم ‏العتيقة ليحدث الزلزال الفكري".

وحدوث هذا الزلزال يستلزم كنتيجة حتمية، ‏قيام حملة مضادة، لأن المسـرح التجريبي " يظل إدانة لحالة البلاد الذهنية التي ‏يعيشها المواطن العربي، والتجريبيون هم القائمين على لحظة "تنوير" ‏العـقل" على حد قول "السيد حافظ".

إن الهدف الأساسي للكاتب كما يقول "سعد أردش" " ليس المسرح في حد ‏ذاته، ليس الصيغة الفنية على أي شكل من الأشكال ولكنه الكلمة المضمون، إنه ‏يمتلئ ثم يصبه في قالب فني، ومضامين ذات صبغة إنسانية لا تثير جانبا واحدا ‏من جوانب البناء الإجتماعي، إنك تلمس في العمل الواحد كل ركائز التكوين ‏الإجتماعي : الأخلاق ، الدين ، العلم ، الحضارة ، التاريخ ، التراث ، في إطار ‏الفكر السياسي والإقتصادي والعسكري".‏

وختاما فإن المتأمل لأعمال "السيد حافظ" المسرحية يجدها كما يقر ، الكاتب ‏‏"عبد الكـريم برشيد" .. تحدق في الناس والأشياء بعينين : العين الأولى ‏عربيـة وهي مفتوحة على الـ" نـحن"و" الآن " والـ " هنا " أما الثانية فهي ‏غربية مفتوحة على المسرح الأوربي كتجارب جريئة وجديدة ومدهشة. هذا ‏الازدواج في الرؤية والتعبير هو ما حرر مسرحه من التبعية للمسرح التجريبي ‏الغربي ، إنه لم يسقط في اللامعقول أو العبث لأنه اكتفى بمحاورة الشكل العبثي ‏من غير أن يغوص في مضمونه الفكري، وهو مضمون وجودي محض… - حتى ‏هلوساته المحمومة وتحليقاته - لا يفقد الصلة بالأرض التي يقف عليها ، ولا ‏ينسى المكان والزمان والناس والقضايا، إنه يبتعد - شكليا ليقترب مضمونيا ‏‏. فقد نجد أن مسرحياته بعيدة عن جزئيات الواقع ، ولكنها قريبة من روح هذا ‏الواقع ، قريبة منه لحد الإنصهار فيه".

تلك هي ميزة أعمال "السيد حافظ" ‏على وجه العموم والتي تعطيها سمة الاستقلالية والتفرد والتميز عن غيرها من ‏الأعمال .

 




([1]) السيد حافظ وإشكالية التأصيل في المسرح العربي : صليحة ‏حسيني.ص .40.‏

([2]) الشخصيات التراثية في مسرح السيد حافظ : سميرة أوبلهى.ص. ‏‏32.

([3]) جزء من رسالة بعث بها عبد الكريم برشيد إلى السيد حافظ وردت ‏في الغلاف الأخير للكتاب المتضمن لمسرحية حكاية الفلاح عبد المطيع للسيد ‏حافظ.

([4]) كبرياء التفاهة في بلاد اللامعنى: السيد الهبيان. جريدة السياسة  الملحق 28/4/1984.‏

([5]) مر.ن.ص.ن.‏

([6]) الوعي السياسي في مسرح السيد حافظ : مازن الماحي مقال ورد ‏في كتاب الأشجار تنحني أحيانا: السيد حافظ.ص .302.‏

([7]) مر.ن.ص.ص.304/303.‏

([8]) السيد حافظ وإشكالية التأصيل في المسرح العربي :صليحة حسيني ‏‏.ص40..

([9]) مر.ن.ص.26.

([10]) الفلاح المصري في مسرح السيد حافظ: خديجة ‏فلاح. ص.38

([11]) مر.ن.ص.39 .

([12]) كبرياء التفاهة في بلاد اللامعنى: السيد ‏حافظ.‏

0 comments:

إرسال تعليق

 
Design by Free WordPress Themes | Bloggerized by Lasantha - Premium Blogger Themes | cheap international voip calls ta3rib : Abed